فكر

الإمامة في الفكر الهادوي

الإمامة في الفكر الهادوي (1-4)

مسألة الإمام  وحصرها في ذرية علي من فاطمة هي إحدى عظائم الأمور لدى أكبر فرق الشيعة: الإمامية الاثنى عشرية، والزيدية والإسماعيلية؛ مع وجود اختلافات مع فرق أخرى في توجيه الإمامة بعد الحسين إلى بعض أبناء علي مثل محمد ابن الحنفية لدى الكيسانية، أو إلى من خرج داعيا إلى نفسه شاهرا سيفه عند الهادوية، أو رفض بعض الفرق الزيدية –  السليمانية والصالحية –  لفكرة الوصية من أساسها، وقولهم إن الخلافة شورى بين المسلمين؛ وإن كانوا يقولون بفضل علي وجدارته بالإمامة على من سبقه من الصحابة لولا أن المسلمين اختاروهم شورى.. فضلا عن الخلافات العميقة التي ظهرت التي لدى الاثني عشرية في تحديد الإمام من بعد جعفر الصادق فتوزعوا إلى فرق غاية في الشذوذ العقلي والديني!

ومن غير المستغرب أن تصير (الإمامة) بشكلها الحصري في أسرة ما هي قطب الرحى في الفكر الشيعي؛ فالتشيع نشأ أساسا التفافا حول (فرد) هو علي ثم ذريته بدعوى أحقيته بخلافة النبي بوصية من النبي بناء على أمر من الله، ثم صار الأمر عقيدة تؤلف فيها النصوص والقصص والأساطير؛ حتى انتهى كما يقول د. علي سامي النشار: ( إلى مذاهب سياسية وفلسفية معقدة تمام التعقيد مركبة من مختلف المذاهب من عقيدة حب آل البيت إلى مذهب فلسفي يبطن الاعتزال أحيانا والغنوص أحيانا، ويتستر خلفها مجموعة من أشد أعداء محمد ضراوة، ويحاولون بكل الوسائل القضاء على رسالته وعلى العقيدة التي حارب ابن عمه لأجلها بكل قواه!).(1)

وكان طبيعيا مع فكرة قداسة الذات الواحدة أن: (دخلت الأسطورة في التشيع لأن الأسطورة تتبع الفرد دائما صاحب المذهب ولا يتبع المذهب أول الأمر ثم تصبح جزءا من المذهب..) ولذلك صار التشيع: (ظاهرة مركبة معقدة، وبين طوائفه قديما وحديثا من الاختلافات ما لا يوجد بين طوائف السنة قديما وحديثا).(2)

ونظن أن قراءة سريعة لأقوال فرق الشيعة – وحتى في إطار فرقة واحدة مثل الهادوية- في مسألة الإمامة فقط تؤكد كلام د. النشار السابق، ويمكن كذلك ملاحظة كيف تتحول عقول جبارة مفكرة مثقلة بالعلوم في شتى مناحيها إلى عقول أطفال تروج للأساطير والخرافات والأكاذيب عندما تخوض في مسألة الإمامة والحق الإلهي لعلي وذريته، وتحشد للفكرة نصوصا من كل واد عقيم مغرقة في الخرافة ومصادمة للعقل والحس الديني!

ويمكن القول إن فكرة الإمامة عند هادوية اليمن يحوطها الغموض في بيان مصدر شرعيتها؛ فهناك خلاف حول النص الجلي والنص الخفي، وحول دلالاتهما.. فضلا عمن يقول إن الخلافة شورى بين المسلمين.. وهناك الغلاة منهم المتأثرون بالفكر الجارودي وخرافات الإمامية – وهم مؤثرون وكثرة غالبة للأسف الشديد- الذين يرون أنها أمر إلهي بوجود نصوص يؤولون الصحيح منها على هواهم، أو يلفقون أحاديث غريبة فيها تكفير واضح لكل من يرفض إمامة علي وابنيه ومن حاز صفات الإمام من أبنائهم بعدهم!

ومع ذلك تظل الإمامة في الفكر الهادوي أقل قداسة دينية من فكرة الإمامة لدى غيرهم من فرق الشيعة، كما يظهر خاصة في مسألة تجويزهم (النظري) في الخروج على الإمام الظالم الفاسق، فهم لا يمانعون – نظريا- من حدوث فسق من الأئمة، وجواز الخروج عليهم، وفي قولهم إن طريقة تنصيب الإمام بعد الحسين ليست بنص سماوي ولا بوصية، بل لمن دعا لنفسه، وخرج شاهرا سيفه، وقول بعضهم إن الإمام يكتسب شرعيته من الأمة وليس بنص سماوي.. فهم على الأقل يقولون نظريا بدور للأمة في تنصيب الإمام ومنحه الشرعية، وأن السلطان الذي يؤتاه هو من الأمة، وهذه أحكام تعني اتفاق هادوية اليمن (ولو نظريا) مع الفكر الإسلامي عند السنة والمعتزلة والخوارج وأمثالهم الذي لا يقدس الحكام؛ بصرف النظر عن ممارسات التاريخ والأئمة في اليمن التي كانت وبالا على الإنسان والإسلام!

الإمامة في اليمن: الفكرة والمأساة

أهمية هذه المناقشة وطنيا تتأسس أولا بحكم وجود الهادوية حصريا في اليمن وهي بلاد أغلبها على غير مذهبهم، وليس من العدل فرض عقيدة مذهب أقلية على أغلبية لا تؤمن به، وثانيا لأن إصرار الهادوية على إقامة سلطة علوية تحكم بشروط مذهبهم كان له آثار مفجعة على اليمن واليمنيين؛ منذ دخول دعوة الهادي يحيى بن الحسين، وحتى زماننا هذا الذي عادت فيه دعوة الحق الإلهي للبطنين تقاتل من جديد بعد استراحة قصيرة منذ إزالة حكمهم في سبتمبر 1962!

ولم يكن تعصبا مذهبيا ولا تجاوزا للحقائق تلك المقولة الدقيقة التي قالها المؤرخ اليمني عمر بن علي بن سمرة ( صاحب كتاب طبقات فقهاء اليمن)؛ بل هو النظر الصائب لمثقف يمني كبير وتقييمه للأحداث: [ إن اليمن أصيبت بظهور فتنتين عظيمتين؛ الأولى: ظهور القرامطة بقيادة علي بن الفضل.. والثانية: ظهور الإمام يحيى بن الحسين..].

فخلال التاريخ المعروف للهادوية في اليمن عرفت البلاد أسوأ الفجائع الإنسانية، وساد القتل والاقتتال وسفكت الدماء أنهارا، وتدهورت الحالة الاقتصادية والمعيشية لليمن واليمنيين، واندرج اليمن من يومها في سلسلة طويلة لا تكاد تنتهي من الحروب من أجل الإمامة والسلطة سواء بين السلالة العلوية وخصومها أو داخل السلالة ذاتها بين المتنافسين الطامعين في الإمامة ممن يظنون أن شروط الإمامة تنطبق عليهم، وأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدعوهم إلى الخروج وإشهار السيف تطبيقا لأوامر المذهب.. فضلا عن الشروخ المذهبية والاجتماعية التي أحدثها الفكر الهادوي الطائفي المذهبي في بنية المجتمع اليمني، وشمل تقريبا كل مظهر من مظاهر الحياة، وحتى وصل إلى مستوى التمايز في المهن والملابس، وطريقة وضع الجنابي، والتمييز بالألقاب والأوصاف، واختيار أسماء المواليد على أساس طبقي!

وسوف يطول الحديث بلا نهاية لو أخذنا في سرد الجرائم التي ضربت اليمن واليمنيين التي تناسلت من فكرة الإمامة الهادوية وشروطها.. وفقدت المناطق التي سقطت في قبضة دعاة الهادوية في قعر من التخلف الحضاري والفقر، ولم تصل حقبة من حقب الأئمة إلى جزء بسيط من مستوى التحضر والبناء الإنساني والمادي الذي أنتجته الدول الأخرى (التي عاصرت فترة حكم الأئمة) التي حكمت أجزاء من اليمن أكبر بكثير مما حكمه أئمة الهادوية.. ولا يمكن إطلاقا مقارنة دول يمنية مثل الدولة الرسولية والطاهرية بما حققه الأئمة على افتراض أنهم حققوا شيئا ما! ولا يمكن أيضا مقارنة ما أحدثه الأتراك العثمانيون (وخاصة في وجودهم الثاني في اليمن) من منجزات عصرية بما صنعه الأئمة لا قبلهم ولا بعدهم على افتراض أنهم صنعوا شيئا ما! وحقق الاستعمار الإنجليزي النصراني (علي رأي الأئمة) في عدن وبعض مناطق الجنوب اليمني منجزات مادية كانت أشبه بالأحلام في مملكة الإمام، ولم يخجل كبار مسؤولي المملكة من الذهاب إلى عدن وأسمرا وإيطاليا وغيرها للاستشفاء في مشافي النصارى وهم الذين كانوا ينعتون مواطنيهم ممن يعيشون في عدن (وهي جزء من وطنهم) بأنهم إخوان النصارى!

ولو قارنا فقط بين ما حققته حكومات ثورة 26 سبتمبر خلال خمسين عاما (رغم كل الصعوبات) بما حققه كل أئمة اليمن خلال 1200 عاما لكانت الصورة أكثر وضوحا وواقعية أمام اليمنيين والتاريخ! وها هم الهادويون الجدد يدمرون اليمن ويمزقونها تمزيقا في خلال أقل من عشر سنوات منذ ظهروهم الأخير وبدء معركتهم الجيدة مع اليمنيين بدءا من جريمتهم في دماج وإلى نشرهم للدمار والخراب في كل المناطق التي وصلت إليها مليشياتهم المسكونة بأوهام التفوق العنصري والتفوق المذهبي واحتكار صفة الإيمان والوطنية والطهارة!

وهذه مقتطفات من شهادات فكرية لاثنين ممن خبروا النظرية الهادوية، عبد الكريم جدبان، وهو أحد مؤسسي الحركة الحوثية، وإبراهيم العلفي، وهو باحث في تاريخ الزيدية الهادوية. مع وقائع تاريخية على الشر الذي لحق بالمسلمين في اليمن بسبب فكرة الإمامة الهادوية وعقيدة الخروج وإشهار السيف بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقا للمذهب الهادوي.. وعن حقيقة ادعاءات ومزاعم هادوية اليمن أنهم تميزوا وتفردوا عن غيرهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة الظلمة.

خلل دستوري في نظرية الإمامة الزيدية

بقلم/ عبد الكريم جدبان:

لأنه لا يوجد نص دستوري في المذهب الزيدي ينظم عملية انتقال السلطة من شخص لآخر، دون شيوع الخلاف الذي يؤدي عادة إلى سفك الدماء والفتن وتهديد مبدأ النظرية عموماً، كان التاريخ الزيدي مليئاً بالمآسي والأحداث الدامية والخراب والدمار؛ لأنه كما أسلفنا لا يوجد نص دستوري ينظم العملية، بل تُرك الأمر هملا، مما فتح الباب أمام الطامعين والطامحين والانتهازيين مفتوحاً على مصراعيه. فكل من وجد في نفسه قدرة للاستيلاء على كرسي السلطة تقدم إليه، ولو لم يكن يملك من شروط الإمامة إلا الذكورة والانتساب إلى علي وفاطمة عليهما السلام. أو كان يرى أنه الأفضل والأكمل من الإمام الذي سبقه، وإن كان السابق له على أكمل وجه بالنسبة لشروط النظرية الهادوية في الحكم. وأستميح القارئ الكريم العذر في العودة إلى كتب التاريخ لأضرب أمثلة على هذه الدعوة.

- الإمام الناصر الأطروش:

كان الداعي الحسن بن القاسم قائد جيشه ووزيره المفوض، فلما فتح الناصر آمل ولى ولده أبا القاسم على منطقة هنالك، فأثار ذلك حنق الداعي الذي كان طامعا فيها، ومما زاد الطين بلة أن الناصر ولى ولده قيادة الجيش الفاتح لآمل، فشب الخلاف واحتدم الصراع، والذي أدى أخيرا إلى أن ألقى الداعي القبض على الإمام الأطروش وإيداعه في سجن قلعة اللازر، مما أثار حفيظة العلماء والقادة وسائر الناس، وكادت أن تقع الفتنة. (الإفادة 161-163).

- صراع أحفاد الهادي:

لم تلبث الدولة التي أسسها الإمام الهادي أن اندثرت على إثر صراع دامٍ تفجَّر بين حفيديه: القاسم بن الناصر الذي تلقب بالمختار لدين الله، وأخيه يحيى بن الناصر الذي تلقب بالمنصور بالله. وانقسمت القبائل بين مؤيد لهذا أو ذاك من طرفي الصراع على الإمامة، ذلك الصراع الذي انتهى بدمار صعدة وخرابها.(مآثر الأبرار للزحيف/173).

- الإمام القاسم العياني:

وهكذا لم يعد للإمامة الزيدية مكانة تستحق الذكر، إلى أن جاءت محاولة أخرى تستحق التوقف عندها، بمجيء الإمام القاسم العياني سنة (389هـ)، وكان قبله الداعي يوسف بن المنصور يحيى بن الناصر بن الهادي قد قام ببعض المناوشات المحدودة، إلا أنه اصطدم بالزعامات القبلية، وعلى الأخص قيس بن الضحاك اليعفري، ولما توجه العياني إلى الشمال ما كاد يصل إلى نجران حتى تمردت عليه صعدة، بتحريض من آل الهادي الذين لم يستطيعوا تقبل هذا المنافس الجديد على ما يعدونه ميراثهم. وتزعّم هذا التمرد الداعي يوسف، لكن العياني جمع ما استطاع من القبائل وسار بهم إلى صعدة وأخرب دربها وأخرج الداعي منها وولى عليها ابنه جعفر بن القاسم.

وكذلك تمرد على الإمام القاسم العياني الحسين بن القاسم الزيدي الذي قدم إليه من الطائف فأكرمه وولاه قيادة جيشه وفوض إليه أموره، فأسر ولده جعفر واليه على صنعاء واستولى على صنعاء، ولم يطلق جعفر بن الإمام القاسم العياني إلا بعد موافقة الإمام على توليته ولاية عامة من جبل عجيب في وسط بلاد همدان حتى ذمار جنوباً بما في ذلك صنعاء، وأعلن ولاءه للداعي يوسف، وعندها اضطر الإمام العياني للتخلي عن الإمامة، واستقر في عيان حتى مات.

- الإمام الحسين بن القاسم العياني:

بويع الإمام الحسين بن القاسم وهو حدث السن بعد وفاة أبيه، فعارضه ابن خصم أبيه محمد بن الحسين بن القاسم الزيدي، فبعد أن أرسل الحسين العياني أخاه جعفراً لتولي صنعاء، وظلت المناوشات بينه وبين آل الضحاك قائمة، حاول محمد بن الحسين الزيدي استعادة ما كان تحت نفود والده، فدخل صنعاء وأخرج جعفر منها وأخرب بعض دورها، مما اضطر الإمام الحسين العياني إلى تولي قيادة المعركة بنفسه، ووصل في جميع من القبائل وحارب الزيدي حتى قتله. وعاد فاتجه نحو صعدة واستولى عليها وحارب آل الهادي وأخرب بعض دورهم. ودخل في معارك مع آل الضحاك انتهت بمقتله. وعانت البلاد اليمنية كلها من فوضى ضخمة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، لسقوط الدويلات القوية بالتهائم وأعماق الجنوب، واستشراء الفوضى القبلية في الشمال.

يقول المؤرخ يحيى بن الحسين: من سنة (405 إلى سنة 448هـ) عمَّ الخرابُ صنعاء وغيرها من بلاد اليمن لكثرة الخلاف والنزاع وعدم اجتماع الكلمة الواحدة.. وأظلم اليمن وكثر خرابه وفسدت أحواله… وكانت صنعاء وأعمالها كالحرقة، لها في كل سنة أو شهر سلطانٌ غالبٌ عليها، حتى ضعف أهلها وانتقلوا إلى كل ناحية. وتوالى عليها الخراب وقلت العمارة في هذه المدة حتى أصبح عدد دورها ألف دار بعد أن كانت مائة ألف دار في عهد الرشيد… إلا أن صنعاء تراجعت بعض التراجع في زمن الصليحيين لما اجتمع لهم مُلك اليمن. ( إنباء الزمن 1/146-147، وقارنه بغاية الأماني 1/240.)

- الإمام عبد الله بن حمزة:

تصدى لدعوة الإمام عبدالله بن حمزة ثلاثة من أحفاد الأئمة الذين سبقوه، أولهم: الأمير يحيى بن الإمام أحمد بن سليمان، وكان أشد الناس مناوأة له، وكان قد تملك صعدة بعد وفاة أبيه، وكان كما وصفه ابن أبي الرجال: (كان فارساً بطلاً)، وكما وصفه مؤلف سيرة الإمام عبد الله بن حمزة علي بن نشوان الحميري: ((كان أميراً عظيماً جريئاً فارساً شجاعاً مجاباً مطاوَعا، قد فتح المدن الكبار، وناصب العجم وحاربهم بناحية الحقل، وجيش إلى صعدة في حربهم الجيوش، وعسكر العساكر، وجند الجنود، وبند البنود، وكان له جرأة في الحرب، وحذق ودهاء، وارتكاب للهول العظيم، وكان له هيبة في قلوب العامة)). ( مطلع البدور 1/359 ).

ولما دعا الإمام عبد الله بن حمزة، لم يلب دعوته وخرج إلى الملك المسعود وإلى السلطان الأيوبي فرحب به، ونشر الدعوة للغز، وصار يستحلف الناس للملك المعز إسماعيل بن طغتكين، ولقب نفسه بالمعتز بالله، وكتب إلى الإمام عبد الله بن حمزة كتاباً، وضمنه السب الفظيع، ودعاه بمسيلمة الكذاب، ثم تجهز لقتاله والتقى الجيشان في الجنات، فانتصر جيش الإمام وقتل عسكر الأمير يحيى بن أحمد بن سليمان، وأسر الأمير يحيى وجيء به إلى الإمام فقيده ووكل به من يحفظه، فعمل الأمير على وضع البنج في طعام الحرس للتخلص من السجن، إلا أن أحدهم عرف الحيلة فلم يأكل، وأبلغ الإمام. ثم قتل غيلة، وقيل: خنقا بالعمائم. (مآثر الأبرار/249، وغاية الأماني 1/349-350، وأئمة اليمن لزبارة 1/119، والسمط الغالي الثمين/67-68، والتحف شرح الزلف/ 101، الطبعة الأولى).

الثاني من المناوئين: السيد علي بن يحيى بن الحسين من آل الهادي، فقد خرج سنة (596هـ) مباينا للإمام والتحق بالمعز إسماعيل، وهو في كوكبان، وكفل له أخذ بلاد الشام، وجهزه المعز وأعانه، وحدثت مناوشات وفتن. ( أئمة اليمن لزبارة 1/121-353 ).

الثالث من المناوئين، يقول المؤرخ زبارة في أحداث سنة (597هـ): ((وفيها استقر الإمام في براقش بالجوف، وصنف شرحه على الأربعين الحديث السيلقية، ووصل إليه جماعة من الأشراف القاسميين يشكون من ولاية ابن جعفر بن القاسم العياني على بني عبد وظليمة وحجور، فعزله الإمام عن ولايتها فغضب وكتب إلى الشهاب الجزري ثم سار إليه، وحسن له أخذ مواضع من بلاد الإمام.( أئمة اليمن لزبارة 1/122).

قصة هدم المساجد وتخريب البيوت والقرى في الفكر الحوثي

بقلم/ إبراهيم عبد الرحمن العلفي:

الاستغراب الذي يبديه الكثيرون تجاه قيام الميليشيات الحوثية بتفجير المساجد والمدارس والمنازل دليل جهل كبير بكيفية تشكيل العقلية الفكرية الحوثية، والأبعاد الايدلوجية التي تستند إليها هذه الميليشيات المذهبية في تلك الممارسات.

لا غرابة مطلقاً في هذه الممارسات، بل هي أعمال شرعية مؤصلة ايدلوجيا وفق ثقافة مذهبية شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير في التعامل مع المخالف المذهبي للحركة الحوثية ببعده الهادوي المعتزلي والإمامي الجارودي، مرتكزها الأساسي التكفير للمخالف التاريخ خير دليل، فمادة (أخرب وخرب وخراب) هي الأكثر شيوعاً في كتب تاريخ حكم الأئمة الهادوية الجارودية لليمن وسيرهم، حتى أنه يصعب على الباحث إحصاء عدد القرى والمدن والمساجد والمنازل التي خربها الأئمة في أنحاء اليمن.

مساجد المخالفين مساجد ضرار ولا حرمة لها:

جاء في كتاب المهذب في فتاوى الإمام عبد الله بن حمزة: “ومساجد المطرفية والباطنية والمشبهة والمجبرة لا حكم لها ولا حرمة؛ لأنها أسّست على جرفٍ هارٍ وهي مساجد ضرار”، والمشبهة والمجبرة هم أهل السنة ومساجد الضرار هي مساجد الكفار.

تخريب مساجد أهل السنة:

جاء في كتاب المنتزع المختار من الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار في فقه الأئمة الأطهار للعلامة عبد الله بن مفتاح: “قال أبو طالب لا يصح الوقف على مساجد المشبهة والمجبرة، وقال:  مساجد المشبهة والمطرفية والمجبرة لا حكم لها ولا حرمة وأخرب كثيراً منها وسبل بعضها”، وهذا الكتاب هو العمدة في الفقه الهادوي، وهو يحكي أخراب الإمام عبد الله بن حمزة للكثير من مساجد أهل السنة و(ص بالله) إشارة الى الإمام عبد الله بن حمزة.

تخريب مساجد الزيدية المطرفية:

والمطرفية هم فرقة من الزيدية خالفت الزيدية المخترعة التي يتزعمها الإمام عبد الله بن حمزة في بعض المسائل الكلامية، وأبادهم الإمام عبد الله بن حمزة إبادة جماعية، وخرب مساجدهم في وقش وسناع وغيرها [انظر: المطرفية الفكر والمأساة – زيد بن علي الوزير – وانظر: الدراري المضية في أخبار أئمة الزيدية ومعتضدي العترة الزكية ومن عارضهم من سائر البرية للشرفي].

غزو أهل السنة وخطف أطفالهم وسبي نسائهم:

يقول الإمام عبد الله بن حمزة: “وأما حكايتنا عن القاسم والهادي والناصر عليهم السلام: بأن دار المجبرة والمشبهة دار حرب فهي من أجلى الحكايات، وأوضح الروايات”، ويقول: “جواز غزو المجبرة والمشبهة والباطنية وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم”، ويقول: “ولا يختلفون أن هذا رأي الأئمة الثلاثة عليهم السلام في المجبرة القدرية، والمشبهة الجبرية، ويغزونهم ليلاً ونهاراً، ويختطفون ذراريهم سراً وجهاراً، ويبيعونهم في أسواق المسلمين ظاهراً، ويشتريهم الصالحون؛ وما فعلوا ذلك إلا بفتوى علمائهم وأئمتهم وسائرهم” [المجموع المنصوري للإمام عبد الله بن حمزة].

ويقول أيضاً: “وكل دارٍ يظهر فيها إثبات قديم مع الله تعالى، كمن يقول: بقدم القرآن، أو يثبت للباري سبحانه رؤية كالقمر ليلة البدر، أو يضيف أفعال عباد الله تعالى من المخازي والقبائح إلى الله تعالى، أو يجوِّز عليه سبحانه الظلم، أو ينفي شيئاً من أفعاله عنه، أو يضيف شيئاً من أفعال عبيده إليه فإنه يكون كافراً، وداره بما قدمنا من الاعتبار دار حرب، ولا خلاف في ذلك بين القاسمية والناصرية واليحيوية، وهو قول جميع علماء المعتزلة ومحصلِّي العدلية، لا نعلم أحداً منهم يخالف في ذلك” [المجموع المنصوري والقول بقدم القرآن هو مذهب الشافعية في اليمن كلهم وإثبات المعاني القديمة لله وخلق الأفعال هو مذهب أهل السنة قاطبة].

هدم قرى حراز:

جاء في كتاب دولة (بني رسول) أحمد بن محمد بن صلاح بن محمد بن صلاح الشرفي: “أما الإمام المهدي على بن محمد الذي حكم من سنة750ه‍/ 1349م، فيرد في المخطوط أنه غزا حراز بجنود كالجراد، فأخرب قراهم”، وجاء فيه أيضاً: “فخربت البساتين، وغورت الآبار، وحمل إلى صنعاء وغيرها من الأعواد والأشجار شيء كثير، واستأصل المجاهدون شأفتهم، وبلغوا في تدمير بلادهم تدميرًا عظيماً لم يبلغ أحد مثله”.

خراب صنعاء:

“فلما كان في شهر ربيع الأول خرج الإمام عليه السلام من صنعاء إلى كوكبان هو وجميع أصحابه بعد أن أخرب صنعاء والدار السلطانية، هكذا ذكره الخزرجي” [اللآلئ المضية في أخبار أئمة الزيدية ومعتضدي العترة الزكية ومن عارضهم من سائر البرية للشرفي].

تخريب بيوت سفيان:

“ثم نهض من ساعته وأذن بالرحيل، وتقدم وحده وتلاحقت بعده الأجناد، وهو يسير السير غير المعتاد، ويقول: الجهاد الجهاد، فَصَبَّحَ سُفيانَ في أرضهم، ولما وضع السيف فيهم خَرَّبَ البيوت، وملأ منهم بسلاسل الحديد” [كتاب الإفادة في تاريخ الأئمة السادة ليحيي القاسمي بتحقيق عبدالسلام الوجيه والحديث عن الإمام المتوكل اسماعيل بن القاسم].

تخريب ديار يناعة:

“ثم أقبل إليهم المخاطبون من المشائخ أهل يناعة يبذلون من نفوسهم الرجوع والرهائن والدخول فيما يرضيه، فلم ير عليه السلام إلا خراب يناعة لما جرى من أهلها من الفساد، فأمر أمير المؤمنين بخراب درب المشائخ عيال سعيد بن سبر في مقابلة خراب درب أصحابهم عيال عبد الله لكونهم أنصاراً له، ثم خرب أكثر قرية يناعة إلا دوراً رأى تركها” [كتاب سيرة الإمام أحمد أبي طير تحقيق عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحوثي والإمامأابو طير هو أحمد بن الحسين بن القاسم].

تخريب آبار صنعاء:

“ثم انصرف الإمام وقد كثر القتل في أصحابه، ولما انصرف خرب ما حول (صنعاء) من الآبار وصار إلى ضلع فقطع بها أعناباً وقطع في ظهر، ثم انصرف إلى ريدة” [اللآلئ المضية والحديث عن الداعي يوسف].

خراب صعدة:

“ثم نهض الإمام عليه السلام إلى الجبجب وفسح للناس في المراح، ولما خرب الإمام صعدة وقمع المعاند من بني مالك وخرب دروبهم” [المصدر السابق].

حتى بيوت الأيتام والأرامل يجب هدمها:

عندما كان الأئمة يخربون القرى كانوا يخربون بيوت الأيتام والأرامل وكانت ترد عليهم الاحتجاجات من بعض العلماء على ذلك؛ فكانوا يجيبون بأن العقوبة لا بد أن تشمل الجميع، وأن الأيتام والأرامل سيعوضهم الله في الآخرة، ولنستمع الى جواب الإمام عبد الله بن حمزة على هذا الاعتراض “قلنا: هذا السؤال وارد على الأئمة الهادين، وقد اعترض به بعض إخوانكم الجاهلين لأحكام رب العالمين، ووجه الاعتراض إلى الإمام المنصور بالله عليه السلام، ونحن نذكر جوابه عليه السلام، قال عليه السلام: أقول إن ذلك عقوبة على المستحقين ومحنة على الآخرين يعيضهم عليها رب العالمين.

وقد فعل الله مثل ذلك في الأمم الماضية، وهو أقدر الأقدرين على تمييز المستضعفين والأطفال من الجبارين، ولأن ذلك معلوم لنا من سلفنا الصالحين؛ فإنهم فتحوا الأمصار الكبار والمدن العظام، فلم يعلم أنهم ميزوا بين الأملاك، ولا استخبروا عن الملاك؛ بل جعلوا الحكم للأعم الأكثر وأمثاله في الشريعة كثير.

الهادي عليه السلام قد أخذ جفاة وأملح وهدم قرية النميص ونجران وهدم المنازل وقطع الكروم ولم يعرف منه عليه السلام تمييز، ولا طلب ذلك، وكان عسكره يغيرون فيأخذون الأموال، ولم يعلم منه بحث ولا سؤال عن ذلك، وكذلك ولده الناصر عليه السلام هدم مدينة باري وهي مدينة كبيرة والكلابح وقطابة، وأخذ أموال قُدَمْ جملة، ولم يميز مال اليتامى والأرامل المستضعفين. وخرب الهادي عليه السلام بلاد الربيعة خراباً عاماً ولم يعلم منه عليه السلام بحث عن أملاك اليتامى وأموال الأرامل والضعفاء.

والإمام أحمد بن سليمان عليه السلام خرب غيل جلاجل، وهدم قرى على العموم وهي بلاد واسعة قدر مسير ثلاثة أيام كما قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في قصيدته المشهورة. أجليتهم عن أرضهم وبلادهم وحصونهم معدودة معروفة … ولعلها تأتي ثلاثُ مراحلِ” [كتاب دولة بني رسول للشرفي].

ومما خربه الأئمة أيضاً:

( إبراهيم بن موسى بن جعفر أخرب سد الخانق بصعدة) و (كذلك الهادي قطع أعناب أملح ونخيلها من بلاد شاكر وكذلك أيضاً قطع أعناب حقل صعدة بوادي وعلان ونخيل بني الحارث بنجران) و (الناصر – ابن الهادي – أخرب أرض قدم كلها ولم يسأل عن بيت يتيم ولا أرملة، ولا ضعيف) و (عبد الله بن حمزة أخرب العادية في بلاد ظليمة) و (وكذلك الإمام أحمد بن سليمان أخرب صعدة القديمة) و (الإمام الناصر لدين الله خرب قرية في الكريش يقال لها: الجند والعصرة في بني محمد، وعزان بني أسعد، وقاهر في بلاد المداير، ولم يسألوا عن بيت يتيم ولا أرملة) [انظر كتاب: النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة – الخاص بسيرة الإمام القاسم].

لن تتطرق هذه المقالة إلى مناقشة موسعة لفكرة الإمامة عند الشيعة؛ بل سيكون التركيز فقط على مناقشة (بعض) المسائل المتصلة بعقيدة الهادوية في اليمن عن الإمامة:

1- هل الإمامة من أصول الدين؟

2- القرشية والهاشمية.

3- الفاضل والمفضول.

4- علوية الخلافة.

الهوامش:

1- انظر ص21، الجزء الثاني من موسوعة: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، د. علي سامي النشار، ط8، دار المعارف، وهذا الجزء خصصه كله للفكر الشيعي وفرقه ورجالاته وطوائفه وظواهره.

2- المصدر السابق، ص18 و22.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى