أشتات

اتباع الأهواء في توظيفِ النَّهي عن اتباع الأهواء

”وإذا كان الانسلاخ عن الذات يعدُّ بالفعل مسلكًا انهزاميًا وانسحاقًا في هُوية الآخر المتفوق؛ فإنَّ التقوقع على الذات والرفض المطلق للتعاطي مع ثقافة العصر يعدُّ أيضًا مسلكًا هروبيًا وانهزاميًا وانكفاءً على الذات المتقهقرة.

ثمة الكثير من المفاهيم في الحقل الدعوي بحاجةٍ إلى مراجعة لأصولها اللغوية والاصطلاحية نظرًا لشيوع استخدامها في واقعنا الدعوي في سياقات تتناقض مع سياقات الأدلة الشرعية التي تستند عليها هذه المفاهيم،  ويترتب على هذا الخلط الكثير من الأخطاء العلمية والعملية التي تحول بين الإنسان وبين تبصر الحق بأدلته الشرعية بسبل منهجية موضوعية. ومن المفاهيم التي شاعت في الخطاب الدعوي عند أهل الغلو إطلاق مفهوم إتباع الأهواء على كل مخالف لهم في غلوهم، ووصم خطاب التجديد والتيسير والوسطية بالروح الانهزامية والميل إلى إرضاء اليهود والنصارى أو الغرب. وهذا الخطاب لا يسير في استخدام مصطلح أهل الأهواء على النهج الذي سار عليه أهل السنة والجماعة قديمًا في وصف كل من خالفهم في بعض المعتقدات، فهو خطاب عاطفي أهوائي يحتذي نفس منهج أهل الأهواء في استخدام الوعظ والمؤثرات العاطفية للانتصار لوجهات النظر المتشددة وتختلط في هذا الخطاب عاطفة أهواء الغلو الدينية بثقافة المحافظة القبلية و أهواء العصبوية القومية تجاه الغرب والمبالغة في ردة الفعل تجاه الصدمة الاستعمارية مع افتقاد القدرة على التمييز والتفاعل الواعي مع الحضارة الحديثة.

وإذا كان الانسلاخ عن الذَّات يعدُّ بالفعل مسلكًا انهزاميًا وانسحاقًا في هوية الآخر المتفوق؛ فإنَّ التقوقع على الذات والرفض المطلق للتعاطي مع حضارة العصر يعدُ أيضًا مسلكًا هروبيًا وانهزاميًا بالانكفاء على الذات المتقهقرة. وحديثنا هنا عن توظيف الخطاب الانهزامي الانكفائي لبعض المفاهيم الشرعية في إدانة خطاب التيسير والوسطية، ووصم كل اجتهاد حديث في قضايا السياسة الرشيدة وحقوق الإنسان والمرأة وقضايا الفن وغيرها بالسعي إلى إرضاء اليهود والنصارى واتباع الأهواء، حيث يعتقد خطاب الغلو أنَّ هذا الوصم الأهوائي يعفيه عن مناقشة الأدلة نقاشًا عمليًا موضوعيًا، ويتجاهل أنه بهذا النهج يسير على منهج أهل الأهواء باستخدام المؤثرات العاطفية لصرف النَّاس عن التفكير العقلاني بالأدلة من حيث الثبوت والدلالة بتجرد وموضوعية والبحث عن سياقات التنزيل ومقاصد التشريع.

وفي ظل الخضوع لهذه المؤثرات العاطفية وتداعيات الإحساس بالهزيمة الحضارية لا يقبل خطاب الغلو التفريق بين مفهوم الإرضاء المذموم لليهود والنصارى المقرون باتباع عقائدهم، و بين واجب الإعلام المحمود بالجوانب المشرقة في الإسلام، ولا يستطيع الجمع بين قوله تعالى ﴿وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلَا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾، وبين قوله تعالى “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”، وما ثبت في السيرة النبوية من حرص النَّبي عليه الصلاة والسَّلام على إعلام اليهود والنصارى بعناصر الجاذبية في ديننا العظيم بأرقى أساليب الاستمالة والإقناع تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

ومن هنا تأتي أهمية توضيح المنهج النبوي في التفريق بين السعي إلى إرضاء اليهود والنصارى بالتخلي عن عقائد الإسلام وشرائعه الواضحة، وبين الحرص على إعلام اليهود والنصارى وغيرهم بجوانب اليسر والسماحة والعقلانية والإنسانية في رسالتنا الإسلامية. وقد ثبت في الحديث الصحيح أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم حين سمح للأحباش بالرقص في مسجده كان يقول “خذوا يا بني أرفدة حتى تعلم اليهود والنصارى أنَّ في ديننا فسحة”, وروي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لتعلم يهود أنَّ في ديننا فسحة وإني أرسلتُ بحنيفيةٍ سمْحة”. ومثل هذا النَّص النبوي إذا سمعه اليوم أحد وعَّاظ أهواء الغلو من فقيه راشد، لبادر باتهام الفقيه بإرضاء اليهود والنصارى واتباع الأهواء.

لقد علمنا نبينا العظيم سنة الحرص على إظهار الجوانب المشرقة في رسالتنا الإسلامية لغير المسلمين “بالتي هي أحسن” ولا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن نعتقد أنَّ الأساليب الحسنة في عرض الدعوة الإسلامية غير مجدية، وأن نجزم أن اليهود والنصارى لن يستجيبوا لداعي الدعوة ونستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلَا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾, فهذا الفهم السَّقيم للآية الكريمة فيه تعطيل لواجب الدعوة إلى الله وتجاهلٌ  للسياق اللغوي والتنزيلي، فلو تأملنا ما جاء في كتب التفسير من معانٍ تتوافق مع هذا السياق، لتبين لنا أن هذه الآية جاءت لإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بالطبيعة الخاصة لمدعوين مخصوصين من اليهود والنصارى حاول النبي دعوتهم وكان حريصًا على هدايتهم فرفضوا الدعوة، و وجد النَّبي ﷺ في نفسه من هذا الرفض، فجاءت الآيات لتؤكد له أنَّ هؤلاء القوم لا يمكن أن يقبلوا دعوته، فهم أساسًا يطمعون بدخوله إلى ملتهم، وأكدت الآيات أنَّ وظيفة النبي هي الدعوة، وأنه لن يُخاطب عن إعراض الجاحدين المستكبرين قال تعالى: ﴿إِنّا أَرسَلناكَ بِالحَقِّ بَشيرًا وَنَذيرًا وَلا تُسأَلُ عَن أَصحابِ الجَحيمِ. وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلَا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾[البقرة: 119], وهكذا عندما نربط الآية بما قبلها يتضح التأويل الأرجح، و يقول البيضاوي (ت: 691) في تفسيره أن هذه الآية “مبالغة في إقناط الرسول صلى الله عليه وسلم من إسلامهم، فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فكيف يتبعون ملته”(1), وتترجح صوابية تفسير البيضاوي، بالنظر إلى  الآيات التي جاءت بعد هذه الآية والتي تؤكد أننا أمام حالة ميؤوسة لا تنفع معها الدعوة ومنها قوله تعالى: “وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ” وهذا يعني أنَّ آية “ولن ترضى عنك اليهود..” جاءت في سياق تثبيت الرسول على طريق الدعوة وتوجيهه بعدم الأسى عمن يعرض عن الهداية، وأنها شبيهة بقوله تعالى “لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”, وقوله تعالى: “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا”. فجميع هذه الآيات تسلية وتقوية وتصبير على طريق الدعوة وليس تزهيدًا بالدعوة إلا عن حالات علم الله حالها فأخبر نبيه بأمرها، ولا يصح تعميمها على الجميع باختلاف الأزمنة و الأمكنة، فالآيات تتحدث عن أقوام محددين عَلِم الله أحوالهم فأطلع نبيِّه عليها؛ لينصرف إلى غيرهم، كما أعلم الخالق عزَّ وجل نبيه نوح أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن ﴿وَأوحِيَ إِلى نوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إِلّا مَن قَد آمَنَ فَلا تَبتَئِس بِما كانوا يَفعَلونَ﴾ [هود: 36].

ولأن الوحي قد انقطع بعد رسول الله ﷺ فلا يصحُّ لنا تعميم هذه الآيات، ولا يصح أن نمارس التزهيد في دعوة أي أقوام إلى الإسلام، ولا يجوز التقصير بواجب إعلام اليهود والنَّصارى بأنَّ الإسلام دين الحنيفية السَّمْحة وأنه دين الفطرة والسَّماحة والوسطية والاعتدال، وأنَّ الإسلام يسالمُ من يسالمه ولا يقاتل إلا من يقاتله دون اعتداء؛ لأنَّ الله لا يحبُّ المعتدين، وأنَّ الإسلام لا يحرم إلا الخبيثات ويبيح كافة الطيبات، وأنَّ الأصل في الإسلام هو الإباحة وأن الاستثناء هو التحريم، وقد فصل الله لنا المحرمات لأنها قليلة محصورة “وفصّل لكم ما حرم عليكم”، وأنَّ الإسلام لا يحرم اللهو المباح، ولا يتنكر للرغبات الفطرية، ولكنه ينظم وسائل تلبية هذه الرغبات، بطرق تكفل تناغم الحياة البشرية، واحترام أموال الآخرين وأعراضهم وأنفسهم وحرياتهم .

ونخلص مما سبق إلى أهمية إدراك الفرق بين الحرص على إرضاء اليهود والنصارى، وهو ما لا سبيل إليه، وبين فريضة السعي إلى إعلامهم بمزايا الإسلام، ومبادئه العظيمة، وإقامة الحجة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.

ومن الأخطاء التي يقع فيها خطأً أهل “أهواء الغلو” والتحريم استدلاهم بآيات النهي عن اتباع الهوى في إدانة اجتهادات التيسير ورفع الحرج والحنيفية السمحة، مع أنَّ القرآن الكريم أكد لنا أنَّ اتباع الأهواء يقترن بتحريم ما أحل الله تلبية لأهواء تعصبية تسلطية، كالرغبة في الكذب على المخالفين وتكفيرهم، والتعصب في مواجهتهم بالحق والباطل، وتقترن أهواء التحريم والغلو بالشرك كما جاء في الحديث القدسي (إني خلقتُ عبادي حنفاءَ فاجتالتْهم الشياطينُ فحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا), وحدثنا القرآن الكريم عن اقتران أهواء التحريم والغلو بالشرك في قوله تعالى: ﴿سَيَقولُ الَّذينَ أَشرَكوا لَو شاءَ اللَّهُ ما أَشرَكنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِن شَيءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم حَتّى ذاقوا بَأسَنا قُل هَل عِندَكُم مِن عِلمٍ فَتُخرِجوهُ لَنا إِن تَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن أَنتُم إِلّا تَخرُصونَ﴾ [الأنعام: 148], ﴿قُل هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذينَ يَشهَدونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِن شَهِدوا فَلا تَشهَد مَعَهُم وَلا تَتَّبِع أَهواءَ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا وَالَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِم يَعدِلونَ﴾ [الأنعام: 150], ولهذا كان أهل السنة والجماعة يستخدمون مصطلح أهل الأهواء في وصف الفرق المتشددة التي ذهبت إلى تكفير مرتكب الكبيرة كالخوارج والمعتزلة وبعض فرق الشيعة، وأتباع هذه الفرق كانوا من المتشددين في التعبد والزاهدين في الدنيا, وقد أشارت الأحاديث النبوية إلى أن أهل النار هم أهل أهواء الغلظة والفظاظة والاستكبار والعجرفة “كل عتل جوّاظ مستكبر” كما في الحديث المتفق عليه، وأخبرتنا الأحاديث أن الله حرّم النار على كل هيّن ليّن سهل قريب.

والوهم الذي يقع فيه وعَّاظ أهواء الغلو هو خلطهم بين اتباع الأهواء واتباع المستلذات رغم الفارق الجوهري بين المصطلحين، فالمستلذات لا تذم على جهة الإطلاق إلا ما كان داخلًا في دائرة التحريم، و من علماء اللغة الذين أكدوا هذا الفرق بين مفهوم اتباع الأهواء ومفهوم اتباع المستلذات العلامة أبو هلال العسكري (ت: 395) في كتابه الفروق اللغوية في المبحث الخاص بالفرق بين الهوى والشهوة وأكد العسكري أنَّ الهوى يختص بالآراء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل المستلذات(2)، و يفسر العسكري قوله تعالى: “ولا تتبع الهوى فيضلك “أي لا تتبع ما يميل إليه طبعك ويقتضيه رأيك من غير أن تستند إلى دليلٍ شرعي”(3).

وإذا اجتهد الإنسان في البحث عن الدليل وأخطأ الحق، فإنه لا يسمى متبعًا للهوى، يقول الإمام الرازي (ت: 606): “من اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعًا لهوى النَّفس بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأمَّا الذين يعلمون بقلوبهم ثم ينكرون بألسنتهم فهم المتبعون للهوى”(4). ولهذا طالب الفلاسفة قديمًا بضرورة التحرر من عبودية الأهواء بتفعيل الحكمة وإعمال العقل والتجرد الموضوعي للبحث عن الحقيقة ويرى سبينوزا أن التحرر من عبودية الأهواء هو السبيل إلى السعادة العقلانية العميقة التي تستبعد العواطف والأهواء السلبية القائمة على الأوهام(5).

ولا يتسع المقال هنا للحديث عن الكثير من التطبيقات الخاطئة في الحقل الدعوي، الناتجة عن الخلط بين مفهوم اتباع الهوى وإرضاء الآخر، وبين اتباع هداية الفطرة السليمة والعقل الرشيد والحرص على التيسير ورفع الحرج وإظهار جوانب السماحة في دين الحنيفية السمحة.

الهوامش:

  1. تفسير البيضاوي أنوار التنزيل وأسرار التأويل، الجزء الأول، ص 84. دار الكتاب العلمية، 2017.
  2. ينظر: أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص 562، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر.
  3. المرجع نفسه.
  4. تفسير فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، الجزء الرابع ، ص 107، دار إحياء التراث العربي.
  5. ينظر: فريدريك لونوار، قوة الفرح، ترجمة أيمن عبدالهادي، دار التنوير بيروت، 2017،ص37.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى