أشتات

التماسك النصي.. قراءة في سورة النجم عبر علاقة الترقي

النَّصُّ بنيةٌ لغويةٌ تلتحم أجزاؤها بروابط لفظيَّة أو علاقات معنويَّة.

وتُدرَك الروابط اللفظية بحاسَّة السمع لكونها منطوقًا كضمير الغائب في نحو: “إبراهيم كريم لكنَّ أخاه بخيل” فالضمير في “أخاه” رابط لفظيٌّ بين الجملتين يُدرَك بحاسَّة السَّمع، وليس المراد بكونه لفظيًّا أنَّه يخلو من الدلالة بل المراد أنَّ الدلالة توَّلدت منه، فهي مسبَّبة عنه، ولو أُسقِط ذلك الرابط اللفظي، فقيل: “إبراهيم كريم لكنَّ أخًا بخيل” لاختلَّ نظم الكلام كما هو ظاهر.

وأمَّا العلاقات المعنويَّة فيُراد بها الروابط الملحوظة ذهنًا، كالسببيَّة في نحو: “سالمٌ من أهل العلم، أكرموه” فإنَّنا نُدرِك أنَّ طلب الإكرام مسبَّبٌ عن العِلم، مع خُلُوِّ النَّص من لفظ مخصوص يدُلُّ على السَّببيَّة كالفاء واللام (1).

ولا شكَّ أنَّ إدراك العلاقات المعنوية قد يكون خفيًّا، يتأبَّى على الانكشاف دون كَدٍّ ذهنيٍّ وتأمل طويل، لاسيَّما إن كان النَّصُّ مستودعًا للعلوم والأسرار الإلهيَّة كالقرآن الكريم.

وسنورد في هذا المقال نوعًا لطيفًا من العلاقات المعنويَّة، استنبطناه من صدر سورة النجم، ويسميه البلاغيون بـ «التَّرقِّي»، وهو في اللغة من قولهم: “رَقِيَ إلى الشَّيء رقيًا ورُقُوًّا وارتقى ويرتقي وترقَّى: صعد، ورقَّى غيَره، ويقال: ما زال فلان يترقَّى به الأمر حتَّى بلغ غايته”(2).

وفي اصطلاح البلاغيين: “هو أن يذكر معنى ثم يردف بأبلغ منه كقولك: عالم نحرير، وشجاع باسل. وهذا قد يدخل في بعض أقسام الإطناب”(3) ومثَّل له الزركشي(4) بقوله تعالى: {لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم}(15) وقوله: {لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً}(6) وأورد السيوطي تعريف السبكيِّ ومثالَه نقلًا عن كتاب «التِّبيان». ومَثَّلَ أيضًا بقوله تعالى: {الخالق البارئ المصوِّر}(7) أي: قَدَّرَ ما يُوجِدُ ثم مَثَّلَه. وقولِه تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى}(8) أي: ولا مَن هو أقربُ مَوَدَّةً فكيف بالأبعد؟!(9).

وسنجتهد في بيان ربط «التَّرقي» لأجزاء سورة النَّجم من الآية (1) إلى الآية (23)، طلبًا للاختصار.

قال تعالى:

﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ۝١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ۝٢ وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ ۝٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡیࣱ یُوحَىٰ ۝٤ عَلَّمَهُۥ شَدِیدُ ٱلۡقُوَىٰ ۝٥ ذُو مِرَّةࣲ فَٱسۡتَوَىٰ ۝٦ وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ۝٧ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ۝٨ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَیۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ۝٩ فَأَوۡحَىٰۤ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَاۤ أَوۡحَىٰ ۝١٠ مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰۤ ۝١١ أَفَتُمَـٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا یَرَىٰ ۝١٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ۝١٣ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ۝١٤ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰۤ ۝١٥ إِذۡ یَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا یَغۡشَىٰ ۝١٦ مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ۝١٧ لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَایَـٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ ۝١٨ أَفَرَءَیۡتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ۝١٩ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰۤ ۝٢٠ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ۝٢١ تِلۡكَ إِذࣰا قِسۡمَةࣱ ضِیزَىٰۤ ۝٢٢ إِنۡ هِیَ إِلَّاۤ أَسۡمَاۤءࣱ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم مَّاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَـٰنٍۚ إِن یَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُ وَلَقَدۡ جَاۤءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰۤ ۝٢٣﴾ {النجم: 1-23}

نَفَتَ جملة جواب القسم في أوَّل النَّص  الضَّلال والغواية عنه ﷺ نفيًا عامًّا لم يُذكَر فيه متعلِّق الفعل المنفي، أي: لم يذكر عن أيِّ شيءٍ انتفى ضلاله وغوايته ﷺ، ثمَّ ترقَّى في الآية التَّالية ببيان متعلِّق الفعل المنفي مع أنَّه معلومٌ للمخاطبين، فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} ووجه التَّرقي أنَّ نفي الضَّلال والغواية عنه ﷺ يستلزم نفي الهوى عما ينطق به؛ إذ الخلاف بينه وبينهم فيما يلفظ به ﷺ أصلًا، لكنَّه ترقَّى فصَرَّح بمحلِّ الخلاف، ولم يكتفِ بكونه مفهومًا من الآية السابقة، ووجهٌ آخر للتَّرقي هو أنَّه عَدَلَ عن صيغة الماضي في الآية السَّابقة إلى صيغة الحال أي: ما حصل منه الضَّلال ولا يحصل منه أصلًا أي: لا يُتصوَّر حصوله منه، يقول الألوسي (ت 1270ه): “أي: ما يصدر نطقه فيما أتاكم به من جهته عزَّ وجلَّ كالقرآن أو من القرآن عن هوى نفسِه ورأيِه أصلًا؛ فإنَّ المراد استمرار النَّفي كما مرَّ مرارًا… وفي الكشف أنَّ في قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} مضارعًا مع قوله سبحانه: {مَا ضَلَّ} {وَمَا غَوَى} ما يدلُّ أنه عليه الصَّلاة والسَّلام حيثُ لم يكن له سابقةُ غوايةٍ منذ تميَّز وقبل تحنكه واستنبائه لم يكن له نطقٌ عن الهوى كيف وقد تحنَّك ونُبِّئ؟! وفيه حثٌّ لهم على أن يشاهدوا منطقه الحكيم”(11) ويقول العلامة محمَّد أمين الهرري: “والظَّاهر أنَّ صيغة الماضي باعتبار قولهم: قد ضلَّ وغوى إشارة إلى تحقُّق ذلك في زعمهم. وأمَّا صيغة المضارع فباعتبار تجدد النطق في كل حال”(12). ثمَّ ترقى بالتَّصريح بدلالة المفهوم؛ إذ مفهوم المخالفة لقوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} هو كون منطوقه حقًّا، لكنَّه لم يكتفِ بدلالة مفهوم المخالفة بل صرَّح بالمفهوم زيادةً في التأكيد، فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ} ثمَّ ترقَّى فوصف الوحي بأنَّه {يُوحَى} والوصف بالمضارع هنا يفيد الاستمرار التَّجددي ورفع المجاز أي: إنَّ هذا الوحي حقيقي، وهو واقع الآن وسيستمرُّ، وفي تفسير الألوسي: “والجملة (يعني: يُوحَى) صفةٌ مؤكِّدةٌ لوحي، رافعةٌ لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار التجددي”(13) وكلام الرازي (ت 606ه) أوضح في بيان رفع المجاز، حيث يقول: “قوله (يُوحَى) ذلك كقوله تعالى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} وفيه تحقيق الحقيقة فإنَّ الفرس الشديد العدو ربما يقال: هو طائر، فإذا قال: (يطير بجناحيه) يُزيل جواز المجاز، كذلك يقول بعض من لا يحترز في الكلام ويبالغ في المبالغة: (كلام فلان وَحْيٌ)، كما يقول: (شِعرُه سِحْرٌ)، وكما يقول: (قولُه معجزةٌ) فإذا قال:  (يُوحَى) يزول ذلك المجاز أو يبعد”(14) ولا شكَّ أنَّ إثبات الشَّيء مع رفع المجاز عنه وإفادة استمراره أبلغُ من إثباته مجرَّدًا عنهما. ثم ترقَّى في تعظيمِ ذلك الوحيِ فذَكَرَ مُعَلِّمَه وفخَّم وصفَهُ بقوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ} ثمَّ ترقَّى فبيَّن أنَّ علاقته ﷺ بذلك المعلِّم القويِّ لم تكن عادية؛ حيث {اسْتَوَى} له ذلك المعلِّم القوي على هيئته الحقيقيَّة العظيمة {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} ووجهُ الترقي أنَّ في رؤيته ﷺ الملكَ الكريمَ على تلك الهيئةِ العظيمةِ زيادةَ تشريفٍ له فوقَ تشريفِهِ بعظمة ذلك المعلِّمِ، ثمَّ ترقَّى ببيانِ أنَّ الرؤية قد حَصَلَتْ عن قُرب فقال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} ثم ترقَّى فبيَّن شدَّةَ ذلك القُربِ بقوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} ثم ترقَّى فبيَّنَ أنَّ تلك الرُّؤية لم تكن مجرَّدةً بل اقترن بها الوحي {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} ووجه التَّرقي أنَّ اقتران التَّعلُّم بالرُّؤية أقوى إثباتًا لها مجرَّدةً عنه، كما أنَّ في الإيحاء له في تلك الحال العظيمة زيادة تشريف له، ثمَّ ترقَّى ففخَّم ذلك الوحي بإبهام صلة الموصول؛ إذ الأصل في الصِّلة أن يكون مدلولُها معهودًا للمخاطبين، “وقد يقصد تعظيم الموصول، فتُبْهَمُ صلتُه”  وفي الكشاف: “{مَا أَوْحَى} تفخيم للوحي الذي أُوحي إليه” وعلَّق ابن المنير على عبارة الكشاف بقوله: “التَّفخيم لما فيه من الإبهام، كأنَّه أعظم من أن يحيط به بيان”(15). ولم ينته الأمر هنا بل إنَّ الترقي مستمر، فقد أخبر بعد أن استنكر عليهم مماراتهم إيَّاه فيما يرى بأنَّه قد رآه مرةً ثانيةً، فقال: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فيكون ذلك آكَدَ لرؤيته وأنفى للشك، ثم ترقَّى فبيَّن أنَّ موضع الرُّؤية هذه المرَّة أعظم من موضع الرؤية الأولى؛ إذ وقعت {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} “وهو مقام جبريل. وكان قد بقي هنا عند عروجه ﷺ إلى مستوى العرش، وقال: “لو دنوتُ أنملة لاحترقت”. قال النبي ﷺ :رأيته عند سدرة المنتهى عليه ستمئة جناح، يتناثر منه الدُّر والياقوت”(16) ثم ترقَّى فذكر أنَّ تلك السدرة {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} ووجه التَّرقي أنَّ في ذكر مجاورة السِّدرة للجنة زيادةَ تفخيم لها وللرؤية الحاصلة عندها، ثم ترقَّى فزاد تلك السدرة تفخيمًا، فقال: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} والتفخيم هنا كالتفخيم الذي مَرَّ في قوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} ثُمَّ زاد في التَّرقي، فبيَّنَ أنَّ ما رآه لم يكن عظيمًا فحسب بل كان {مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ووجه الترقي هو استعمال صيغة التفضيل (الكبرى) التي تدُلُّ على التَّناهي في الكبر، فقد رأى آياتٍ أخرى أكبر من رؤية جبريل عليه السَّلام، يقول الفخر الرازي:  “قال بعض المفسرين:{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} وهي أنَّه رأى جبريل عليه السَّلام في صورته، فهل هو على  ما قاله؟ نقول الظَّاهر أنَّ هذه الآيات غير تلك، وذلك لأنَّ جبريل عليه السَّلام وإن كان عظيمًا، لكن ورد في الأخبار أنَّ لله ملائكةً أعظمَ منه، والكبرى تأنيث الأكبر، فكأنَّه تعالى يقول: رأى من آيات ربِّه آياتٍ هُنَّ أكبرُ الآيات…”(17) ويستمر هذا النَّمط من العلاقات فيما تلاها من الآيات؛ إذ بعد ذكر اللَّات والعُزَّى في سياق الذَّم ترقَّى فذكر مناة التي هي أعظم أصنامهم كما نصَّ على ذلك ابن عطية (ت541ه) بقوله: “وكانت (يعني مناة) أعظم هذه الأوثان قدرًا، وأكثرها عابدًا”(18) وزاد في التَّرقي بأَنْ ذمَّها بالعدد فقال: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ} وذلك كما نقول في عاميِّتنا: “اسكت أنت الثاني” ثم بالغ في الذم فوَصَفَها بـ {الأُخْرَى} قال في التَّحرير والتنوير: “والأحسن أنَّ قوله: {الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدِّد وكان فيه مَن يظن أنَّه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا: (وفلان هو الآخر) ووجهه هنا أنَّ عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب، فنبَّه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قُوَّةً على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها، وكلُّ ذلك جارٍ مجرى التهكم والتَّسفيه”(19) وفي الكشاف: “والأخرى ذمٌّ وهي المتأخرة الوضيعة المقدار”(20) ثم زاد في الذم فوصف آلهتهم بأنها لا تعدو أن تكون أسماء لا خارج لها {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء} فهي مجرد أسماء لا مسميات لها خارج الذهن، ثم أمعن في الذم فنَسَبَ تلك الغباوة إليهم بقوله: {سَمَّيْتُمُوهَا} ثم جاوزهم إلى آبائهم، وذلك أبلغ في الذم، فلم يكتف بنسبة الغباوة إليهم بل سَفَّهَ آباءهم الذين لهم في نفوسهم من التعظيم ما لهم، ثم ترقى بعد نفي استنادهم في عبادتهم تلك لأي برهان سماوي، ففضح مصدرها الباطل فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} ثم زادهم ذمًّا، فذكر أنَّهم جاوزوا الظن إلى ما هو دونه وهو هوى النفس؛ لأنَّ النفس تهوى ما لا يُظن به خير(21). ووجه آخر للترقي هنا هو أنَّه عبَّر أوَّلًا عن ضلالهم بصيغة الماضي في{سَمَّيْتُمُوهَا} ثم عبَّر ثانيًا عن ضلالهم بصيغة المضارع في{يَتَّبِعُونَ} {وَمَا تَهْوَى} فـ”يعلم منه أنَّ المراد أنهم يتبعون ما تهوى أنفسُهم في الحال والاستقبال إشارةً إلى أنهم ليسوا ثابتين على ضلالٍ واحدٍ وما هَوَتْ أنفسُهم في الماضي شيئًا من أنواع العبادة فالتزموا به وداموا عليه بل كلَّ يوم هم يستخرجون عبادة، وإذا انكسرت أصنامُهم اليوم أتَوا بغيرها غدًا ويغيرون وضعَ عبادتِهم بمقتضى شهوتِهم”(22) ثم كَشَفَ وجهًا أعظم لضلالتهم، فبيَّن أنهم لم يستمروا على ضلالهم عن جهل بل عن جحود وإيجاف في الغي؛ بعد أن جاءهم الهدى من ربهم، ووجه الترقي أنَّ الإمعان في الغواية بعد مجيء الهدى أشدُّ قبحًا من الضلالة الناشئة عن تقليد وجهل.

وبهذا يظهرُ لنا أنَّ الترقيَ قد اطَّرَدَ بين سلسلةٍ من أجزاء السورة الكريمة، محدِثًا تماسكًا دلاليًّا فيها؛ إذ الترقي علاقة نِسبيَّةٌ تقتضي طرفَيْنِ يحيل ُكلٌّ منهما على الآخر إحالةً ضمنيَّةً، كما أنَّ استمرار هذا النَّمط في النصِّ يخلق في ذهن المتلقي استعدادًا بوعي أو بدونه لتلقي ما هو أبلغ في كلِّ مرة، وهذا الاستعدادُ شبيهٌ بالسُّلَّم الذي يترقى فيه المتلقي مع أجزاء النَّص، بحيث يصبحُ ذلك النمطُ مألوفًا في ذهنه؛ وتلك الأُلفةُ هي نتيجةُ التَّماسك الدلالي المتولِّد من هذه العلاقة.

الهوامش:

  1. انظر: في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية آفاق جديدة، لسعد مصلوح، مجلس النشر العلمي، الكويت، 2003م، ص227.  ونحو النص، لأحمد عفيفي، مكتبة زهراء الشرق، ص103. والبديع بين البلاغة العربية واللسانيات المعاصرة، لعبدالمجيد جميل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص141.
  2. لسان العرب، لابن منظور، مادَّة [ر ق ي].
  3. عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، للسبكي، تحقيق: عبدالحميد هنداوي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، 1423ه-2003م 2/319.
  4. البرهان في علوم القرآن، للزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، 3/296.
  5. [البقرة: 255].
  6. [الكهف: 49].
  7. [الحشر: 24].
  8. [البقرة: 120].
  9. شرح عقود الجمان، للسيوطي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1348ه، 2/145.
  10. [النجم: 1-23].
  11. روح المعاني، للألوسي، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 27/46،47.
  12. تفسير حدائق الرَّوح والريحان في روابي علوم القرآن، للهرري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1421ه  – 2001م، 28/155.
  13. روح المعاني، 27/46، مرجع سابق.
  14. مفاتيح الغيب، للرازي، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1411ه  – 1981م، 28/284.
  15. راجع تعليق ابن المنير على الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري،  تعليق: خليل مأمون، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1430ه- 2009م، ص ،1139رقم (5)،
  16. حدائق الرَّوح والريحان، للهرري، 16/28، مرجع سابق.
  17. مفاتيح الغيب، للرازي، 28/295، مرجع سابق.
  18. المحرر الوجيز، لابن عطية، دار ابن حزم، ص1781.
  19. التحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، 27/105.
  20. الكشاف للزمخشري، ص1061، مرجع سابق.
  21. مفاتيح الغيب، للرازي، 28/301، مرجع سابق.
  22. مفاتيح الغيب، للرازي، 28/301، مرجع سابق.

محمد العامري

كاتب وباحث في اللسانيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى