أدب

الرثاء والقضية الوطنية في شعر الزبيري

تمكن الزبيري من تحويل الرثاء إلى نار تحرق الطغاة، وتلهب الشعب للتضحية والثورة، يقول الزبيري في مقدمة قصيدة “طليعة الشهداء” التي قالها رثاء لزوجة توأمه في النضال الوطني “أحمد محمد نعمان”: “فكتبت له هذه القصيدة أطلب إليه أن يضع نهاية للدموع، وأذكّره أنه في معركة لا يجوز فيها البكاء. وحاولتُ أن أصرف عاطفته نحو زوجته بعاطفته نحو بلاده”:

خفتُ أن يزعم الطغاةُ بأنّا

قد ضعفنا لمحنةٍ أو بلاءِ

ولا يرى الزبيري أمامه إلا هلاك الطُّغاة، وانتصار المظلومين مهما اشتدّ الأذى بالأحرار؛ ففي معاناتهم يرى البشرى الإلهية التي وعدها الله عباده في قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً  وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ {التوبة: 16}

في قصيدة “قيْد جماعي” يصور مأساة الأحرار وهم مقيَّدون يطافُ بهم في قرى اليمن ومدنها؛ يتلهى الطَّاغي بتعذيبهم:

فنٌّ من البطش والتعذيب مبتكرٌ

خليفةُ اللهِ للأجيالِ أهداهُ

ليختم القصيدة بالبشرى في النصر:

تجلدا أيها الأحرار إنَّ لكم

وترًا عزيزًا علينا ما دفناه

إنا وهبنا شباب العمر للوطن الدامي

 … وإنقاذِ عَطشاهُ وغَرقاهُ

لا بدّ أن تدركوا يومَ الخلاصِ وما

بدٌّ لنا أن نُلاقي ما طلبناهُ

وليس هذا الوعي لدى الزبيري خاص باليمن، بل يراه سُنةَ الله في خلقه؛ يهيئ الله للمستبدين – أيا كانت ديانتهم – ثائرين يزلزلون عروشهم، وينتزعون منهم حقوقهم؛ يقول في قصيدة” العيد الأول لقيام باكستان”:

أراهم، آيةَ اللهِ  التي كُتبت

للمؤمنين بها عِزّا وتمكينا

والأرض لله، لا يُلقي مَقادتَها

للعاجزين ولا يُعطي الأذلينا

ويرحب الزبيري بالثائرين أين ما ثاروا؛ وينظر إلى معاناة المظلومين نظرة شمولية، كما في القصيدة السابقة “في العيد الأول لقيام باكستان” .

ويرحب باستقلال الهند وباكستان في قصيدة” استقلال الهند وباكستان” لا يفرق في الحرية بين الهندوس والمسلمين، ويجدها فرصة للترحيب بعبد الوهاب عزام سفير مصر في باكستان للنظر في الأوطان المنكوبة لتحذو حذو الهند وباكستان:

وانظر إلى الأوطان منكوبة

تخبِطُ في الليل، وفي رعبهِ

في كل أرض وطنٌ    موثقٌ

يعيشُ في القيد، وفي كربهِ

بل يتجاوز العالم الإسلامي فيتجاوب مع أحرار أوروبا ضد طغيان هتلر، فالحرية للجميع أيًا كان دينهم أو جنسهم، أو لونهم، أو موقعهم الجغرافي، كما صور ذلك في قصيدة” حرب الطغيان الهتلري”، ونراه سعيدًا بعودة طبيب دانمركي إلى بلاده وقد تحررت من طغيان هتلر مرفوع الرأس وقد كادت روحه تزهق من الالتياع على حرية بلده. انظر قصيدة” وداع طبيب دانمركي إنسان” .

ويتفق الزبيري مع الشابي في أن ظلم الظالمين هو الوقود الحقيقي لثورة المظلومين:

رأى الطغاةُ بأنّ الخوفَ يَقتلَهُ

وفاتهم أن عُنفَ الحقدِ يُحييه

إن الأنين الذي كنا نُردِّدُه

سرّأ ، غدا صيحةً تُصغِي لها الأممُ

والحقُّ يبدأ في آهاتِ مُكتَئبٍ

وينتهي بزئير ملؤه نِقَمُ

ويقزم الطغاة إلى حدِّ السُّخرية:

لم يبق للظالمين اليوم من وزرٍ 

إلا أنوفٌ ذليلاتٌ ستنحطمُ

إنّ اللصوص وإن كانوا جبابرةً

لهم قلوبٌ من الأطفال تنهزمُ

ولا يحيد الزبيري ولا يلين عن رؤيته الإسلامية لمقومات النَّصر على الطغاة:

هنا الشريعة من مشكاتها لمعت

هنا العدالة والأخلاق والشيمُ

لسنا الأولى أيقضوها من مراقدها

اللهُ أيقضها ، والسخطُ، والألمُ

جودوا بأنفسكم للحقّ واتحدوا

 في حربهِ، وثقوا بالله، واعتصموا

والشعبُ لو كان حيا، ما ستخف بهِ

فردٌ، ولا عاثَ فيهِ الظالمُ النَّهِمُ

على عكس الشابي لا يرى الزبيري الثورة إلا في حياة الشعب، وموت الشعب موت للشاعر ذاته؛ لذلك يرى في قصيدة “رثاء شعب” أنَّ الطغاة وحدهم يحلمون بموت الشعوب:

قالوا انتهى الشعبُ إنا سوف نَقذفُهُ

إلى جهنم تمحوه، و تلغيهِ

ولينسهِ الناسُ حتى لا يقولَ فمٌ

في الأرضِ ذلك شعبٌ ماتَ نرثيهِ

فهذا الرثاء أمنية الطاغي، وليس كما توهم بعض النُّقاد أنَّ الزُّبيري يرثي الشعب بعد انتكاسة ثورة 1948. وكيف يرثي شعبه وهو القائل في القصيدة ذاتها:

علت بروحي هموم الشعب وارتفعت

بها إلى فوق ما قد كنتُ أبغيهِ

وخولتني الملايينُ التي قُتلت

حقًّ القصاصِ على الجلادِ أُمضيهِ

عندي لشرِّ طغاةِ الأرضِ محكمةٌ

شعري بها شرُّ قاضٍ في تقاضيهِ

أدعو لها كلَّ جبارٍ وأسحبُهُ

من عرشهِ تحت عِبءٍ من مَساويهِ

صحيح أنَّ الشاعر بدأ كتابة هذه القصيدة بعد نكسة ثورة 1948، كما يذكر ذلك في مقدمتها، لكنه أنهاها بعد ثورة مصر التي أكدت له أنَّ الشعوب لا تموت ولكن قد تستكين؛ ولذلك لا نجد الشاعر يتوحد مع شعبه أقوى مما نجد في هذه القصيدة:

فإن سلمتُ فإني قد وهبتُ لهُ

خُلاصةَ العمرِ ماضيهِ وآتيهِ

وكنتُ أحرصُ لو أني أموتُ لهُ

وحدي فداءً ويبقى كلُّ أهليه

لكنه أجلٌ يأتي لموعده

ما كلُّ من  يتمناهُ ملاقيهِ

وليس لي بعدهُ عمرٌ وإن بقيت

أنفاسُ روحي تُفديهِ وترثيهِ

فلستٌ أسكنُ إلا في مقابرهِ

ولستُ أقتاتُ إلا من مآسيهِ

وما أنا منهُ إلا زَفرةٌ بقيت

تهيمُ بين رُفاتٍ من بواقيهِ

ولعلَّ هذه القصيدة بما فيها من ذوبان روح الشاعر في حب وطنه، والاستعداد بالتضحية ليبقى الوطن حرًا هي التي أجمعت اليمنيين على تلقيب الزبيري بأبي الأحرار.

ولعلّ هذ النَّفس الطويل في هذه القصيدة مما يميز شعر الزبيري عن شعر الشابي قصير النفس؛ وكأنَّ الزبيري يجد لذَّة شعرية في تفصيل الطغيان، وتفصيل خذلان الشعب للأحرار، وتفصيل الخيانة ممن أظهر أنه من الأحرار؛ ليبقى شعره تاريخًا للأجيال تتعلم منه، ويبقى عذابًا على الطغاة في أي مكان وزمان، يلعنهم ويعذبهم عذابًا ينسيهم عذاب جهنم:

أذيقهُ الموتَ من شِعرٍ أُسجّرُهُ

أشدُّ من موت عِزريلٍ قوافيهِ

موتٌ تجمعَ من حقدِ الشعوبِ

على الطغيانِ فازدادَ هولاً في معانيهِ

ويبلغ الزبيري ذروة التوحد مع شعبه في قصيدة” أشجاني وآلامي”:

في ذمة الشعب أشجاني وآلامي

وفي هواه تباريحي وتهيامي

أنفقتُ عمرَ شبابي للحميّة عن

قومي وأنفس أيامي وأعوامي

بيني وبينهمُ آلافُ مهلكةٍ

وهم دمي وهمُ خلفي وقدامي

ولي بقيةُ عمرٍ لا أضنُّ بها

على بقية أهدافي وأحلامي

وتنبأ باستشهاده على هذا الدرب الذي اختاره:

بحثتُ عن هبةٍ أحبوك يا وطني

فلم أجد لك إلا قلبي الدامي

وصدق حين قال:

نحن زرعنا، وسقينا زرعنا

دمًا، ويأتي بعدنا من يحصدُ

وما كان للزبيري أن يصل إلى هذه الذروة من التضحية لولا تأمله العميق في إيمان إبراهيم –عليه السلام- :

لو كسيتَ الإيمانَ إيمان إبراهيمَ يوما لكنت إبراهيمَ

أو لأذللتَ من تألّهَ في الأرضِ وحطمتَ أنفه تحطيما

ولدمرتَ كل من كان نمرودا وأذريتَه حطاما هشيمًا

ولكانت دنياك بردا وسلاما ولو سكنت الجحيما

ويصل الزبيري بهذا الإيمان، وهذه التجربة الحياتية في النِّضال لنيل الحرية إلى انتاج الحكمة في القول الشعري؛ فهو يرى المغامرة هي الحياة في قصيدة بهذا العنوان يختمها بهذا البيت:

أنتَ إن لم تكن بنفسكَ إعصارا

تمت تحت وطاة الأعصارِ

ويقول في أبيات أخرى:

حياتكَ حربٌ فلا تنشِدَنَّ

  في الحرب أنغامكَ اللاهية

وإنّ الحياة دمٌ عاصف

وليست شذى المسك والغالية

وما رأس مالكَ منكَ سوى

دم القلبِ والهمةِ العالية

إنَّ الزبيري في قصيدة” افتتاح دار الجمعية اليمانية الكبرى” يستلهم معاني القرآن وموسيقاه لربط الشباب الثائر بهذا القرآن الكريم الذي ما أنزله الله إلا لهداية الناس وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ ليعيشوا في هذه الدنيا إخوة أحرارا لا يستعبد بعضهم بعضًا.

راقبوا الله فهذا شعبكم

بين أنياب المنايا ينتظر

هو شعب إن يمت تقتلكم

ريحه قتل الوباء المنتشر

أو يعش في قربكم تلقوا به

عزّة الدهر وأمجادَ العُصُر

لا نستطيع الجزم بأنَّ شعر الزبيري وصل من التأثير أن أخرج من الأسرة الحاكمة أحرارًا يفضلون قرابة الشعب على قرابة الأهل كما يذكر الزبيري في هامش هذه القصيدة السابقة؛ ولكنها الحقيقة التاريخية التي تقول: إنَّ اثنين من أولاد الإمام يحي قد أيدا الثورة وأعدمهما أخوهما الطاغية أحمد، وانخرط في الثورة أحرار كثر من الهاشميين تم إعدام بعضهم؛ وربما كان الوعي الديني بتحريم الإسلام للظلم لدى هؤلاء هو الدافع الحقيقي لخروجهم عن طاعة القريب الظالم، ونصرة للمظلوم، وتطبيقا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويكاد هذ الوعي الديني يعصف بذاك الجيل كله في منتصف القرن التاسع عشر؛ فها هو الزبيري في قصيدة “شكوى” تقترب شكواه من شكوى نبي الله نوح –عليه السلام-:” رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا….”  إلا أنها دعوة على إمام يدّعي أنه يحكم بشرع الله، ويدعي النسب إلى ابنة الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم- وهنا تكون المفارقة أشد إيلامًا؛ لأنَّ دعوة نوح كانت على عصاة كافرين لم تثمر معهم دعوة ألف عام عدا الخسران، ولم يجد نسب ابن نوح نجاة له من الهلاك؛ فما بال هؤلاء القوم يظنون نسبهم منجاة لهم من ظلمهم وفسوقهم وأكلهم أموال الناس بالباطل مع الفرق الكبير في النسب، فهذا ابن نوح من صلبه، وهم أدعياء للنسب من أولاد بنت نبي، فإذا لم ينفع النسب ابن النبي المتيقن من بنوته فكيف ينجي ما دون ذلك؟ ويكفي الشاعر فخرًا هذا التثقيف الديني المفحم للخصوم المتلبسين بثياب الدين زورًا:

ولربَّ جبارٍ يغشكَ بالصلاة ويجتهد

 ويقول: عبدُك وهو دونك قد عُبد 

وإذا رأى من يعبدونك ثار منه لك الحسد

 نسب الجحود إلى الأفاضل وهو أول من جحد 

تبكي دماء الأبرياء براحتيه إذا سجد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى