أشتات

أوكرانيا وقشرة الحضارة

جمعني قبل سنتين حوار مع نشطاء في المراكز الإسلامية بأوروبا، وكنتُ أسألهم عن الأساس المتين لحقوق المسلم في الغرب، فوجدتُ الكثير منهم يتحدث عن بنية حقوقية راسخة لا تزعزعها عواصف اليمين المتطرف، وأكدوا أنَّ زوبعة اليمين الأوروبي، نغمة نشاز في السِّياق الغربي الذي استقر على القبول بالآخر والتعايش معه، واحترام التنوع الديني والعرقي!

فطفقت أشرح لهم أن حقوق الإنسان مالم تصدر عن مرجعية “ما ورائية” من خارج الإنسان، فهي عرضة للتذبذب وفق أهواء البشر، ومالم يسيجها إيمان بالمعاد الأخروي، فالتنصل منها سهل، بحجة المصالح، باختصار: مالم يوجد إيمان بالله واليوم الآخر، فلا أساس متين لأية حقوق.

وظللت أؤكد لهم أنَّ الحضارة الغربية قد أزاحت الله عن الحياة (فليس في نظامها الفكري موضع لله في الحقيقة، ولا تعرف له فائدة، ولا تشعر بحاجة إليه) كما رصد ذلك الفيلسوف النمساوي محمد أسد(1) . وهي فعلت ذلك بحجة إعادة الاعتبار للإنسان الذي أهدرت كرامته الكنيسة وطوعته لأهوائها وأهواء المستبدين. ولكن النتيجة أن الانزياح ضرب الإنسان في الأخير لصالح المادة، فصارت هي المعيار الأوحد لمنظومة الحضارة المعاصرة.

هذه السطور ليست نظرة عجلى، بل هي نتائج توصل إليها باحثون ومفكرون كبار سبروا غور الحضارة الغربية في المنظور والتطبيق، أمثال المسيري وبيجوفيتش وجارودي وتشومسكي وفوكو وباومان على تنوع الرؤى التي طرحوها، إلا أن النتيجة واحدة، أن الإنسان أكثر الخاسرين في هذه الحضارة.

ولكن الغرب وإعلامه الذكي يجيد اللعب على أوتار الإنسانية، ويدغدغ مشاعر العالم بها، ويقدم نفسه باعتباره الملهم الأول للحركة الإنسانية، ونموذجه هو المثال ونهاية التاريخ!

ثم بينتُ لهم أنَّ الوجود الإسلامي في الغرب إذا تصاعد ووصل إلى درجة تهديد الهوية الغربية المسيحية العلمانية، فإن محاكم التفتيش ستعود بقرار، كما ذهبت بقرار.

فهال بعضهم ما سمع، وعدوا ذلك ضربًا من النظرة التشاؤمية والانفعال غير المبرر! فقلت لهم: ماذا لو أقدم اليمين المتطرف في فرنسا -مثلًا- على إيقاد هولوكست جديد يستهدف الوجود الإسلامي المتنامي في فرنسا؟ ما هي الضمانة الحقيقية لعدم حدوث ذلك؟ هل صحائف الحقوق المدونة في الدستور؟ وليست أكثر من أوراق كتبتها الأغلبية، ومن حقها أن تفسرها أو تعدلها كما شاءت. هل الخوف من عقاب الرب؟ وهو رب -في المنظور الصليبي – يدعو لتطهير الأرض من الهراطقة، حرقا وتقتيلاً. هل الرأي العام الغربي؟ وهو رأي عام لم ينفع اليهود والغجر والبولنديين، حين وضعتهم النازية في معتقلاتها. لست أدعوا للتشاؤم، ولكنني وبعد تأمل طويل لم أعثر على ضمانة حقيقية يمكن أن أطمئن إليها، سوى نشوء قوة إسلامية مركزية تحمي الوجود الإسلامي في الغرب عند الضرورة.

صحيح أنَّ الوجود الإسلامي في الغرب هامشي وغير مؤثر، ولا يشكل قلقًا في المدى المنظور على الهوية الغربية، ولكن الغرب يشعر بغضب شديد جراء فشله في تذويب الوجود الإسلامي في هويته العلمانية، وهو الذي هضم كل الوافدين إليه من بقية شعوب الدنيا!

والذين يتحدثون عن تشكيل لوبيات إسلامية تماثل اللوبيات اليهودية، يتجاهلون أنَّ اللوبي اليهودي تماهى في الهوية الغربية، وامتثل لخدمة المشروع الغربي، وجعل من اليهود قاعدة من قواعد الغرب المبثوثة في العالم، ورغم كل تلك التنازلات، لا يزال عرق معاداة السامية ينبض في قلوب اليمين المسيحي في الغرب!

صحيح أن الكيانات والمؤسسات الإسلامية في الغرب أوصلت الصوت الإسلامي، وخففت من تأثير الإسلاموفوبيا المتصاعدة، ولكنها لن تستطيع مبارحة هذا المربع في المدافعة، لطبيعة الإسلام الذي تحمله، ولطبيعة العقل الغربي الذي لا يتقبل الآخر إلا تابعًا كما رصد ذلك “ميشل فوكو” حين أكد أنَّ (السمة المميزة للمجتمع الغربي ليست “العقلانية” أو تحققها فيه، بل إنكاره لكل ما لا يخضع له، أو يخرج عن نظامه الخاص)(2) .

أضع هذه التساؤلات في وقت كشفت فيه أزمة أوكرانيا عن القشرة الرقيقة التي يتدثر بها الغرب، مخفيًا سوءاته، فقد تبخرت شعارات كثيرة مثل: الرياضة للجميع، ولا سياسة في الرياضة، المنظمات الدولية ملك للإنسان كل الإنسان، المنظمات الإنسانية بعيدة عن التحيز، القانون الدولي فوق الجميع، حقوق الحيوان لا تمييز فيها.

والنتيجة أن النظام الدولي بقيادة أمريكا وتوابعها في أوروبا الغربية، قد كشر عن أنيابه بفجاجة شديدة، فقد تكشّف لنا أن كل هذه المنظمات الدولية عبارة عن أدوات سياسية بيد الغرب لا أكثر ولا أقل، وأن عضوية بقية العالم لا تعدو أن تكون عضوية شرفية لمنح الغرب التحرك بهدوء وسلاسة، لتمرير مصالحه وأطماعه تحت ستارها.

ماذا يعني أن تُطرد روسيا لأنها اعتدت على دولة عضو في الأمم المتحدة من جميع تلك المنضمات، حتى وصل بهم الحال إلى طرد القطط الروسية من المنظمات الخاصة بالقطط!

في حين دمرت روسيا دولة سوريا وشردت قرابة نصف الشعب السوري، ولم يتحدث أحد! وقبل روسيا أمريكا التي أحالت بلد الحضارات العريقة(العراق) إلى كومة خراب، وجعلت منه أنموذجًا في الديموقراطية التي بشَّرَ بها(بريمر). وعشرات المظالم التي تقوم بها الدول، لا تتحرك لها المنظمات الدولية، إلا إذا تعرضت مصالح الغرب للضرر.

ثم تساءلت: إذا كان هذا التنمر الغربي على روسيا، فكيف سيكون حجم الجنون الغربي على العرب لو قرروا إيقاف العدوان الإسرائيلي على شعب فلسطين الصابر؟! وسأترك الجواب لخيال القارئ.

جذور العنصرية الغربية:

لقد اندهش الذين تحدثت إليهم، كما اندهش الشباب اليوم إزاء سيل التصريحات العنصرية التي صدرت من مستويات مختلفة إزاء اللاجئين الأوكران ومقارنتهم باللاجئين العرب، من مثل تصريح -رئيس الوزراء البلغاري الذي قال: (هؤلاء ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم، إنهم أوربيون وأذكياء ومتعلمون وبعضهم مبرمجون لتكنولوجيا المعلومات، هذه ليست موجة اللاجئين المعتادة للأشخاص الذين ليس لديهم ماضٍ مجهول، ولا يوجد بلد أوربي يخاف عليهم. أنا لست مندهشًا، أنا غاضب فقط). وقد وقف العديد على تصريحات عديدة لمسؤولين وصحفيين تحتفي بالعيون الزرق الأوكرانية.

ولم يفطن الشباب إلى أن العنصرية الغربية متجذرة في نفوس الغرب مذ احتكروا البارود، وتفوقوا تقنيًا، أما قبل تفوقهم الأخير فلم (يكن لمفهوم العرق — بوصفه طريقة لتقسيم شعوب العالم وتصنيفها — وجودٌ في أوروبا)(3) . غير أن نشوة التفوق التقني والانتصار العسكري على الأمم، قد نفخ في روع الشعوب الأوروبية ادعاء التفوق العرقي على بقية الأمم.

وكانت بداية النفخ العنصري، يوم احتاج الغزاة الغربيون إلى تبرير أخلاقي لاستعباد الآخر أو إبادته، فقد كانت عمليات اختطاف الأفارقة تتم بالملايين ثم يعاملون في القارة الجديدة(الأمريكية) بلا إنسانية، فنشأ الفكر العنصري ليبرر امتهان هذا الصنف البشري، ومن أشهر الذين أسسوا للمنظور العنصري آنذاك القس “توماس تومسون” الذي نشر بحثاً بعنوان:  (الاتجار بالرقيق من الزنوج القاطنين السواحل الأفريقية واتفاقه مع المبادئ الإنسانية وشرائع الديانة السماوية)(4) ، وتابعه القس “جوسيا بريست” بكتابه: (تأييد من الكتاب المقدس للعبودية).

وقد أسهم فلاسفة الغرب في تسويغ وتأصيل العنصرية الغربية، أمثال “إيمانويل كانط” الذي كتب أنَّ (الإنسانية في أعلى درجات كمالها متحقّقة في العرق الأبيض)، وسار على نفس النهج: ديفيد هيوم، رينان، مارتن هايدغركان، يوجين فيشر، آرثر دي كوبينو، ومن قبلهم اُلتقطت تصورات أرسطو العنصرية وشيشرون ونُسجَ حولها نظريات مؤصلة، دُبجت فيها الصحائف.

ثم جاء العلم المزيف وقدم عشرات الأبحاث العلمية المزيفة لإثبات أنَّ الجنس الأبيض هو الأرقى، بينما تتحدر الأجناس الأخرى من حيوات أدنى، و تم توظيف نظرية “داروين” أسوأ توظيف لتبرير المنظور العنصري تجاه الآخر،

(وكان أول من أول من نادي بنظرية أرستوقراطية الدم الألماني الكونت “الكونت هنري دي يولا نفيلير1722م”، ولكن إرساء قواعد النظرية الآرية جاء على يد “أرتور دي جوبينو Arthur de Gobineau في أكمل صورها في كتابه الذي نشره عام ۱۸۵۳م بعنوان «مقال في عدم تساوي الأجناس البشرية Essai sur L’inegalite des Races Humaines، وفيه أعلن تفوق الجنس الآري، على بقية العناصر البيضاء. وقد كان لآرائه، وأفكاره أثر كبير على الأفكار، والمعتقدات السياسية، والفلسفية الأوربية)(5) . وتابعه ( هوستن تشامبرلين Houston S. Chamberlain(سنة ۱۸۹۹) الإنجليزي الجنسية، وقد استخدم اصطلاح «العنصر التيوتوني»، و«الدم التيوتوني» لهذا الجنس المتفوق. وبذلك حول مذهب جوبينو الخاص بترقي، وتفوق طبقة اجتماعية إلى مذهب صريح ينادي بتفوق شعب معين. وقد سار تشامبرلين شوطا بعيدا، فافترض أن هذا الألماني الأشقر، قد خصه الله برسالة عليه أن يؤديها)(6) . ولم يسلم المسيح عليه السلام من موجة العنصرية، فقد (نشأت في ألمانيا طائفة تتبرأ من سيدنا المسيح عليه السلام لكونه من بني إسرائيل، والذين لا يزالون يدينون له بالحب والتعظيم يجتهدون أن يثبتوا أنه كان من سلالة آرية)(7) .

وقد أثمرت هذه الحركة العلمية والفكرية العنصرية مذابح النازية، فانزعج الأوربيون من تطبيق أنموذجهم العنصري داخل الجغرافيا الغربية، فطفقوا يتحدثون عن الإخاء العالمي والسلام، ويستنكرون الخطابات العنصرية، ولكن الأوبة لم تتطل مدتها، فقد عادوا من جديد، وبالذات بعد خفوت الحرب الباردة. وفي أزمة أوكرانيا انفجر مخزون الخطاب العنصري بشكل أدهش الذين لا يعرفون حقيقة الحضارة المتدثرة بقشرة الإنسانوية.

لقد فشلت الحضارة الغربية في تقديم أنموذج إنساني يستوعب كل البشر، ونجحت في التضليل المؤقت على السذج، ولكنها تعرّت وبسرعة شديدة، وكشفت أن كل هذه المنظمات مجرد أدوات أفرزها المنتصر عشية الحرب العالمية الثانية، لمواصلة نهب العالم، وأن شعار العالمية ليس أكثر من عولمة مهيمنة تسعى لتطويع بقية البشر للرغبات الغربية، وحكاية تطبيع الشذوذ مجرد سطر في رواية الهيمنة الثقافية والسياسية للغرب. وهذا لا يعني وجود أفراد تحركهم إنسانيتهم، ولكنهم حالة استثنائية وسط سياق عولمي هيمني إمبريالي، يعبد عجل الذهب، ويسفك دماء البشر لأجل تسمينه.

الهوامش:

  1. الإسلام على مفترق طرق(ص:39)
  2. نهايات الفضاء الفلسفي(ص:70).
  3. الأعراق البشرية (ص: 46).
  4. خرافات عن الأجناس (ص:26).
  5. خرافات عن الأجناس (ص:26).
  6. خرافات عن الأجناس(ص:45).
  7. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين(ص:176).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى