المدونة

الإنسان: واعتراك الأماني والآمال

الإنسان كائن فريدٌ متميِّزٌ عن بقيَّة كائنات الأرض؛ فجميع هذه الكائنات لم تطوِّر نمط حياتها وأساليب عيشها رغم أنَّها أقدم مِنه في الوجود؛ لأنَّها بطبيعتها حيوانات غريزيَّة فقط، تحكمها غرائزها وتمضي، أمَّا الإنسان فمختلف عنها، إذ هو كائن متطلِّع غير قنوع بحاله، تسكنه الآمال والأماني فتشدَّه ليكون حالمــًا بمستقبل مختلف، متمرِّدًا على الواقع، مغامرًا رغم التَّحدِّيَّات، مذلِّلًا الصِّعاب، محطِّمًا القيود، مبتكِرًا في إنتاج ظروفه وأدواته ووسائله وأحواله.

وبقدر مخزون الآمال والأماني، وعمقها في نفس الإنسان، وانجذابه إليها ورغبته فيها، وأخذه بالأسباب المؤدِّية لتحقيقها، وسعيه المستمر لبلوغها، بقدر ما تترجم هذه الآمال والأماني حقيقة في واقعه. لكنَّ الأمر لا يتوقَّف عند ما يريده هو، بل فيما يحيطه مِن الظُّروف الأخرى الَّتي توفِّر له طريقًا مذلَّلًا نحو غايته.

والنَّاس في نظرتهم للآمال والأماني محكومون بعقائدهم وتصوُّراتهم وثقافاتهم والرُّوح السَّائدة في المجتمع.

فالعقائد “الجبريَّة” الَّتي تفسِّر القدر بأنَّه “حركة قهريَّة” لا تأثير للإنسان فيها، ولا خيار له معها، تكسر في النَّاس روح التَّطلُّع والتَّغيير، فيعيشون بلا آمال ولا أماني، لأنَّهم يرون الحياة قدرًا حتميًّا لا يجدي معه إرادة أو فعل! قد لا تكون هذه العقائد مسطورة بالضَّرورة في الكتب والمقرَّرات، لكن محفورة بالنُّفوس والوعي الجمعي، موروثة جيلًا بعد جيل كحمولة مقعدة عن أيِّ سعي أو قيام.

وأخطر ما في هذه العقائد “الجبريَّة” أنَّها تضيف ما يجري مِن شرٍّ واقع بأنَّه إرادة الله تعالى، وأنَّ هذه الإرادة لا مفرَّ مِنها، ولا سبيل إلَّا التَّسليم لها وعدم معارضتها. وغالب الشُّعوب الَّتي تؤمن بمثل هذه العقيدة تستسلم لما يقع عليها، ولا تمارس أيَّ نوع مِن التَّدافع مع الأخطار الكونيَّة والطَّبيعيَّة أو حتَّى الاجتماعيَّة، بل تسعى دومًا للتَّكيُّف معها. وهذه الشُّعوب لا تخرج إلى حيِّز الفعل الإيجابي والمنتج والمؤثِّر إلَّا في حالتين: دين هادٍ، أو إلحادٍ تامٍّ مع الدِّين. فالأوَّل يعيد رسم عقيدة القدر في توازن واعتدال بين إرادة الله تعالى الخالق، وبين إرادة الإنسان المختار (المخلوق)، في الإطار الذي أتاحه له الخالق ومنحه إيَّاه. أمَّا الثَّاني فهو يجعل الإنسان في مواجهة مباشرة مع ما حوله، ويدفعه لخوض العيش كتحدٍّ ينبغي له أن ينتصر فيه بما لديه مِن قدرات وإمكانات ومواهب؛ ولهذا رأينا كيف أنَّ الغرب الأوربِّي تقدَّم وتطوَّر بشكل متسارع، وعبر قفزات كبيرة، في البعد المادي مع الحياة، والمتَّصل بعيش الإنسان على الأرض. ولا يزال الإنسان الغربي يحاول مواجهة كلَّ الأخطار والتَّحدِّيَّات الماديَّة بذاته، دون استناد إلى أيِّ بعد غيبي، مِن خلال معامل الاختبار ومصانع الإنتاج وميادين التَّجربة.

كما أنَّ العقائد “الصُّوفيَّة” الَّتي تخلط بين الزُّهد باعتباره خُلُقًا رفيعًا يتصِّف به الفاعلون في الحياة، النَّاجحون في الكسب، إذ يجعلون وجهتهم وهم يحرثون الدُّنيا أجر الآخرة فيبذلون ما بأيديهم بعد أن ملكوه زهدًا فيه، وبين القعود السَّلبي الَّذي يصرف الإنسان عن الدُّنيا مطلقًا بمبرِّر القناعة والتَّوجُّه للآخرة، فلا يملك الإنسان معنى لوجوده في الحياة الدُّنيا إلَّا أن يكون فقيرًا ضعيفًا هملًا، بلا أمل ولا أمنيَّة تحثُّه على حرث الدُّنيا ليثمر في الدُّنيا والآخرة! وهذه فكرة مخالفة لحقيقة الدِّين لا يقرُّها ولا يقبل بها (1).

هذا العقيدة أفرزت مجتمعًا جاهلًا أميًّا متخلِّفًا، حتَّى في التَّاريخ الإسلامي، إذ كرَّست جانب القعود والاستسلام للأقدار وللأحوال وللظُّروف، مع قبول ورضا بها مهما كانت مِن السُّوء والشَّر. وإذا كان لا بدَّ مِن مقاومتها فليس مِن منطلق إرادة الأحياء ولكن مِن منطلق اللَّاجئِ إلى الأموات، والاستغاثة والاستعانة بهم، ليدبِّروا مِن منازلهم هناك أحوالنا هنا!!

في مقابل ذلك، تأتي التَّصوُّرات الشَّهوانيَّة لتفسِّر الحياة بالمتعة واللَّذة ليس إلَّا، لتسهم في جعل أعلى أماني الإنسان وآماله الاستجابة لغرائزه الجسديَّة ورغباته الماديَّة الَّتي يشترك فيها مع بقيَّة الحيوانات! فيصبح الإنسان حيوانًا مستكثرًا مِن الملذَّات والمتع الحيوانيَّة، وغارقًا فيها حدَّ الهوس. هذا الإنسان لا إنجاز له إلَّا الإكثار والسَّرف مِن الغرائز الشَّخصيَّة، وبهذا تصبح الحيوانات في رتبة أعلى مِنه، لأنَّها خلقت لهذا الأمر في حين أنَّه خلق لأمور أعظم، فينزل إلى مستوى الحيوان رغم ما منح مِن المواهب.

هذا الصِّنف مِن النَّاس تدور أمانيهم في مساحة ضيِّقة بين “السُّرَّة” و”الرُّكبة”، بين قضيَّتين بسيطتين: حاجة البطن وشهوة الفرج، بين شعورين لا ثالث لهما: الشِّبع واللَّذَّة! لذلك، يموت الواحد مِنهم دون أن يضيف للحياة أو للمجتمع الذي يعيش فيه قيمة تذكر، ويطوى اسمه مع طي رسمه في الحياة. وهم أكثر الأصناف وجودًا.

ثقافة “التَّكسيل” و”الرِّضا بالدُّون” هي أيضًا إحدى عوائق الإنسان عن صناعة الآمال الكبيرة والأماني الرفيعة، فهي ثقافة تعظِّم الخسارة وتخشى المخاطرة، وربَّما أماتت روح التَّنافس بين أبنائها، حيث لا تحفل بإنجاز، ولا تقدِّر نجاحًا، ولا تكرم متفوِّقًا، ولا تثني على عامل مجتهد. إنَّها ثقافة لا تعنى بالإنجاز بقدر ما تعنى بالسَّلامة، لأنَّ للإنجاز مخاطره التي لا بدَّ مِنها، وشعارها: ((لَو كانُوا عِندَنا ما ماتُوا ومَا قُتِلُوا))!

وما عقائد الانتظار الَّتي تسلَّلت إلى المسلمين، سواء انتظار “المهدي”، أو انتظار تحوُّل مِن علامات السَّاعة، أو فرج ما لا بذل لهم فيه، إلَّا نوع مِن هذه الثَّقافة الكسلة، التي لا تريد أن تصنع المعجزة ولكن أن تتخلَّق بذاتها: (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَومًا جَبَّارِينَ وإِنَّا لَن نَّدخُلَهَا حَتَّىٰ يَخرُجُوا مِنهَا فإِن يَخرُجُوا مِنهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)!

هذه البيئات الاجتماعيَّة مِن أخطر البيئات على صياغة نفسيَّة الإنسان ونظرته للحياة والمستقبل. لذلك فإنَّ المجتمعات المتقدِّمة اليوم هي مجتمعات تغيب عنها هذه العقائد والتَّصوُّرات والثَّقافات؛ هي بيئات تعزِّز إرادة الإنسان وتطلُّعاته، وتحفِّزه للعمل والمنافسة، وتشجِّعه على المغامرة والمخاطرة، وتفتح له آفاق الخيال وفضاء الحلم ليبني آماله وأمانيه ليسعى للوصول إليها جهده، تكرِّمه إذا أنجز، وتعينه إن كبا، وتعوِّضه إن خسر، وتعيد تحفيزه إن فشل!

الإنسان اليوم هو شحنة مِن الأماني والآمال، وهو غدًا قائمة مِن الإنجازات والأعمال، وبين اليوم وغد يحتاج إلى طاقة قويَّة، وروح وثَّابة، ونفس مغامرة، وقدرات مساعدة، وفرص تتيح له العبور، وظروف تمكِّنه مِن بلوغ أمانيه وتحقيق آماله. غير أنَّ الأهمَّ مِن ذلك كلِّه أن تكون تلك الأماني والآمال واضحة له تتناسب معه، تشِّع في كيانه، مِن وقت مبكِّر في الحياة، كي تكون له سعة مِن الزَّمان تمكِّنه مِن بلوغها، أو استدراك أخطائه في السّير نحوها، أو اختيار بدائل لطرق الوصول إذا سدَّ بعضها.

وليس سوى الشَّباب مخزون للآمال والأماني، حيث لا تزال الأحلام طريَّة والنَّفس متحفِّزة والنَّظرة بعيدة، فمتى عرف الشَّباب آمالهم وأمانيهم المناسبة وعاشوا لها هانت الصِّعاب وتذلَّلت العقبات. وقديما قيل: (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) وكذلك تأتي على قدر الآمال والأماني الإنجازات، وكثيرًا ما تقرأ أنَّ أغلب النَّاس نجاحًا هم أكثرهم محنة وابتلاء وثباتا وصبرا وسعيًا وتطلُّعا لغد أجمل وحياة أفضل.

الهوامش:

1- العجيب أنَّ رموز وقادة التَّصوُّف القديم كانت تمثِّل قدوة فيما تدعو إليه وتبشِّر به، إذ هي منصرفة عن متاعِ الدُّنيا وزخرفها، أمَّا تصوُّف اليوم فيقوده طبقة مِن الرُّموز الثَّرية الفارهة التي تعيش حياة باذخة، وتتقلَّد المناصب الرَّفيعة، ويدرس أبناؤها في أرقى الجامعات وأفخمها بالغرب! وفيما تزداد طبقة الأتباع جهلًا وفقرًا وكبدًا تزداد هي رخاء واسترخاء وجمعًا بين السُّلطة والثَّروة! فما عاد هناك تصوُّف بالمعنى الحقيقي للتَّصوُّف.

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى