فكر

الحركة الإسلامية السودانية وتجربة الحكم: إضاءات على طريق الاستفهام والاستلهام (3)

في الجزء الثالث من هذه الحلقات التي تتحدث عن الحركة الإسلامية السودانية وتجربة الحكم إضاءات على طريق الاستفهام والاستلهام، نواصل فيها عرض ما تم طرحه من أوراق من المختصين والمهتمين والمنتمين لهذه الحركة، وهنا تساؤل ما الذي قدمته هذه التجربة في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية؟ ولماذا حدثت مفاصلة داخل جسم الحركة الإسلامية، لتصبح جسمين معارضة وسلطة؟ وهل عريت الساحة السودانية عن أهل الحكمة والرشد ومبادرات الإصلاح؟ وما هي خلاصة التجربة سواء المثالث والمطالب؟

هذا ما سيجيب عنها هذا الجزء لتكون منارة في الاحتذاء والاحياء، فيما هو حسن، ومغارة في الانكفاء والانزواء فيما هو مشين، وهذه عبر التاريخ وسننه الجارية التي تتجسد في فاعلية فردية أو جماعية، وحركية عبثية أو نوعية، فالتاريخ مستودع الأحوال، والسعيد من اتعظ وتدبر، والعنيد من تجاهل وتنكر، وقدر الله غالب وفق سننه الكونية والشرعية، فإما امتثال وإلا كان الاستبدال.

(1)

السياسة الخارجية والعلاقات الدولية طيلة عهد الانقاذ (1)

قبل عام 85م كما يقول الدكتور إبراهيم الكباشي لم تأخذ العلاقات الدولية مكانا مهما عند الحركة الإسلامية وإن شغل الترابي رحمه الله لمدة قصيرة مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية بمقتضى المصالحة بين النميري والحركة 77م ، وزيارة الترابي مع النميري أمريكا، غير أن العلاقات الخارجية للحركة الإسلامية كانت تسير ضمن العلاقة مع الحركات الأخرى من مثيلاتها وغير الإسلامية حزب مع حزب وحزب مع دولة ، وبعد وصول الحركة الى السلطة بدأت ممارسة العلاقات الدولية الفعلية.

بعد اختلال  النظام الدولي وذلك بسقوط الاتحاد السوفيتي عام 90- 91م، سلكت القوى الخارجية لمحاربة الإنقاذ من عدة محاور: موضوعية دبلوماسية عسكرية إعلامية ، محاور من دول الجوار وبالذات أثيوبيا التي كانت تحت خط الماركسية اللينينية منجستوا هيلا مريم ، وكينيا ، ويوغندا ، وهي الداعمة الرسمي للحركة الشعبية المحاربة لحكومة الإنقاذ ومن الشرق ومن الغرب من تشاد التي كانت تحت إدارة حسين هبري وهو متحالف مع الغرب، والحركات المزعزعة للاستقرار في غرب السودان.

في العام 91م دعمت الإنقاذ الحركات التي كانت تحارب حكومة منجستو في أثيوبيا وحسين هبري في تشاد وتغلبت الحركة المناوئة لهاتين الدولتين وأصبحت كل من تشاد وأثيوبيا موادعة للإنقاذ بل ومتحالفة، وعلى إثر هذا فقدت الحركة الشعبية معسكراتها التي كانت تقيمها في أثيوبيا وفقدت الدعم الإعلامي والسياسي الذي كان لها في أثيوبيا وهي دولة متاخمة للسودان وهذا الفعل مكن من التعامل بشكل إيجابي مع حركات التمرد في الجنوب .

عام 91-92م و93-94م انشغلت حكومة الإنقاذ بشكل أساسي في الحرب في الجنوب ، وكان فيها استنزاف للموارد البشرية / عشرات الآلاف من الشهداء  والمالية كذلك ، وتمنعت كثير من  الدول العربية حتى التي كان بينها وبين السودان اتفاقية الدفاع المشترك أن تمد السودان بأي قدر من وسائل الدفاع من المعدات القتالية ما عدا ثلاث دول عربية وهي العراق وسوريا وليبيا وهي إمدادات محدودة جدا .

عام 91م مشكلة غزو العراق للكويت وانقسام الصف العربي وجامعة الدول العربية ودول الحل العربي، حيث انتهجت دول  سياسة  إخراج العراق من الكويت باستدعاء القوات الدولية بقيادة أمريكا وهذا نتج عنه مقاطعة خليجية مصرية واسعة المدى للسودان وفي ذات الوقت بعض الدول الخليجية قطر وعمان والامارات كانت خارج دائرة  التأثير المباشر في ذلك الوقت .

أوروبا وأمريكا  داعمة بشكل كبير لحركة التمرد في الجنوب، وأمريكا اتخذت موقفا من السودان من أيام الصادق المهدي منذ 83م أواخر أيام النميري عندما أعلن النميري السياسة الرشيدة ومنع زملاءه من التعاطي غير الرشيد في السلوك كمنع الخمر وتطبيق القوانين الاسلامية .

وقد زار الدكتور الكباشي مجلس الكنائس العالمي في عام 83م بعد إعلان نميري تطبيق القوانين الإسلامية وغرض الزيارة بحثيا لرؤية موقف مجلس الكنائس العالمي من اتفاقية أديس ابابا عام 72م برعاية مجلس الكنائس العالمي، ولمس منهم في جنيف انزعاجهم الكبير ومعهم العالم الأوروبي من توجه النميري الإسلامي في جنوب السودان .

أرسل الرئيس الأمريكي نائبه بوش إلى السودان وجاء بأوامره الثلاثة المشهورة إخراج الحركة الإسلامية وإنهاء المصالحة بين النميري والحركة الاسلامية 2-  وضع القيادات الإسلامية في السجون 3- التنازل والتراجع عن القوانين الاسلامية .النميري نفذ الشرطين الأولين ولم ينفذ الثالث.

بدأت مرحلة الفتور والتوتر في العلاقة السودانية الأمريكية ثم جاءت حكومة الصادق المهدي واستمرت العلاقة بتفس التوتر.

في فترة حكومة الصادق المهدي توسعت حركة التمرد وشملت كل جنوب السودان ولم تعد تحت سيطرة الحكومة السودانية إلا مدن قليلة وازدادت بذلك الكلفة الدفاعية القتالية، ولما جاءت الإنقاذ وجدت كل الجنوب ما عدا ثلاث مدن رئيسية وجزء من الشمال تحت نيران القوات الجنوبية وأصبح وجود  الحركة الشعبية السياسي والدبلوماسي كبير جدا في أوروبا الغربية وأمريكا وأفريقيا ) دول وسط أفريقيا ، كينيا . أو غندا) ، فواجهتها الإنقاذ بدعم شعبي كبير جدا.

وجدت الحركة الإسلامية الأبواب أمامها مغلقة، أوروبا مغلقة، أمريكا مغلقة ، الخليج مغلق ؛ بسبب موقف السودان من غزو العراق للكويت وتبنيه ما يسمى بالحل العربي، ولم يعد أمام السودان إلا التوجه شرقا الصين وإيران وأندونيسيا وماليزيا، فأثمر هذا التوجه بظهور النفط الذي انعكس رخاء على الاقتصاد السوداني ووبالا على الحركة الشعبية .

في عام 96م لم تعد الحركة الشعبية تسيطر على أي موقع مهم في جنوب السودان ، ومن 96-97م تمنت الحركة-  على  خلاف ما تمنعت عليه سابقا – الجنوح إلى أي تسوية سياسية مع الحكومة السودانية ، وذلك  لحصول تحول نوعي في موازين القوى لصالح الحكومة السودانية لتمكنه من التصنيع الحربي  والعسكري ، وحصل لأول مرة منذ  عشرين سنة أن حركة التمرد وداعموها من اوروبا وأفريقيا وأمريكا بدأوا في الضغط الكبير على الإنقاذ لتسوية سياسية مع الجنوب ، مع أنه حصل من الحركة الشعبية وداعموها من الغرب في السابق لهذا التطور الرفض لأكثر من 11 مرة  وقف إطلاق النار والتسوية السياسية ، ولكنها رضخت وداعموها للسلام ليس رحمانية مقدسة تنزلت عليهم، ولكن  لاختلال موازين القوى في التسليح والاستعداد لصالح الإنقاذ بفعل الموارد المالية المتدفقة من النفط ، من عام 94م – 2018م تعاظمت الضغوط الأوروبية على السودان  بشكل لم يكن مسبوقا في تاريخ السودان ، وفترة اختلال القطبية الثنائية الصين لم تكن تعبأ كثيرا بما يدور في مجلس الأمن وروسيا في حالة انتقال ومستغرقة في نظامها الداخلي ، فتُركت الساحة الدولية لأمريكا ، وقد صدر خلال هذه الفترة الممتدة من 94- 2018م من مجلس الأمن 70 قرارا بحق السودان بعض هذه القرارات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والفصل السابع هذا تحت عنوان تهديد الأمن والسلام الدولي ، وبعضها قرارات متابعة لما أصدرته سابقا ، وجميع هذه القرارات تقف وراءها أوروبا وأمريكا ، وهدف القرارات هو الضغوط المتواصلة تحت شعار ) حقوق الإنسان – الارهاب + الأصولية) دون أن يكون في العالم تعريفا لهذه المفاهيم ، وكذلك عدم الاعتراف بالخصوصيات الحضارية والثقافية للأمم ، وعدم الاعتراف بالقيمة الإنسانية الكونية العامة بالمشترك الإنساني العام وبالخصوصية الحضارية لكل دولة، و أخطر قرار من 70 القرار هو قرار 1706 الصادر سنة 2006م وهو قرار مجلس الأمن تحت الفصل السابع لإنشاء إدارة قضائية وسياسية ومالية وعسكرية وأمنية في دارفور بمعنى خروج دارفور من السيادة الوطنية السودانية، هذه القرارات لم تكن موجودة حتى في حرب الجنوب الممتدة 40 عاما، ولكن لما انفجر الصراع في دارفور 2003م صدرت مثل هذه القرارات بشكل متسارع .

بعد 2005م ، وبعد زيادة قدرات السودان المالية والعسكرية قرروا أن يجنحوا إلى السلم ويتبنوا سياسة التقارب حتى حصل سلام مع الحركة الشعبية الجنوبية ، ولكنهم في ذلك الوقت يريدون إلحاق دارفور في التسوية مع الجنوب، وخلقوا زخما عالميا كبيرا لهذا التوجه ، غير أن الحكومة السودانية رفضت هذا القرار جملة وتفصيلا ورضخت القوى الدولية لإرادة السودان .

هذا القرار الخطير الهادف لانفصال دارفور كما انفصل الجنوب كان يُرغب في إنتاجه مؤخرا بعد حكم الانقاذ  من خلال مذكرة ارسلها عبدالله حمدوك رئيس وزراء الحكومة السودانية في يناير 2020م إلى مجلس الأمن لإنشاء بعثة إلى دارفور ذات ولاية عسكرية وأمنية ومالية متكاملة في السودان ، ولكن القيادة العسكرية الحالية رفضت هذا الأمر كما تم رفضه سابقا.

كل وزراء خارجية أوروبا وأمريكا زار السودان تلك الفترة  من أجل إلحاق دارفور للتسوية مع الجنوب وكذا الأمين العام للأمم المتحدة ، وكان الإلحاح شديدا ، ووعدوا السودان إن استجاب لمطلبهم أن يرفعوا اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعفاء الديون وتسهيل حركة الاستثمار والمال. غير الزيارات الرسمية لوزراء الخارجية والمبعوثين المختلفين ، حدثت اتصالات هاتفية مطولة من الرئيس بوش مع الرئيس البشير ومن وزير الخارجية للبشير  كلها تدعو للإسراع في  التسوية مع الجنوب لأن الكلفة المالية والسياسية والبشرية التي توفرها هذه الدول للحرب في الجنوب مدة طويلة من الزمن اصبحت غير محتملة عندهم.

هذه العلاقات الخارجية المتسمة بالضغط والنفوذ وتفتيت المجتمع، قاومتها الإنقاذ بما من شأن استقرار السودان وانفتحت علاقاته الخارجية بناء على قراره وسيادته وهويته.

(2)

المفاصلة داخل الحركة الإسلامية (2)

ذهبت الدكتورة نجوى عبداللطيف إلى استبدال تسمية الانقسام بالمفاصلة استحسانا منها لمبررات الوضوح وطول إمكانها وأن الانشقاق تفتيت والمفاصلة ابتعاد مع إمكانية الاقتراب .

حصلت كثير من الخلافات والمفاصلات في مسيرة الحركة الإسلامية ولكن المفاصلة وهم في موقع الحكم عام 99م  بدت آثارها واضحة على الأداء السياسي بكل أبعاده، كما انعكست أضرارها على الأرواح والأموال والقيادات في المؤتمر الشعبي ومواجهة مفتوحة ، باستثناء إراقة الدماء، فهذا لم يحصل نتيجة تعقل القيادة ممثلة بالشيخ حسن الترابي رحمه الله الذي قال كلمته المشهورة – بعد صراع القصر  والمنشية كما هو معروف بين السودانيين – ” كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة “، إضافة لكون الحركة إطاراً تنظيمياً روحياً يرتبط بالإيمان  والتوحيد والقرآن  ، ففي حال الخلاف والخصام تخف وطأة المفاصلة، وهذا  الارتباط بالدين جعلها تحرص على البلد من التفتت ، ومن أقوال الترابي رحمه الله الاسترتيجية : ألّا يخسر الدين ولا يتمزق السودان ، رغم التباين الحاصل في  فصائلها في أمر الانفصال أنها حاجة عادية وليست مؤثرة ومن يعتبرها أمرا خطرا ، وقد أصدرت الحركة ورقة في عام 77م تحدثت فيها على ضرورة الحفاظ على السودان ووحدته ولا مركزية الحكم ، وقد قال جيمي كارتر عن الورقة أنها من أخطر الوثائق تركيزا من بداية الانقاذ كان هناك اتفاق بين القيادات العسكرية والمدنية على إدارة الحكم ، وقد قال المحبوب عبدالسلام في كتابه الحركة الاسلامية دائرة الضوء وخيوط الظلام أن ستة من الأفراد فوضهم الأمين العام الترابي بعد القسم أمامه على إدارة الحكم ولكن استأثر نائبه بالقرار والترابي سجينا، وهذه بوادر الصراع كما يصفها المحبوب، رغم إنكار وتشكيك بعض القيادات في هذه المعلومة وفي الكتاب كله أن دوافعه التحيز والانتصار لشيخه والتلفيق وغيرها من المدافعات البينية ، وهنا تقول الدكتورة نجوى أن مراكز القوى بدأت تتشكل داخل التيار الإسلامي الحاكم ، وتحول الصراع من خفي لمعلن فمفاصلة ، وتعيد سبب الشقاق إلى أن طريقة التفكير كانت بين مدرستين مختلفتين هما:  المدرسة العسكرية والمدرسة المدنية . وهنا تساؤل هل اشترطت أو تغافلت  الحركة  أن تكون عضويتها داخل المؤسسة العسكرية تتبع عضويتها داخل الحركة أم لا؟، وأن الحركة ما انتبهت أن المؤسسة العسكرية لها تقاليدها وموروثها وعاداتها وأعرافها ونفوذها وتأثيراتها  وبهذا الخلاف بين المجموعتين، مجموعة قالت الحكم ينتقل ومجموعة قالت الحكم يستمر.

كان المتفق عليه في الحركة انفتاح الساحة خلال بضع من السنوات وذلك طبقا لفلسفة المشيئة العقدية ، فالإنسان حر بالخلقة والوجود والفعل، سياسة واقتصادا وقرارا ، والسودان للسودانيين ، ولكن حصل اعتراض من العسكريين وبعض المدنيين على هذا التوجه،  وكانت النوايا صادقة في أن التجربة ربما تنتهي وربما تحصل مشكلة ، أو أن المعارضة ستأتي من خارج السودان وتحكم ، ولعل هذا التصور ممن هم واقعون تحت التربية بالقوة  والعسكرية ، وأن التفكير العسكري ساد داخل الحركة  وشكّل الرأي فيها من العسكريين وبعض المدنيين ، وذلك لغياب الشيخ الترابي رحمه الله في السجن ، صاحب فكرة بسط الحريات والانفتاح على الناس ورد الأمر لهم .

وكان  لقرار حل التنظيم أثر في إفساح المجال للتيار العسكري للغلبة والسيطرة ، وفتح التدريب العسكري لأعضاء الحركة من طلاب وشباب وغيرهم له أثر كذلك، فمال تفكير المتدربين إلى التفكير العسكري أكثر من المدني فأثّر هذا على الجامعات وسلوكهم في الحوار والنقاش المحتد حد الضرب والسيطرة .

فقضية بسط الحريات وإعادة السلطة للشعب وإبعاد مظاهر العسكرية من السلطة بدت مستضعفة لدى العسكريين الحاكمين المصرين على بقاء الوضع كما بدأ، إلى درجة حضور الرئيس في أحد مؤتمرات الشورى بالزي العسكري كإشارة على إصرارهم على النهج العسكري، ومبررهم أن الحكم ما زال في بدايته وأن الانفتاح ربما يؤثر على الحكم .

جاء ما يسمى بمذكرة العشرة وهي مذكرة قدمها  مجموعة من القيادات، ومضمونها الإصلاح لإشكالية داخل الحركة والتنظيم ، والمذكرة في إعدادها و إخراجها افتقدت للشفافية وجل الحديث فيها منصب على سيطرة الأمين العام وصلاحياته الواسعة  ومحاولة توزيع السلطات بين الرئيس والأمين ، هذه المذكرة أُودعت في هيئة الشورى  بغياب الأمين العام، ووضعت في الوثائق الصادرة عن الحركة التي عملت على تعديل مراكز القوى داخل الحركة وهي في حقيقتها تقوي مركز الرئيس وتضعف مركز الأمين العام ، ولم تعالج إشكالية هذه المراكز، وحجتهم أن على العسكريين الحفاظ على السلطة وعلى الترابي التفرغ للجانب الدعوي والفكري ، هذه المذكرة كان  لها دور بارز في المفاصلة ، حيث طرحت في اجتماع  مجلس الشورى الأخير الذي قرر تجميد الأمانة العامة وفرض حالة طوارئ وحل المجلس الوطني، وقد تركزت قضايا الخلاف حول الآتي :

قضية الحريات بين تيارين ، تيار ناشد لها وتيار ناشز عنها ، قضية انتخاب الوالي بين انتخابه أو ترشيحه، قضية رئيس الوزراء ، والحكم الاتحادي ، واحتكار السلطة المركزية، الرقابة على الصحف.

(3)

مبادرات الاصلاح داخل الحركة (3)

المراجعة والإصلاح والنقد والنصح مبادئ إسلامية قويمة في الحفاظ على الأفراد والمجتمعات والكيانات من الانحراف في مسيرتها الاستخلافية عبادة وعمارة وحضارة ، هذا السلوك تمارسه الحركات الإسلامية بنسب متفاوتة ندرة وغلبة، وقلة وكثرة ،فرديا وتجمعا وتوجهاً، والحركة الإسلامية السودانية لها نصيب وافر من هذه المراجعات والمبادرات سواء في مرحلة الدعوة أو مرحلة الحكم ، ولكنها في مرحلة الحكم أدعى وأدهى؛ لأن طبيعة الحكم والدولة أكثر تعرضا ونزولا عن المثل العليا بحسب توصيف الباحث فتح العليم ، وقد قسّم المبادرات إلى ثلاثة أنواع :

مبادرات فردية تقدم بها كتَّاب في وقت باكر أمثال حسن مكي ، ومحمد أحمد ، الطيب زين العابدين ، عبدالوهاب الأفندي ، التيجاني عبدالقادر ، وغيرهم ، وهي مقالات  ناقدة لجوانب نظرية وعملية في الحركة ، وتعتبر هذه المراجعات والنقود مؤسسة وممهدة ومهيأة  لمسار النقد والإصلاح والتقويم .

مبادرات جماعية لمجموعات تواضعوا على ملحوظات نقدية حول الحركة الإسلامية فكتبوا رؤى من شأنها الإصلاح حسب ظنهم كمذكرة العشرة ، ومذكرة مجموعة غازي صلاح الدين ، فمذكرة العشرة تكلمت عن قضايا تنظيمية والمؤسسية ، والشورى ، والمحاسبة ، والشفافية ، وقدموا مقترحات إجرائية لمعالجة الخلل فيها، ومجموعة غازي صلاح الدين قدمت مذكرة وهي داخل المؤتمر الوطني قبل أن تتشكل إلى حركة (الإصلاح الآن) تحدثت عن قضايا سياسية كالانفراد بالحكم وانسداد الأفق الذي أنتج أزمات سياسية واقتصادية وتدعوا إلى توسيع رقعة المشاركة السياسية ، واستيعاب الآخرين ، والإصلاح .

غازي صلاح الدين

مبادرة تكوينات وتيارات كمبادرة مجموعة الإحياء والتجديد،  ومجموعة الإصلاح والنهضة المسمى بــ( السائحون)، التي توسعت إلى كيانات لها قيادات ومواقف تمايزت عن الجسم الرئيس للحركة الإسلامية ، مع الاحتفاظ من بعض منسوبيها بعضويتهم داخل الحركة الإسلامية .

مبادرات المنتديات الفكرية المنتظمة للحركة الإسلامية كمنتدى ابن رشد ، والتفسير التوحيدي ، والرائد وغيرها ، قادت مجموعة النقاشات الكثيرة حول جملة من القضايا والمفاهيم الكلية أثرت كثيرا في التمهيد لخطوات الإصلاح  الحالية والمستقبلية .

وقد تطور الخطاب الإصلاحي من مرحلة لأخرى، مرحلة كانت النقاشات متركزة  على قضايا جزئية كمذكرة العشرة المتركزة على إشكال تنظيمي إجرائي، ومذكرة مجموعة غازي صلاح الدين على إشكال سياسي إجرائي، إشكال دولة ليس فيها محاسبة وشخصيات فاسدة الإدارة ونهب المال ، كمذكرة الألف التي كتبها مجموعة من المجاهدين التي تحدثوا فيها عن جملة إشكالات إجرائية داخل الدولة. وتطور الأمر إلى مبادرات تحدثت عن النظر الشمولي كمذكرة السائحين وإسهامات الإحياء والتجديد ، حيث يعتبرون الإشكال مركبا من طبيعة ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ، فهذه تمظهرات لإشكال فكري ، فعملت هذه المجموعة على كتابة رؤى وفق محاور أساسية فكري واجتماعي وسياسي واقتصادي ، كما فعلت سائحون ، أما إسهامات الإحياء والتجديد في تجديد الفكر الإسلامي لاعتبارهم أن الأزمة منهجية ومرجعية  .

تطور الأمر من مذكرات شخصية إلى كتابات إلى تيارات وتكوينات ثم جاءت حركة الإصلاح الآن لغازي صلاح الدين ، ثم كانت مجموعة المستقبل / تيار المستقبل لمصطفى إدريس البشير ومجموعات أخرى أخذت أشكالا تنظيمية وتمايزت بالاسم ولم تنقطع عن الحركة الإسلامية الأم.

هذه المذكرات ناقشت قضايا سياسية وفكرية وإجرائية وتنظيمية، القضايا الفكرية النظرية أي المفاهيم التأسيسية مثل مفهوم الدولة ، الشريعة ، الدولة الحديثة ومنطقها ، الإسلام والحداثة ، الإصلاح والتجديد ، وهذه شكلت مادة كثيفة في منتديات الحركة منذ عشرين عاما ونبهت الناس لقضايا مهمة: القضايا السياسية مثل:   ضبط  دور الدولة وهيمنة السياسة. وهيمنة الأمن ..وهي قضايا كتب فيها الدكتور التيجاني عبدالقادر.

كان هناك قضية سؤال التنمية باعتباره حلقة ضعيفة في خطاب الحركة الإسلامية وهذه القضية أنتجت مجموعة تدعو إلى نشوء تنظيمات برامجية ليس لها علاقة بالفكر الأيديولوجي إذا صح أن هناك برامجية لا علاقة لها بالخلفيات الفكرية . تحدث بعضهم عن طبيعة الحزب وطبيعة منطق الدولة ، وهل الحزب يكون وعاء وحاملا اجتماعية لفكرة الإصلاح أم الحزب بطبيعة تكوينه كائن مرتبط بالدولة الحديثة وقضاياه وأسئلتها الإضافية ولا يحتاج إلى الحمولة الإضافية لأنه لم ينشأ لهذه الحمولة ولم تصدر عنه، وتكلم بعضهم عن قضايا تنظيمية كالمحاسبة والشورى وهي إشكالات حقيقية ولكنها ليست جوهرية .

(4)

المثالب والمطالب (4)

لا شك أن محاسن الحركة الإسلامية السودانية في مربع الحكم كثيرة وظاهرة يصعب الحصر والعد لها، كما أن مثالبها في هذا المربع وافرة بالنسبة لهذه الكثرة والظهور، وهنا لابد من كفتي الميزان في التقييم دون تعميم وتهويل في أحد شقي الميزان، أو تعتيم وتهوين في الشق الآخر، ومن ثمّ على وفق هذا الميزان والتوازن تتحدد المطالب وتتسدد في المجرى والمرسى، في حركة الوجود، بسم الله مجريها ومرساها. ولابد من الإيجابيات كمدخل لذكر المثالب التي هي ثقوب سوداء في دائرة الضوء الكبيرة، ومن هذه الإيجابيات ما يلي:

1- الحركة كما يقول الباحث عبدالله مكي حافظت على استقرار السودان وتأسيس وتدعيم هذه الدولة التي كانت متهالكة.

2- استقلال النظام السياسي عن تبعية الغرب أو الشرق؛ لتتبع الهوية السودانية والثقافية المحلية للمجتمع التي تؤمن بها وتأسيس النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفق هذه الهوية.

3- نَفَسَها ديمقراطي ومسلكها تشاركي، فقد شاركت الجبهة الاسلامية للدستور  في العملية الانتخابية طوال فترة من الزمن  في الستينات وانتقلت من نصر إلى نصر من 65، 86، 96، 2010م ، مما يعني تمكنها في المجتمع السوداني وليس النخبة فقط، ولذلك رفضت في 86م ما يسمى بدوائر الخريجين وأصرت على القوى السياسية الأخرى .

4- ساعدوا على تقوية مؤسسات الدولة في السودان في الأقاليم والولايات والمؤسسات حتى الأجهزة الرسمية، كما كان للدولة السودانية مقام في المحيط الدولي والإقليمي في أتم الحصار،  وكان لها انتصارات عسكرية في الميدان، وهو ما جعل معظم القيادات الجنوبية من قادة التمرد والانفصال تعود إلى الداخل )كـ (رياك مشار) وتشارك في اتفاقيات السلام.

5- موضوع الحكم الاتحادي والتعليم العالي والجامعات التي خرج منها ثوار 2018م .

مقر وزارة التعليم العالي السودانية

6- مفاصلتها مع التنظيم الدولي واقتراحها التنسيق المباشر بديلا عن البيعة المباشرة وذلك لخصوصية البيئات فهي تجربة ارادت النشأة من خلال ثقافة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية  تستقل به سياسيا وإداريا عن التبعية الخارجية.

7- تصدوا للعمل النقابي في دولة ديمقراطية أو العمل السياسي فيها عال جدا والمطالب النقابية عالية جدا  فتصدى جهاز الأمن واحتوى المطالبات النقابية ، وجعلها في إطار سلطة الدولة.

8- تمتع السلطة القضائية بدوجة عالية من الاستقلالية وهذا واضح من القضايا التي حكمت فيها المحكمة الدستورية ضد الحكومة

9- الحكم الاتحادي يعد أحد أكبر التحولات التي قامت بها الانقاذ لإدارة البلاد ، وكان الهدف الأبرز هو إدارة التنوع الثقافي والجهوي والسياسي في البلاد ومشاركة المواطنين في الشأن العام وجعل الخدمات الحكومية متاحة في بلد مترامي الأطراف وصدرت عدد من المراسيم المختلفة لتؤسس لنظام الحكم الاتحادي وأصبح هذا الحكم  بعد تنفيذه أحد الأعمدة السياسية في البلاد ومستقبلها  وحقيقة راسخة.

10- تصدوا للعمل النقابي في إطار دولة العمل السياسي فيها عال جدا والاهتمام السياسي عال جدا والمطالب النقابية عالية جدا ، فاحتواها الجهاز الإداري والأمني لتكون مطالب في إطار سلطة الدولة وفي أطار عدم المحددات الأمنية ، والسودان محاط بتسع دول ، وهناك عمل خارجي كبير

11- المؤتمر الوطني فتح الحكم وسمح بالمشاركات أصبحت الحركة كتابا مفتوحا بعد المفاصلة يقرأها العالم بنقاط ضعفها وقوتها لاستفادة غيرها من التيارات الأخرى

12- بعد المفاصلة اشتغل المؤتمر الشعبي في الساحة مع المعارضة وعمل تحالفات ومنابر ، واتفق معهم على أصول للحكم حتى حصلت ثقة من الناس بهذ الفصيل الحامل للدين وقضايا الحريات

13- نسبة التعليم في مناطق كانت نسبة الأمية فيها عام 89م، 55%وبإحصاءات رسمية سنة 2018م كانت 24%.

14- نظام الحكم الاتحادي الذي دخل فيه ملايين السودانيين كانوا خارج الفعل السياسي ، الآف من القياديين ومئات الآلاف من الأعضاء الناشطين في الحركة السياسية وملايين من المشاركين في النشاط السياسي، وقد جرى استفتاء في دارفور عن ولايات ومحليات دارفور شارك فيه 8 مليون مواطن بنسبة أكثر من 90%.

15- نقاش فتح التعددية كان في 94م ثم اتخذ قرار سنة 96م وحصلت منافسة  انتخابية للمؤتمر الوطني وكانت المراقبة دولية والانتخابات الثانية فيها مراقبون أروبيون ومشهود لها بالنزاهة ، والحكومات كلها التي قادتها الانقاذ لم تكن خالصة للإسلاميين بل بنسبة معينة ، فالحكومة الأولى حكومة الوحدة الوطنية  فيها 3 فقط اسلاميين ، ودخلت فيها كل القوى.

16- المصالحة والمشاركة كالبعث والاشتراكي وغيرهما، وكانت هناك حريات وسمح للأحزاب بالنشأة والنشاط والمقرات ، وكل الاحزاب والحركات المصالحة شاركت من 2005 -2010م كان في الحكومة 40% إسلاميين والباقي للأحزاب والتي قبلها الاسلاميون 52% ..

17- تمكين المرأة في عهد الانقاذ ، فقد كانت المرأة في عام 86م ممثلة بعضوين فقط ، أما الآن  وفي آخر برلمان ممثلة بالانتخاب اكثر من 35% من البرلمان ، وقاضيات في المحكمة العليا.

18- بعد الاتفاقية جرى حكم ديمقراطي وانتهت الحرب ، وأصبح السودان من عشر دول سريعة النمو ، والقبول الضمني أن العروبة تمثل رابطة ثقافية بينما الأفريقية تمثل رابطة جغرافية ، والوحدة بمبدأ التنوع

19- الانقاذ كما يقول الباحث هشام الشواني كثفت الحمض النووي للدولة السودانية وهويتها ضد مشروع الحصار الممثل بالحركة الشعبية الجنوبية حتى جاءت لحظة ديسمبر .

20- لقد كان مشروع الإنقاذ هو ذروة سنام المشاريع الوطنية التي سعت لبناء السودان المستقل والقوى.

المثالب

أما المثالب التي أُخذت على الحركة زطهرت في واقع الناس سواء من داخلها بفعلها وأدائها،  أو من خارجها بفعل الضغوط والحصار الدولي فتتمثل في:

1- سجال المشروعية كما يقول الباحث عبد الله مكي سجال كبير خصوصا عند الدول الغربية الني تعطي المشروعية لمن ترض عنه وكان تابعا لها ، فالانقلاب مرضي عنه للتابعين لهم ومصر 2013 دليل ذلك ، والحركة الاسلامية أرادت عدم قسمة السودان ما بين عامة وخاصة وخريجين وعوام وعسكريين ومدنيين والسؤال إلى أي مدى نجحت الحركة الاسلامية في لم شمل المجتمع وتقريب الشقة بين مكونات المجتمع، قال الشنقيطي أن الانقلاب كان من موقع غلبت الفاعلية المبدئية ، والترابي رحمه الله تحدث عن الدولة الحديثة باعتبارها ابتلاء .

2- المفكر والمنظر والسياسي والقائد التنظيمي هو القائد على طول هذه الفترة ، مع العلم ان ميزة القيادة تكمن في وعيها المترادف والمتكامل ولكنها تنعكس إلى إشكالية حين يكون مسؤولا عن كل شيء وبهذا سيصبح انتقاده أو التقليل من شأنه مشكلة، في حين أن السياسة تحتمل هذه المسألة والصراع السياسي .

3- ما حدث في السودان هو حلقة انقلاب وحلقة تنظير وحلقة عدم القدرة على التطبيق هي التي أدت إلى هذه الحالة المفرغة الآن .

4- دوافع اللاعبين الخارجيين المؤثرين في ساحة السودان، فبعضهم يرفض أي نموذج سياسي ديمقراطي أو شبه ديمقراطي أو دولة مستقرة مخالف لما هو قائم؛ كونه يحرجهم حال المقارنة به ، وبعضهم من أجل أسباب اقتصادية يعادي السودان كي لا يكون قويا والبعض للخلفية الإسلامية .

5- يقول الدكتور محمد محجوب هارون: من مخالفات الإنقاذ في أولى أيامها إحلال نساء ورجال جدد خلفا لسابقين، ليسوا بالضرورة أصحاب كفاءة ولكن أصحاب ولاء للتجربة وهذه مخالفة، فالناس موجودون ولا يصح استبدالهم ولو هم مختلفون معها طالما وهم مؤهلون ويعملون، واعتبر أن الهياكل التي أنشئت  موازية لجهاز  الدولة ترضع من ثدي الدولة وتستنزف الاقتصاد ونشأت نتيجة لذلك حركات تمرد لعدم إنصافها، وتوجه موارد الدولة للأجهزة الموازية. ولم يرتض الباحث عبدالله مكي هذا التوصيف حول الأجهزة الموازية بل قال هي مساندة للدولة وليست خصما لها، وهي مؤطرة قانونا، وتجربة جديدة تحتاج إلى دراسة مستقلة إلى أي مدى قدمت نموذجا للأمام

6- يعتبر الشيخ طارق الزمر أن رفض الحركة لفكرة التنظيم الدولي على لسان المؤسس الترابي رحمه الله متناقض مع ما تم الانسياق وراءه وهو الأممية التي كانت برأيه سببا من أسباب إجهاض التجربة والالتفات إليها مبكرا،  فالتجربة السودانية رغم اشتباكها المبكر مع المناطق الصعبة والوعرة جدا وتعاملها مع معضلات لم تتعامل معها الحركة الاسلامية بشكل عام، ووصولها إلى حلول، وسبقها الكثير من المفكرين والقادة الإسلاميين في مناطق أخرى، إلا أنها لم تنجح في إيجاد صيغة لتجديد النظام وكان يمكن أن تجد هذه الصيغة تجديد النظام وإطالة عمره واستكمال تجربته بشكل عام وأفضل، خاصة في العشر سنوات الأخيرة، فقد كان هناك فرصة لتجديد النظام من الداخل واستكمال تجربته ونجاحه لعدة سنوات أخرى وبشكل أفضل، وسيكون هو النموذج الأول والأوسع والأكثر نجاحا من تجارب الإسلاميين في الحكم ، لأنه سيتعامل مع أوضاع دولية بانفراده حتى دخل في القطبية الأحادية،  الوضع الآن يتغير باتجاه آخر كان سيعطي التجربة نسبة أكبر في إمكانية النجاح

7- يعتبر الباحث عصام عبدالشافي أن الحركة تعاني من إشكالية  ضعف المؤسسية، ,ضعف المشروع وعدم وضوح الرؤية، والفساد السياسي والمالي ماثل حسب تقارير وتصريحات واعتراضات الناس، و الاستبداد المتمثل في تجاهل كثير من القوانين والتشريعات والمؤسسات؛ فالنزعات التسلطية أفرزت الكثير من الحراكات الشعبية .

8- غياب التداول السلمي للسلطة في استمرار الرئيس مدة طويلة وكذا الترابي أمينا عاما للحركة مدة حياته يعود بحسب الدكتور محمد محجوب إلى غياب المؤسسية مستندا في هذا التوصيف الي مقولة هنتنجتن أن مقياس المؤسسية متمثلة في أن الجيل المؤسس يسلم السلطة للجيل الذي بعده وهو موجود على قيد الحياة .

9- الاعتقاد بحيادية الدولة ودورها  كما يقول د. محمد هارون بمعنى عندما كانت الحركة تخطط لاستلام السلطة كانت تعتقد أنه ببرامجها يمكن أن تأتي للدولة، والدولة هذه بأجهزة مختلفة محايدة بحيث يمكن أن تنفذ السياسات التي تريد ؛ لكن في دراسات عديدة أن الدولة ليست جهازا محايدا سلبيا ، الدولة ببوغرافيتها ومؤسساتها يمكن أن تشكل السياسة بطريقة مختلفة عما يريد الذين ينوون تطبيق هذه السياسات ، وهذا الكلام يجعل الكلام المنصب على الإسلاميين في فقرهم عن امتلاك رؤى بناء الدولة واستراتيجية الهندسة الفوقية والتدبير السياسي المسبق محل نظر وتأمل،  فالدولة ليست قوية وهذا ما اكده نزيه أيوب في كتاب(تضخيم الدولة العربية ( فهي ليست دولة قوية بل دولة باطشة فما عندها قدرة على عمل نقلة لمواطنيها في التجارب المختلفة .

10- هناك فجوة بين التنظير والممارسة والتنفيذ.

11- اعتبر الدكتور محمد محجوب  أنه كان هناك فرصتان لمساعدة حكم الإسلاميين في استرداد المشروعية ولو جزئيا هما:  اتفاق السلام الشامل وهذا سيقود إلى بناء علاقة تراض جديد، والحوار الوطني، ولم يكن كذلك .

12- نظّر الشيخ الترابي رحمه الله لفكرة المنظومة الخالفة قبل وفاته ثم تبعه التنظير للتوالي السياسي لإشراك المجتمع في هذه المنظومة السياسية ويصلوا إلى إجماع حول القضايا ، وهذه الفكرة حسب رأي الدكتورة سهير  لم تكن واقعية نظراً لوجود أحزاب متجدرة جدا ومنافسة من المهدية والختمية ، ولا يمكن أن تلغي  هذه الأحزاب الكبيرة وتطلب منها أن تنضوي تحت لافتة جديدة ، فكان منه خيالا

13- لم تستوعب الحركة حين وجدت نفسها فجأة في الدولة وهي مسؤولة عن أمانات الناس في كل المجالات ، وكان على الحركة أن تستوعب هذا الهم جيدا.

14- دمج كل المؤسسات في الدولة ، فبدل أن تصبح منظمات المجتمع المدني في خدمة المجتمع أصبحت في خدمة الدولة وألغوا المجتمع من الحساب .

15- لما جاءت الحركة لتطبيق القوانين من خلال الدولة كانت المؤسسات لا تعلم مقاصد القانون فأخطأوا في التطبيق مثال ذلك: الشرطة السودانية ارتكبت أخطاء حُسبت على الحركة الإسلامية وتم تدوينها في المنظمات الحقوقية ؛ لأن الشرطة لم تكن ذات علم بمقاصد التطبيق المطلوبة لهذه القوانين فلم تكن المقاصد هي العقوبة فقط وإنما تنمية القيم عند المجتمع .

16- اهتمت الإنقاذ بالأمة الإسلامية من خلال تكوين المؤتمر العربي الشعبي الإسلامي بمنظوماته المختلفة وكان في عضوية هذا المؤتمر من هم معارضون لأنظمتهم السياسية، وهذا ما جعل الدول تقابل الإنقاذ بما يشبه الإجماع ضدها، والحرب عليها؛ باعتبار أنها تؤول هؤلاء الناس إضافة لهويتها الإسلامية السياسية ، وهذا مشروع خطر بالنسبة لأنظمة الإرث الاستعماري السياسي ، مشروع توحيد الأمة الإسلامية ، والتقارب بين طوائفها السنية والشيعية، وحوار الأديان للوصول إلى القيم الإنسانية المشتركة ، فهذه مشروعات كبرى لم تكن تتحملها المنظومة السودانية والبنية السياسية.

17- هيمنة الجهاز التنفيذي على الجهاز التشريعي باستخدام الهيئة البرلمانية لنواب المؤتمر الوطني ليكونوا آلية لاتساق عضوية المؤتمر الوطني مع حق الخزب العام .

18- دينامية التنافس السياسي  المتسمة باستقطاب حاد وعال وتحول كبير في التحالفات وتحول في البنيات السياسية، عكست حالة من عدم استقرار الحالة السياسية، كما حصل في أواخر أيام الإنقاذ وخروج مجموعة من المؤتمر الوطني، وكونوا أحزابا ، وكذا تحول الحركات المسلحة الى متحالفة ثم رجوعها للتمرد جعل العملية السياسية متسمة بحدة الاستقطاب وتغير الهويات المختلفة .

19- غلبة الأمن على السياسة فقد أصبح دور جهاز الأمن أكبر من الدور المعتاد له ، ليس فقط جمع المعلومات  في مجال العمليات ، لكن أصبح عنده تأثير على رسم السياسات وعلى تعيين المسؤولين بل عنده فيتو على بعض الأشخاص، فتجاوز جهاز الأمن لدوره ، وانسحابه خارج مهامه يصبح مهددا أمنيا بذاته

20- جهاز الأمن زاحم القطاعات الاقتصادية في مجال التصنيع والزراعة ، ولو أنه بذل الجهد في دعم المؤسسات القائمة كانت حصلة نقلة في الجانب الآخر.

21- تنامي الاثنية السياسية بعد تكوينها في عام91م وظاهرة مجلس شورى القبائل ، وظاهرة البيعات القبلية للحكومات والحزب الحاكم ، ولم تسلم حتى المناطق الحضرية من ذلك ، والمؤتمر الوطني كوّن  أمانة للإدارة الأهلية والمتعلمون وجدوا مطية جديدة استطاعوا أن يستخدموها في تطلعاتهم ومصالحهم الشخصية ، وأحيانا استخدموا الاثنية بطريقة سلبية أثرت على العمل السياسي واستغلت في تأجيج النزاعات في مناطق مختلفة من البلاد .

وقد علق الدكتور عصام عبدالشافي على هذا القول بأنها إشكالية أن قانون الإدارة المحلية من شأنه أن يؤدي إلى الاثنية السياسية ، وكأننا أقرب إلى حالة لبنان الذي هو اتفاق الطائف عام 89م الذي أسس لطائفية سياسية ما زالت تعاني منها إلى الآن .فهل كان قانون الإدارة الأهلية أحد أهم أسباب تأسيس الإثنية السياسية أم أن الاثنية سابقة على هذا بعدة عقود؟!

20 –  تعتبر الدكتوره هويدى العتباني أن حكومة الانقاذ فرطت في الجنوب وذلك بإتاحتها الاستفتاء، وكان لها أن تتمسك بكثرة القضايا العالقة قبل الاستفتاء ، كقضية أبيي ، وجنوب كردفان ، والنفط، كان التوافق على التقرير لكن بعد حل القضايا العالقة ، وبررت هذا الفعل السياسي بأنه جاء من أمل الحكومة  أن تنتهي أزمات السودان قاطبة أو أن مبدأ المقايضة بين بقاء قوانين الشريعة  في الشمال مقابل تقرير المصير .

21- سيطرة العسكريين على الأداء السياسي وعسكرة العمل السياسي امتدت آثاره على الحركة وكل السودان ، فنتج عنه وجود الخلافات والتباينات داخل الحركة أدى إلى التشظي.

22- طول المكث في القيادة أثر على كل مفاصل  الحياة .

23- امتداد الحرب كانت خصما على التنمية .

24- سيطرة العسكريين على بعض المؤسسات كالمؤسسات السيادية دون توفر الإمكانات الذاتية .

25- اختزال المؤسسات السياسية أو الحركية أو الجهاز التنفيذي في يد شخص واحد حول المؤسسات إلى شكليات كالشورى وأصبح القرار متخذا بشكل فردي .

26- العمل النقابي في كثير من الأحيان لا حرية فيه في اختيار القيادات المهنية والنقابية مع أن ضرورة المرحلة من استغلال هذه المؤسسات  تقتضي المراقبة والضبط لمثل هذا الاتجاه وذلك للخروقات الكثيرة التي تمت في جدار الأمن القومي السوداني من خلال الخارج

27- مارس جهاز الأمن العمل التجاري والاستثماري على نطاق واسع وأصبح ينافس رجال الأعمال في السوق منافسة غير عادلة ، ولأن أغلب الأعمال في السوق السوداني تأتي من طرف الحكومة ويستطيع الجهاز وشركاته الخصول على الفرص على حساب غيره.

28- تدخل الجهاز في التعيين والاعفاء في المناصب العليا في الدولة وتمدد على حساب الحركة والحزب .

29- تغول جهاز الأمن على القيام بأدوار هي من صميم عمل الوزارات الأخرى مثال ذلك قطاع التعليم ، ومؤسسة الأمن أو الشرطة أو الجيش كل واحدة عملت لها مؤسسات جامعية ، وكان يمكن توفير هذا الامكانات لدعم التعليم العالي

30- كان الجهاز ينفق بسخاء زائد على حساب الجهات الأخرى في الدولة

31- الجهاز متهم بالقسوة الزائدة على الخصوم .

32- أسهم في نهاية أيام الانقاذ في توسيع الحملة الساعية لاتهام بعض أعضاء الحركة بالفساد واعتقال بعض رجال الأعمال .

33- حصل انشقاق جهوي داخل الحركة في بعض الأحداث ، كحادثة المؤتمر العام سنة 95م كان من مرشحين واحد من أبناء غرب السودان والثاني من أبناء البحر وكانت النتيجة لصالح من هو في غرب السودان وتم تحويل النتيجة وتزويرها ضد من هو من الغرب .

34- هناك مؤثرات خارجية أدت إلى إضعاف الحركة السودانية وانشقاقها كحادثة اغتيال حسني مبارك ، وفتح الحدود للتيارات الإسلامية المعارضة وإيوائهم والمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي

35- انتهاك الدستور في الرقابة على الصحف والتضيييق على الناس والاستبداد بهم.

36- أظهرت مبادرات  التصالح والتناصح والإصلاح أن هناك تباينا كثيراً في الأطروحات والرؤى حتى بين النخبة الإسلامية القائدة باستثناء الترابي؛ كونه المنظر الأيديولوجي –  نطام الأفكار – الأول يمتلك وضوحا نظريا في كثير من القضايا ككتاباته الأولى ولقاءاته ومؤسساته .

37- هناك تباين عند الرجل الأول ومن حوله حول مفهوم الدولة ، فبعضهم يرى الدولة كيان إجرائي أي أداة ووسيلة ، وهذه تسمى بالنظرة الأداتية للدولة ، فالدولة ما عندها منطق وإنما هي وسيلة نستخدمها لقضايا مثلها مثل القلم والكأس للاستخدام ..وما عندها منطق خاص ، وهذه نظرة قاصرة ، في تباين واضح .

38- النقاش حول الشريعة الدولة ، فمصطلحا الدولة والشريعة مصطلحان حصل فيها نقاشات كثيرة من خمسين سنة ماضية بين الحركة ، فهما أكثر مصطلحين قامت تكوينها ونشأت اتجاهات سياسية على إثرهما، هذا التباين أدى بفعل الحوار والجدل الإصلاحي والمساجلات إلى بروز تيارات ثلاثة داخل جسم الحركة الإسلامية الكبير : تيار فكري حداثي متأثر بالفكر الغربي حداثي، تيار أصولي إحيائي، تيار محافظ سلفي؛ لأن الحركة في فترة من الفترات كانت تحمل أفرادها على شعارات عامة : الإسلام هو الحل ، الدولة الإسلامية ، الشريعة الإسلامية ، شعارات عامة إذا فحصت التصورات حولها ونفذت الى التطبيقات نشأت التباينات ، وهي ظاهرة صحية إجمالا ، لكن إن تضخمت هذه التباينات فليست صحية لأنها قد تبدي موقفين :  إما أن يحصل حولها جدل فكري معمق ومؤسس ونقاشات طويلة واستكتابات ضخمة فتنتج مركبا ثلاثيا ( تبدي اللحظة الحداثية واللحظة التجديدية واللحظة السلفية المحافظة فكلها تعمل تجاوب بالمعنى الفلسفي وتنتج مركبا معرفيا ثالثا يطور الفكر الإسلامي ويجدده ويقدم مفاهيم حقيقية وهذه تحتاج بحسب الباحث فتح العليم إلى شغل كبير… وهل نحن  في هذه اللحظة مهيؤون له !؟

وربما تنتج تباينات حادة تحدث عددا من التشققات وتتحرك مجموعة من داخل السياق الإسلامي إلى السياق العلماني جملة ومن داخل السياق الإسلامي التجديدي إلى داخل السياق السلفي المحافظ أو السلفية الجهادية أو السلفية الحركية وهذه ظاهرة طبيعية والشيخ الترابي رحمه الله قدم محاضرة بعنوان النزوحات الفكرية الكبرى ، وهذه ظاهرة موجودة في تأريخ الأفكار تبدأ حركات جذرها إسلامي ثم تنزح إلى الاشتراكي أو علماني إلى الإسلامي وهكذا

39- الغرب احتوى مجموعة معارضة سودانية واستقطبهم واستخدمهم وكذا بعض المنظمات التي أدخلوها في مجالس حقوق الإنسان لإعطائها مشروعية لتعاقب السودان وكانت معلنة ، وعقوبات غير معلنة  ومُنعت كثير من الشركات غير المعلنة عن التنقيب والاستثمار في السودان

40- غياب المؤسسية وتطاول حكم الفرد واستقواء بعض الأفراد والوزراء على حساب المؤسسية ، وربما المؤسسية تطأطئ رأسها أمام الرجل الواحد.

41- حين أنشأت الإنقاذ عشرات الجامعات الأهلية وجامعة حكومية في كل ولاية ، والتعليم ينشئ الحركية ، فالتعليم الذي ليس مهنيا كما يقول الدكتور أمين حسن عمر ولا فنيا هو الذي أودى بالإنقاذ؛ لأنه هو  الذي خرج  مئات الآلاف من الشباب من دون فرص عمل حقيقية فثاروا عليها فهي التي ولدت معارضتها ، فلوكان الشباب في قراهم ولم يتعلموا ولت درسوا المراحل التعليمية لما امتلأت شوارع الخرطوم بالمحتجين .

42- وثورة في الاتصالات ما كانت في 86م والآن 30 مليون بستخدمون النت .والاتصالات بهذا العدد مؤشر افتتاح أواصر التواصل الذي يُنشئ الوعي والحراك السياسي، ولما تُنشئ الحراك السياسي لا تستطيع دولة كائنا ما كانت أن تمنع المشاركة السياسية وإلا ستسقط ، الإنقاذ حاولت فرمتتها وضبطها وعرقلتها ولكنها عجزت فسقطت.

43- يقول الدكتور خليل عبدالله هناك حديث يدور في الأوساط الشعبية السودانية أنه في آخر أيام الانقاذ أعداد هائلة من العملات طبعت خارج البلاد مزورة وشحنت إلى السودان أدت إلى تدهور كبير جدا في الاقتصاد .وضرب مثلا بشخص يعمل في صادر الماشية كان الجمل يباع بحوالي 15 ألف جنيه وعندما دخلت هذه الأموال ارتفع إلى 30 ألف جنيه .

44- عندما انفصل الجنوب وذهب البترول مع الجنوب كان يمكن للذهب أن يعوض وأن تتعامل الحكومة مع الذهب كما تعاملت مع البترول ولكنها تركته للتعدين الأهلي وهذا حرمها من مورد كبير ومهم .

45- البيئة المحلية والإقليمية والدولية التي تمت فيها إدارة السودان من الانقاذ كانت بيئة غير مساعدة بل كانت معادية، الحروب التي أديرت ضد الانقاذ وكانت شرسة جدا من عدة جبهات .

46- يقول الدكتور الكباشي أنه في أواخر الانقاذ ظهرت ادوات جديدة للصراع لم تكن موجودة من قبل ، ظهر جيل القطاع الخاص للعمل في الجنوب والعمل في دارفور ، ويدعو مؤلف كتاب أوروبيون لاحتلال دارفور من خلال جيوش مرتزقة فهي أقل كلفة وأكثر فعالية . ومن الملفت أن أحد مؤسسي بلاك ووتر شركة المرتزقة كان يعمل في السودان وعلى دراية وعلم بالسودان

47- ظهر متغير جديد وهو استخدام عشرات المنظمات حوالي 120 منطمة هجمت على السودان مستغلة ما وفرته اتفاقية السلام من انفتاح سياسي واتخذت هذه المنظمات وكلاء لها في السودان وهي التي أحدثت الحراك الكبير الذي قاد بالتواتر إلى إنهاء حكم الإنقاذ.

48- هناك سبع كتل متحركة في الفضاء السياسي السوداني وآخر هذه الكتل هي كتلة الشباب، فالإنقاذ أنشأت أكثر من 120 جامعة تضخ كل عام نصف مليون خريج وخريجة من 300 تخصص ، متبطلون عن العمل عشر سنوات ، الدول التي كانت تستقبل عمالات لم تعد تفعل ذلك ، أمامهم كل الطرق مغلقة ، كل هؤلاء الشباب المتخرجون المتراكمة أعدادهم أكثر من 12 مليون شاب وشابة خريجو جامعات متبطل سنوات ودب اليأس في نفوسهم وأصيب الكثير منهم بانسداد الأمل والاكتئاب ، تهيأت بيئة اجتماعية عندهم هؤلاء الشباب ، الممسكين بمطالبهم وتواصلهم مع الخارج والانترنت ، واستغلت هذه  المنظمات بشكل منظم أن تبث ملايين الرسائل وتدعوا للثورة على الحكم القائم والتعبئة الكبيرة والقابلية الكبيرة للانفجار كانت نتيجتها إنهاء حكم  الإنقاذ.

49- تقول الدكتورة هويدى تقرير المصير حصل ولم تحسم قضية الماء والبترول ، ورغم حصول استقرار فترة 6  السنوات الانتقالية لكن سرعان ما تبين أن الاتفاقية حالة زمنية معينة وبعدها بدأت مرحلة جديدة مليئة بالخلافات المتجذرة ، ولم ترفع العقوبات الأمريكية  ، ووصف البعض الاتفاقية بأنها قنبلة مفخخة وملغمة بالفعل الأمريكي، وأن الاحتكام والاعتماد من البداية على طرف ثالث مثل الايجاد الافريقي وأمريكا كان خطأ فادحا من شأنه الضغط على طرف دون آخر ، والأجدى والأنفع كان الحوار السوداني السوداني ، فهذا وضع للخلافات على نار هادئة والابتعاد عن الأجندة الخارجية الخفية .

50- من سلبيات الحوار الندية بين حركة مسلحة وسلطة حاكمة تحولت بين يوم وليلة من حركة إلى دولة وبذلك أصبحت تطلع لدور إقليمي ، فأعضاء الحركة بعد أن كانوا يتنقلون بين الدول كمجرمين أصبحوا أبطال سلام

51- الثنائية بين طرفين لم تعط أي أهمية للحركات المسلحة والمعارضات  الأخرى . فلا الحركة الشعبية تمثل الجنوب ولا المؤتمر الوطني يمثل الشمال .

52- مقاعد المجلس الوطني بعد الاتفاقية  52% مؤتمر وطني ، و28% حركة شعبية ، وبقية 20% للمكونات الأخرى التي هي ديكور .

53- عوامل سقوط الانقاذ تمثلت في : عامل خارجي متمثل في أنظمة إقليمية عملت على دعم النظام السابق واتضح لها ولمصالحها لاحقا، أن نظام البشير لابد أن يسقط. وعامل اجتماعي وهو وصول الكتلة الشبابية لمرحلة الانفجار بسبب الظروف الاقتصادية فكانت وسائل التواصل الاجتماعي أداة فعالة مخيال جمعي جديد صنع أحلاما رومانسية للشباب في ظل الثورة والتغيير كما كان في الربيع العربي. وعامل سياسي داخلي ويتقسم إلى جانبين : القوى السياسية  السودانية التي تحالفت بعيدا عن الحوار الوطني مثلت تجمع المهنيين متصالحة مع الخارج ومع مشروع خلاف الدولة السودانية .

54- مراكز قوى داخل نظام الإنقاذ نفسه وهي ساهمت بشكل فعال في عملية السقوط.

55- يعتبر الباحث هشام شمس الدين أن الحركة الإسلامية أخفقت في الإجابة الرسمية عن الأنظمة الإسلامية المؤسسة للدولة كالنظام الاقتصادي الاسلامي المؤسسي وانما هناك إجابات لمجتهدين في الحركة عن هذا الأمر بمناهج ومذاهب مختلفة ، ولا توجد نظرية سياسية في إدارة الدولة متفق حولها ولا النظرية الاجتماعية  ولا الفكر بصورة عامة ، وهناك خلاف داخل الحركة في مسألة الشورى والحريات العامة فهناك تباينات في قضايا أساسية ، والحركة مأسورة في أسئلة السودانيين أو خصوص أعضائها ، وأن الفكر الماركسي والليبرالي قدما تفصيلات نظرية دقيقة لاحتكاكها بالواقع العام ، بينما قادة الحركة ومفكروها قابعون في العموميات ، وهناك ارتجال سياسي غير مؤسس على فكر متفق عليه ولكن هناك اجتهادات السياسيين مثلما فعلت الحركة الاسلامية السودانية في استراتيجيتها قبل الانقاذ وبعده ، وأصبح هؤلاء السياسيون عمدة الفكر والفعل الحركي مع انها حركة شاملة لكل كيانات المجتمع واتجاهاته .

56- يعتبر أستاذ العلوم السياسية  الدكتور عبده مختار أن من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الحركة الإسلامية هو مجيئها للسلطة عبر انقلاب مبرراً ذلك  بمواتات المناخ السياسي المحلي والدولي لنجاحها عبر الديمقراطية وانحسار المد اليساري فكان عليها الصبر لتصعد بالانتخاب مع ضعف الاحزاب وضعف الحكومة السودانية .

57- وادعى أن الانقاذ عملت على تسييس الإدارة الأهلية وهذا أدى الى توسع الصراعات القبلية

58- لا يمكن الحديث عن الإنقاذ بدون الحديث عن الصراع الدولي والجيوسياسي في السودان وكذا الصراع الطبقي والسياسي الداخلي وتدخل الجيش في السلطلة نتاج هذا الصراع الاثني والعافية والطبقي والاجتماعي وهو انقسام على إثر سياسة المستعمر .

59- حُلت الحركة الإسلامية عام 93م بقرار من مجلس الشورى المكون من 60 عضوا وكان قرار خاطئا لمخالفته لدستور الحركة الذي ينص على أيلولة صلاحيات المؤتمر العام لمجلس الشورى في حالة غياب المؤتمر ولكن لا يمكن ان يصل التصويت لدرجة حل التنظيم .

60- صار الإسلاميون عبارة عن طبقة برجوازية ورأسمالية وهذه أوقعت الحركة ولذلك حذر الترابي رحمه الله من أن تكون الحركة مجتمعا داخل المجتمع

61- اعتبر الشنقيطي أن الحركة الإسلامية السودانية أعظم حركة في الفكر الاستراتيجي وبناء التحالفات والعلاقات الخارجية ولكنها أسوأ تجربة في الحكم في العالم السني ، فهناك فجوة هائلة بين المبدأ والمنهج  نجحت في المناهج العملية والاستراتيجية العملية وفرطت تفربطا شديدا في المبادئ والقيم التي تأسست عليها ، وأنها اعتادت في مدافعتها مع خصومها أن تلجأ إلى كل الوسائل دون أي حذر شرعية أو أخلاقية، وقد وقعت في أسوأ تقدير استراتيجي هو اعتقادهم بقدرتهم على التخلص من السلم الذي أتى بهم إلى السلطة وهم العسكر ، فالعسكر امتطوا ظهر الحركة حتى وصلوا إلى السلطة ثم تخلصوا منهم .

62- من 95-98م ثلاث سنوات كانت مفصلية في تاريخ الحركة لأسباب ثلاثة :  1- شهدت قيام مؤسسات الحكم وهذا النظام ستقل فيه الصلاحيات ، ويكون فيه قدرة على توزيع الموارد المختلفة مما أدى إلى منافسة داخلية كانت سببا للمفاصلة في عام 99م .2- قيام التجمع الوطني الديمقراطي الذي اتخذ من أسمرة مقرا له وضم معظم القوى المعارضة لحكومة الإنقاذ  واستخدم العمل العسكري لإسقاط الإنقاذ .3- تزايد الضغوط الدولية على الانقاذ ، حصار شديد وفرض عقوبات من المؤسسات الدولية ومحاولة العمل العسكري والأمطار الغزيرة والعدوان الثلاثي الأرتري الاثيوبي اليوغندي في عام 97م.

63- المفاصلة ليست صراعا حول السلطة وانما نتاج طبيعي لانحراف توجه الحركة الإسلامية في الحكم كما تقول الدكتورة نحوى عبداللطيف .

64- يدعي هشام شمس الدين أن الحركة الاسلامية وقعت في الممارسة العلمانية للسلطة وهو فصل القيم الأخلاقية عن قيم العمل السياسي في أكثر من مخطة خاضتها وهو نفس رأي محمد الشنقيطي الذي قاله في حركة الانقاذ بتخليها عن المبادئ. ووصف العدالة والتنمية المغربي بقوله حافظت على البقاء وتخلت عن النقاء ..وهو تعميم إشكالي كبير ينتمي للمغالطات المنطقية والتضخيم والتعميم النقدي غير الحصيف المنصف .

المطالب

1- سؤال إمكانية الوصول إلى الحكم في الدولة العربية دون ثورة شعبية او انقلاب مسلح سؤال ملح وذلك لشدة الاستبداد والتسلط عند هذه الدول، كما يقول الدكتور عصام عبدالشافي، فالمراهنة على التغيير بالمسار التدريجي يحتاج إعادة ضبط على مستوى مفهوم الثورة والانقلاب والتغيير، وإعادة ضبط سؤال المشروعية ؛ لأن المشروعية ترتبط وتستند إلى القوانين ، وإلى أي مدى تلنزم الحركات السياسية وحركات التغيير إلى هذه القوانين في تلك الدساتير ، فإذا كانت حركات التغيير تسعى إلى إسقاط هذه المنظومة القانونية والتشريعية فكيف نحاكمها أو نحاسبها أو نضبط أدائها مقارنة إلى تلك القوانين والتشريعات التي جاءت بالأساس للقضاء عليها.

2- يجب على التجربة الإسلامية في الحكم الاستماع لأراء ناقديها وخاصة خصومها ، كيف كانوا يرونها لتتبين نقاط الضعف.

3- عمل تجربة في سياق مجتمع ما ، تحتاج إلى إبداع جماعي وليس أفرادا كالترابي رحمه الله ، نفس الفكر  نفس القيادة ، فلابد من بحث عن ميكنيزمات للحكم حقيقية تناسب سياق  الدولة

4- قضية الجنوب التي هي قضية تعاني منها الحركات الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية، فهل وضعت  الحركات الإسلامية  لمثل هذه الاثنيات والعرقيات تصورات فكرية للمعالجات قبل المعالجات السياسية ، أم أنها تتعامل مع معطى واقعي يتناولوه بالسياسة والضرورة وبعد ذلك في إطار التفاهمات والحوار والاتفاقيات.

5- هل من الأفضل  فكريا انفصال الأقليات والعيش معا أم الحرب معها والعمل السياسي والحلول المؤقتة التي تؤدي لاحقا إلى أزمات لاحقة؟

6- هل من مصلحة الحركة الإسلامية أن تضع تصورات مسبقة لمثل هذه القضايا وبعد ذلك تضع معالجات سياسية للوصول إلى الهدف ، فهذه بؤر وضعها المستعمر في كثير من الدول الإسلامية والعربية ، الأكراد والأمازيغ  وغيرها .

7- لابد من استباق أي محاولة للتغيير أو المحاولات للوصول إلى السلطة كليا أو جزئيا معالجات الإشكالات الموجودة التي وضعها المستعمر .

8- الجهود المبذولة مؤخرا في طرح مقاربات السلام لو بدأت في فترة الإنقاذ الأولى لكانت وفرت الدماء والأموال.

9- كثير من أعضاء الحركة ممن صوتهم عال في الانتقادات همشت أدوارهم وهذا أضر بالحركة والتجربة، ولابد من إعادة الاعتبار لهم وتكريم وترميم هذا الصوت ليثمر الصلاح والفلاح .

10- طرحت الحركة الإسلامية مشروعا للتعامل مع الأقليات الدينية السودانية برعاية التنوع والثقافات المحلية تعزيزا للتراث القومي والقبائل السودانية المختلفة ثم صياغة الدستور بطريقة تنعكس على الأطر المشتركة وتتواءم مع التعددية الثقافية والعرقية .

11- ثقافة السلام ، بناء الثقة ، زيادة الوعي السياسي والمعرفي ، عدم خفاء المعلومات ، انشاء مراكز للمعلومات والبحوث سواء في الجامعات أو غيرها لتُحتوى فيها المشاكل سواء كانت مشاكل الانفصال أو غيرها.

12- لا يُترك من تولى السلطة أن يستمر في منصبه مدة طويلة مهما كانت درجة تقواه .

13- العلاقة بالغرب لابد من استخدام أدوات لا تنتهي إلى الانهزام النفسي ولا إلى خدمة أجندة الغرب… لهذا لابد من التفكير الذي له قيمة تطبيقية

14- يقول الشواني  :  أن مشروع التحرير والنهضة بالدين لم يكتمل ، ودواعي التجديد لا تزال قائمة، وإذا كان الابتلاء الأساس الذي بعث الحركة الإسلامية يوما من الأيام هو ابتلاء العلمانية السياسية ، ودعاوى فصل الدين عن الدولة ، فالابتلاء المعاصر هو الأكبر وهو ابتلاء التحولات الثقافية في المجتمع التي تبعد الإنسان عن الأخلاق وهو ما يسميه الشواني التحول الاجتماعي للسقوط ، والتحولات هذه نتجت عن شروط العولمة والحداثة وبالتالي التفكك والتحول الذي أصاب الانقاذ هو تفكك وتحلل مقهوم .

15- اتجاهات مستقبل الإسلاميين ينظر لها من جانبين :

الحديث عن الاصلاح السياسي والتنظيمي للتنظيمات الإسلامية في السودان .

النظرة لفاعلية  الإسلام في الحياة المعاصرة وحياة المسلم وهذا قد يحتاج تغيير، راديكالي وجذري في النظرة للحركة الإسلامية.

16- الحديث عن مستقبل الحركة الإسلامية يستدعي تعريفها بأنها حركة البعث والتجديد الإسلامي التي قامت ضد مشروع التحديث الغربي  وهي حركة تهتدي بأصول المصادر الإسلامية في طابعها العام وهو العلمي وهي حركة على مسافة تزيد أو تنقص من المؤسسات القائمة والموروثة لعلماء المسلمين وقادة حركتهم الصوفية والدينية،واهتمت بثلاثة أمور :

بعث الإسلام ، مقاومة المشروع ، تجديد الفكر الإسلامي .

17- النظر لاتجاهات مستقبلها يدور على ثلاثة جوانب : الجانب السياسي السوداني وهذا يتعلق بتوحيد كتلة الإسلاميين السودانيين والمحافظين السودانيين في عمل جبهوي من أجل مقاومة مشروع خصار الدولة السودانية والتدخل الخارجي والتركيع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الحاصل في السودان بعد ثورة ديسمبر، الجانب الثقافي ويتعلق ببعث حركة دينية وطنية تخاطب فئة الشباب والمجتمع لأن ثقافة العولمة في جوهرها مضادق لثقافة التخلق والتدين ، وهنا تبرز مشكلة المجتمع التربوية والاخلاقية ومن المهم تجديد طرق الدعوة، الجانب الاجتماعي وهو يستلزم من الإسلاميين التنبه لعامل التفاوت الطبقي كعامل قوي في الصراع الحالي ؛ لأن المقاربة مع العامل الطبقي تأتي في قوة التأثير الثقافي على المجتمع ، فالعالم الحديث عالم الرأسمالية المادية يتحول فيه كل شي لسلعة ودعاية وإعلان فتبدوا طبقية كل شي ، طبقية وسائل التواصل وطبقية السياسة والتعليم وطبقية الممارسة وطبقية المعلومة وطبقية الرعاية الصحية وغيرها ، وهذا قد يجزء المجتمع المسلم ويدفعه نحو ثقافات متعارضة جذريا وهذا يتعارض مع قيم الاسلام التضامنية الساعية نحو الوحدة .

18- التحدي الاجتماعي اذا ما وعى به الاسلاميون جيدا سيؤثر على أولوياتهم السياسية وموقفهم من سياسة الدولة فينحازون بعد ذلك للطبقات المستضعفة لخلق توازن .

19- ثمت ثلاث جوانب للحركة الإسلامية يجب الاهتمام بها وثمة ثلاث مشكلات يجب أن تحذر منها في تفكيرها في المستقبل: مشكلة النخبوية ونعني به  أن تحشر الحركة في البناء الشعبي القائد وتتحول إلى حركة مثقفين مفكرين منعزلين عن الواقع . مشكلة الليبرالية أي تتحول الحركة الإسلامية لحزب ليبرالي يعمل في السياسة بشكل خافت وخجول في الجماهير ولا يواجه السلطة بشكل حاسم وحازم ويقبل كل شروط السياسة الجديدة ، هذه النزعة الليبرالية قد تتفق مع فئات إسلامية معينة من خلفيات ذات طبع طبقي برجوازي تتبنى نوعا من الطرح الإسلامي الليبرالي المدعوم من الغرب ومن جهات إقليمية وهذا خطر في الحركة الإسلامية لفقدها الفاعلية والجماهيرية .مشكلة خطاب المظلومية والتبرير ونعني أن تتحول الحركة لحركة

تدافع عن تاريخها وتبرر له من الهجمات الشرسة ضدها أو تقع أسير خطاب رومانسي حول المظلومية الواقعة عليها بما يذكرنا بأزمة الحزب الشيوعي السوداني عام 71م .

20- الحركة الإسلامية يجب ألا تشعر بأنه مطلوب منها التبرير أمام الخصوم بل مطلوب منها مراجعات وتفكير ما حدث في هذه التحربة لا يتفصل عن اللحظة والشرط الحضاري العام لمجتمعات المسلمين .

21- اتجاهات عملية يتحرك نحوها الاسلاميون : تجديد الاتصال بالجماعات الدعوية السلفية في البلاد ، والعودة للعمل التربوي لهذه المجتمعات في الأسرة والمجتمع والمساجد من جديد . وعمل خطة اعلامية لمواجهة المد العولمي والمؤثرات الثقافية التي تنطلق منها . تنويع التنطيمات الإسلامية ، حيث الحديث عن تنظيم اسلامي واحد لم يعد ممكنا ولا بد من تحفيز اتجاهات التنظيمات الإسلامية مع الانتباه لعدم الوقوع في فخ الليبرالية والتخبوية . الحوار الضروري وسط الإسلاميين بما يحررهم من عقوبة الذنب من التجربة الانقاذية ، يجب ألا يشعروا بعقدة الذنب من تجربة الانقاذ..

التجديد الفكري ومقومات البناء الإسلامي يقول الترابي رحمه الله : لا قوام للإسلام بغير حركة تدين نشطة تحققه من مادة حركة الحياة ، فإذا جمدت حركة المسلمين جمد اسلامهم وتشكل تاريخ حياتهم بطبيعة غير إسلامية.

22- لا بد الآن من العمل والتفكير  في قضايا أساسية : أصول علاقة الحركة الإسلامية بالتراث الإسلامي ، فالفكر الآن ذو طبيعة متخصصة أكاديمية تنتجه الجامعات ومراكز الأبحاث ، وعلى الحركة الانتباه من الوقوع في مأزق التخصصية الأكاديمية والذي يدفعها الى العزوف عن العمل السياسي والواجب السياسي التاريخي فتحرير العلاقة مع التراث بشكل سليم أمر مهم فهو تراث غني وهام وواقع المسلمين هو التجمد والتحفظ نحو تراثهم .هذا الابتلاء دفع الحركة الإسلامية لمصادمة العقلية السلفية كثيرا وتحفز دواعي التجديد بداخلها حتى وصل بها الحال الى التطرف وتتحدث عن قطيعة معرفية فلا بد من تحرير العلاقة مع التراث بشكل علمي وأكاديمي واستدعاء ما فيه من طاقة رمزية وتحفيزية للعمل السياسي والاجتماعي. تحرير العلاقة مع الفكر الغربي فالتفاعل الإيجابي مع الفكر الغربي شرط للنهضة والحكمة ضالة المؤمن ولابد من التعرف على اتجاهات التفكير الغربي بشكل معاصر .

23- لابد أن يفهم المسلمون اليوم واقعهم ويفهم السودانيون واقعهم وبشكل فاعل بعيدا عن المثاليات والمجردات فهم ينطلق من الواقع فالمجتمعات لها وجود تاريخي في حقبة معينة وعلى اساس هذا الفهم يتجدد الواجب العملي والسياسي وهو واجب نضالي وجهادي لا ينفك عن التفكير في دراسة أفهام التحولات الكبيرة القائمة التي خصلت بعد ثورة ديسمبر، فالحركة الإسلامية في عمقها مشروع أممي وعالمي لابد من بعثه من جديد.

24- لابد من الاهتمام بالمثقفين الذي يفصلون في  الأفكار ويقعدوا ليصلوا إلى إجماع نظري فكري حول هذه الرؤى والأفكار، ولكن الملاحظ إهمال وإقصاء المثقفين لأنهم مجرد منظراتيه كما يقول الدكتور التيجاني عبدالقادر ، ولا يدركون الواقع بشكل جيد، ولضيقها بالاتجاهات الفكرية والثقافية فإنها لازمة قول العموميات وظلت اجتهاداتها فردية لا رسمية، هذه الحالة التي عليها الحركة الإسلامية أدت إلى ظهور تيارات داخل الحركة،  تيارات الظل السلفية وتيارات فكرية تنزع نحو العلمانية .

25- لا يكفي ارتكاز الحركة على المادة الأصولية الفقهية والقانونية في استقاء أرائها وأفكارها ؛ كون هذه المادة لا تمثل عمدة العلوم والمعارف  في إدارة الدولة والمجتمع ، فهناك شبه غياب كامل لعلم الاجتماع في العقل المدبر للحركة الإسلامية ، والعلوم السياسية المختلفة ، الفلسفة

وهي العقل الكلي الذي يدرك أصول الأفكار ومنطلقاتها، فانزواء المثقفين وظهور التيارات المختلفة فتح الباب لبروز البراجماتية / النفعية ، فالسياسي والأمين السياسي هو المسيطر والمهيمن  وهو عمدة التنظيم .

والذي يجنح لعدم الكذب والمراوغة مقصي  ويسمى تندرا بالفكي ( الفقيه) إضافة لنبذ المفكرين والمثقفين..

26- لابد من مغادرة العموميات والحديث عن المناهج والبرامج المفصلة خصوصا في ظل كثافة الداخلات الفكرية  الثقافية  في المجتمع السوداني، فالعبرة بالانفتاح على العلوم والمعارف الأخرى .

27- لابد من الاتفاق حول منهج فكري جامع لكي لا تكون هنا جيوب وهذا لا يعني تحول الحركة الي طائفة فكرية لديها أصول كأصول المعتزلة كل من يخرج عنها فهو خارج عن الحركة الإسلامية ، بل المراد أن تقرر الحركة الإسلامية في القضايا الأساسية الفكرية قرارا ملزما بحيث تكون الاختلافات الفكرية مثمرة لا مدمرة، وأن يكون المثقفون والمفكرون في قلب القرار.

28- هناك تضخم للشأن السياسي وقضية الدولة والفيلسوف طه عبدالرحمن قال ان الغربيين خدعوا الإسلاميين بأهمية الدولة وربما يكون الواقع الذي عاشه الاسلاميون ، رأوا أن الدولة تفعل كل شيء ، فكان المدخل السياسي هو العمل الأساسي ، وتصبح كل الأعمال الحركية تصب في الشأن السياسي ، وبهذا تقزمت الحركة من تيار اجتماعي واسع فيه الثقافي والاجتماعي والسياسي الى حزب سياسي مغالب للسلطة ، فصارت الدولة هي المفتاح ، ولذلك من انضم لحزب الترابي بعد المفاصلة سرعان ما غادره عائد لحزب السلطة بحجة مدخل الإصلاح مكين في الدولة.

29- إشكالية السياسة أنها : ممارسة صراعية لا إصلاحية . فالسياسي من يصارع الآخر وليس من يقدم شيئا في تدبير الشأن العام وهذا نتاج غياب التأصيل المنهجي الإسلامي وإحلال النظرية الغربية السياسية القائمة على الصراع .

30- الدولة الحديثة دولة لادينية عنيفة لا توافقية. ، لا تستوعب مسألة الشريعة بسهولة وتحتاج لاجتهادات نظرية كبيرة ، ومحاولة المواءمة بينها وبين المنهج الاسلامي جعل الحركة الإسلامية أداة من أدوات الدولة الحديثة . فالإسلاميون ليسو مستبدين في ذواتهم ولكن تلبستهم الدولة العنيفة وأمسكتهم العصا لضرب الناس .

31- لابد من إعادة موضعة السياسة موضعها المعرفي الصحيح ، فهي علم وليست عمدة الفهم للواقع السياسي ، وأن الدولة مدخل من مداخل الإصلاح الكثيرة وليست الوحيدة والأساس.

32- لابد من عودة الحركة الإسلامية للمجتمع وتطوير نفسها منهجا وعلوما وممارسة وتستقل عن هيمنة  الدولة بالتدريب والتأهيل .

33- اقترح الدكتور ابراهيم الكباشي مجموعة مقترحات أن هناك مسائل لابد من تناولها بشكل معمق أكثر وتصلح مشروعات بحثية للدراسات العليا هي : ثنائية الجيش والسلطة المدني والعسكري . فقد أحصى من الخمسينات وحتى عام 2018م 39 حدث عسكري شارك الجيش فيه بشكل مباشر وغير مباشر ، من 39 هناك 6 أو 7 وصلوا فيها إلى السلطة في أزمان متفاوتة ، ظاهرة المنظمات بعد انتهاء الحرب الباردة أسرفت الدول الغربية في استخدام المنظمات كأذرع متقدمة في خلخلة النظم الاجتماعية والسياسية في البلدان كما تفعل في السودان ، جيوش القطاع الخاص في اكثر من 100 شركة جيوش ، عدد كبير منها يعمل في السودان وخارج السودان . ثنائية النظام الأهلي والعشائري القبلي ، والتداخل الجيوبلتكل أو القبائل المتداخلة من حوار السودان ، التوترات الموجودة والأثر المتردي لها وضيق الموارد والصراع عليها .

التبدل السريع في مراكز القوى العالمية ظاهرة سريعة ، الفيدرالية مطروحة في كثير من الدول ، الدبلوماسية نفسها تبدلت ، مفهوم السيادة تآكل وحصل تدخل كبير من 120 منظمة في شأن السودان .

منذ تأسست الدولة القطرية في أوروبا سنة 1815م ومنذ اعتماد سيادة الدول على أراضيها اختل هذا الأمر في العشرين السنة الماضية بشكل كبير ، وأصبح ما يسمى بالتدخل الإنساني وهو مفهوم غير منضبط تعريف ما هو إنساني وما هو وطني وما هو خصوصية وما هو مشترك انساني أصبح مختل .

الثابت والمتغير ، الكل والجزء ، المطلوب والممكن ، كل هذه مفاهيم تحتاج لتنظير حولها .

على كل حال هذه تجربة بشرية اجتماعية لها وعليها، قدمت عطاءات وإخفاقات والعبرة بحسب المناخ والمتاح، فالحديث عنها ذو شئون وشجون كما يقول أحد روادها السفير أحمد التجاني صالح في كتابه الحركة الإسلامية السودانية بعد مسيرة 50 عاما، فقد أسهموا إسهاما جيدا في صنع واقع السودان، وقدموا مراجعات ونقد من المثقفين أو المفكرين أو المهتمين أو القادة على تجربتهم السياسية، وهي مراجعات ثمرة نصر لتخرج إلى طريق غير معبد ينتظر الرصف، هذه المراجعات والحوارات ستدفع باتجاهات تماء الحس النقدي لدى أتباعها المتراكم الذي سيقود بدوره إلى تصحيح ولو ببطئ إلى مطلوب الإصلاح، وقد أجمل هذه المسيرة كتاب ( مراجعات الحركة الإسلامية السودانية، عشرون عاما في السلطة .. المسيرة ، التجربة ، المستقبل) الذي أعده وليد الطيب قبل عشر سنوات من الآن، ولحقته أعمال نقدية واسعة، كما توّج ذلك الشيخ حسن الترابي رحمه الله في شاهد على العصر، فامتحان السلطة صعب، وقد قدمت اجتهادات ونجاحات ميدانية كبيرة، ولم يتحقق لها الهدف المثالي، نرجو  لها رحلة مستأنفة قوية تحقق أهداف العمران والشهود الحضاري.

وفي ختام هذا الجزء نحط الرحال في هذا الموضوع، راجيا من القرّاء الكرام إثراء الموضوع في تكميل نقص وتصحيح خطأ وإضافة اقتراحات، وذلك عبر موقع حكمة يمانية التي احتضنت هذه الأجزاء، وهو جزء من اهتمامه الكبير المعرفي والعلمي والفكري والحركي من حركات البعث الإسلامي الحضاري. والله الهادي إلى سواء السبيل .

الهوامش:

  1. ورقة مقدمة من الدكتور إبراهيم البشير الكباشي بعنوان السياسة الخارجية والعلاقات الدولية طيلة عهد الإنقاذ.
  2. ورقة قدمتها الدكتورة نجوى عبداللطيف بعنوان الانقسام داخل الحركة أسبابه ونتائجه.
  3. ورقة قدمها الباحث فتح العليم عبدالحي بعنوان مبادرات الإصلاح داخل الحركة.
  4. مستخلصة من الورقتين المقدمتين من الباحث هشام الشواني بعنوان مستقبل الحركة الإسلامية وتقييم تجربة الإنقاذ، والباحث هشام شمس الدين بعنوان دروس وعبر واستشراف المستقبل، وكذا بقية الأوراق المقدمة، فقد تم استخلاص منها ما ينسجم مع المطالب والمثالب.    

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى