أشتات

الأمريكي بريمر ينتقم من سقيفة بني ساعدة!

أكذوبة حرمان الشيعة من السلطة (1-2)

لا صوت في الوطن العربي والعالم الإسلامي يعلو فوق صوت الطائفية المذهبية.. والحديث عن مظالم الأقليات الدينية والأثنية واللغوية! أحزاب وتجمعات، ومراكز أبحاث ودراسات جامعية تعمل بدأب للتأكيد على هذه الثنائيات وتجذيرها في الحس الفردي والشعور الشعبي، وتضخيم أثرها ي التاريخ البعيد والقريب!

يصعب إنكار أن هذه الظاهرة ليست بالأمر الجديد؛ فقد اهتم الأوربيون منذ وصلوا في العصر الحديث تحت لافتة الاستعمار باللعب على أوتار الأقليات، وعزفوا منها ألحانا تخدم مخططاتهم في الهيمنة والبقاء، وكانت الموضة أيامها: الأقلية المسيحية الدينية ضحية الطوفان الإسلامي، وشيء من إثارة النعرات والفتن الأثنية مثل ثنائية: العرب/ الاكراد في العراق وسوريا، والعرب/ البربر في بلاد المغرب العربي، والعرب/ الزنوج في أفريقيا وخاصة في جنوب السودان الذي تم إغلاقه نهائيا وفصله واقعيا عن شماله بعد سنوات قليلة من الاحتلال الإنجليزي للسودان (1898)، وصار دخول المواطنين الشماليين إلى جنوب بلادهم بحاجة إلى تأشيرة من لندن ذاتها!

شهادات..

ولم تفلت الدول (العلمانية) المستعمرة أي فرصة لتعميق المشاعر الأثنية والطائفية، ويعترف المستشرق الفرنسي المعروف/ جاك بيرك (في حوار مع الأهرام أعادت نشره مجلة اليسار المصرية في عددها- 102/ أغسطس 1998) بالدور الاستعماري في هذه المسألة فيقول: [ إن الدوائر الاستعمارية كانت تبذل جهودا مضنية لغرس الفتن بين العرب والبربر في إطار سياسة الشقاق التي كانت تمارسها بغرض ضرب وحدة هذه البلاد، كما أنها كانت أول من وضع فكرة العروبة في مواجهة فكرة البربرية وترجيح إحداها على الأخرى حسبما تتقضي مصلحتها..].

الكاتب الصحفي الشهير/ محمد حسنين هيكل يروي في كتابه ( سنوات الغليان- ص 125) شيئا من ألاعيب الاستعمار على مسألة الطائفية الدينية؛ ففي اجتماع لمجلس الوزراء شرح الرئيس المصري السابق / عبدالناصر مظاهر ضرب الوحدة الوطنية بعد العدوان الثلاثي على مصر (1956)، وكان من بينها تركيز الإذاعات الموجهة من فرنسا ضد النظام المصري على مخاطبة الأقباط المصريين بصفتهم هذه، وإثارة مشاعرهم الدينية بالإشارة إلى أن النشيد الأشهر في المعركة كان نشيدا إسلاميا (الله أكبر يا بلادي كبري) وهو دليل على التعصب الإسلامي في النظام!

أما الأنموذج الأكبر والمستمر لتكريس نهج الطائفية فهو النظام السياسي في لبنان الذي تأسس على يد فرنسا (العلمانية الأشهر والأشد تعصبا في التاريخ) على أساس المحاصصة الطائفية، وما يزال حماية لب هذه الصيغة الطائفية هو أحد مرتكزات السياسة الغربية عموما وفرنسا خصوصا!

أمريكي يصرخ: يا لثأرات الشيعة!

ربما لم تحظ الثنائية السنية/ الشيعية باهتمام الغربيين؛ في سنوات الاستعمار ومرحلة الاستقلال الأولى؛ كما كان الحال مع الثنائيات الأخرى.. لكن سنوات بروز ما اصطلح على تسميته بزمن الصحوة الإسلامية في السبعينات، وقيام الثورة الإسلامية الشيعية في إيران؛ لفت الانتباه أكثر إلى إمكانية استغلال هذه الثنائية وإشكالياتها المذهبية والتاريخية في تكريس انقسام جديد داخل العالم الإسلامي، خصوصا بعد عودة بروز الخلافات القديمة عما حدث في صدر الإسلام بشأن الخلافة والصراعات التي جرت حولها.

ومن يومها لم يعد المسلمون وحدهم المسكونين بثنائية السنة/ الشيعة؛ فقد دخل الغربيون على الخط بقوة من خلال التركيز على هذه الثنائية. وإذا كان الأمر ظل في حدود الدراسات والأبحاث في مرحلة ما؛ إلا أن مذكرات الأمريكي (بول بريمر) حاكم العراق بعد احتلاله:( عام قضيته في العراق.. النضال من أجل غد مرجو) تكشف أن الاحتلال كان بداية تدشين العمل الميداني لتكريس الفرقة المذهبية سياسة رسمية وخطط تنفيذية. وتكشف المذكرات دون مواربة كيف كان (بريمر) ممثل أمريكا الحداثة والليبرالية والعلمانية مسكونا أيضا بالهواجس الطائفية؛ كأنه قدم لتوه من سقيفة بني ساعدة.. أو أن غبار كربلاء ما يزال معلقا في شعر رأسه؛ إلى حد جعله يستحضر دائما تاريخ الخلافات السنية الشيعية أثناء إدارته للعراق، وفي نصائحه المتتالية المخلصة(!) لزعماء الشيعة، وفي توصيفاته للقوى والشخصيات السياسية! وهو في كل ذلك ينسى أحيانا ما سبق أن قاله لتأكيد مظلومية الشيعة التاريخية تحت حكم السنة! ويتناقض مع توصيفاته وأحكامه ويفتقر فيها حتى إلى المساواة الطائفية!

بدا (بريمر) في مذكراته كأي شيعي متحمس حريصا على سرد المظالم (السنية!) ضد الشيعة.. فالشيعة مهمشون مستبعدون من إدارة الدولة البعثية السنية(!!)؛ ناسيا أن قائمة ال(55) من قادة العراق المطلوبين للعدالة الأمريكية تضم (35) شيعيا كان أحدهم (محمد الصحاف) الذي قاد المعركة الإعلامية ضدهم، وظهر أمام العالم وهو يعلن (أنا شيعي!) ردا على اتهام نظام البعث أنه سني معاد للشيعة! والحال ذاته في الجيش، فليس لهم فيه – باعتراف بريمر- إلا أربعمائة ألف شيعي فقط لا غير من ضمن (715000) هم قوام الجيش العراقي(ص39)! وهؤلاء الجنود تحملوا بزعمه صنوف الحرمان الإعاشي، والأجر الرمزي، والاضطهاد والإعدام الوحشي على يد ضباطهم السنة(ص40و342).. لكنه مع ذلك يعترف في موضع آخر (ص73) أنهم دافعوا بشجاعة عن وطنهم ضد الإيرانيين (الشيعة) في الحرب العراقية الإيرانية تحت قيادة مضطهديهم السنة!

أما كيف كانوا مضطهدين طائفيا ومحرومين معيشيا ثم يقاتلون بشجاعة عن وطنهم ضد إخوانهم من شيعة إيران، وتحت قيادة أعدائهم من الضباط السنيين الذين ساموهم القهر والظلم والجوع فهذا من إنجازات العبقرية العلمانية الأمريكية!

(بريمر) يسرف في الحديث عن تهميش واضطهاد الشيعة؛ ثم ينسى فيقول إنه حاجج القطريين الذين أظهروا بزعمه موقفا استعلائيا تجاه شيعة العراق مشيرا إلى وجود طبقة شيعية مهنية قوية في العراق ص95! فكيف يتسق التهميش والاضطهاد مع وجدو هذه الطبقة القوية في ظل نظام كل شيء فيه بيد الدولة؟ وهو نفسه يتحدث عن مصنع للنسيج في مدينة الحلة الشيعية.. ومشروع للقطن في الشمال (الكردي)! (ص84)، وفي صفحة 90 يقول أن الحكومة العراقية (السنية) باعت للمزارعين (ومعظمهم من الشيعة باعترافه) البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية بربع تكلفتها لإبقائهم في مزارعهم!

في موضع يقول إن صدام السني حرم الأسر الشيعية من بطاقات الحصص التموينية فمات أطفالها جوعا ثم أظهروهم في التلفاز كضحايا للحصار الأمريكي المفروض على العراق(!)، ثم ينسى كلامه فيقول إن الأمم المتحدة اعترفت بأن صدام منح عام 1995 (كل) أسرة عراقية بطاقة تموينية للحصول على سلة غذائية، وقبيل الحرب أمر بتوزيع تموين ثلاثة شهور ل(كل أسرة) مما منع حدوث مجاعة كان الغزاة يتوقعونها؛ فوفر النظام بذلك متاعب كثيرة على سلطة الاحتلال! وبسهولة يفهم من هذا الاعتراف أنه لو كانت الأسر الشيعية حرمت من حصص التموين لحدثت (بوصفهم الأغلبية كما يقال) مجاعة بالفعل! ص 39 و50 و89.

الكهرباء العراقية ذاتها قبل الاحتلال كانت تدار بأنفاس طائفية وفقا لرسل الحرية الأمريكيين فقد كان نظام التقنين الكهربائي العراقي يعطي الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال الحصة الأدنى! (ص28)

أما كيف حدث ذلك والشيعة يصعب أن يقال إنهم يعيشون معزولين في جيتوهات منفصلة أو في مدن منفصلة فهم مثلا موجودون في الوسط أيضا وفي العاصمة بغداد نفسها.. وفي الشمال حيث الأكراد أغلبية فالأصل فيه أنه باعترافه مستقل إداريا منذ 1991 وتحت سيطرة الحزبين الكرديين بدعم أمريكي وموافقة دولية لمدة 11 سنة ص75.. كيف نفهم هذه الطائفية الكهربائية إلا أن الكهرباء العراقية خانت حيادية العلم وتراث أديسون، وكانت تنقطع عند منازل الشيعة أو الأكراد بفعل أي ريحة لجسم شيعي!

الحيادية تبدت أكثر عندما سأل بريمر عن أحوال الكهرباء بعد الاحتلال فقيل له :(الناهبون اجتاحوا معامل الكهرباء والمحطات الفرعية لسرقة أدوات التحكم والعدادات والأجهزة الإلكترونية ودمروا أبراج نقل الكهرباء لسرقة الأسلاك النحاسية ومن ثم بيعها في السوق السوداء بالكويت..).

هل لاحظتم شيئا في هذه الحكاية؟  لم يحدد بريمر نوع المذهب أو القومية التي ينتمي إليها الناهبون.. فلم يقل كالعادة إنهم سنة أو الحرس الجمهوري أو البعثيون بل سكت مما يجعل الشيطان يوسوس للقارىء أن الناهبين بالتأكيد كانوا شيعة وأكرادا فعلوا ذلك انتقاما لحرمانهم من الكهرباء في ظل حكم السنة المزعوم!

عند الحديث عن اضطهاد الاكراد الطويل والدموي تختفي تصنيفات بريمر الطائفية فلا يشار لهم بـأنهم سنة.. لكن بعد سطرين عن الحديث عن اضطهاد عرب الجنوب تحضر صفة الشيعة فورا في وصف ثورتهم! ص73.

من وضع دستور 1925؟

يبدو العلماني بريمر في مذكراته مشمئزا من دستور 1925 بحجة أن من وضعه هم 100 شخص معظمهم من السنة ص107..  وهو موقف غريب وخصوصا أن الدستور كان في قمة التسامح مع الأديان والمذاهب والقوميات، ويحفظ للجميع حقوقهم الدينية والمذهبية والقومية والوطنية دون تمييز! ويضمن ممارسة واكد على ان القضاء في المحاكم الشرعية يجري وفقا للأحكام الشرعية الخاصة بكل مذهب من المذاهب الإسلامية، ويكون القاضي من مذهب أكثرية السكان في المحل الذي يعين له، مع بقاء القاضيين السنيين والجعفريين في بغداد والبصرة. كذلك منح اليهود والنصارى حق تشكيل مجالس روحانية وتخول لها سلطة القضاء.

لكن الأهم أنه دستور ليس فيه من رائحة السنة شيء! وليس فيه من العبارات الإسلامية إلا المادة التقليدية (موجودة في دساتير أنظمة شيوعية وعلمانية متطرفة) المفرغة من مضمونها وهي النص على أن الإسلام دين الدولة، وهو يشمل بالضرورة الشيعة والأكراد مع السنة! أو مصطلح الأوقاف الإسلامية.

تاريخيا (لسوء حظ بريمر) كان وضع الدستور من مهام سلطة الاحتلال البريطاني العلمانية التي لا علاقة لها بالسنة، وفقا للمادة الأولى من لائحة الانتداب التي تعهدت فيها بريطانيا بوضع قانون أساسي في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ الانتداب، وتشكلت لجنة بريطانية لذلك من: الميجر يونك والمستر دراور بإشراف المستر دافيدسون، واستعانت بدساتير أستراليا ونيوزيلندا وغيرهما. وقدمت اللجنة مسودة اللائحة للملك الفيصل، وهو بدوره قبلها مبدئيا وأحالها على لجنة من ثلاثة من معاونيه لدراسته وتقديم الملاحظات عليه والثلاثة هم؛ اليهودي/ ساسون حزقيال، وزير المالية، والشيعي حيدر رستم من آل حيدر في لبنان وسكرتير الملك الخاص، والسني الشركسي/ناجي السويدي وزير العدل المعروف بتعاطفه مع الشيعة وتشجيع من يتوسم الكفاءة منهم لتولي مناصب الدولة! والمثير للدهشة أن اللجنة العراقية اعترضت على المسودة الإنجليزية لأنها منحت الملك صلاحيات واسعة، وتم وضع مسودة مقابلة مستمدة من الدستور العثماني، وأرسلت المسودتان إلى وزارة المستعمرات في لندن، ثم اجتمعت اللجنتان وأعدتا مسودة لائحة موحدة قلصت صلاحيات الملك. ونوقشت المسودة في المجلس التأسيسي، وتمت الموافقة عليها دون مشاكل.

إني لكم من الناصحين!

تولى (بريمر) خلال حكمه تنفيذ عدد من مشاريع بناء العراق الجديد؛ مثل إنشاء مجلس الحكم، وكتابة الدستور الجديد، وتشكيل حكومة انتقالية، وفي كل مرحلة كان حريصا بإخلاص منقطع النظير على ضمان مشاركة المنظمات الشيعية فيها، والحصول على مباركة المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني لها لدرجة استخدامه المخجل لمزاعم المظلومية الشيعية طوال ألف عام، وتذكيرهم بها دائما ليتنازلوا عن اشتراطاتهم الصعبة أو غير المنطقية ويقلعوا عن المقاطعة.. وهي وصفة سحرية ثبت دائما نجاحها:

– فقد أقنع العلامة الشيعي/ محمد بحر العلوم بالمشاركة في مجلس الحكم ليكون للشيعة الأغلبية فيه بعشر كلمات: (يجب ألا يرتكب الشيعة الأخطاء المأساوية التي ارتكبوها في سنة 1920!) ص130.. كما نبه إبراهيم الجعفري وعبد العزيز الحكيم: (المهم ألا يرتكب الشيعة الخطأ الذي ارتكبوه في العشرينيات!). ص118

– وعندما رفض الشيعي حسين الشهرستاني باتفاق مع السيستاني تولي أي سياسي شيعي رئاسة الوزراء مفضلين سنيا ليتحمل مسؤولية الفشل المؤكد؛ حاججه بريمر قائلا: (هذا ينم عن قصر نظر، ويحمل في طياته مخاطر تكرار الخطأ المأساوي الذي ارتكبه الشيعة في العشرينيات من القرن الماضي عندما فضلوا الابتعاد عن العملية السياسية، وجلبوا على أنفسهم ثمانين عاما من المنفى الداخلي!). ص449 و450.

–  وفي مناسبة مشابهة قال للسيستاني مشفقا: [ أرجو أن تتذكر دروس العام 1922 فهذا الدستور المؤقت  هو الطريقة الوحيدة لكي يحصل العراق على حكومة دستورية منتخبة.. لقد انتظر شعبكم (!!) هذه الفرصة أكثر من ثمانين عاما].. فرد عليه السيستاني: [ لقد انتظرنا قرونا يا سعادة السفير!].ص399

[النصيحة ليست صحيحة، وهناك في شبكة الإنترنت إحصائيات مذهلة – لا يسمح المجال هنا بنشرها لكن سنعود إليها في الجزء الثاني من هذه القراءة- بالأرقام والأسماء عن العراقيين الشيعة الذين تولوا أرفع المناصب السياسية والعسكرية والتشريعية والعلمية في العهدين الملكي والجمهوري، والأكثر إثارة أن كل قادة حزب البعث حتى 1963 كانوا من الشيعة!].

– ولما أصر السيستاني على انتخاب المجلس التشريعي الذي سيضع الدستور، والحكومة المؤقتة التي ستنتقل إليها السيادة خلافا لاتفاق 25 نوفمبر؛ أرسل إليه بريمر بكلمة السر التي جعلته يقبل بالاتفاق: (إن الشيعة في العراق عانوا مدة طويلة من الأنظمة الظالمة والمستبدة، ويجب أن يتوقف ذلك التاريخ الفظيع الآن، وبرأيي يقدم اتفاق 15 نوفمبر فرصة تاريخية عظيمة للشيعة..).. وأثناء حديثه مع بوش حول انعكاس الترتيبات الديمقراطية على يد الأمريكان على السنة قال كأنه أحد ملالي الشيعة: [ المشكلة الأساسية بالنسبة إليهم هي احتمال انتقام الشيعة مما فعله السنة بهم منذ ألف عام!]. ص290

ومع ظهور تحفظات قوية من السيستاني تجاه طريقة الانتخابات أرسل بريمر له رسالة عاطفية تشفق على الشيعة من مقاطعة الانتخابات وختمها قائلا: [ إن الشيعة في العراق عانوا من مدة طويلة من الأنظمة الظالمة والمستبدة، ويجب  أن يتوقف هذا التاريخ الفظيع، وبرأيي يقدم اتفاق 15 تشرين الثاني، نوفمبر فرصة تاريخية عظيمة للشيعة]. ص307.

وبعد حل الجيش العراقي وبدء بناء جيش جديد طمأن العلماني بريمر رجل الدين الشيعي عبدالعزيز الحكيم مستخدما لقبه بالعربية الذي كان متخوفا من نوعية الضباط الجدد: [ أعدك يا سيد بأن يكون قائد الكتيبة الأولى شيعيا!.. وقد بر الائتلاف بوعده]. ص80

سني وشيعي وكردي!

على مدار المذكرات لا يخطيء بريمر أبدا في التمييز بين العراقيين وفق معيار ثابت كأن يعتمد المعيار القومي فيقول: عرب وأكراد.. أو المعيار المذهبي فيقول: سنة وشيعة، أو الديني: مسلمون ومسيحيون.. فالمعتمد الرسمي عنده هو: سنة عرب، وشيعة (بدون عرب)، وأكراد (بدون سنة).. والمرة الوحيدة التي وصف الأكراد فيها بأنهم سنة كانت في معرض الحديث عن (تهميش الشيعة) مقابل (هيمنة الأكراد السنة) في الشمال أيام العثمانيين!  والهدف: هو تحميل (السنة) مسؤولية سياسات النظام البعثي (العلماني) الذي واظب بريمر على وصفه بأنه كان (سنيا) حتى يخيل لمن لا يعرف ما جرى أنه نظام كانت رموزه التاريخية: ابن تيمية أو أحمد بن حنبل أو محمد عبد الوهاب وليس ميشيل عفلق! وأن عقيدته الفكرية الوهابية وليست البعثية العلمانية!

حتى في الحديث عما أصاب ساسة الشيعة والمذابح المشهورة التي طالتهم يحرص على وصف الضحايا إنهم كانوا (شيعة)؛ كما فعل عند اكتشاف مقبرة جماعية في الحلة التي (تقع في قلب منطقة المسلمين الشيعة!) أما عندما يتحدث عما أصاب ساسة السنة من اضطهاد وتعذيب مثل (نصير الجادرجي) زعيم الحزب الديمقراطي العلماني فلا وصف له بأنه (سني).. رغم أنه عندما ذكر اسمه وهو يستعرض أسماء مجلس القيادة العراقي الجديد وصفه بأنه سني، والمذابح التي طالت الأكراد (السنة) يقدمها على أنها جرائم ضد (القوميين) الأكراد.. مع حذف صفتهم الطائفية السنية، وعند ذكر ما يزعمه أنه تهميش كردي قديم للشيعة لا ينسى هنا أن يصفهم بأنهم (أكراد سنة)! أما عندما يتحدث عن ثورة شيعة العراق عام 1991 فهي عنده (الثورة الشيعية)!

في صفتي (الإرهاب والإرهابيين) فاستخداماتهما مقصورة على السنة فالزرقاوي (فاشي مسلم سني) لكن الشيعي مقتدى الصدر الذي قاد تمردا دمويا، واتهم مع نائبه بقتل الزعيم الشيعي آية الله العظمى عبدالمجيد الخوئي فقد تعبت وأنا أبحث عما يشينه في ميزان الأمريكي فلا ذكر له إلا ب (مقتدى)، وأقسى وصف له أنه: نسخة من الزرقاوي؛ رغم كل الجرائم التي قال بريمر إنه ارتكبها وعددها مثل: يدير محاكم وسجونا غير شرعية.. لدينا روايات شهود عيان عن رجال يعذبون ونساء يغتصبن ويعذبن في السجون.. وفلسطيني اعترضه رجال مقتدى فكسروا ساقيه وجروه إلى السجن وعذبوه.. وسرقوا مصرفا..]. ص 402- 413

(بريمر) العلماني كان حريصا في مذكراته على تمييز الساسة العراقيين بانتمائهم الطائفي فهناك: العلماني السني، والعلماني الشيعي، والشيوعي الشيعي، والحرس الجمهوري وأجهزة القمع (التي يسيطر عليها السنة)، وشيء ما منعه أن يقول أيضا: المسيحي الشيعي والأشوري السني! لكن أكبر حلفائه أي زعيمي الحزبين الكرديين الكبيرين يبخل عليهما وعلى حزبيهما بصفة (السني) لكيلا تنفضح لعبته الطائفية في وصم السنة بكل شر فقد لاقى السنة الأكراد من الاضطهاد ما لم ينل الشيعة مثله! ص64.

هذه التوليفة الأمريكية الغريبة في توزيع صفات السني والشيعي استحضرت عادة شعبية عندنا في مصر تصف كل ملتح بأنه سني (أو كما يقال في الخليج: مطوع)، وحكى لي صديق عربي قابلته في مناسبة دينية حكاية لطيفة عن مصري ظريف كان مترافقا معه في مؤتمر عن الإرصاد الجوي انعقد في سويسرا في الثمانينيات، وكان من ضمن المشاركين يهودي متدين بزيه الأسود التقليدي، والقبعة السوداء، واللحية الكثة الكبيرة التي تصل إلى منتصف الصدر.. وفي يوم كان المصري يتحدث عن موقف ما لليهودي في المؤتمر؛ فلما استفسره صديقي العربي عمن يقصد؟ أشار برأسه إلى اليهودي المتدين ويرسم بيده صورة لحيته الطويلة الكثة وأجاب على طريقة (بريمر) وهو يتحدث في مذكراته عن السياسيين والأحزاب في العراق:

– أنا قصدي الراجل السني دا!

الآمال الأمريكية للعراقيين!

ولكيلا نظلم (بريمر) فقد يكون مفيدا أن نحفظ له قائمة بالآمال التي بشر في كلمة له بتحققها للعراقيين على يده هو وبلاده، ولا بأس من مقارنة واقع العراق بعد 18 سنة بهذه الآمال:

– سوف تعيشون بكرامة!

– سوف تعيشون بسلام!

– سوف تعيشون بازدهار!

– سوف تعيشون مستمتعين بهدوء العائلة والأصدقاء ودخل لائق تجنونه باستقامة!

– مستقبلكم مليء بالأمل والكرامة.. مستقبلكم مليء بالأمل والسلام والازدهار.. فالشعب العراقي معا سيعيد إنشاء بلد عظيم، بلد تفخرون جميعا بأن تورثوه لأبنائكم وأحفادكم! ص178.

ونختم هذه القراءة بإحدى الآمال الرمزية لبريمر ففي الكتاب إشارة فخر إلى أن الأمريكيين أرادوا من إعادة تأهيل سجن أبوغريب أن يكون قادرا على استيعاب آلاف المعتقلين، وأراد (بريمر) شخصيا أن يجعل منه متحفا للذاكرة عن جرائم صدام وشرطته لتثقيف العراقيين من الأجيال الجديدة.. ويبدو أنه من سوء حظ بريمر أن جرائم الأمريكيين المخزية في سجن أبو غريب هي التي ستبقى في الذاكرة العراقية والعربية!

اعتمدت هذه القراءة على:

1- كتاب (عام قضيته في العراق.. النضال لبناء غد مرجو)، السفير بول بريمر، الطبعة العربية، 206، دار الكتاب العربي.

2- القانون الأساسي في العراق 1925.

3- تاريخ العراق المعاصر، د. جعفر عباسي حميدي، ود. إبراهيم خليل أحمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى