فكر

الحركة الإسلامية السودانية وتجربة الحكم: إضاءات على طريق الاستفهام والاستلهام (1)

الحمد لله وبه نستعين والصلاة والسلام على البشير النذير وعلى آله وصحبه والتابعين السائرين على نهجه ومنهجه في الدعوة والتربية والبناء والتحدي، إلى يوم الدين, وبعد:

فقد أقامت جامعة [صباح الدِّين زعيم İstanbul Sabahattin Zaim Üniversitesi] عبر مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية، وبالتعاون مع كلية الدراسات الإسلامية التابعة لجامعة حمد بن خليفة في الدوحة، وكذا مركز تأسيس للدراسات والنشر في السودان وبالتعاون مع جامعة أفريقيا العالمية ندوة تقييمية لتجربة الحركة الاسلامية السودانية في الحكم مدة ثلاثين عامًا لمحاولة استخلاص العبر والدروس التي من شأنها إرواء ظمأ السؤال وإثراء منزع البحث العلمي والتساؤل الفكري من المهتمين والمناوئين على حدٍ سواء.

وقد قدمت أوراق عدة في مجالات عدة على مدى يومين غطت محاور متنوعة من مثل:

  • الحركة الإسلامية والسلطة السياسية الرؤية والممارسة .
  • الحركة الإسلامية المشروعية وتأسيس الحكم بالغلبة .
  • حسن الترابي الزعيم الذي خاض التجربة .
  • السياسة والمجتمع.
  • الاقتصاد والتنمية .
  • الدروس المستفادة واستشراف المستقبل .
  • الأمن والعمل العسكري .
  • الاسلاميون ومؤسسة الأمن.
  • الانقسام داخل الحركة (المفاصلة).
  • مبادرات الإصلاح داخل الحركة.
  • تجربة الانقاذ وبعض الافكار حول الحركة الاسلامية مستقبلا في السودان .
  • انفصال السودان .
  • الانفصال أوكسيجين الحياة السياسية في الجنوب.
  • السياسة الخارجية والعلاقات الدولية طيلة عهد الانقاذ.

هذه الأوراق قدمها ثلة من المختصين والباحثين والمهتمين من داخل الحركة الإسلامية كما نوه بذلك منظمو الندوة، يتغيون التجانس في الطرح وانسيابية الأداء ممن هم على علمٍ بكثير من المحطات والأفكار داخل التنظيم والعقل الحركي الإسلامي السوداني،  وكانت رؤى هذه الأوراق نقدية إصلاحية تصالحية صالحة لأن تكون محط إجابة للاستفهام ومحط استثمار واستلهام .

وقد ارتأيت أن أقوم بتلخيص هذه الندوة للقارئ الكريم المتابع لموقع حكمة يمانية المهتم بأطروحات التجديد المعرفي والحركية السياسية والتربوية الإسلامية، وهذا التلخيص لن يأخذ شكل الأوراق المرتبة كما هي في الندوة وإنما خلاصات منها وفق التسلسل الجزئي الذي سنقوم به ليصلح للنشر حسب سياسة النشر في الموقع .

وهذا الجزء الأول من هذه السلسلة سيكون في ممهدات ومقدمات نظرية، يعقبه في الأجزاء الرديفة جرد حساب عما لها وما عليها، وعبرة مستقبل المسير لها وأخواتها في البلدان العربية والإسلامية.

ومحاور هذه الممهدات والمقدمات هي:

  1. سؤال التجربة والنقد
  2. خطوط وخطوات الحركة الحيوية
  3. لماذا انقلاب 89م؟

(1)
سؤال التجربة والنقد

كيف قامت؟، وماذا فعلت؟ ولماذا أُسقطت؟

يعتبر الباحث هشام الشواني، أنَّ القيمة التفسيرية والنظرية العمومية لسؤال: “لماذا أسقط السودانيون الحركة الإسلامية من الحكم”، أنه سؤالٌ مضلل المنهج يضلل الفكرة والكشف عن حقيقة ما حدث في يناير 2019م، فإذا تمَّ وضع الإنقاذ بمعنى النظام السياسي في عام 89م فلن نجد نظامًا سياسيًا متصلاً، بل هو نظام مرَّ بمراحل وعلاقته بالحركة الإسلامية متنوعة تخللتها مراحل ومحطات، منها: مرحلة المفاصلة عام99م ومرحلة الصراعات الداخلية في حزب المؤتمر الوطني حول انتخابات 2020م، والزاوية المنهجية كما يقول الدكتور محمد محجوب هارون لا تحاكم التجربة والموضوع قيد النظر على الصعيد النظري وحسب، ولكن المنهج ينظر في الواقع والوقائع التي أسفرت عنه، كذلك من الزَّاوية المنهجية لا تتحكم وتتحاكم إلى منطق الإطلاق ولكن إلى منطقٍ نسبي وظرفي .

والتقييم والتقويم كما تقول د. سهير أحمد صلاح لابدَّ أن يهدف إلى تقديم شيء نافع للإنسانية من خلال هذه التجارب والمحطات الأساسية في اتجاه الحركة الإسلامية السودانية تجاه مشروعها الكبير الذي سعت إليه مثلها مثل أي حركة تسعى إلى الحكم بمشروعها، والكل كان في الساحة السودانية لديهم مشروعات والحركة ليست بدعًا في هذا الأمر, وهذه الأوراق البحثية المقدمة في هذه الندوة حاولت رصد الظاهرة وطرحت أفكارًا من واقع الخبرات العملية،  وإن كان الدكتور عصام عبدالشافي أبدى عليها إشكالات وتساؤلات من واقع النظرة الأكاديمية حيث اعتبر أنَّ البحث الأكاديمي يستدعي ملاحظة الأطر المنهجية والتحليلية لهذه الأوراق, كون النَّهج الأكاديمي البحثي يختلف عن نهج أوراق العمل الطارحة للأفكار من واقع الخبرات العملية والفكرية التأسيسية,  ومع هذا الاعتراض يستدرك الدكتور عصام بقوله: يجب في حال قراءة ظاهرة الحركة الإسلامية السودانية أن تعطى مساحة كبيرة جدًا (لخصوصية الحالة السودانية) ونحن نقوم بتقييم حركات إسلامية أو حركات سياسية في مصر أن نضع نفس المعايير لتقييم الحركات في مصر أو تونس أو غيرها .. خصوصية الحالة السودانية أنها تعيش عدم استقرار سياسي منذ الأربعينات وما بعدها إلى السبعينات، لا يمر عقد من الزمن إلا ويحصل انقلاب والصراعات الاثنية والرغبات الانفصالية في أكثر من إقليم.

ويؤكد الباحث هشام الشواني أن الحديث عن تجربة الإنقاذ وكيفية تقييمها تقييما موضوعيا، أن تُدْرس كجزء من النظام السياسي السوداني منذ الاستقلال وحتى عام 2019م ، تُدرس علاقاتها الخارجية والتحولات الاجتماعية التي حصلت فيها ، تُدرس بنية الدولة والنظام السياسي، بحيث لا يمكن عزلها عن التاريخ السياسي السوداني منذ الاستقلال وحتى الآن .

الانقاذ مثَّلت وشابهت تجارب الحكم التي سادت في المنطقة العربية التي هي  تحالف أيديولوجي بقيادة مدنية ، أيديولوجيا عقدية وطنية قومية بعثية ناصرية، وفي السودان إسلاميين التي كانت التجربة الأولى بجانب الثورة الإيرانية ، فمن الخطأ تقييم تجربة الانقاذ ومعايرتها بمعايير الديمقراطية والحريات والتمثيل السياسي؛ لأن الديمقراطية معضلة في السودان، ومعضلة الديمقراطية أكبر من أن تكون معيارًا نعاير من خلالها مسألة الإسلاميين .

معضلة الديمقراطية تتعلق بكل النظام السياسي وبكل الاتجاهات السياسية الموجودة في السودان وفي العالم العربي، وتتعلق موضوعيًا بالتركيب الاجتماعي الاقتصادي لموروثنا المستعمر والمؤثرات الثقافية التي شكلت النخبة منذ مؤتمر الخريجين وما قبله, وبالتالي, معايرة الإنقاذ بمعايير الحرية والديمقراطية وما فعلته مع الخصوم معايرة غير سليمة .

فما هي المعايير السليمة لتقييم الانقاذ ؟

المعايير السليمة كما يذكرها الشواني هي المعايير التي ذكرتها الإنقاذ حول مشروعها،  فالإنقاذ جاءت لتحرر الإسلام وتجعله ينهض بالتدين ، وتفك السودان من التبعية السياسية والاقتصادية ، وعملت على بعث حركة التدين والعودة إلى الله تعالى ، بعد أن  غشيت البلاد ثقافة المستعمر ، وطرحت سؤال التربية ، كيف يتربى السودانيون على هدايات القرآن والإسلام ؟

هذه هي الشعارات التي رفعتها الإنقاذ  وتصلح لتقييم تجربة الإنقاذ بشكل موضوعي وموجز ومنصف .

السودان كان مواجَهًا بمشروعين, مشروع مواجهة الدولة السودانية وبنائها، وقد تنوعت الحركة السياسية داخل هذا المشروع، الحركة اليسارية والحركة الإسلامية، والقوى الطائفية الليبرالية، نخب حزب الأمة والاتحاد الديمقراطي ، ومشروع حصار الدولة السودانية وتفكيكها، مثلته قوى سودانية لعبت على التناقضات العرقية التي ورثته من المستعمر، وهذا فجر الصراع من عام 1955م .

كانت الحركة الإسلامية السودانية في قمة مواجهتها لمشروع حصار وتفكيك الدولة السودانية المدعومة من الحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية ، وهذه ليست نظرية المؤامرة ، بل هي الحقيقة .

فالسودان ورث النظام من المستعمر  وفي هذا الخضم جاء الإسلاميون وجاءت الإنقاذ وهي مشروع وطني محلي بحمولات أيديولوجية كبيرة وبكتلة تنظيم ناضج ومتماسك وقوي ، له وجود في أوساط المعلمين  ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة وله جمهور سوداني شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. هذه اللحظة كانت تتويجًا لربيع الحركات الوطنية في السودان عام 89م .

سعت الإنقاذ لبناء الدولة بكتلة من الموظفين ، ولكنها وفق التحليل الاجتماعي والطبقي كانت تلقى عداء من البرجوازية السودانية المتشكلة من المستعمر ، لأن تلك الفئات الصفوية والنخبوية كانت ليبرالية الطابع وبميول يسارية ومعادية للفئات الاجتماعية التي صعدت مع الإسلاميين من فئات ذات خلفية ريفية وفئات خارج المراكز.

فإشكالية النقد والتقييم تتعلق بالحياد والموضوعية ، فثمة جوانب غير موضوعية تحكم العاطفة، خصوصًا  عند الأكاديميين التي هي مشكلة الشعبوية التي هو الخضوع للصراعية السياسية.

ومن السهل التزلف للرأي العام بنقد الحركة الإسلامية بحديثٍ شعبوي غير موضوعي وغير علمي, وتغلف بادعاء العلمية وهو كذوب غير موضوعي .

فمشكلة الأكاديميين هي خضوعهم للصوابية السياسية عند كثير منهم ، وهم يعلمون أنَّ نقد الحركة الآن هو حديث محبب لدى دوائر كثيرة وله سوق ، وهذا بشكل غير موضوعي أمر لا يليق.

ولا يوجد حسب منظور الدكتورة نجوى عبداللطيف تيار سياسي في السودان انتقد تجربته كما انتقدت الحركة الإسلامية السودانية تجربتها من خلال شبابها وقياداتها وعضويتها وبكل شفافية في الساحات والمواقع العامة، وترى كذلك أن الحركة الإسلامية كان عندها مشروعًا ووضعت خطة له بغض النظر عن خطئه من صوابه، هذا المشروع تم اختزاله في العشر السنين الأولى من الحكم ، وبالتالي فلا ينبغي النظر للحركة الإسلامية حسب الباحث هشام شمس الدين نظرة الأكاديمي البارد الذي يريد أن يتحدث من قاعة مغلقة عن الذي ينبغي أن يكون عليه الوضع بالنسبة للحراك السياسي الإسلامي ، دون أن يدرك ويعايش الشروط الموضوعية ، فالنقد ينبغي أن يكون من العاملين والمعايشين للواقع ، ولا يعني أن يكونوا منبتين من أي أسس معرفية أو نظرية، لا نتحدث عما كان ينبغي أن يكون في الماضي بل نتحدث عما ينبغي أن يحدث في المستقبل من عبرة تجربة الحركة الإسلامية، هذه تجربة ليست ميتة هي تجربة ما زالت مستمرة سواء كانت في السلطة أم خارجها، هذه النبتة التي بُذرت في السودان ، ستستمر على مدى العقود وعلى الإسلاميين أن يختاروا أن تكون نبتة شاحبة أم مزهرة تعطي  ثمارا لكل جيل.

وفي هذا المعنى يقول الدكتور أمين حسن عمر صورة التجميل والتحسين والتزيين والتبرير  للحركة الإسلامية دون الصورة الناقدة لا تُعنى كثيرًا في تطوير التجربة، فالنَّاقدة تكون منتقدة فضلًا عما إذا كانت مسفهة ومعزولة فلابد على الحركة أن تطور عرض صورتها ، فالتجميل المزيف مثل التبرج السيئ يجعل الصورة أقبح ، فنحن نحتاج لمسار نقدي جاد، ويقوم على المعلومات الحقيقية والأمانة في عرض الصورة الصحيحة حتى تستطيع تجميل صورة الحركات الإسلامية ، وترفع من معنويات العاملين في الحقل الإسلامي ، وخاصة عند الحديث عن السياسة ، فالسياسة بطبيعتها بحر موار من المشاعر والتحيزات الضيقة، كما هي بحر في كثرة التبدلات والمفاجآت والمواقف المتغيرة .

ولذلك الذي يتكلم عن التجربة من أجل يصحح لها بالإجابات النموذجية فهذا ليس أسلوبًا في التعامل مع السياسة، فالسياسة لا يمكن أن تنفصل عن حيثيات الوقائع اليومية ، ولا يمكن لأكاديمي أن يصحح بإجابات نموذجية متخيلة، فما نقوم بتقديمه من صورة ليست كبياض الثلج ولا كسواد الفحم ، هي منزلة بين المنزلتين ، ونحن نرجو أن تكون أقرب إلى بياض الثلج منها إلى سواد الفحم ، ولكن الإعلام الدولي والمواقف  الأكاديمية وكثير من المواقف  غير منصفة .

يتساءل أحدهم:  هل يمكن لأي تجربة مهما تكن راشدة وصالحة أن يسمح لها إقليميًا أن تستمر ؟

وهل يسمح إقليميًا لأي تجربة سياسية تختلف عن أنظمة الحكم شبه العائلية القائمة أن يسمح لها أن تستقر؟

وهل يسمح للسودان باستقلال اقتصادي وتكوين بلد قوي؟

فهذه تساؤلات تمس جوهر المسألة السياسية للإسلاميين في المحيط المحلي والإقليمي والدولي.

ومن أجل سلامة الإجابة واستقامة التقييم يقول الباحث خالد حسن إبراهيم: لابد من وضع معايير وضرورة اختيار مواضيع للقياس وضرورة وضع مدى زمني إذا أردنا تقييما للرؤية والممارسة مطابقة ومفارقة، فمثلًا نحدد مسائل القيم بالنسبة للحرية والعدل والأمن ، والشورى بالنسبة لانتقال المجتمع ، وبالنسبة للتطور من المسغبة والفقر إلى غيره حتى نصل إلى خلاصات مفيدة، ومثال على ذلك فإن  الدكتور محمد محجوب هارون الذي قدم ورقة بعنوان المشروعية وتأسيس الحكم بالغلبة، قال: أنه لا يحاكم بالوسيلة وانما بما يترتب على الوسيلة ، وهذا شيء غريب حسب نظر الباحث خالد حسن إبراهيم .

فالمفكرون يهربون من الإجابة على سؤال: هل يجوز وهل يمكن للحركات الإسلامية أن تستخدم القوة للوصول إلى السلطة؟ وهل يسمح للحركة الإسلامية التي جاءت إلى السلطة عن طريق الانتخابات في الاستمرار ؟ وهناك تجارب تجيب عن هذه التساؤلات ماثلة للعيان ولا تحتاج دس للرؤوس في التراب.

(2)
خطوط وخطوات الحركة الحيوية:

تجربة الحركة الإسلامية السودانية تمتد لستة عقود… ثلاثة منها تبني ذاتها من خلال تجاربها مع المجتمع السوداني، وثلاثة منها حركة حاكمة. وهي حركة تشبه المجتمع السوداني تمامًا في تكويناته ومناسباته في الحياة وفي طريقته للولوج لأي قضية في الحياة ، لم تنعزل عن المجتمع السوداني بل جاءت من خلال تكويناته ومن مختلف تياراته الاجتماعية ، وهي أول حركة سنية بعد عقد من الحركة الشيعية في إيران وصلت للحكم ، والشعوب كلها تنتظر منها تجربة ربما تكون موازية ومساوية في القوة والمنعة للتجربة الشيعية وذات النتائج التي توصلت لها .

فلم تكن حركة رتيبة جامدة الفكرة والحركة بل متطورة متغيرة حسب سياق الحال والمآل، وقد كان للترابي رحمه الله دور كبير و قدرة فائقة على الانتقال فكرة إلى فكرة، ومن جسم إلى جسم، وهو يقبض على رؤية محددة يريد إنزالها إلى الواقع.

وبالنظر إلى البيئة السودانية بعد الحكم البريطاني،  فقد كانت مؤسساتها الصلبة ممتدة لفلسفة الحكم البريطاني، حيث بعد خروجه من السودان أوجد مؤسسات صلبة وراسخة تقوم هذه المؤسسات بدوره بعده ومن هذه المؤسسات ) الجيش، والمؤسسات التعليمية، وبعض القيادات التقليدية). وقد قام برنامج الحركة الإسلامية على استهداف هذه المؤسسات بنشاطها التربوي والإصلاحي، التي حاول المستعمر أن يجعلها خلفية له وهي: الجيش لتغيير عقيدته لينتمي إلى السودان لا إلى المستعمر ، والنظام التعليمي والنظام الإداري.

ولنهجها المحلي الصرف من داخل البيئة السودانية فقد اتخذت قرارًا في أول مؤتمر لها:  ألا تكون جزءًا من التنظيم الدولي ، بل حركة مستقلة ودعت إلى التنسيق بين الحركات الإسلامية في بلدانها ، وألا يكون هناك تنظيم سياسي واحد، وهذا أودى بها إلى بناء نهجها الخاص ، والمسوغات لهذا القرار أن كل دولة ومجتمع له بيئة مختلفة وواقع مختلف .

وفي فترة المصالحة مع الرئيس نميري اكتسبت الحركة نقلة كبيرة على مستوى الفكر والعمل،  ووضعت استراتيجية على مستوى الفكر ، هذه الاستراتيجية سُميت بالتوثيق ، ورغم مشاركتها في الجهاز الإداري النميري إلا أن الحركة كانت تنظر إلى الأمام واستراتيجيتها ، ولم تأبه للمشاركة الآنية، واستطاعت من خلال هذا الفسحة أن تنتقل بالشعب السوداني وبشعاراتها إلى الإسلام ، وبنت مؤسسات اقتصادية ) بنوك – شركات تأمين – وفي مجال الصحة والتعليم – وتطوير علاقاتها الخارجية (، وحاول الترابي رحمه الله أن يجعل مشاركة الحركة مع النميري مرتبطة مع المجتمع ، لا أن يندمج كليًا مع الدولة، لأن استقلالية المجتمع مهم جدًا في قدرته على المقاومة والحماية لمكتسبات الإنسان والمجتمع.

ولهذا تذكر الباحثة  د. نجوى عبداللطيف أن من مميزات الحركة الإسلامية السودانية أنها:

بدأت كقوة ضاغطة ضدَّ التيارات اليسارية في الساحة  قائمة على مبدأ الانتقال وعدم الجمود فهي تنتقل وتتغير في مفاصلها وأهدافها وبرامجها وعضويتها من حيز العضوية إلى حيز النشاط الأوسع ، والحكم إلى فضاءات  أكثر، وأنها استفادت وتأثرت بالثقافة السودانية المحلية التي لا تميل إلى الدموية وغلب عليها الطابع الشوراني، وأن قيادة الحركة لها موهبة عالية تصل حد الكارزمية، وكان لها أثر على الحركة وانتاجها، وأنَّ الحركة منذ نشأتها في السودان اعتمدت المنهج المهتم بالتخطيط للمستقبل، ورغم أن التخطيط في دول العالم الثالث ومنها السودان فيه مشاكل ويختلف عن التخطيط في الدول المتقدمة وفيها الأشياء الأساسية متوفرة، فالسودان فيه مشاكل كثيرة ، وتخطيطك نوع من أنواع النظر  للغيب الغائب عنك، لكن هنالك حيثيات تجعلك تخطط للمستقبل ، ورغم ذلك كانت الحركة تنتهج التخطيط في كل مراحلها ولم يأت شيء من الحركة بغتة أو بصورة عشوائية وعادية ، فالتخطيط سمة سائدة فيها .

فالحركة الإسلامية السودانية اشتغلت بتركيز على المجتمع وتحولاته في القيم الدينية ، وساهمت في تشكيل المكون السياسي والاجتماعي. وفي هذا المنوال يقول معتز موسى رئيس وزراء السودان السابق يظن البعض أن الحركة ليست لها رؤية للحكم قبل قيامها بالانقلاب وهذا غير صحيح، فالحركة لما دخلت في مصالحة مع نظام نميري عام 77م كانت تخطط لمستقبلها التي ترجو فيه أن تتمكن من حكم السودان.

ولحيوية هذه الحركة حصلت فيها منعطفات من الخلافات والمفاصلات ومع ذلك كما يقول الباحث فتح العليم عبدالحي: أنَّ المراجعات النَّقدية والإصلاحية رافقت مسير الحركة منذ النشأة والتأسيس ، فمبادرات الإصلاح حديث ملازم لهذه المسيرة ، لأن الإصلاح مبدأ إسلامي والمراجعة قيمة عليًا وقد عقدت مؤتمرات كثيرة دارت حول مراجعات فكرية وخلافات فكرية أشهر مؤتمر العليفون 69 الذي نشأ عن خلافات ما بين  مجموعة الترابي رحمه الله ومجموعة الشيخ الصادق عبدالله رحمه الله تعالى  تلتها وسبقتها مراجعات كثيرة  قبل أن تصل الحركة إلى الحكم،  وكذا بعد الحكم هناك مبادرات سيتم الحديث عنها في محور مبادرات الإصلاح .

فهنالك بعد 76م استراتيجية اسمها استراتيجية التمكين في مسارات محددة وكانت تراجع باستمرار، ولم تأت 89م هكذا صدفة بل كانت عبارة عن عمل مستمر دقيق طوال سنوات عديدة .

يقول الدكتور حسن حاج علي: كانت الحركة الإسلامية السودانية تنظر باهتمام  للتوسع التدريجي مع تقليل شروط العضوية لأنها تدرك يومًا ما أنها ستعتلي السلطة واعتلاء السلطة يتطلب وجود قاعدة وسندًا شعبيًا يساند السلطة السياسية القائمة، ويقرر أنَّ هناك سيولة تنظيمية قائمة أدت إلى استخدام آليات ووسائل مختلفة تتناسب مع المرحلة البيئية السياسية الموجودة أحدث هذا تنوعًا واسعًا في هذا الإطار، وقد تطورت نظرة الحركة للنظام السياسي بتطور أجسامها بداية من جبهة الدستور الإسلامي منتصف الخمسينات الذي كانت فيه رؤى عامة لا تفصيل فيها، وتطورت هذه الرؤى مع الجبهة الإسلامية القومية في الثمانينات وفيه ما نصه : تسعى الجبهة لإقامة الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية الناس وممارسة الشورى وحق الجمهور في تقرير الشؤون العامة واختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ في ممارسة النصيحة والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتوالى الأمة بحرية وفعالية وإخلاص، وتحدثوا عن قضية الجنوب والحكم الفيدرالي وكيفية إدارة التنوع الثقافي والسياسي، وصدرت عدد من الوثائق للإجابة عن الأسئلة الرئيسية، فالحركة لديها استراتيجية وهي تتوسع بحسب البيئة التي تعمل فيها، فالبيئة السياسية في السودان متغيرة جدًا ، فالفترة التي كانت تعمل فيها جبهة الميثاق الإسلامي في الستينات خلال نظام حزبي مختلفة تماما عن الفترة المايوية أي فترة نميري حيث لم يوجد نظام حزبي ، وهذا وضع يتطلب بنية تنظيمية مختلفة بشكل تنظيمي مختلف .

هنالك هياكل معتبرة الاختلاف في طريقة الاستيعاب وطريقة التخاطب في الدعوة والعمل والتحالفات المختلفة من فترة زمنية إلى أخرى حسب البيئة التي تعيش فيها الحركة  ، واستراتيجيتها ممرحلة على فترات زمنية محددة .

وموضوع التخطيط المسبق للعمل يقول الشيخ حسن الترابي رحمه الله : الحركة الاسلامية بأثر من بيئتها تنشط نحو الفعل والتجريد أكثر منها نحو التنظير والتحليل ، والموازنة القويمة فيها بين الفعل والفكر ، اختلت بوضوح نزعتها الضرورات إلى تأكيد وجودها فعلًا بأكثر من تأكيد مغزاها فكرًا .

التخطيط والتنظير من الواقع الذي تعيشه كتجربة المؤتمرات والتوالي نابعة من العملية وليس التنظير المسبق.

الحركة الاسلامية السودانية كما تقول الدكتورة سهير أحمد صلاح: اهتمت من بداية تجربتها مع النميري بالقوى الصلبة ، فاتجهوا إلى الاقتصاد وجزء منه الإعلام وجزء منه الجيش ، فنجحوا في جزء وما نجحوا في جزءٍ آخر.

الحركة الإسلامية ومنها فصيل الإخوان السوداني في حكومة ديمقراطية كانوا يواجهوا بالإقصاء، بعد هذا اتضح أن الديمقراطية إذا أخرجت مولودًا إسلاميًا فهذا مرفوض، وهذه الحكاية والأمر بقيت في ذهن المنظرين الإسلاميين وقطاعات الحركة الإسلامية كلها في مصر والجزائر وتونس، حيث أثبت هذه النظرية أن الديمقراطية لا مجال للإسلاميين فيها، وبات الإخوان على قناعة بأنهم حتى إذا أرادوا أن يصبروا على لأولاء الصراع السياسي ، فالمجتمع الدولي اليوم يعاقب الانقلابات ولا يعاقب آخرين، فشعار المجتمع الدولي أن الحكم  والكيزان لا يجتمعان.

فالحركة الإسلامية السودانية كما يقول أمين حسن عمر ما تحولت من حركة إسلامية وتنظيم إسلامي إلى حزب إسلامي ولكنها أنشأت كيانًا إسلاميًا أوسع منها عشرة أضعاف ، وأصبحت جزءًا من هذا الكيان الإسلامي، فأن يُقال أن هذه تجربة الحركة الإسلامية وفي تصورنا أنها الحركة الإسلامية التي في ذهننا التنظيم الإسلامي فهذا غير دقيق.

الحركة الإسلامية في السودان منذ نشأتها أصلها كتنظيم إسلامي ما انفردت، وإنما ارتبطت بجماعات صوفية وسلفية وعشائرية وأهلية وحتى في جبهة الدستور عام 54م  فهؤلاء يشكلون ثلاثة أرباع الجبهة، ثم جبهة الميثاق كان الصف أوسع ، والوجود الآخر أوسع ، ثم الجبهة الوطنية التي تحالفت فيها الحركة مع حزبي الأمة والديمقراطي وقوى سياسية أخرى ، وأيضًا كانت جزء من كل، وأيضًا الجبهة الإسلامية القومية كيان واسع جدًا، إذا قدرنا أن نسبة الناس الذين أسسوا الجبهة إلى أعضائها صوت لها أكثر من مليون شخص التي أخذت فيها 54 مقعدا سنة 86م وعضويتها كانت 70 عضوًا ، والانتخابات كلها كانت ثلاثة مليون شخصًا، وإذا كان هناك مدح أو ذم فلابدَّ أن يدخل في إطار هذا التحالف السوداني الواسع ( نواته الحركة الإسلامية)، و إذا ظن البعض أن كل شيء في برنامج الحركة الإسلامية وفي خطتها تستطيع أن تفعله كما كانت تريد وكما كتبته في الورق ، فهذا ليس صحيحًا؛ لأن القرارات كانت تُتخذ في جبهة الميثاق بالإجماع والغلبة وكذا في الجبهة الإسلامية القومية ، وبعدها في المؤتمر الوطني.

الحركة الإسلامية خاضت في النظام السياسي الوطني منذ وقت مبكر، فلم تكن حركة دعوة فقط بل حركة دعوة وسياسة .. والدليل على ذلك أنها بعد تكوينها من 46-54م عقدت أول مؤتمر سنة 53م مؤتمرا للطلبة ، وفي عام 54م عقدت مؤتمرًا جامعًا نتج عنه إنشاء جبهة الدستور ، وهي جبهة سياسية ليس كفاعل حزبي بل جماعة ضغط في الساحة السياسية،  والترابي رحمه الله كان قائدًا مفكرًا رائدًا بين أنداد يناقشوه ويخالفوه ويوافقوه ، وليس المهدي المنتظر .

التجربة السياسية للحركة الإسلامية كانت ممارسة سياسية عادية يومية ، لم تقدم نفسها الحركة كنموذج ولا طلبت في يوم من الأيام أن تكون قدوة وأسوة لأحد ، ولا ترى في الآخرين كذلك،  قدوتها وأسوتها النبي صلى الله. عليه وسلم وتجاربه ، أما غير هذا فنحن نتعلم من كل التجارب ومن التراث الإسلامي ، ومن الغرب, ونتعلم من الحكمة كلها ، وتجربتنا هي امتثالنا لديننا وليست تجربة معملية اختيارية ، تجربة معملية تنجح أو تفشل ، وإنما نمارس السياسة كما نمارس شعائرنا وديننا، نصيب ونخطئ ، ونقصر أحيانًا، ومتروك للناس أن يستفيدوا من العبرة الصالحة والخبرة الصالحة، ويتوقوا العبرة والأمثولة السيئة، ونحن لا نبرئ أنفسنا والسياسة محل فتنة وامتحان عصي في مواجهة التحديات والفتن والضغوطات والفتن لحظوظ الأنفس ، والمهددات والأخطار .

الحركة الإسلامية السودانية شاركت بوزارة في اكتوبر 65م وحكومة نميري 77م . وحكومة الائتلاف مع الصَّادق المهدي،  وشاركت في السياسة مشاركات واسعة وفي السياسة الشعبية، وليست كالحركات التي أُبعدت من الساحة وعزلت وأقصيت. والحركة الإسلامية تدرك أن الوضع عامة وفي السودان وغيره إذا أريد له أن يقدم نهضة حضارية شاملة فلا بد أن يوسع من التحالفات والمشاركات، فلابد لنا من جرد حساب لما عملته حكومته الانقاذ من عطاءات واخفاقات، فبالتبسيط يجلس الشخص ويزدري تجربة دون معرفة أبعاد العطاءات وأسباب الاخفاقات، والمؤشرات التي عادة في الدنيا يعرف بها حراك الأمم، ويقاس بها حراك الشعوب والمجتمعات .

الرؤية الفكرية للنظام السياسي بعد قيام الإنقاذ، بدأ بخطاب الرئيس البشير في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحوار الوطني في أغسطس 1990م انتقد الليبرالية الحزبية وحرص المستعمر في اتباع نظمه السياسية ، وحدد الأسس التي يقوم عليها النظام الجديد وهي الحرية والوحدة والشورى المستلزمة لمشاركة العامة في الأمر السياسي  والعدالة وشرط الكفاءة لتولي المناصب وسيادة الإجماع الشعبي ، وتعرَّض لنظام المؤتمرات الذي سيحل محل النظام الحزبي باعتباره وسيلة فعالة للتواصل الشعبي الواسع والتداول في القضايا القومية التي تجابه السودان ، وبعد شهرين من هذا المؤتمر أعدوا الميثاق القومي للعمل السياسي بنظام المؤتمرات ، واعْتُمد نظامين الرئاسي والفيدرالي لحكم البلاد. وقد برز النضج السياسي في وثيقة الاستراتيجية القومية الشاملة التي كانت في حدود عشر سنوات من عام 92-2002م, وفي هذه الوثيقة أسس ومنطلقات فكرية يقوم عليها نظام المؤتمرات الشعبية، ومن مقررات هذه الاستراتيجية ارتكاز نظام الحكم على الاختيار الحر والرضا والقبول  وموافقة الحق والعدل المنبثق من العقيدة والشرع ، وتكون الأولوية لقيام الحق والعدل والطهارة والتقوى واستشعار المسؤولية أمام الله والأمانة والكفاءة والقدرة والقوة  عند اختيار وتولية المسؤولين وتتسع الشورى وتنضبط ضمانا لتجديد النظم والأشخاص واختيار الأكفأ والأحق في كل ظرف من الظروف وتعهدا للولاة وضمانا لتحقيق أوسع قدر من تحقيق المواطنة والرضا.

وتشير الاستراتيجية إلى دور الأجهزة الأمنية لقيامها بحراسة وحدة الوطن وتأمين المواطنين واحترام كرامتهم وطمأنتهم ورعاية المعادلة بين صون الحرية وإقامة الأمن .وأن ترعى في عملها قيام الأحلاق الفاضلة والعدالة والانصاف .

قامت تجربة  الإنقاذ على فكرة مهمة هي ( فكرة المجتمع القائد ) وقد بُذل في هذه الفكر  تنظير واسع في ذلك الوقت ، وفي علاقته بالحكومة توازن بحيث لا ينمو أحدهما على حساب الآخر, ولا يستقل أحدهما عن الآخر استقلالًا وظيفيًا، إنما يداران بالمصلحة تكميلًا وتكاملًا، وقد صدرت في عام 96م وثيقة نحو المجتمع القائد لتكون دليلًا وهاديًا في المؤتمرات الأساسية، من خلالها تتعمق الوحدة الوطنية ودفع مسيرة السلام ، وتنسيق الاعتماد على الذات وتنمية الالتزام   الخلقي والقيمي.

ثم صدر في عام 97م وثيقة مشروع المجتمع الذاكر في رمضان، وكثير من الرؤى التي تؤسس للنظام السياسي منها ميثاق العمل السياسي ، وقامت عدد من المؤتمرات القطاعية مثل: مؤتمر الحوار الوطني حول السلام ، ومؤتمر الانقاذ الاقتصادي ، ومؤتمر سياسات التربية والتعليم ، والمؤتمر القومي للتنمية الاجتماعية والخدمات .

هذه المؤتمرات تكاملت مع فكرة التنظيم السياسي الواحد في بلد متنوع من كل الاتجاهات .

كان في ذلك الوقت النظام الرئاسي هو الاختيار ، وقد أُعطي للرئيس صلاحيات واسعة بغرض أن يتمكن من ضبط التوازن بين المؤسسات المختلفة ، ثم جُعل مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية الاتحادية العليا .

أخذت فكرة المؤتمرات 4 من 92-96م حتى تكتمل ويتم تأسيسها لكن بعد عامين فقط وبالتحديد عام 98م، أجاز المجلس الوطني قانون التوالي السياسي.. ولعل هذا التحول السريع جاء لأسباب عملية وليس فكرية، رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت للتنظير لفكرة المجتمع القائد والمجتمع المتقدم على الدولة ، وبقانون التوالي سُمحَ للتنظيمات السياسية.

(3)
لماذا انقلاب 89م؟

والحاجة التي ألجأت الحركة الإسلامية إلى انقلاب 89م هو حماية نفسها بعد تسرب أخبار بوجود انقلاب تقوم رؤاها على اقصاء الحركة من المجال السياسي والغاء وجودها المجتمعي بسجن قيادتها وتجريم حركتها .

والفعل من الحركة كما يقول الشنقيطي يحصل لأول مرة في تأريخ الحركات المعاصرة أن تتصالح القوة مع المبدأ والحق مع الديناميك فيسيران معا ولا يتصادمان ، فقد دمر التناقض المجتمعات ومزقها ، الحركة السودانية بهذا الأمر جعلت الإسلام يخرج من ذل المسكنة ويبرهن على أن الإسلام يفكر ويدبر ويخطط وينفذ ويستبق العدو ويستعد  لعاديات الزمان .

والشيخ الترابي رحمه الله تعالى لما سئل عن الانقلاب عام 89م، ما هي الضرورات قال الدفاع عن النفس.

مشروعية تأسيس الحكم بالغلبة لا يمكن أن تحاكمه إلى النتائج  لأنك بذلك تفترض وقائع لم تحدث وتقفل الطريق أمام الحركات الإسلامية التي تريد أن تصل إلى الحكم ، فالوصول عن طريق حكم المتغلب موجود في فقهنا الإسلامي وينبغي أن يفصل فيه تفصيل واسع يكفي الناس هذا الحرج، لأن ما يدار الآن حول الديمقراطية الزائفة في العالم الغربي والاتهامات التي تُتهم بها الحركات محاولة انهزام نفسي للمفكرين حتى يضعوا عراقيل أمام تطورات المجتمع نحو أخذ أسباب القوة وأن تكون هذه الوسيلة وسيلة مشروعة وواردة في ممارسة الحركات الإسلامية.

يقول الدكتور إدريس صباح الحركة الاسلامية السودانية وصلت إلى الحكم بعد تجربة ومشاركة سياسية وبالتالي خيار استخدام الوسيلة العسكرية والانقلاب العسكري جاء بعد تجربة من المشاركة المتراكمة، ورغم أنَّ الإسلاميين كانوا  حريصين على الدمقرطة لكن لابد أن نقيِّم لماذا ذهبوا إلى هذا الخيار العسكري أثناء الممارسة بعد الانقلاب، هل قاموا بالتجربة السياسية والدمقرطة ، أوجدوا تعددية ديمقراطية ، وهذا ما حصل بالفعل حتى لا توصم أنها تجربة ديكاتورية ، وقد كانت هناك أحزاب وحركات سياسية وسمحوا للخصوم بالعمل السياسي.

وقد بيَّن الدكتور أمين حسن عمر أنَّ الجبهة الإسلامية حين مشاركتها في الحكومة، حصل ضغط من حركة مسلحة على الكيان السياسي كله المنتخب لتفرض عليه إلغاء الشريعة الإسلامية بقوة السلاح، وبمذكرة من الجيش أمرت الحكومة بإبعاد الحركة الإسلامية، وأنشئوا من بعد ذلك حكومة سموها الحكومة القومية لوحدها فقط، وممنوع على الحركة ومعها 54 مقعدًا، والحزب الشيوعي معه 3 مقاعد وحصل على وزارتين .

وغير مذكرة الجيش وغير الاقصاء وغير التهديد، كان هناك اقتراح مكتوب أن الدستور الجديد اشترطت الحركة الشعبية أنه يكون فيه منع للأحزاب الدينية.. ونحن نفاوضها من عام 92م. ولذلك من ظنَّ أننا سنقبل هذا ونقول أننا مع الديمقراطية فهو موهوم، الذي يقصينا سنقصيه، والذي يستخدم القوة ضدنا سنستخدمها معه، حتى في القول “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم”.

إننا لا يمكن أن نبادر لخيانة الناس، تعاهدنا معهم على صيغة ودستور ثم ننقلب سرًّا عليهم  لم يحدث هذا أبدًا، كما هو حادث في البلدان العربية، إذا احترموا العهد احترمناه وإذا نقضوه نقضناه.

ويؤكد هذا الوضع الدكتور خليل عبدالله عن قيام الانقلاب عام 89م بقوله: كان هناك قوى سياسية معادية للإسلاميين وبالذات البعثيين، كانوا يخططون لانقلاب، بل كان هناك انقلاب سبق الانقاذ بأسبوع واحد، وقبض فيه على ضباط، وبعد الإنقاذ بعام قام البعثيون بمحاولة انقلابية وكانت في ستة رمضان، فكان من الأسباب أن هناك قوى يسارية في القوات المسلحة، إن لم تسبقها الحركة الإسلامية لسبقت هي وهم دمويون، ويمكن أن يقضوا على الحركة الإسلامية، والحركة الإسلامية كانت مقتنعة جدًا كبعض الأحزاب أنها يمكن أن تحقق بالديمقراطية نصرًا كبيرًا  إذا استمرت الديمقراطية طبعًا، وجاءت انتخابات قادمة ، لكن هذا كان واقعًا لن يحدث ، ستحدث انقلابات ويتحقق سيناريوا قونقرنق.

يقول محمد محجوب هارون: تجربة الإسلاميين ليست تجربة سطحية أو وصفها بعدم الكفاية بها وما بها عمق، فلم تكن نزهة بل هي تجربة قدمت وشهدت بذل جهد وتقديم تضحيات وبذل اجتهادات وسعي في التطوير، لكن شأنها شأن التجارب الإنسانية الاجتماعية بالضرورة مفتوحة لجوانب من الإصابة والخطأ.

تجربة الإسلاميين جاءت إلى الحكم عن طريق القوة ومبرراتهم إقامة الدولة الإسلامية على الصعيد الظرفي والموقعي.. وكانت هناك حجة مطروحة أن التجربة الديمقراطية نفسها كانت مقبلة على الاختطاف بناءً على وقائع كانت تجري على ذلك الواقع في الفترة التي كانت تسمى في التَّاريخ السياسي والحياة السياسية السودانية بالديمقراطية الثالثة، وكانت حملة قرنق قريبة، وكان اتفاق قرنق مع الحزب الديمقراطي بقيادة ميرغني في تجميد قوانين الشريعة الإسلامية التي اعتمدها النميري في سبتمبر عام 83م ، وهذا كان وضعا مهددًا للتجربة الإسلامية وتأسيس الحكم على أساس علماني .

والتجارب الاجتماعية بالمعنى الموسع هي تجارب أداء فيها كثير من العمق والمجهود وبالتالي فالنزوع لإصدار أحكام مطلقة ومبسطة وسريعة مما يجانف الصواب بدرجة أو بأخرى .

ويشرح بتفصيل أكثر ما أدى إلى وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم السوداني يقول الباحث عبدالله مكي الحركة الإسلامية لها تجربة سياسية وتنظيمية وفكرية وفي المرأة والشباب، وتقوم تجربتها في الضوء وتقييم سلبياتها وإيجابياتها سلوك مستدام، ويهدى للحركة الإسلامية،  وأنَّ الحركة الاسلامية مرت بمراحل:  مرحلة 76م كان للحركة مكاتب المعلومات التي هي مسؤولة عن حفظ الوسائل وتأمين الأفراد وكانت متأثرة بتجربة مصر وتعامل الدولة مع الإخوان بالاعتقالات والاعدامات، الرشيد لما شارك،  شارك بمفرده ولما عرض مشاركته على الحركة في اجتماع رفض الجميع بإجماع، وكان هناك بندقية واحدة تدرب عليها  جمع وهم يحلمون بالجهاد ثم رميت في النيل ، وبعد 76م حملوا عشرات البنادق وجاءت فكرة الدفاع الشعبي وحملت الحركة مئات الآلاف من البنادق.

بالنسبة لعام 76م حصل فيه تغيير للحركة وقد أورد ذلك الشيخ حسن في كتاب الكسب والحركة وتكلم الشيخ فيه عن معظم النظريات الأمنية الكبرى والحل الحقيقي لتأمين الحركة من الاختراق  هو الانتشار، لأنَّ التضييق النخبوي معرض للاختراق، وفي عام 85م مرحلة الانتفاضة تم فيها حل جهاز الأمن وتطورت الأحداث في دارفور  والمشاكل القبلية وتمددت حركة التمرد، و الحركة الإسلامية في مؤتمرها الثاني عرضت عملها وقدمت ورقة للشيخ حسن الترابي اسمها “الأمن والدفاع” ونشرت في كتاب الفقه السياسي ، تحدثَ فيها عن الأمن السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي وكيف يتم التَّأمين الشَّامل للدولة وكأنَّ الحركة مجهزة أمرها لمضوع الدولة ، وتحدث الترابي رحمه الله عام 84م عن العمل العسكري والتصنيع الحربي ونشر في كتاب الأمة عدد19وقال سنعمل تصنيع حربي حتى إذا مد الغرب يده تقطع بإذن الله ، وهذا موجود في ذهن الحركة الإسلامية واستراتيجيتها .

بالنسبة للإنقاذ وما قامت به من انقلاب، فإن العمل العسكري وتغيير هيكل الدولة واحدة من مكونات الدولة الحديثة، من ورثة الاستعمار، القوات المسلحة تأسست عام 1925م، فمسألة الجهاد وعلاقته بالحكم، ومسألة القوات المسلحة، مسألة تجييش الشعب، هذه استراتيجية، قونقرن سيدخل الخرطوم، والبعث سيعمل انقلاب… فقامت الحركة بانقلاب وهذه استراتيجية .

هذه في إطار منظومة سياسية وأمنية ورؤية حديثة ، كيف نقيم دولة حديثة بجيشها ومجاهديها وبجهاز الأمن الحركة الإسلامية أنشأت جهاز أمن كامل، والحركة في عملها التنظيمي أهدت كوادرها وتدريبها لجهاز الأمن الجديد. الإنقاذ لما جاءت كان انهيار الاتحاد السوفيتي ونظام القطب الواحد موجود ، ومحاط بتسع دول .

الانقاذ رفعت شعارًا إسلاميًا تعرضت لهجوم مباغت مع ضغط دولي، ومن أحزاب المعارضة مع ضغط إقليمي مع مخابرات عالمية وسفارات، في هذا الإطار لابد أن تعمل جهاز أمن كما عملت الدفاع الشعبي، والقوات المسلحة والشرطة والأمن الشعبي.

الحركة الإسلامية بعد حرب الخليج الضغط خسر، والشيخ حسن الترابي رحمه الله تكلم أنه في استراتيجية لتأمين الحركة بشعار ( دفع ، نبع ، زرع ) دفع كل الناس للدفاع عن البلد ، ونبع البترول ، وزرع الأراضي .

التدريب كان لكل الشعب السوداني وليس للإسلاميين، المعسكرات المفتوحة حتى أعداء الحركة الإسلامية تدربوا في هذا المعسكرات. ومن النظريات الأمنية ( أدينا  السودان من خارج السودان بالسودان).

فالتجربة الإسلامية الأمنية للحركة الإسلامية  استطاعت تأمن دولة وفي ظروف عالمية وإقليمية ومحلية معقدة .

والحركات الإسلامية ما زالت تجيب عن السؤال:  هل يجوز الانقلاب العسكري أو ما يجوز ؟ وهل يجوز أن تعمل جهاز أمن أو ما يجوز ؟ وهي في المعتقلات والمشانق، وهناك آيات الجهاد والقتال!!!

كيف توازن الحركة الإسلامية بين الحرية والوحدة وبين الضبط والاستبداد؟

والحركة الإسلامية أسست أجهزة أمنية داخلية وخارجية وأمن شعبي والشيخ حسن لما تكلم عن الجهاد فقال ليس المقصود به ضرب الأفراد وتفجير المراكز  التجارية وإنما هذه مسألة  مبنية على التأصيل الإيماني الفقهي الدقيق ، التأسيس الواقعي الوثيق ، والتقدير الحقيق، وقال أن الحركة لا تمتثل للديمقراطية باستخفاف أو غدر ولكنها لا تتوهم أن الإصلاح دوما ودائما بالديمقراطية والمنهج ، وإنما هناك واقع يحكم الناس وهناك مخابرات عالمية متحركة وهناك  أحزاب عندها.

ولكن بعد هذه التجربة لابد أن توازن بين قيم الدين وقيم الحرية وتتعامل معها بواقعية ويكتبها القائمون عليها ويهدوها لأنفسهم وللآخرين دون نسيان للسلبيات الناتجة عن هذه التجربة.

جرد الحساب مالها وما عليها.

في مجال الأمن والعسكر

في مجال التنمية والاقتصاد

في مجال الإصلاح والمصالحات

في مجال العلاقات الخارجية

في مجال الانفصال.

المثالب والمقترحات.

يتبع في الجزء الثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى