windows 95 sounds download free adobe dreamweaver cs6 gratis free audirvana plus 2.0 deutsch free itunes windows 10 64 manually windows updates 10 ashampoo movie studio pro 2 full free microsoft powerpoint 2016 free for windows 8.1 free adobe photoshop elements 10 user guide free
آثار

الحرب الإدريسية الإمامية (1912 – 1926م)

”فصول من التوسع والتوسع المُضاد..

أثناء صراعهما المَرير مع الدولة العثمانية، تحالف حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي والإمام يحيى حميد الدين، وهو التحالف الذي سعى إليه الأخير، واستمر قُرابة العام، وتجسد بمُحاصرة الأول لمدينة أبها، ومُحاصرة الآخر لمدينة صنعاء، وانتهى بعد كسر الحصارين، وعقد صلح دعان ذائع الصيت 8 أكتوبر 1911م.

حدود الإمارة الإدريسية من عام 1918 إلى 1924.

توسع إدريسي

وعن طبيعة ذلك التحالف وانفصام عُراه، قال محمد الإدريسي مُخاطبًا الرحالة أمين الريحاني الذي زاره في بداية عشرينيات ذات القرن: «عَقْدنا مُحالفة لمُحاربة الأتراك وطردهم من اليمن، ولما جاءوا يمرون من بلادنا ليضربوه من جهة الشمال أوقفناهم، وقلنا لهم: كيف نقبل وبيننا وبينه عهد الله، وصل الأتراك بعدئذ إلى صنعاء، فهموا بضربنا من وراء، من الجبال، فلم يمنعهم ابن حميد حليفنا، صنو عهدنا، كأنَّ العهد عنده قصاصة ورق».

وكان محمد الإدريسي قد خاطب قبل ذلك قاسم بن حسين أبو طالب أحد رسل الإمام يحيى إليه قائلًا: «وإنَّ هذا الرجل – يقصد الإمام يحيى – كفرني في رسائله ومكاتيبه، وعندي منها، وصالح الأتراك، وتركني، واستعان بالترك علي».

الإمام يحيى من جهته قام بعد توقيعه صلح دعان بمُراسلة محمد بن علي الإدريسي، داعيًا إياه للدخول – مثله – في بَوتقة مُصالحة العثمانيين، إلا أنَّ حاكم صبيا استمر في حروبه التوسعية، وحقق بدعم كبير من قبل الإيطاليين انتصارات مُتسارعة على حساب الدولة العلية، وسيطر بُمساندة أسطولهم البحري على مدينة جيزان، ثم أبو عريش، ثم ميدي مارس 1912م، ثم حرض، ثم جزيرة فرسان، وفشل خلال ذات الفترة في السيطرة على اللحية.

وكان – أي محمد الإدريسي – قد حقق منتصف العام الفائت انتصارًا لافتًا على القوات العثمانية في منطقة الحفائر القريبة من جيزان، وهي المعركة التي رفعت شأنه، وقوت جانبه، وكثَّفت أسلحته، وجعلت الإيطاليين يميلون إليه كل الميل، وما أنْ اشتعلت حرب الأخيرين مع الدولة العلية – سنأتي على ذكر جانبًا منها – حتى تضاعف دعم الإيطاليين له، وتوجه – كما سبق أنْ ذكرنا – جنوبًا.

وعلى حساب البلاد الإمامية سيطر محمد الإدريسي على جبل العرو، ثم جبل شدا، ثم بني جُماعة، ثم جبل رَازح أبريل 1912م، وتجاوزت قواته المَسنودة بأبناء تلك المناطق،  وتحت قيادة عرار بن ناصر، تجاوزت خولان الشام، وصولًا إلى فللة عذر، ومنطقة سحار الرابضة على مَشارف مدينة صعدة من جهة الغرب، وعن ذلك قال المُؤرخ عبدالكريم مُطهر: «سولت له – يقصد الإدريسي – نفسه الاستيلاء على صعدة، وبلادها، فأفسد جميع قبائل خولان بن عامر، ومكنهم من سلاح الكفار، فأعلنوا الخلاف على الإمام، ولم يبق بيد عُمال الإمام غير الحصون».

تمكن عامل الإمام يحيى على تلك الجهة محمد بن الهادي محمد من كبح هجوم القوات الإدريسية مُؤقتًا، وذلك بعد أنْ تَوالي وصول الدعم العثماني من أسلحة وخلافه إلى سيده (الإمام يحيى)، وكانت غنائمه – كما أفاد عدد من المُؤرخين الإماميين – من أنصار الإدريسي كثيرة.

وعلى ذكر الدعم العثماني، أفاد عصمت أينون في مُذكراته أنَّ عزت باشا أرسل بعد توقيع صلح دعان للإمام يحيى بعدة طوابير عسكرية، و3,000 بندقة، و1,000 صندوق ذخيرة بنادق، ومجموعة كبيرة من طلقات المدافع، وأنَّه – أي عزت باشا – تعهد بدفع ديات قتلى القوات الإمامية في معاركها مع قوات الإدريسي.

ولتوضيح تفاصيل المشهد الميداني، أترككم مع ما قاله المُؤرخ المُتوكلي سعد بن محمد الشرقي: «وصدق على المُخالفين البوار، ولبسوا ثياب المذلة والفرار، وصار الصغار لهم دثارًا، وولوا الأدبار، وانتُهبت قرى كثيرة، وغنم المجاهدون الحقير والخطير.. ولقد كان حينئذ يدخل النفر القرية من قُرى خولان، ويقول: هاتوا بنادق الإدريسي، فما يخرج إلا بجملة منها، وانتهبت العساكر من فرَّ، ومن تأمن وقر».

ويعود عداء أبناء خولان الشام للإمام يحيى إلى ما قبل هذه الأحداث بثمان سنوات، فهم لم يعترفوا أصلًا بعد وفاة والده بإمامته يونيو 1904م؛ بل ناصروا إمامًا آخر يُدعى الهادي الحسن بن يحيى الضحياني، والأخير كان ذا طموح سياسي محدود، اكتفى بحكم المناطق التي تحت يديه، وتسمى بـ (إمام الشام)، وسمى مُنافسه بـ (إمام اليمن)، وقد عمد بعض مُؤرخي العهد المُتوكلي على تسميته بـ (المشاقق).

لم يعادِ الضحياني العثمانيين، بل وقف بجانبهم، وساندهم في العام التالي أثناء حصار عساكر الإمام يحيى (كان مُعظمهم من أبناء قبيلتي حاشد وبكيل) لصنعاء، وتحفظ الذاكرة الشفهية زامل شعبي شهير فيه توضيح لوقوفهم مع الوالي العثماني المشير أحمد فيضي باشا أثناء فكه لذلك الحصار، نقتطف منه:

خيــــلـت بـارق قــد لـمــــع

مــــن فــــوق صــنـــــــعاء

حـــن رعـده وســـــيــــــله

وشــــل حـاشـــد والبــكــيل

يا طير يا عـازم بالــــريش

بلغ سـلامي للمشير بن فيضي

ذي عســــكره قــوم النـفـيــــر

وحـنــا طلبـنا الله لفــك العسار

وفي المُقابل ساند العثمانيون الإمام حسن الضحياني في مَعاركه الدفاعية ضد الإمام يحيى، وهي الحرب التي صمد فيها لخمس سنوات، وحين انتصر مُنافسه بالحيلة عليه؛ تحول كثيرٌ من مُناصريه لمُناصرة حاكم صبيا محمد الإدريسي، ليس حبًا للأخير، وإنَّما كُرهًا لابن حميد الدين.

وما يجدر ذكره أيضًا أنَّ اتصالات الإيطاليين مع محمد الإدريسي كانت قد بدأت عندما كان الأخير طالبًا في القاهرة 1905م، وما أنْ عاد في العام التالي إلى صبيا مُمهدًا لتأسيس إمارته، حتى مَدته بالأموال، وكللت جهودها أواخر عام 1911م بالتحالف معه، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليه الحكم، وبالتزامن مع بدء الحرب الإيطالية العثمانية في طرابلس الغرب (ليبيا) التي اشتعلت قبل 15 يومًا من توقيع صلح دعان السابق ذكره، وكانت سببًا رئيسيًا في إبرامه، وهي – أي تلك الحرب – امتدت رحاها إلى سواحل اليمن الغربية، وتعرضت بسببها المدن الساحلية للقصف والحصار.

بدأ الأسطول الإيطالي حربه تلك بقصف ميناء الحديدة 2 أكتوبر 1911م، وأطلقت سفينتان حربيتان 21 قذيفة على ذات الميناء، وتسببت بإغراق إحدى السفن العثمانية، وتقدمت بعد ذلك قطع ذلك الأسطول وأحكمت حصارها للحديدة، وحاولت أكثر من مرة السيطرة على تلك المدينة المُسالمة.

بدأت بذلك مطامع إيطاليا في السيطرة على السواحل اليمنية تتبدى، وهي المطامع التي أزعجت الأتراك، وجعلتهم يُكثفون من استعداداتهم الدفاعية، ويحسنون علاقاتهم مع اليمنيين بشكلٍ عام.

نقل المُؤرخ أحمد إبراهيم الطيب في كتابه (عبرة لمن يعتبر) جانبًا من تفاصيل تلك المُواجهات البحرية، وقال أنَّه وفي ليلة عيد الأضحى المبارك 1329هـ (30 نوفمبر 1911م) تعرضت مدينة المخا لقصف مدفعي من قبل السفن الحربية الإيطالية المُرابطة في مياه البحر الأحمر، وأنَّ القصف طال أيضًا منطقة الخوخة، ثم باب المندب، وأنَّ الأخيرة وقلعتها الحصينة كانت الأكثر صمودًا، استمر قصفها لأقل من ثلاثة أشهر، وذلك بالتزامن مع التوغل الإدريسي في رازح وخولان الشام السابق ذكره، فيما شاهد بعض سكان أعالي جبل صبر من قُراهم المُعلقة – ومن ضمنهم المُؤرخ الطيب – لوامع ذلك القصف.

كما عاود الاسطول الإيطالي قصفه لمدينة الحديدة، وذلك بدءًا من يوم 31 أغسطس 1912م، والذي وافق بداية العشر الأواخر من رمضان 1330هـ، وعن ذلك قال ذات المُؤرخ: «ضربت المدافع على الحديدة حتى أخربوها، وأخبرني من أثق به أنَّه ضرب عليها في كل يوم ثلاثين قله، ثمن كل قله خمسمائة ليرة ذهب، حتى خرج أهلها إلى مناخة، وإلى التحيتا، وبيت الفقيه وما ولاها».

ما أنْ انتهت تلك الحرب بتوقيع صلح اوشي (لوزان) 15 أكتوبر 1912م، حتى خفت الدعم الإيطالي لحاكم صبيا محمد بن علي لإدريسي، إلا أنَّه استطاع من خلال الأسلحة التي حصل عليها، وتكاثر أنصاره، أنْ يتوغل غربًا، ويسيطر على بلاد حجور، وبلاد الشرف.

اجتاحت قوات محمد الإدريسي حجور الشام، وتمركز بعضها في حصن الموشح (وشحة) 22 أكتوبر 1912م، والبعض الآخر تمركز في جبل القارة، وقد تمكن عساكر الإمام يحيى من استعادة السيطرة على الموقع الأخير، وعن ذلك قال المُؤرخ الشرقي: «وهنا افتشل قوم الإدريسي من قارة، وولوا الأدبار، وفرّوا على ورائهم أقبح فرار، وتبعت أثرهم الأنصار، حتى اتصلوا بحصن الموشح»، وقد استمرت المُواجهات في تلك الجهة حتى بداية العام التالي، وتجاوزت بلاد حجور إلى بلاد الشرف.

أما في بلاد صعدة فقد تركزت المُواجهات في سحار، وعن سقوط الجانب الأكبر من هذه المنطقة بيد القوات الإمامية قال المُؤرخ الشرقي مُبالغًا: «وصلت البشارات من جهة سيف الإسلام محمد بن الإمام الهادي بالاستيلاء على بقية الناكثين من سحار، وهم قرية أحماد، وآل حميدان، وأهل الطلح، والأبقور، فمنهم من أخذ وسلب، ومنهم من أسرع إلى الطاعة، وفتح البيوت للمجاهدين».

وما لم يعترف به المُؤرخ الشرقي أنَّ القوات الموالية للإدريسي استعادت معظم تلك القرى، وأنَّ الحرب بمجملها كانت سجالًا، وأنَّ المُتضرر الأكبر منها كانوا أبناء تلك المناطق، لا هذا الطرف ولا ذاك، وكم من منازل دُمرت، وقرى نهبت، ونُفوس هُجرت؟ لتأتي وساطة الوالي العثماني محمود نديم باشا وعدد من الوجهاء والأعيان وتُوقف تلك المُواجهات مُؤقتًا مارس 1913م.

لم يكد ينتصف ذلك العام حتى اشتعلت المُواجهات في بلادي حجور وصعدة من جديد، وبوتيرة أشد، وقد تفرَّد المُؤرخ سعد بن محمد الشرقي بِنقل تفاصيلها، برؤية أحادية غير مُكتملة، فيها كثير من المُبالغة والتناقض، وتكرر في حديثه ذكره لأسماء مناطق سيطرت عليها القوات الإمامية أكثر من مرة، دون أنْ يحدد تاريخ سقوطها في يد الجانب الآخر!

أما المُؤرخ أحمد إبراهيم الطيب فقد نقل هو الآخر جانبًا من تفاصيل تلك المُواجهات، وبصورة مُقتضبة، وقال في معرض حديثه عن توسعات حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي، أنَّ قوات الأخير واصلت تقدمها إلى بلاد حاشد (ربما قصد بلادي حجور والشرف)؛ وأنَّ قوات عثمانية توجهت إلى شهارة لمـُساندة الإمام يحيى في حفظ تلك المدينة المنيعة، وربما قصد في الجزئية الأخيرة توجه الوالي محمود نديم إلى تلك الجهة يوليو 1913م، أو ربما قصد تبديل مفرزة صعدة بأخرى سبتمبر 1913م.

ومما قاله المُؤرخ أحمد إبراهيم نقتطف: «تكاثرت جموع الإدريسي، ودخلت نواحي المشرق، وأطاعته حاشد وكثير من نواحيها، وتوجه بعض عساكر السلطان مع إمام المشرق لحفظ شهارة..».

وإكمالًا لهذه الجزئية، وجب التأكيد أنَّ مُناصري حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي لم يكونوا من مُعتنقي المذهب الشافعي فقط، فسبق أنْ استغل ذلك الأمير الطامح غضب بعض مشايخ حاشد (كالشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر) من الإمام يحيى حميد الدين، وذلك بعد توقيع الأخير لصلح دعان، واستقطبهم إلى صفه، واستقطب غيرهم أيضًا من قبيلة بكيل، وقد كانوا يسمونه بـ (إمام الذهب)، ويسمون الآخر بـ (إمام المذهب)، ولسان حالهم يقول:

ما أنا قبيلي احــد، ولا حــــدُّ دولتي

ما دولتي إلا من املا جيبي قروش

وكان بعض أولئك المشايخ يقومون أثناء توجههم إلى مقر محمد الإدريسي في جيزان بتحدي الإمام يحيى، ويمرون – كما أفاد المُؤرخ إسماعيل الأكوع – بمجاميعهم القبلية جوار منزله في القفلة أو السودة، وهم يُرددون زواملهم. ومع احتدام المُواجهات بين الجانبين، كانوا يلهجون إلى الله بهذا الدعاء: «اللهم انصر الإمام يحيى نُص، وانصر الإدريسي نُص»؛ كي يستمر تكسبهم من تلك الحرب!

ولم تقتصر تلك المساندة على أولئك المشايخ، فهناك علماء زيديين ناصروا الإدريسي نكاية بالإمام يحيى، كيحيى بن محمد بن الهادي، وأحمد بن عبدالرحمن الأعضب، والأخير قاد – كما أفاد المُؤرخ إسماعيل الأكوع – مجاميع قبلية من حاشد لذات الغرض، وكانت مجاميعه تلك تردد بعض الزوامل، نقتطف منها:

ويا سلام الله عليك يا سيدي الولي

مُحمد بن إدريس أللي نوره مُضي

ومنها:

شـــــاع صــيــت نــصـره

واهتـــــدى كـل عـــاصـي

أخـــــرج مـــدافع والخيام

والشــمــس حــامــــــــــي

واخــــرج ذُيُــوب الحـرب

نَبُّــــــــوت وصــابــــــــه

أما يحيى بن محمد الهادي، فقد بالغ في خصومته للإمام يحيى، وهجاه في شعره، وبَالغ في المقابل في مدح خصمه، وما أنْ طُويت صفحة الأدارسة، حتى عاد لسيرته القديمة، وحاول أنْ يُكفر عما اقترفه، ومدح سيده وسميه بأشعار كثيره، ومما قاله في لحظات خصامه نقتطف:

ويُغلق باب شرع الله حتى

كــأنَّ بيـوته من غيـر باب

ونقتطف أيضًا:

ولابـــن حميــــد الـــدين مُلــــك مُـــدمرٌ

لــــه ومــواليـــه مـن العجــم والعـــرب

بمـــــا قد تعـــــدوا في يريم حـــدودهم

وأرض تــعـــــز والـعــدين إلــــــى إب

معسكرات تدريب لجيش المملكة المتوكلية اليمنية

انتصارات إمامية

وبالعودة إلى موضوعنا، فقد تركزت – كما أفاد المُؤرخ سعد الشرقي – المُواجهات في الجانب الآخر من بلاد صعدة في ثلاثة محاور: محور سحار، ومحور رازح، ومحور بني جُماعة، وتوافق ذات المُؤرخ مع ما قاله المُؤرخ أحمد إبراهيم الطيب في جزئية مقتل عدد من عساكر المفرزة العثمانية المُرابطين في منطقة الطلح التابعة لسحار نوفمبر 1913م، وذلك على يد القوات المُساندة للإدريسي.

وفي ذات العام حدثت – كما أفاد المُؤرخ محمد العقيلي – معركة كبرى في وادي عمق، كانت الغلبة فيها للقوات الإدريسية، فيما بلغت خسارة القوات الإمامية الـ 500 قتيل، ولو كانت القوات المُنتصرة واصلت تقدمها، لقضت على القوات المنهزمة، ولما عاودت الأخيرة هجماتها التي قلبت الموازين، وغيرت المعادلة.

دارت الدائرة ت بعد ذلك على القوات الإدريسية، وحققت القوات الإمامية في المحاور السابق ذكرها انتصارات لافتة، وتمكنت بعد سيطرتها النهائية على منطقة سحار، من السيطرة على منطقتي ضحيان ومجز من بني جُماعة، ومنطقتي الأشعاف والأزوار من جبل شدا، وتمكنت – وهو الأهم – بعد عديد مُواجهات من التمركز فوق قلعة العمار من جبل رازح 24 يونيو 1914م، وهذه القلعة شديدة الأهمية؛ كونها مُطلة على السهل التهامي، وبدأ بسقوطها التهاوي السريع لعساكر محمد الإدريسي المُرابطين في أحراش ذلك الجبل العتيد.

بعد سيطرتها على جبل رازح، تفرغت القوات الإمامية لبني جُماعة، وتمكنت بعد معركة شرسة من السيطرة على الأخيرة 10 سبتمبر 1914م، بعد أنْ قامت بحركة التفافية من جهة جبل العرو، والتلال المُتصلة به، وقد أخذت تلك القوات من كبراء تلك المنطقة وغيرها رهائن الطاعة، وعاثت فيها نهبًا وخرابًا.

لم تتوقف طيلة الأشهر الماضية المُواجهات في بلاد حجور، وهي بتفاصيلها تتشابه إلى حد كبير مع تلك التي حدثت في بلاد صعدة، مع فارق أنَّها كانت الأطول، وأنَّ ناقل تلك التفاصيل (المُؤرخ الشرقي) لم يحدد تاريخ نهايتها، ولا نتائجها؛ لأنَّ تدوينه للأحداث انتهى بابتداء الحرب العالمية الأولى (بدأت في 28 يوليو 1914م)، وبمعنى أصح بعد نشوب تلك الحرب بشهرين، والراجح أنَّ المواجهات توقفت حينها بين الجانبين، لتتجدد من جديد مع نهاية ذات العقد.

وما هو مؤكد أنَّ الغلبة في تلك المعارك – وبمعنى أصح في الجولة الأولى – كانت من نصيب القوات الإمامية المسنودة من الأتراك، وقد ألمح المتصرف العثماني يوسف بك حسن، والذي كان يعمل حينها في مدينة حجة إلى ذلك، وقال في نقله لأحداث يوم 31 أغسطس 1914م: «وقد زرت الطبيب محمد علي بك، الذي وصل من صنعاء، وعلمت منه أمورًا تدل على قُرب تحسن الحالة في اليمن، إذ ظهر أنَّ الحكومة تنوي التشدد لاستئصال شافة الإدريسي، وتخلص اليمن من هذه الداهية الدهماء».

وأضاف في نقله لأحداث يوم 27 ديسمبر من ذات العام: «ورد تبشيرات عن حرب الداخل، والانتصار الذي جرى على رجال الإدريسي».

مصالح مُشتركة

بعد نشوب الحرب العالمية الأولى، ارتمى حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي في أحضان الإنجليز، وبمعنى أصح ارتمى قبل ذلك؛ وهناك من يتحدث عن حصوله على دعم من قبلهم قبل نشوب تلك الحرب، عقد معهم مُعاهدة صداقة 30 أبريل 1915م، وأصبح بذلك من أوائل حُكام شبه الجزيرة العربية الذين أعلنوا – في تلك الحرب – انضمامهم للإنجليز، وتمكنت قواته في الشهر التالي، وبمساعدة أسطولهم البحري من السيطرة على اللحية، إلا أنَّ القوات العثمانية تصدت لها وبقوة، وأجبرتها بعد مدة يسيرة على الانسحاب.

صورة لمسجد اللحية قديماً

تلاقت مصالح محمد الإدريسي مع مصالح الإنجليز، وكان كلاهما يخشيان من أنْ يرث الإمام يحيى العثمانيين بعد هزيمتهم، فيما كان الأخير يُهيئ نفسه – بالفعل – لذلك، ويُؤكد أحقيته في حكم تهامة؛ الأمر الذي فاقم الصراع بينه وبين الأدارسة – كما سيأتي – أكثر فأكثر، وما أنْ بدأت الدولة العثمانية تترنح؛ حتى سارع الإمام بإرسال مندوب من قبله إلى عدن للتفاوض مع الإنجليز 1917م، خاصة وأنَّ الأخيرين كانوا قد شددوا قبضتهم على السواحل اليمنية، ورفعوا من وتيرة حصارهم للقوات العثمانية، وهو الحصار الذي كانت تبعاته على إمام شهارة وأنصاره وخيمة.

وصل مندوب الإمام يحيى إلى عدن طارحًا عدة مطالب، وكان على رأسها الاعتراف بخضوع اليمن – كل اليمن – لسلطات الإمام، وأنْ تُعاد للأخير جميع الموانئ البحرية كونها من ممتلكات أسلافه! وطرد الأدارسة من عسير وشبه الجزيرة العربية، وأنْ يتم اتصال الإنجليز مع الشعب اليمني من خلاله، وأنْ تقوم بريطانيا بتزويده بالأسلحة والذخائر، وقد اعتذرت الأخيرة عن قبول تلك المطالب كونها مُرتبطة باتفاق معاهدتهم مع الإدريسي، السابق الإشارة إليها.

وعلى ذكر تكلك المعاهدة، فقد نص البند الثالث منها على «أنَّ هدف السيد الإدريسي الأول ضد الأتراك، ولا يمس ما يثير الخصومة والعداء مع الإمام يحيى الذي لم يمد يده فعلًا للأتراك»، وجاء في البند الرابع ما نصه: «تتعهد بريطانيا بأنْ تتخذ جميع الوسائل الدبلوماسية للنظر في المشاكل التي تنشأ بين السيد الإدريسي والإمام يحيى، وبين أي منافس».

استمر دعم الإنجليز لمحمد الإدريسي، وقاموا بضرب مدينة الحديدة بالقنابل والمدفعية تمهيدًا لاجتياحهما، وذلك بعد أنْ رفضت الحامية التركية التسليم، وعن ذلك قال المُؤرخ عبدالواسع الواسعي: «هجم الإنكليز على الحديدة بإحدى عشر أسطولًا على حين غفلة بعد طلوع الفجر، من غير إعلان ولا استعداد، وضربوها بالمدافع، وخربوها، وذهبت أمول كثيرة، وفر أهلها إلى التهايم في حالة يؤسف لها، ولم يأخذوا معهم شيئًا.. ثم احتل الإنكليز الحديدة، وتراجع الناس، وصار أكثر الناس يسكنون الخرائب..».

وهكذا تأتى للإنجليز السيطرة على مدينة الحديدة 14 ديسمبر 1918م، وذلك بعد احتلالهم جزيرة كمران بثلاث سنوات، وبعد أنْ وضعت الحرب العالمية الأولى – بأكثر من شهر – أوزارها، وبعد دخول الإمام يحيى حميد الدين صنعاء بـ 26 يومًا، وحين كتب الأخير إلى المعتمد الإنجليزي في عدن يحتج على ذلك الاجتياح؛ جاءه الرد أنَّهم إنما دخلوا تلك المدينة إلا ليحافظوا على النظام فيها، وأنَّهم عازمون على تسليمها له بعد أنْ يستتب الأمن!

دخل الإمام يحيى صنعاء – وارثًا العثمانيين – وعينه على الحديدة، الميناء المُهم الذي ستتنفس من خلاله دولته الوليدة، وهو الأمر الذي أدركه الإنجليز مُبكرًا، وأرادوا من احتلالهم لذات المدينة الاحتفاظ بها كورقة رابحة للضغط عليه، ومُساومته عليها؛ ليغض الطرف عن وجودهم في جنوب اليمن، وحتى لا يشكل تهديدًا لهم في المُستقبل.

استمر تواجد الإنجليز في الحديدة لأكثر من عامين، وقد قاموا قبل مُغادرتهم ذات المدينة باستفتاء أهاليها المُسالمين في اختيار من يحكمهم، فاختار المُستفتون الأتراك دون إدراك للعداء التاريخي بين الأخيرين ومُستفتيهم، وأنَّ الجغرافيا السياسية تغيرت تمامًا بعد الحرب العالمية الأولى، فلما أجيبوا – كما أفاد الريحاني – بأنَّ هذا مُستحيل، قالوا: «نبغي الحكومة المصرية، نبغي الانضمام إلى مصر»، فأجيبوا أيضًا بالرفض.

عمل المُعتمد السياسي في عدن بعد ذلك على إرسال أحد أعوانه لذات الغرض، اجتمع الأخير بأعيان المدينة وتجارها، وسألهم مرة أخرى، فردوا كما أجابوا سابقًا، فما كان منه إلا أنْ أكد لهم استحالة ذلك، وسلَّم المدينة على كره منهم لمحمد الإدريسي21 يناير 1921م.

صورة لافراد من جيش المملكة المتوكلية اليمنية في صنعاء

جولة أخرى

وبالعودة إلى موضوعنا، فقد سارع الإمام يحيى بعد دخوله صنعاء إلى توجيه قواته المُتحفزة غربًا، في البدء سيطر سلمًا على حراز نوفمبر 1918م، ثم ريمة ديسمبر 1918م، ثم بُرع فبراير 1919م، أما وصاب فقد سيطر عليها حربًا يونيو 1919م، وفي ذات الشهر أيضًا سيطر على زبيد سلمًا، وجبل راس حربًا، وصولًا إلى حيس، ثم الخوخة، ثم المخا، ثم مِلْحَان سبتمبر 1919م.

وفي الجانب الآخر أظهر محمد الإدريسي – المدعوم من قبل الإنجليز – نفسه كمُدافع عن المذهب الشافعي، وسارع بالاتصال بمشايخ تهامة، وتوافد مُعظمهم لنُصرته، وعمل جاهدًا على أنْ يُضعف قوة خصمه اللدود (الإمام يحيى)، وأنْ يكسر شوكته، وأنْ يحصره في المناطق الجبلية، وتوسع جنوبًا، وسيطرت قواته على الزيدية مارس 1919م، ثم اللحية مايو 1919م، ثم مِلْحَان وباجل ديسمبر 1919م، ثم بُرع فبراير 1920م، ثم ريمة يوليو 1920م.

وبين التوسع والتوسع المضاد، بدأت جولة ثانية من المواجهات الشرسة بين الحاكمين، استمرت لأكثر من عامين، وكانت – أي هذا الجولة – سجالًا، ودارت أعنف معاركها في مِلْحَان، وبني سعد، وصعفان، وريمة، وقد ظلت السيطرة على هذه المناطق مُتذبذة بين الجانبين، إلى أنْ هدأت المواجهات، وحصل ما يشبه التعايش بين الطرفين، وكانت الحدود أواخر عام 1921م على هذا النحو: آخر جبال ريمة، وصعفان، ومِلْحَان، وجبل منبه في صعدة للإمام يحيى، وآخر جبل برع، وبني سعد، وحجور، وجبل شدا للإدريسي.

حماية سعودية

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أدرك حاكم صبيا محمد الإدريسي أنَّ الإنجليز استنفذوا مصالحهم معه، وأنّهم سيتخلون عنه بِمُجرد اتفاقهم مع الإمام يحيى، وأنَّه لا يستطيع لوحده مُواجهة الأخطار المُتربصة بإمارته، ذات الجغرافيا السهلة، والمُحاطة بجيران أقويا؛ فما كان منه إلا أنْ يَمم أنظاره صوب سلطان نجد عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود، أرسل إلى الأخير وفدًا لطلب المُساعدة، لتُوقع في صبيا اتفاقية صَداقة ودفاع مُشترك بين الجانبين 21 أغسطس 1920م.

أرسل حاكم صبيا بعد ذلك برسالة لسلطان نجد طلب منه رعاية أولاده وعائلته بعد وفاته، جاء فيها: «أني جلت النظر في أنحاء الجزيرة فلم أجد أهلًا للثقة ورعاية عهود الإخاء سواكم، واعلموا أنَّ ابن آدم رهن المنون، فإذا توفاني الله فأنتم المُقلدين بالوصاية على عائلتي وأهل بيتي»، ولكسب وده أكثر أطلق على ابنه الذي ولد آنذاك اسم (عبدالعزيز)! والتزم بدفع إتاوة سنوية، وتبنى رغم تصوفه الدعوة الوهابية، وهي الدعوة التي كان لها حضور في المنطقة منذ عهد الدولة السعودية الأولى، وأمر بهدم ضريح جده أحمد الإدريسي، والقباب المبنية عليه، وهدم جميع الأضرحة والمزارات في كافة مناطق إمارته، وحين حانت منيته أوصى أولاده بِالمُحافظة على تلك العلاقة.

بوفاة محمد بن علي الإدريسي 20 مارس 1923م، بدأ العد التنازلي لزوال الإمارة الإدريسية، فلم يكد يتربع ولده علي ذو الـ 17 عامًا على العرش، حتى دبَّ الخلاف داخل الأسرة الحاكمة. أفشل الأمير الضعيف انقلابًا قام به عمه الحسن، وقريبه مصطفى عبدالعال، وإنْ كان الأول قد استكان لبعض الوقت، إلا أنَّ الأخير جدد تمرده من المنطقة الجنوبية (من اللحية إلى الحديدة) التي عُين نائبًا عليها، ليهرب أواخر العام التالي إلى جزيرة كمران، فيما حل عبدالمطلب هارون (خال الأمير علي) محله.

أمام تلك المُستجدات العاصفة، بدأ السخط الشعبي من حُكم الأدارسة وسوء إدارتهم يتضاعف، وكانت الحديدة في ظل تلك المعمعة الأكثر تضررًا، فشل حُكام صِبيا الطارئين في إدارتها، ولم يهتموا – كما أشار بعض المُؤرخين – بها أصلًا؛ لأنَّهم لم يكونوا يضمنوا أنْ تبقى بحوزتهم، وأذلوا – وهو الأقسى – كبرائها وكبراء تهامة بشكل عام، ممن كان لهم سبق السبق في نُصرتهم.

وعن سُكان تلك المدينة المُتضررين قال جيكوب (أحد القادة الإنجليز الداعين لتسليم الحديدة للإمام يحيى) أنَّهم لدغوا من الأدارسة، وإنَّ مُوظفي تلك الإمارة استبدوا وأفسدوا، وأنَّ الضرائب المفروضة على الواردات كانت مُجحفة؛ لدرجة أنَّ كثير من التجار رحلوا إلى عدن.

تنفس الإمام يحيى حميد الدين حينها الصعداء، وبدأ يستعد للانقضاض على تلك المدينة وما جاورها من مناطق، ولم ينته شهر فبراير من العام 1925م إلا وقد أتمت قواته سيطرتها دون قتال على بلاد حجور، وبني نشر، وجبال عبال، والحجيلة، وبني سعد، مُستغلًا خلو تلك المناطق من الحاميات الإدريسية؛ وهو الأمر الذي فتح شهيته أكثر، جهز جيوشًا جرارة (قدرهم المُؤرخ إسماعيل الوشلي بأكثر من 50,000 مُقاتل)، جاعلًا عليها خُلص أتباعه، ممن عُرفوا بتاريخهم الإجرامي، وتعصبهم المذهبي، مُسندًا القيادة العامة لأمير حجة ولده السيف أحمد الذي تمركز في بلاد الشغادرة، والقيادة الميدانية لأمير ذمار عبدالله بن أحمد الوزير.

فضل الإمام يحيى كمرحلة أولى – كما أفاد المُؤرخ التهامي عبدالودود مقشر – أنْ يكون مع أولئك القادة بعض المشايخ والمناصب التهامية الذين سبق أنْ راسلوه بعد أنْ أهان الأدارسة جانبهم؛ وبعد حصولهم منه على وعود بإبقائهم في مناصبهم، مهدوا لقواته احتلال بلادهم، والأكثر خسة أنَّهم عملوا كدلالين للطرق، وقامعين لرجال المُقاومة، وواشين بهم.

وهكذا، وبعد حرب مُتقطعة بينه وبين الأدارسة استمرت لأكثر من 13 عامًا، اجتاحت قوات الإمام يحيى حَمِيد الدِين تهامة من أربعة محاور، فصلت شمال تهامة عن جنوبها، وتمكنت خلال 15 يومًا من السيطرة على معظم مناطقها المُترامية، وذلك من جبل بُرع وتخوم بيت الفقيه جنوبًا، حتى بلاد حجور واللحية شمالًا، وتسنى لها ذات نهار رمضاني السيطرة على مدينة الحديدة 27 مارس 1925م، وذلك بعد أنْ أدت الانتصارات السابقة والمُتسارعة إلى عزل تلك المدينة وحاميتها؛ وأجبرت حاكمها الإدريسي عبدالمطلب هارون على المُغادرة.

ولتوضيح خارطة ذلك التمدد أكثر، أترككم مع قاله الأمير عبدالله بن أحمد الوزير ذات رسالة: «استكمل الاستيلاء على الحديدة، واللحية، والزيدية، وباجل، وبرع، والصليف، وصليل، والمنيرة، والقناوص، وجبال الملح، والواعظات، والزهرة، وكلها قضوات ومراكز ومدن واسعة على بلاد مُتسعة، والكل أغلب تهامة، وما كان فيها جميعه من أموال الإدريسي من المدافع، والجبخانات، والسلاح، والحبوب، وأكياس الدقيق الخاص، والخيل، والبغال، والجمال، والآلات، مع ضبط وحزم أمورها، وتمام صلاحها عمومًا على أحسن الأحوال».

عاث الإماميون في تلك المناطق، وفي مدينة الحديدة على وجه الخصوص نهبًا وخرابًا، وجاء في إحدى التقارير البريطانية ما يُؤكد ذلك، ومنه نقتطف: «خلال أيام قليلة أصبح رجال قبائل حاشد الذين احتلوا الحديدة موضع كراهية وحقد من قبل الأهالي التهاميين؛ وذلك لـمُمارسات تلك القبائل من حيث مُداهمة مَنازلهم بالقوة، والاستيلاء عليها، ومن ثم المُطالبة بالأكل والشرب والمَبيت، وأخذ كل شيء أعجبهم بالقوة..».

واصلت القوات الإمامية بعد ذلك تقدمها شمالًا، وتجاوزت بحلول العام 1926م ميدي، وحرض، وصولًا إلى صامطة، وتوقفت – كما أفاد المُؤرخ مقشر – عند تلك النقطة، بعد ضغوط مُورست على الإمام يحيى من قبل بريطانيا، وإيطاليا، تخلت الأخيرتان عن حليفتهما القديمة (الإمارة الإدريسية)، وتركتها تواجه مصيرها، وتوافقت مصالحهما ومصالح باقي الدول العظمى في تشكيل وضع جديد أكثر استقرارًا وتعاطيًا مع الواقع.

صحيح أنَّ القوات الإدريسية استماتت في منطقة صامطة بالدفاع والمقاومة، إلا أنَّ عددًا من أمراء تلك الأسرة راموا – بسبب الهزائم المُتتالية – عزل الأمير علي، وتعيين عمه الحسن بدلًا عنه، وقد تأتى لهم ذلك بعد حصار قصير، ومُواجهات محدودة، أجبروا فيها الأمير الصغير على التنازل عن العرش، ومُغادرة البلاد إلى الرياض.

توقفت المُواجهات حينها مُؤقتًا بين الجانبين، وحصلت مُراسلات بين الإمامين يحيى حَمِيد الدِين، والحسن بن علي الإدريسي، وتوافد الوسطاء لإصلاح ذات البين، ولم يكد ينجز الأخيرين مُهمتهم حتى اشتعلت المواجهات من جديد، وفي جبال صعدة هذه المرة، حيث قامت قوات إمامية مُتمركزة في جبل منبه بالهجوم على قوات إدريسية مُتمركزة في جبل شدا، وكانت حصيلة تلك المواجهات عشرات القتلى، كان أكثرهم من العساكر الإمامية.

هناك من يقول – وهو قول غير أكيد – أنَّ القوات الإمامية واصلت تقدمها شمالًا، وأنَّها حاصرت صبيا، وجيزان، وأنَّ الحسن بن علي الإدريسي عرض على الإمام يحيى أنْ يحتفظ بسيادته الداخلية على ما تبقى من إمارته تحت الحماية الإمامية، وأنَّ إمام صنعاء رفض ذلك.

وما هو مُؤكد أنَّ الحسن الإدريسي سارع بطلب النجدة من عبدالعزيز آل سعود فبراير 1926م، عارضًا عليه قبوله الحماية السعودية إنْ هو تدخل وأنقذه، التزم عبدالعزيز المشغول حينها بحربه مع الشريف حسين الحياد، ليغير بعد تسعة أشهر رأيه، وذلك بعد أنْ أتم سيطرته على الحجاز، ووقع في مكة المكرمة معاهدة حماية الإمارة الإدريسية 21 أكتوبر 1926م، وأصبح بذلك هو والإمام يحيى وجهًا لوجه، وبدأت بذلك فصول صراع دموي لم تنته تداعياته حتى اللحظة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى