أشتات

الثقافة والترف في فكر ابن خلدون

يقال عن سلامة موسى (ت1378هـ/ 1958م) إنه أول من ترجم مصطلح: “culture” إلى الثقافة(1)، وهو يذكر عن نفسه صراحة أنه لم يبدع ولم يخترع هذه الترجمة، بل أخذها من عبارات لابن خلدون (ت 808 هـ)  وفي ذلك يقول: ((كنت أول من أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث، ولم أكن أنا الذي سكها بنفسه؛ فإني انتحلتها من ابن خلدون؛ إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة (كلتور) الشائعة في الأدب الأوروبي))(2).

لكن المفكر مالك بن نبي (ت1393ه/1973م) له رأي آخر مغاير عبر عنه بقوله: ((لم نجد أثراً لتلك الكلمة [الثقافة] في لغة ابن خلدون))(3). ثم يستدرك في الهامش قائلاً: ((وردت الكلمة مرتين أو ثلاثاً في المقدمة بصورة أدبية بوصفها مفردة لغوية دون الوقوف عند كلمة (ثقافة) بوصفها مفهوماً، وتقديرها ظاهرة اجتماعية))(4).

ولعل القارئ يتـساءل هنا: بين المعنى الذي أثبته سلامة موسى (ت1378هـ/1958م) ونفاه مالك بن نبي (ت1393ه/1973م) أين تكمن حقيقة المفهوم الخلدوني للثقافة؟ هل كلا الرجلين أخطأ في قراءة مفهوم الثقافة لدى ابن خلدون؟ أم كان أحدهما أقرب إلى الصواب من الآخر؟

وهنا يجب التمييز بين مفهومين للثقافة: الأول: المفهوم التقليدي (الكلاسيكي) الذي ينظر إلى الثقافة على أنها مجموع ثمرات العلوم والمعارف والفنون المختلفة.

والثاني: المفهوم الأنثروبولوجي الذي يرى في الثقافة مفهوماً شاملاً يتناول كل مجالات ومناحي ومناشط الحياة الإنسانية عدا البيولوجي منها.

وأما الدلالة اللغوية لكلمة ثقافة فهي ترجع إلى الفعل ((ثَقُفَ))، والتثقيف هو التقويم والتسوية، من قولهم: ثقَّفتُ القناةَ  (قناة الرمح) أي أقمت عوجها، و(المثـــــقَّـــفُ) ـــــ بتشديد القاف وفتحها ــــ (اسم مفعول):  يقال: هذا رمح مثــقَّف، ثم استعير في معنى التهذيب والتقويم الذي يحصل باكتساب العلوم والمعارف والآداب؛ فقيل: رجل مثقف، وذو ثقافة.

فهل وقف ابن خلدون عند حدود هذه الدلالة اللغوية؟ أم تجاوزها إلى منظور أوسع انطلاقاً من رؤيته التأسيسية لعلم العمران البشري والاجتماع الإنساني كما يسميه؟

عند التأمل في مقدمة ابن خلدون (ت 808 هـ)  نجده يذكر كلمة: ((الثقافة)) في سياق شرحه لحالة الترف التي أفاض في تقرير خطورتها، وذلك في موضعين، وهذا نص كلامه فيهما:

1- ((إن طبيعة الملك تقتضي الدعة كما ذكرناه، وإذا اتخذوا الدعة والراحة مألفاً وخلقاً صار لهم ذلك طبيعة وجبلة شأن العوائد كلها وإيلافها، فتربى أجيالهم الحادثة في غِضارة العيش ومهاد الترف والدعة، وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدة البأس، وتعود الافتراس وركوب البيداء وهداية القفر، فلا يُفرق بينهم وبين السوقة من الحضر إلا في الثقافة والشارة، فتضعف حمايتهم ويذهب بأسهم وتنخضد شوكتهم ويعود وبال ذلك على الدولة بما تُلبس من ثياب الهرم))(5).

2- ((وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تفنقوه من النعيم وغضارة العيش، فيصيرون عيالاً على الدولة، ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم، وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، ويلبِّسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها، وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها. فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته…))(6).

ومن خلال هذين النصين يمكن استشراف واستكشاف مفهوم الثقافة لدى ابن خلدون وهو مفهوم يتجاوز حرفية المعنى اللغوي؛ ذلك أن الثقافة وكما يبدو جلياً من سياق كلامه أصبحت مظهراً من مظاهر الترف، ولوناً من ألوان المخادعة التي يموه بها الحكام المترفون على البسطاء كما يموهون بالشارة [حسن الهيئة واللباس] وركوب الخيل، ليصنعوا لأنفسهم بذلك التمويه مهابة كاذبة، بينما هم غارقون في الضعف والجبن.

ولقد كان ابن خلدون (ت 808 هـ) في تقريره هذا يصدر عن المفهوم الكلاسيكي للثقافة الذي كان معروفاً في تراثنا، وقد وظفه في نقده للترف الذي يعتبره داء العمران البشري؛ فكشف زيف الادعاء الثقافي الذي يحاول من خلاله المترفون خداع البسطاء من الناس والتمويه عليهم، كما يموهون عليهم بالهيئة الفخيمة واللباس الحسن وركوب الخيل، ليظهروا أنفسهم بمظهر الهيبة وهم ضعفاء، وبمظهر الشجاعة وهم جبناء، وبمظهر العلم وهم جهلة!

وبهذا يظهر ارتباط مفهوم الثقافة لدى ابن خلدون ارتباطاً وثيقاً باللسان، فالمترفون لا يمتلكون ثقافة حقيقية؛ بل ثقافتهم لا تتجاوز التشدق بالألفاظ وتنميق العبارات للتمويه على البسطاء. وهو يصدر هنا عن ذلك الارتباط الوثيق بين  الثقافة واللسان في مفهومها الكلاسيكي في تراثنا العربي؛ ويمكن القول إن الثقافة في المفهوم الخلدوني هي ثقافة اللسان، ولا غرابة في ذلك فاللسان هو المعبر عما اكتسبه الإنسان من علوم ومعارف وآداب، كذلك كانت العناية بــ (تثقيف اللسان) أي: تقويم اعوجاجه، وإكسابه الفصاحة، من أهم ما يُعتنى به، ومن الكتب التراثية التي أفصحت عن هذه الغاية كتاب: ((تثقيف اللسان وتلقيح الجنان)) للإمام الفقيه النحوي أبي حفص عمر بن خلف الصقلي (ت501هــ)، وعن ذلك المفهوم الكلاسيكي كان يصدر ابن خلدون (ت808هـ) في نقده لثقافة الترف؛ وإذن فالمعنى الكلاسيكي للثقافة يمكن فهمه واستنتاجه من كلام ابن خلدون، وهو ما فهمه واستنتجه سلامة موسى (ت1378هـ)، والمتأمل في المفهوم الذي يقدمه سلامة موسى للثقافة يراه مفهوماً كلاسيكياً بامتياز(7).

وكذلك يمكن لمح البعد الأنثروبولوجي للثقافة من كلام ابن خلدون؛ باعتبارها أداةً من أدوات الترف في عصور الانحطاط السياسي والاجتماعي، ولكن الأستاذ مالك بن نبي (ت1393ه) لم يكن يبحث عن إشارة كهذه في كلام ابن خلدون، وإنما  كان يبحث عن الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي الشامل، وهو ما لم يجده  بالتأكيد في كلام ابن خلدون.

إن ابن خلدون (ت808هـ) يلفت أنظارنا إلى أن الثقافة تتراجع في عهود الانحطاط، ويكثر أدعياء الثقافة والمعرفة الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويتشدقون بما لا يفقهون، ويكون ذلك مؤشر ـــــــ ضمن مؤشرات أخرى ـــــــ على هرم الدولة وقرب زوالها، وتركيز ابن خلدون على داء الترف وخطورة ولاية المترفين وما ينتج عنها من فساد يؤذن بالاضمحلال يتفق مع ما يقرره القرآن في هذا الشأن، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16]. والترف حين يطال الثقافة يحولها إلى ادعاء أجوف، وإلى معول هدم، وليس المقصود هنا أن تنفصل الثقافة تماماً عن جوانب المتعة والترفيه؛ لأن هنالك صلة لا تنكر بين ألوانٍ من الترف والثقافة، ويكمن أن نجد تلك الصلة في كلا المفهومين: الكلاسيكي والأنثروبولوجي للثقافة، ولا بأس بذلك الترف إن بقي في حدوده المعقولة، وكان يعبر عن قيم جمالية وفنية حقيقية، لا عن حالة من الانحطاط والادعاء والمظهرية الزائفة، ويمكن هنا استحضار قول عالم الأنثروبولوجيا المعاصر” آدم كوبر” : ((وعادة ما تستخدم الثقافة أيضاً بمعنى آخر، وذلك في الإشارة إلى الفنون الرفيعة التي يستمتع بها قلة من المترفين))(8).

الهوامش:

  1. انظر: نصر محمد عارف: الحضارة، الثقافة، المدنية.. دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم.  المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأميركية، ط2، 1415هـ ــــــ1994م، ص27.
  2. سلامة موسى: الثقافة والحضارة. مجلة الهلال ــ القاهرة، عدد ديسمبر1927م، ص171.
  3. مالك بن نبي: مشكلة الثقافة. ترجمة: عبدالصبور شاهين.  دار الفكر ــ دمشق، ط4، 1420هـ  ـــــــ 2000م،  ص20.
  4. المرجع السابق، نفس الصفحة.
  5. العلامة عبدالرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون. ت: د. عبدالله محمد الدويش. دار البلخي ـــ دمشق،  ط1، 1425هـــ ـــ 2004م (1/336).
  6. المرجع السابق (1/333).
  7. انظر: سلامة موسى: التثقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا. ط1، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ـــ القاهرة 1366هــــ  ــــــ 1947م. والكتاب من أوله إلى آخره لا يخرج عن المفهوم الكلاسيكي للثقافة.
  8. آدم كوبر: الثقافة .. التفسير الأنثروبولوجي. ترجمة: تراجي فتحي. مراجعة: د. ليلى الموسوي. ضمن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ــــ الكويت، الإصدار (349) مارس 2008م، ص20.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى