أشتات

التشويش الموجه: عسر الهضم الفكري

ترك الحراك الشعبي وما يُعْرَف بالرَّبيع العربي من العام 2011 وما تلاه، آثارًا عميقة في المجتمعات وعلى صعيد الأفكار والتصورات والقناعات، وتحركت الكثير من المياه الراكدة في مجالات السياسة والفكر والنشاط الاجتماعي والثقافي والحقوقي.

وقع ارتطام وتصادم بين موجات التغيير وتدفق الأفكار ومحاولات الانطلاق والرغبة في الانعتاق، مع القوى المضادة للتغيير وأجهزتها الضخمة في الإعلام ومنصاته ومنابره وكافة وسائل التأثير على الجمهور.

كان الأثر الأبرز لهذا الارتطام هو حالة التشويش على الأفكار والقيم والمواقف، والتشكيك ونزع الثقة في كلِّ شيء وبخصوص كل موقف!

وصارت اللافتة الأكثر تصدرًا لهذه الفترة وهذا العقد من الزمن وأدق توصيف لها هو هذا التشويش، وخلق حالة من عدم الوضوح، والضبابية الباعثة على الحيرة والدهشة والعجز عن فهمِ شيءٍ مما يجري.

وسنقفُ على بعضِ صور التشويش ومظاهره وأمثلته، وقد نستوعبُ أنَّ التشويش هذا مقصودٌ لذاته ومدروسة خطواته ومحددة مجالاته.. وهذه بعض النماذج الحية:

- أحلام موؤدة:

كانت مطالب المجتمعات محقة وأهدافها نبيلة وأحلامها مشروعة، لكنَّ الواقع الذي أفرزه هذا الحراك بسببِ الضربات التي وجهت له من القوى المضادة، جعلت منه واقعًا مؤلما وله تأثيرات – بطبيعة الحال – قاسية، شوشت على أفكار الكثير وأثرت على تصوراتهم المتعلقة بالحقوقِ والحريات وفكرة التغيير وإنفاذ إرادة الشعوب وتحقيق مطالبها وحقها في الحياة الكريمة!

كما أنَّ البديل لم يكن جاهزًا وعلى مستوى التحدي وحجم الصعوبات، وقدم نموذجًا هزيلًا وضعيفًا ، وأخر مشوهًا وهشًّا ، وثالث لا يختلف عن السابق كثيرًا في فساده وتغوله!

إضافة إلى أنَّ التغيير على مستوى المجتمعات يتطلبُ مدى زمنيًا يمتد أحيانًا إلى عقود, وتأتي ثمرته بعد سنواتٍ طوال، ولا يدركُ هذا البُعْد إلا قلة لا ينجحون في التأثير وإقناع العامة بهكذا سنة من سننِ التغيير الحتمية في تحولاتِ المجتمعات.

أُدينت الضحية وأُشِيد بالجلاد، وحنَّ الكثير لماضيه على ما فيه، وأصبح من الصعوبة إزالة حالة التشويش هذه من أفكار الناس وتصوراتهم .

- اغتيال مبكر :

كانت هناك حاجة حقيقية للمراجعات ونقد الموروث وتصويب التصورات حول العديد من القضايا الفكرية، وكان التجديد مطلوبًا، والتحديث لابدَّ أن يظل مستمرًا.

تصدَّر لهذا المهمة الجليلة قوم مشتبهون ومدفوعين من جهات وأنظمة أفسدوا المهمة، كما تقدَّمَ لها بعض من لا يملك المنهجية العلمية لأداء هكذا دور .

أولئك الأدعياء نفروا من الأفكار التجديدية، وأضحت – حتى على صحة بعضها – مثار جدل وتشكيك ورفض كون مصدرها من غير الثقات، وممن لهم مواقف مع الإسلام نفسه، ومع الدين والمتدينين معًا!

وتعرَّض الجادون والباحثون الحقيقيون لحملات تشويه وشيطنة، شككت في جهودهم ونتاجهم، وشوشت هذه الحملات على الآخرين معرفة الأصيل من الدخيل، وتخوف الكثير من دعواتِ التَّجديد حتى أصبحت تهمة!

أعاق هذا التشويش جهود الباحثين أو ضاعف المصاعب عليهم ، إذا بات عليهم العمل في مسارين:  الأول: العمل على تجديد الخطاب الديني وتقديم الأفكار الحية .

الثاني: الرد على حملات التشويه والشيطنة وإثبات صدق مواقفهم وحسن نياتهم وجدية أبحاثهم وعلمية مناهجهم.

- تناقضات داخل التناقض:

نشأت محاور وتحالفات في المنطقة، ورفع كل محور شعاره، محور تغنى بالقضية الفلسطينية ومقاومة الكيان الصهيوني ، وسلَّ سيفه على بلاد العرب وأثخن فيها الجراح، وعاث فيها فسادًا بين قتل وتهجير، مخلفًا دمارًا هائلًا لحواضر المسلمين السنة.

يقابله محور يعلق عليه أنصاره الآمال محاولًا الاحتماء به من بطش ذلك المحور المعتدي، غير أنه محور مرتهن ويسارع في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وله دسائس لا تخفى! لكنه آخر القلاع ونهاية الحصون.

الأمر الذي شوَّش على النَّاس الحكم عليهما وألبسَ عليهم، نتيجة التناقضات وحجم الانفصام داخل كل محور ، وبات الناس في وضع يصدق عليه المثل: كالمستجير من الرَّمضاء بالنَّار !

نياتٌ حسنة وإخفاقاتٌ جلية:

الأحزاب والجماعات الإسلامية أو كما يصفهم البعض بجماعاتِ الإسلام السياسي، وهي كيانات لها أهدافها النبيلة وغاياتها السامية، لها أدوار لا تخفى في إحياء القيم والمحافظة عليها وحماية الهوية والدفاع عنها، ولها صولاتٌ في مقارعةِ الطغيان وجولات في مواجهة الاستبداد .

غير أنها نتاج بيئاتها وتتأثر بمحيطها، ويعلق بها شوائب مجتمعاتها، وحظها من التجربة العملية غير وافر ، فالتجريف السياسي من قبل الأنظمة لم يمنحها فرصة الصقل والممارسة والمراجعة والارتقاء .

وتعاني في بنيتها وآلياتها الكثير من الاختلالات، وتقع في أخطاء لا تُغتفر، مما شوش على النَّاس وأربك أحكامهم ، وباتت النَّماذج التي تقدمها تلك الكيانات غير مقنعة وأداؤها لا يرضي، وسريعًا ما يتم الإيقاع بها في ظل سذاجة غير متوقعة، فدب اليأس في قلوب الكثير نحو مدى قدرة تلك الحركات والجماعات الإسلامية على القيادة بكفاءة !!

لا شكَّ أنَّ هذه التباينات والاختلالات والتناقضات هي مظاهر متصلة بالحياة ومن لوازمها وطبيعة تركيبتها، وعلى النُّخبة والأمناء من المثقفين تكثيف الجهود لتجلية الحقائق وتبيين المواقف، وحسن توصيف الأحداث ودقة تشخيصها، وتركيب الصورة كاملة بسياقاتها وحيثياتها وكل الخيوط المتصلة بها ، للتخفيف من حدة التشويش والتقليل من الحيرة التي تضرب أذهان وعقول المهتمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى