فكر

أبرز أفكار دعوات الإصلاح خارج المرجعية الإسلامية

التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام (7-7)

تدرجت أفكار الإصلاح المشبوه خارج المرجعية الإسلامية في الظهور، وأخذت فترة من الزمن قبل أن تسفر عن وجهها الحقيقي، ولم تصل إلى مرحلة العداء السافر إلا بعد أن ترسخت سيطرة الاستعمار الاوربي على العالم الإسلامي، ونجحت سياساته التعليمية والثقافية في إحداث تغيير كبير في عقليات النخبة، والتي حملت بدورها لواء الدعوة إلى الإصلاح المتفلت من المرجعية الإسلامية بعد أن خلت لها – أو كادت – الأجواء من أي عوائق او مقاومة حقيقية منظمة بمستوى التحدي.

أما أبرز أفكار دعوات الإصلاح خارج المرجعية الإسلامية (دون ترتيب زمني لظهورها) فتتمثل إجمالا فيما يلي:(1)

1- تبني أفكار ونظريات مادية مثل نظريات وآراء مفكرين غربيين مثل داروين، وماركس، ودوركايم، وفرويد، ومرجليوث في تفسير نشوء والحياة وظهور الإنسان على الأرض، وتفسير أحداث التاريخ والتطورات الاجتماعية، وظهور الافكار والمعتقدات.. وقد رافق ذلك بالضرورة التشكيك بالعقيدة الإسلامية، وإنكار الغيب بوصفه خرافات، والترويج لعدم صلاحية مباديء الإسلام لروح العصر الحديث وتناقضها مع التطورات والاكتشافات العلمية الحديثة.

2- الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة والحياة، وحصره في دور العبادة والأمور الشخصية على الطريقة المسيحية، والدعوة إلى اتباع الغرب المستعمر والتآلف معه في خيره وشره للانعتاق من حالة التخلف والفقر والجهل، والاستفادة من منجزات حضارته وتقدمه العلمي.

3- الترويج لفكرة بشرية القرآن الكريم، والتشكيك بصحة السنة النبوية وتناقضها مع العلم الحديث، والترويج لعدم صلاحية التشريعات القانونية الإسلامية وقسوتها وعدم إنسانيتها، وعدم توافقها مع تطورات الحياة الحديثة.

4- السخرية من قوانين الأحوال الشخصية الإسلامية، والدعوة إلى تغييرها واستبدالها بالقوانين الاجتماعية الأوربية، وتبني دعوة شاذة لتحرير المرأة وفق مفاهيم غربية ولا دينية علمانية من نبذ الحجاب، وإباحة الاختلاط بين النساء والرجال في كل المناشط على الطريقة الأوربية، ورفض مراعاة الفوارق الطبيعية بين الأنثى والذكر، والدعوة لإباحة زواج المسلمة من غير المسلم، والتهوين من تحريم العلاقات غير الشرعية بوصفها حريات شخصية.

5- تسفيه الثقافة العربية الإسلامية دون تمييز، والسخرية من اللغة العربية الفصحى بوصفها متخلفة عن روح العصر وغير قادرة على تلبية حاجات التطور الحديث، وتشويه منظومة الأخلاق والتقاليد والعادات الإسلامية دون تمييز بين الصالح الأصيل والفاسد الدخيل.

6- الدعوة إلى تبني اللهجات المحلية، وإحلالها محل اللغة العربية الفصحى لإنهاء حالة الانفصام المزعومة بين الفصحى والعامية، بدعوى أنها معقدة وأن العامة غير قادرين على الفهم والتعلم بواسطتها، ولأنها غير قادرة على مجاراة العصر والتطورات العلمية.

7- تشويه التاريخ الإسلامي والفتوحات الإسلامية: أحداثه ورجاله ورموزه، وإغفال إيجابياته وإشراقاته الإنسانية، وإنجازاته العظيمة التي قدمها للبشرية، وتقديمه للناشئة على أنه تاريخ من الحروب الدموية لفرض اعتناق الدين الإسلامي بالقوة والسيف، ومليء بالغدر والخيانات، والممارسات الأخلاقية المنحطة، والمظالم بحق الأمم الأخرى، ولا يختلف عن غيره من تواريخ الأمم الأخرى ظلما وإجراما وفسادا.

8- الترويج لفكرة أن الإسلام لم يعرف إصلاحا وتجديدا، وأنه بحاجة لإصلاح ديني جذري وفي الأصول قبل الفروع، وعلى طريقة ما جرى في المسيحية واليهودية؛ لإنقاذه من حالة التوحش والتطرف الدموي الذي اتسم به المسلمون.

9- اتهام الإسلام بمعاداة العقل، والروح الإنسانية، والعلوم الحديثة، والتفكير العلمي.

10- الدعوة لتطوير الخطاب الديني الإسلامي – دونا عن بقية الأديان!- بدعوى أنه يعادي الآخر الديني، ويرفض التسامح مع الأديان الأخرى، ويهمل الواقع، وتخلف عن العصر ومنجزاته، ويغرق في شؤون الغيب.

11- الترويج للهويات الإقليمية المندثرة كالفرعونية، والأشورية، والحميرية، والفينيقية كبديل عن الهوبية الإسلامية العربية الجامعة، والترويج لفكرة قومية عربية علمانية لا علاقة لها بالإسلام.

12- الإشادة بالفرق والاتجاهات العقائدية المنحرفة القديمة مثل الباطنية، والقرامطة، والشعوبية، وتمجيد رموزها بوصفهم رموزا للعدل والحرية والمساواة في مواجهة التعصب والظلم والاستبداد العربي.

13- تمجيد الفكر اليوناني والروماني القديم ورموزه، ونشر أفكارهم وتعليمها في مراحل الدراسة العامة والجامعية في مقابل إغفال الفكر الإسلامي والعربي والاستهانة به وبرموزه.

أساليب ووسائل:

وكما سلف فقد شملت دعاوى الإصلاح المتفلتة من المرجعية الإسلامية كل جوانب الحياة في المجتمعات الإسلامية من الدين إلى التشريعات والقوانين، ومن اللغة والتعليم إلى خصوصيات المرأة ولباسها وحجابها وحتى غطاء الرأس لدى الرجال في بعض الحالات، وقوانين الأسرة ومسائل الزواج والطلاق والمواريث.. إلا شيئا واحدا ظل وما يزال بعيدا عن اهتمام دعاوى الإصلاح على الطريقة الاستعمارية رغم أنه هو الإصلاح الأكثر أهمية في تاريخ أوربا نفسها ألا وهو: الإصلاح السياسي الذي كان يعني منح الشعوب حريتها في إدارة شؤون حياتها، وإنهاء حالة الاستبداد المحلي والسيطرة الأجنبية. وقد اتخذت لذلك إستراتيجية عامة في تنفيذ مخططاتها، ووفقا للوضع المحلي لكل بلد، وتراوحت بين الشدة والتحايل والدهاء:(2)

1- بسط هيمنتها الدينية والثقافية والفكرية – استفادة من فشلها في مرحلة الحروب الصليبية التي اقتصرت على الحل العسكري- من خلال إحلال قيمها ومناهجها في التفكير والعمل، وتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية والثقافية، وأساليب الحياة المعيشية اليومية في المجتمعات الإسلامية، مما يصنع تناقضا وجوديا بينها وبين التصورات والمناهج الإسلامية.(3)

2- دعم وتشجيع دعوات الإصلاح المشبوهة التي ظهرت – وما تزال تظهر حتى الآن- هنا وهناك بأسماء وشعارات مختلفة لكن بمضمون واحد، ويتبناها أفراد وجماعات تحمل أسماء إسلامية وعربية، وإبراز رموزها في المحافل الدولية، وتسليط أضواء الإعلام عليهم، وتقديمهم لناشئة بأنهم القدوة العصرية المتنورة.

وتتبدى خطورة ظاهرة الدعوة إلى إصلاح الإسلام في هذا العصر على الطريقة المسيحية واليهودية، ووفق أجندة الدول الاستعمارية، وعلى هوى المنظمات الدولية؛ في أنها اعتمدت وما تزال تعتمد على وسائل غير عادية مكرا وخبثا في تمرير أجندتها، وتحقيق أهدافها، وفرض دعاوى الإصلاح الديني المشبوهة بالقوة واستغلال النفوذ السياسي في كل المجالات، ومن تلك الأساليب والوسائل مثلا:

1- في الجانب السياسي:

– استغلال الدول الاستعمارية للأوضاع السياسية غير الطبيعية في العالم الإسلامي، من خلال العمل على توسيع فجوة عدم الثقة والعداء بين الأنظمة والشعوب، والاستفادة من حاجة الحكام المستبدين للدعم في مواجهة شعوبهم التواقة للحرية والديمقراطية والعدل والمساواة. ودعم الحاكم الطغاة وأنظمتهم الديكتاتورية طالما أنها تخدم مخططات الاستعمار.

– ربط الأنظمة في العالم العربي الإسلامي سياسيا واقتصاديا وعسكريا بالغرب الاستعماري بالاحتلال أو الانتداب أو فرض الحماية، واستلاب القرار المستقل لها.

– تأسيس أحزاب سياسية تتبنى نظريات سياسية متطرفة في تناقضها مع الهوية الإسلامية ومتماهية مع المشروع الغربي مما أثار خلافات طاحنة في المجتمعات الإسلامية عمقت حالة الانقسام والضعف السياسي.

– محاربة أي توجه إسلامي جماعي منظم يعمل على إعادة بعث مشروع إسلامي شامل لكل جوانب الحياة؛ وخاصة إحياء البعد السياسي الإسلامي في شؤون الحكم والقانون والاقتصاد.

– تنفير الناس من الرابطة الإسلامية والانتماء للعروبة المعتزة بإسلامها، والترويج للانتماءات القومية العلمانية المعادية للإسلام، وإحياء النعرات القديمة والرموز الدينية الوثنية القديمة المرتبطة بها مثل الفرعونية والأشورية والحميرية والفينيقية في الأدب وفي الخطاب السياسي.

–  دعم الأقليات الجهوية واللغوية والدينية والأثنية، وإعادة بعث هوياتها الخاصة، واستخدامها أحصنة طروادة لاختراق المجتمعات العربية والإسلامية، وتفتيت وحدتها السياسية.

– زرع الكيان الصهيوني اليهودي في قلب الوطن العربي بكل ما يمثله من خطر على العروبة والإسلام.

2- في الجانب الفكري والاجتماعي والثقافي:

– دعم لوبيات وتوجهات عامة وفردية متمردة على المرجعية الإسلامية، وإنشاء جمعيات علمية وثقافية وتربوية، وتأسيس كليات ومدارس بإشراف الإرساليات المسيحية التنصيرية، وإصدار مجلات وصحف للترويج للثقافة الأوربية المادية العلمانية، وتأسيس منظمات محلية باسم الدفاع عن الحقوق والحريات، لتبني مشاريع الإصلاح الديني المزعوم، والدفع بها لتصدر المشهد السياسي والفكري والثقافي والحقوقي، وربطهم بالمؤسسات الغربية تحت ستار التعاون الأكاديمي والإنساني.

– استبدال القوانين الإسلامية بقوانين غربية، وفي حالة وجودها يتم تفريغها من مضمونها وتطبيقها تطبيقا سيئا لتنفير الناس منها، والعبث بالتقاليد والعادات الإسلامية دون تمييز بين الصحيح من الخاطيء، وإضعاف القيم الإسلامية مقابل تمجيد القيم الغربية المسيحية.

–  علمنة وتغريب مناهج مؤسسات التعليم والتربية، والفكر والفن، والتوجيه والإعلام، والثقافة وعلوم الاجتماع، وتربية أجيال متشبعة  بثقافة الغرب وآدابه وأفكاره صاروا هم قادة الدولة والمجتمع، وتهميش الثقافة الإسلامية وحصرها في دائرة محدودة بلا أي تأثير حقيقي، ووصمها بأنها من الماضي الذي ولى ولم يعد لها دور في الثقافة العصرية العقلية، والحكم على المفاهيم الإسلامية العقائدية كالألوهية والغيب وأخبار الأنبياء بأنها أساطير وتوظيفات سياسية للمشروع السياسي للإسلام ونبيه (صلى الله عليه وسلم)، وفي بعض البلدان تم فرض أحادية فكرية علمانية معادية للإسلام مدعومة بالحديد والنار.

– تزييف التاريخ الإسلامي وتشويه شخصياته الكبرى، وتوجيه الجامعات ومؤسسات البحث العلمي بما يخدم فكرة توهين الإسلام: دينا ودنيا، وحضارة وعلوما، والتشكيك في الحضارة الإسلامية وتجريدها من كل خير، وتصوير التاريخ الإسلامي بصورة بشعة منفرة. واستخدام المستشرقين في توجيه وتنفيذ هذه العمليات لخدمة أهداف المستعمر.

– الترويج لأنواع متنوعة من صور (الإسلام): مثل إسلام عصري يتفلت من أساسيات الدين بدعوى ضرورة التوافق مع تحديات العصر ومتطلبات التقدم والتطور، وإسلام صوفي روحي سلبي منعزل عن شواغل الحياة العامة وحاجات البشر، وإسلام رسمي مرتبط بالأنظمة لتبرير أفعالها مهما تكن مخالفاتها لأصول الإسلام، وإسلام منحرف عن أصول الدين المعروفة كالقاديانية والبهائية.

– نشر الكتب والدراسات، وإقامة المؤتمرات والندوات في أمور الدين وتفسير القرآن على يد موالين للغرب من أبناء المسلمين للعمل على توهين الثقة بالإسلام وبمبادئه ومساواته بالمسيحية واليهودية المحرفتين.

– غرس المفاهيم الغربية التربوية والسلوكية والشخصية في المجتمعات العربية والإسلامية، وصبغ العقلية والنفسية الإسلامية بها، وتصيير الحياة الغربية والإنسان الغربي الأنموذج للإنسان المتطور الذي يجب الاقتداء به وتقليده في كل شيء.

نماذج من دعوات الإصلاح خارج إطار المرجعية الإسلامية:

دعاوى الإصلاح الاستعمارية تلك بدأت مع وصول أولى موجات الغزو الغربي في 1989 مع حملة الاحتلال الفرنسي على مصر، ورغم أنها وجدت من الطلائع الوطنية ردود فعل رافضة لاتجاهاتها الخبيثة، ولم يتردد أحرار المسلمين الرافضين للهيمنة المسيحية من مقاومتها بحسب الظروف التي كانوا يعيشون فيها، وتفاوتت مواقفهم ومبادراتهم ما بين دعوة لإصلاح سياسي إلى إصلاح ديني أو اجتماعي أو تعليمي وثقافي.. لكن للأسف الشديد لم يكن لتلك الدعوات أن تؤتي ثمراتها كاملة في ظل الفساد السياسي الذي كان يمثله الوجود الاستعماري ثم في ظل الاستبداد المحلي المتحالف معه والذي نجح في تمهيد الطريق لنجاح عملية التغريب بحسن نية أو بسوء نية، فظهرت دعوات مشبوهة إلى إصلاح المجتمعات الإسلامية كان أبرز معالمها أنها تتجافى عن روح الإسلام وتعاديه، أو على الأقل تتجاهله وتحصره في دائرة من الممارسات منبثة الصلة بالحياة العامة، وتحجم الثقافة الإسلامية لصالح الثقافة الغربية المادية:

ومن أمثلة تلك الدعوات المشبوهة وما تناسل منها والتي كان لها تأثير خطير:(4)

1- على المستوى العام:

أ- كان للوالي محمد علي باشا دور التأسيس لعمليات الانحراف عن المسار الإسلامي رغم أنه جاء إلى السلطة في مصر بسبب دعم علماء الأزهر الذي ظنوه الشخصية المناسبة لفترة ما بعد الاحتلال الفرنسي؛ لكن الرجل قلب ظهر المجن للعلماء والأزهر وشن حملة تصفية دموية لكل من سانده في الوصول إلى السلطة، وبدأ مشروع علمنة مصر بتغيير طبيعة التعليم وصبغه بصبغة علمانية تفصله عن الدين وتجعل الدين غريبا عليه، وتجعله مصدرا للنخبة الحاكمة المؤثرة في المجتمع.(5)

ب- حركة القوميين العلمانيين الأتراك التي توجت بإقامة نظام العلمانية الأتاتوركية الذي أطاح بأساسيات الإسلام في تركيا عرض الحائط، وقطع الصلات الحضارية بين تركيا والأمتين العربية والإسلامية، وتحول إلى عدو للأمة الإسلامية والأمة العربية وحليف للعدو الحضاري الصليبي والصهيوني.

ج – دعم وصول واستيلاء زعامات علمانية إلى السلطة في ظل الاستعمار أو في مرحلة ما بعد الاستعمار معادية للمشروع الإسلامي، متحالفة مع دول الاستعمار، وتستمد منه مشروعيتها وأسباب بقائها، ومن أخطر الأمثلة على ذلك:

– حركة الحبيب بورقيبة الذي فرض تجربة علمانية في تونس وإن كانت أقل جموحا من الأتاتوريكية؛ إلا أنها كانت الأسوأ عربيا في مجاهرتها في دعوى الإصلاح الديني المشبوه وخاصة في مجال المرأة والأسرة، والهيمنة على الشأن الديني والتلاعب بأمور العبادات وإخضاعها للأوامر الحكومية بما يقوي قبضة الديكتاتورية السياسية والأحادية الفكرية!

د – تأسست عدة أنظمة يسارية شيوعية وقومية متطرفة في علمانيتها وفي عدائها للإسلام وللهوية الإسلامية، وتحقير التدين والمتدينين، ومحاربة مظاهر الإسلام العامة، ومسخ الشخصية الإسلامية المتميزة، كما أقدمت على إحداث تغييرات وتبديلات في شؤون إسلامية أساسية باسم الإصلاح الديني ولكن من منطلقات يسارية وعلمانية متوافقة مع تيارات عداء الدين الأوربية، وحصر التدين في مجالات هامشية من حياة الإنسان، ومحاربة أي توجه إسلامي يعمل على بلورة مشروع حضاري إسلامي شامل.

ه- ظهور دعوات مشبوهة باسم إصلاح الدين مثل البهائية والقاديانية والبابية.

2- على مستوى الجهود الفردية:

ظهرت دعوات فردية ترفع شعارات إصلاح الدين والمجتمعات الإسلامية وانتشالها من حالة التخلف والجهل؛ لكن هذه الدعوات اتخذت طريقة الإصلاح اليهودي الهسكالاه في أفكارها وأساليبها، وجنحت بدعم من الدوائر الاستعمارية السياسية والثقافية والتعليمية إلى الترويج لأفكار تتصادم مع الإسلام وأصوله وحقائقه، وانخرط  فيها – في البدء- شخصيات سياسية وفكرية وثقافية نادت بأن الإصلاح الحقيقي لن يكون إلا بالاندماج في الحضارة الأوربية دون تمييز، والتخلي عن الثقافة الإسلامية التي لم تعد نافعة ولا ينفع معها الإصلاحات والترقيع!

ومن نافلة القول إن مسيرة هذا الإصلاح المشبوه ما تزال مستمرة وبأقوى لهجة وأكثرها جراءة، وخاصة في الألفية الميلادية الثالثة مع دخول الغرب المسيحي/ العلماني/ الرأسمالي بقوة ووضوح في دعم هذه الدعوات المشبوهة، وازدياد ارتباط كثير من الحكام بالمنظومة الغربية السياسية والاقتصادية، واستسلامهم لها التماسا لدعمهم لبقائهم في السلطة غصبا عن إرادة الشعوب، وتوفر وسائل اتصال عالمية وأكثر سهولة في مخاطبة الناس.

تقييم لدعوات الإصلاح خارج المرجعية الإسلامية

رغم المقاومة الإسلامية إلا أنها فشلت في معظم الحالات في صد الغزو الفكري الغربي صدا كاملا؛ كما فشلت في مواجهتها العسكرية بسبب التفوق المادي الاستعماري وبسبب ما كان يعانيه المسلمون من حالة التدهور المادي والتخلف الفكري عن روح الإسلام ذاته ومبادئه وأصوله ورسالته الحضارية، وأدى ذلك الفشل إلى نتائج مؤلمة ذات أثر سيء وسلبي على المجتمعات الإسلامية:

1- لم تنجح دعوات الإصلاح من خارج المرجعية الإسلامية في تحقيق أهدافها بصورة فورية؛ فقد كانت حقيقتها مفضوحة في مرحلة الاستعمار الأولى، ولاقت مقاومة فكرية شرسة بالنظر إلى أن حفظ الله تعالى للقرآن الكريم وسنة النبي الكريم جعل انكشاف حقيقة تلك الدعوات أمرا ممكنا، كما أن الشخصية الإسلامية لم تكن يومها قد تعرضت لعمليات المسخ الفكري والثقافي والأخلاقي التي عممها الاستعمار بالقوة وبالدهاء.

2- نجحت المخططات الاستعمارية في السيطرة على مفاتيح بناء الشخصية في أي مجتمع وخاصة مؤسسات التعليم والثقافة والفكر ورموزه المؤثرة في سبيل تغيير العقلية المسلمة ومسخ الشخصية المسلمة المتميزة وجعلها أكثر قابلية وولاء وطواعية للاستعمار الغربي وثقافته وفكره وأخلاقياته، وتحويل المؤسسات الدينية ورموزها العلمية – إلا القليل منها- إلى مؤسسات وظيفية تعمل لخدمة السلطان وتبرير سياساته وخضوعه للاستعمار الغربي بعد أن كانت رأس حربة في الجهاد ومقاومة المحتل وقيادة المجتمعات.

3- على الرغم من رحيل جيوش الاستعمار الغربي عن معظم بلدان العالم الإسلامي، وبداية ما وصف بعصر الاستقلال الوطني؛ إلا أن مخططات الغرب الصليبي في السيطرة والهيمنة استمرت تؤدي دورها في تحقيق أهداف المستعمر من خلال المؤسسات والوسائل التي زرعها ووطد فعاليتها وخاصة أنه نجح في أن ينشئ أجيالا تتبنى مفاهيمه الحضارية والفكرية بأشد ما يكون التبني مؤمنة أن الصواب وأن ما يناقضه ويرفضه هو الخطأ والتخلف!

4- نجحت دعوات الإصلاح المشبوهة في تحقيق عدد من أهدافها بعضها بشكل كامل وبعضها بشكل جزئي، وأحدثت تأثيرات سلبية خطيرة في العقول والمشاعر والأخلاقيات، وقد ساعدها على ذلك من جهة هيمنة السلطات الاستعمارية في معظم العالم الإسلامي على مجالات التربية والتعليم، والقانون، والمؤسسات الجامعية والبحثية.. ومن جهة أخرى ضعف المؤسسات الإسلامية وتقليديتها، وضعف دورها العلمي والدعوي في المجتمعات الإسلامية، وحالة التخلف الحضاري المريع التي كان عليها العالم الإسلامي.

5- كشفت دعوات الإصلاح المشبوه عن حقيقة أن دول الحضارة المسيحية الغربية التي استعمرت معظم العالم خارج أوربا لم تكن تؤمن حقا بتحقيق كثير من أهدافها المعلنة في إنقاذ الشعوب المتخلفة من الجهل والتخلف والفقر، ولا تهتم بنشر وتجسيد شعاراتها الكبرى مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لأنها مجرد بضاعة خاصة بمحيطها الجغرافي والديني وليس لفائدة البشرية جمعاء، والسبب بديهي وهو كونها ذات مشاريع استعمارية إمبريالية لنهب ثروات الشعوب من المواد الأولية رخيصة الثمن، وضمان بقاء أسواق المستعمرات مفتوحة لتصريف منتجاتها، وكل ذلك لا يتفق مع تجسيد شعاراتها عن الحرية والعدل والمساواة.. فلا حرية ولا ديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا تنمية حقيقية مع الاستعمار!

6- كشفت دعوات الإصلاح حقيقة أن الدول الاستعمارية رغم علمانيتها المزعومة إلا أنها ظلت حريصة على تشجيع حملات التنصير في العالم الإسلامي ودعمها، وتسهيل تحركاتها وتوفير الحماية لها.

الهوامش:

  1. واقعنا المعاصر، محمد قطب ص195+ الفكر الإسلامي الحديث محمد البهي+جيل العمالقة، أنور الجندي.
  2. الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص23+ جيل العمالقة والقمم الشامخة في ضوء الإسلام، أنور الجندي، دار الاعتصام+ ألبرت حوراني، مصدر سابق.
  3. فصل/ ملاحظات منهجية حول موضوع التجديد في الفقه الإسلامي، د. طارق البشري، ص48، الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، مصدر سابق.
  4. الفكر الإسلامي الحديث، محمد البهي، واقعنا المعاصر، محمد قطب.
  5. واقعنا المعاصر، محمد قطب، ص 205.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى