آثار

الأفغاني والخالديونَ الثَّلاثة: خدمة لقضايا الحاضر وتراث الماضي

عائلة الخالدي هي واحدة من أعرق العائلات المقدسية، وقد أخرجت لنا الكثير من النَّابغين والعباقرة الذين خدموا الأمة في شتى المجالات، إلا أنَّ من أشهر هؤلاء العباقرة ثلاثة اختصوا بالتتلمذ على موقِظ الشَّرق جمال الدِّين الأفغاني، وهذا المقال معنيٌّ بتسليطِ الأضواء عليهم بهذا اللحاظ لأول مرة.

وإذا كان الأفغاني قد رُمي بالكثيرِ من النَّقائص، فإنَّ معرفة توجهات تلاميذه مفيدة أيما إفادة في معرفة مدى صدق تلك النقائص، لا سيما أن من بين محددات الحكم على الشخوص تبين ثمرات جهودهم.

أولًا: يوسف ضياء الدِّين الخالدي

ولد في القدس سنة ١٨٤٢، وكان والده قاضيًا في مرعش وأرضروم، وقد طلب يوسف العلم صغيرًا في جوار الأقصى، وأراد الدراسة الدينية في الأزهر، لكن أباه وجهه إلى دراسة العلوم الحديثة في كلية مالطا وكلية روبرت الأمريكية للهندسة في الآستانة، إلا أنه لم يكمل الدراسة بسبب وفاة والده بعد ذلك.

تولى يوسف رئاسة بلدية القدس، وأسهم في تطوير شوارع المدينة وشبكات الصَّرف الصحي.

ثمَّ تولى منصب نائب القنصل العثماني في بوتي، ميناء روسيا على البحر الأسود، وبعد إقالته ساح في روسيا حتى وصل إلى موسكو وكييف وبطرسبورغ، ثم انتقل إلى فينا وعمل فيها مدرسًا للغةِ العربية.

انتخب يوسف نائبًا في مجلس المبعوثان في عهْد السُّلطان عبد الحميد وكان كثير النَّقد له، فلما حلَّ عبد الحميد المجلس عاد يوسف إلى فينا، وهناك حقَّقَ ديوان لبيد.

ثمَّ عينه عبد الحميد حاكمًا لمقاطعة كردية في بتليس، وهناك أتقن يوسف اللغة الكردية ووضع كتابًا فيه سماه “الهدية الحميدية”.

كان يوسف أول من تنبَّه إلى الخطر الصهيوني، وأول شخصية عربية تراسل هرتزل، محذرًا له من الاستمرار في سياسته، مقترحًا عليه أن يختار بقعة أخرى في العالم لدولته غير فلسطين .

عاد يوسف بعد عزله الى الأستانة، تحت مراقبة الجواسيس، وهناك التقى بالسَّيد جمال الدِّين الافغاني، وظلَّ ملازمًا له حتى موته، ويذكر عادل منَّاع أنَّ مجلة الجامعة الإسلامية في فلسطين نشرت في عدد ١٤ كانون الأول سنة ١٩٣٤ صورة لجمال الدِّين الأفغاني وهو على فراش الموت إلى جانب صديقه يوسف ضياء الدِّين الخالدي.

وقد رجعتُ إلى العدد المذكور، فلم أجد الصورة، ولعل الصورة الشهيرة للأفغاني وهو على فراش الموت جانب منها، فعسى أن يظهر البحث العلمي الصورة كاملة.

توفي يوسف سنة ١٩٠٦ رحمه الله.

ثانيًا: روحي الخالدي

روحي هو ابن أخي يوسف ضياء الدِّين، وكان مدحت باشا المصلح الكبير قد عين أباه ياسين قاضيًا في نابلس.

توجه روحي إلى طرابلس لطلبِ العلم في المدرسة الوطنية على يد مديرها العلامة حسين الجسر. ولكن هذا لم يقنع روحيا، الذي كان عالي الهمة موفورها، فطمح إلى الدراسة في معاهد الأستانة، فسافر إليها بالرغم من كراهية أبويه لذلك، وهناك التحق بالمكتب الملكي الشاهاني لعلوم السِّياسة والإدارة، فدرس فيه مدة ست سنوات.

وفي الأستانة كان يتردد على الأستاذ جمال الدِّين الأفغاني ويتلقى منه أسس الدَّعوة إلى الإصلاح.

أوصل الجواسيس إلى السلطان عبد الحميد أمر هذه المجالس، ففر روحي إلى فرنسا، ودرس العلوم الإسلامية في السوربون.

كان روحي معتزًا بإسلامه، ففي دار الجمعيات العلمية بباريس ألقى محاضرتين إحداهما كانت حول سرعة انتشار الديانة المحمدية في العالم، بدا فيها تأثره جليًا بأستاذه الأفغاني، حيث قرَّرَ فيها أنَّ الإسلام دين المستقبل في أوروبا والهند وغيرها.

بعد انقلاب الاتحاد والترقي عاد روحي إلى القدس، وانتخب نائبًا عن أهلها في مجلس المبعوثان.

لاحظ روحي النشاط الصهيوني في العالم وفلسطين فكان أول من صنَّفَ كتابًا فيه، ودعا اليهود فيه الى اتباع أفكار الفيلسوف الألماني اليهودي مندلسون الذي دعا اليهود إلى أن لا يجعلوا من دينهم قومية، وأن يندمجوا في بلدانهم كسائر المواطنين من الديانات الأخرى .

مات روحي بحمى التيفوئيد ولم يتجاوز التاسعة والأربعين من عمره سنة 1913 رحمه الله.

ثالثًا: الشيخ الرَّحالة خليل الخالدي

كان الشيخ خليل أوحد زمانه في معرفةِ المخطوطات، فقد تفوق في ذلكَ على الكوثري، الذي كانت معرفته محدودة بمكتباتِ المشرق، أمَّا الخالدي فشملت معرفته مكتبات المشرق والمغرب.

ولد الشيخ في القدس سنة 1861، ثمَّ رحل إلى الأزهر لطلبِ العلم، وكان من أعظم شيوخه في مصر السَّيد جمال الدِّين الأفغاني، وتأثر به في أمور:

الأول: حب الارتحال، والفرق بينهما أنَّ رحلات شيخه كانت اضطرارية سياسية، أما رحلاته هو فكانت اختيارية علمية.

الثَّاني: ترك الزواج، فقد عاشَ وحيدًا مؤثرًا العلم على الزواج، حتى إنه لما ماتَ لم يدر به أحد إلا بعد أيام.

الثالث: بغض الظلم والاستبداد، لذلك كان من المؤيدين للانقلاب على السلطان عبد الحميد.

درس الخالدي في مدرسة القضاء في الأستانة، وتولى القضاء فيها وفي ديار بكر وحلب، فكان يترحل في مكتباتِ الأناضول والشَّام وكردستان عشرين سنة، يعبّ من مخطوطاتها.

ثمَّ رحلَ إلى فاس ومكثَ فيها أربعة أشهر يطالعُ مخطوطات جامع القرويين، ثم إلى تونس فمكث فيها مثل ذلك يطالع مخطوطات جامع الزيتونة.

أما إسبانيا فكان له فيها شأنٌ آخر، فقد ارتحل إليها مرتين: مرة في عهد الملكية، ومرة في عهد الجمهورية، وتحدثَ فيها عن الفروق التي لمسها في المرتين، واختلاف التعصب الديني في العهدين، فقد كان الإسبان يطلبونَ منه في العهد الملكي كشف رأسه عند الدخول إلى كنائسهم، بعكس العهد الجمهوري.

نشر الخالدي الكثير من المقالات عن رحلاته في الصحف الفلسطينية مثل جريدة الفجر والعرب، وهي مقالات شائقة، لا سيما مقالاته عن مشاهداته في الأندلس.

وله بعض الكتب، ومن المؤسف أنه لم ينشر منها شيء حتى اليوم!

ضمت مكتبة الخالدي آلاف المخطوطات، آل بعضها بعد موته في القاهرة سنة 1941م إلى مكتبة المسجد الأقصى؛ لأنها كان أكثر أمانًا من المكتبة الخالدية التي كان يشارك في الإشراف عليها، رحمه الله.

وهكذا, نجد أنَّ المخرجات التي أتت بها هذه المدرسة كانت جارية في مهيعِ خدمة الأمة بقضاياها المعاصرة وتراثها المخطوط، وهي مخرجات أبعد ما تكون عمَّا ألصقه المناوئون بها من تهمٍ ليس لها أساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى