أشتات

الرفاهية.. مدخل إلى النقد فالتساؤل

فَتَحَ شباب اليوم أعينهم على الحياة، وقد هَيْمَنَتِ النُّظُمُ العالميةُ على أقطار الدنيا، وصاغت كثيرًا من المفاهيم صياغةً جديدةً، وصدَّرتها إلى كلِّ البقاع بقوة السلاح وسطوة الآلة الإعلامية.. هكذا شَبَّ جيلٌ ليجد نفسه يقف على خريطة لا عَهْدَ لأسلافه الأوَّلين بها، لقد تغيَّرت الثقافة واضطربت نظريات المعرفة، واختلَّتِ الضوابط الحاكمة للصواب والخطأ!

الجيل الجديد ما فَتِئَ يسمعُ كلماتٍ أمثال: العدالة، المساواة، النجاح، المدنية، الحضارة، التنمية، حقوق الإنسان… كلماتٌ تُلِحُّ على مسامعه ليلَ نهارَ، ويرى شواهدَها عند الأمم شرقًا وغربًا، فتضخَّمتْ في وجدانه وأصبحت الغايةَ العظمى وإن لم يدرك ذلك، بل حتى إن كان يظن أنَّ غايته العظمى هي امتثال الوصية الإلهية، فإنَّ شيئًا نافذًا في وعيه يحرك مشاعره وانفعالاتها نحو تلك الغاية المهيمنة.

سنفرض أنَّ تحقيق مضامين الكلمات التي مثَّلنا بها آنفًا من أوجب الواجبات التي لا يُنازَع فيها، لكنَّ العِبرة كما يقال: “بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني” ونحن قَدَّمْنا في صدر حديثِنا أنَّ النُّظُم العالميَّة قد أعادت صياغة المفاهيم التي ملأت الآفاق؛ فليست صورة العدالة عند الجيل الجديد كصورتها عند أسلافه، ولا مفهوم النجاح عند الأمة المعاصرة اليوم كمفهومه عند الأمم الخالية!

إنَّ العدالة اليوم لا تعدو أن تكون شِبْهَ مرادف للـ”رفاهية” و”الرخاء” ونحوهما؛ ولذا نجد أنَّ أكثر الظلال المعنوية لصوقًا بلفظ العدالة، هو “صورةُ المدنية الحديثة، والعُمران المادي”، فلم يَعُدْ لفظ العدالة يستدعي شيئًا استدعاءَه للتنمية المادية ورفاهية الشعوب؛ فصارت الرفاهية هي غاية العدالة، وانتفاؤُها دليلٌ قاطعٌ على انتفاء كل صورة من صور العدالة!

سنترك للقارئ إتمام ما بدأنا به في موضوع العدالة؛ إذْ كان غرضنا أن نجعل من حديثنا عنها توطئةً صالحةً للحديث عن مشكلة الرفاهية؛ وذلك أنَّ الرفاهية رأسُ مشكلات هذا العصر؛ إذ كانت غايةً وخطرًا في الوقت نفسِه!

أمَّا كونُ الرفاهية هي الغاية فبيانُهُ أنَّ الغاية كما كانت شِبهَ مرادفٍ للعدالة فهي شِبهُ مرادفٍ للنجاح أيضًا، أي: إنَّ الرفاهية قد ضَيَّقَتْ مفهوم النجاح حتى صار مدلولاهما متقاربين! ويحسن أن نشير هنا إلى أنَّ لفظ النجاح قد أُقْحِمَ إقحامًا في ثقافتنا المعاصرة، إذ يغلب على ظنِّي أنَّ هذا اللفظ كان غائبًا عن سياق الحديث الدنيوي عند أجيال المسلمين السابقة، حيث كُنَّا نجد ألفاظًا (التوفيق) مستعملةً أكثر منه، ثم استحال الأمر، فَصِرْنا نجد لفظة (النجاح) حاضرةً لا تغيب عن كل شأن من شؤون الحياة الدنيوية، وليتَها ظلَّت متسِعةً لتشمل كلَّ ما استقام من أمر الدنيا بل إنَّ دلالتها ضاقت حتى صارت مختصةً بالـ(نجاح) الذي يُحقِّقُ لصاحبه “الرفاهية” و”الرخاء”، ولا يَخفى على القارئ قَدْرُ ما بين اللفظتَيْنِ (التوفيق) و(النجاح)، وما يُوحِي به كلٌّ منهما.

وأمَّا كونُ الرفاهية خطرًا فإنَّ الحديث فيه يتشعَّبُ إلى ما لا يحتمله هذا المقال، ويكفي هنا أن نقول: إنَّ كونَ الرفاهية غايةَ الغاياتِ ومِعيارَ النجاح، قد حَرَّضَ النزعاتِ الفردية من مكامنها ومَزَّقَ الرابطةَ الاجتماعيةَ، وذلك أنَّ ضمان الرفاهية المادية يُوجِبُ على الإنسان أن يُؤثِرَ نفسه على الجماعة ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلًا إلَّا أن يُعارِضَ ذلك مصلحة مِنْ مصالحه الآجلة، فإنه قد يُؤثِرُ الجماعة حينئذ، وهكذا يستقِرُّ في نفس الفرد أنَّ شرط نجاحه زيادةُ حصيلتِه المادية، وأنَّ الإيثار صورةٌ من صور الفشل في إدارة الذات، ومن ثمَّ يتطبع الإنسان شيئًا فشيئًا على التخلق بالأخلاق الوضيعة؛ إذْ ما مِن خُلُقٍ يَجْلِب على صاحبِهِ من مساوئ الأخلاق ما تَجلِبُهُ الأثرة لصاحبها.

لو لم يكن في جعل الرفاهية غايةً إلا هذه المصيبة لكَفَتْ لكنَّ الأمر يجاوز ذلك إلى أمراضٍ أكثر خفاءً؛ فمِن ذلك ما أظُنُّه مِنْ أنَّ الشباب إذ يَسعَوْنَ إلى النجاح (الرفاهية).. أظنهم يتعجَّلُونَ تلك الغاية فيخلدون إلى ما تغص به المدينة الحديثة من الملاذِّ الآنِيِّة، (كمشاهدة الأفلام وألعاب الفيديو)، ويُمعِنُ كثيرٌ منهم فيها؛ حيث كانت تحقق لهم شيئًا من الرفاهية، لكنَّ خطر تلكم الملاذِّ الآنية أنها تَصُدُّ عادةً عن الغايات السامية، وتورثُ وَهْنًا في الطباع وتقاعسًا في العزيمة، بل قد تُوهِمُ المنغمس فيها أنه حَقَّقَ الرفاهية التي يسعى إليها فينحرف-بالتدريج-عن غايته، وقد ينتهي به الأمر إلى غير محمودٍ من العواقب؛ فالحاصل-إذًا-أنَّ معنى النجاح قد حُرِّفَ في الأذهان إلى الرفاهية، ثم حُرِّفَ معنى الرفاهية إلى الملاذِّ الآنية التي لا تُحقِّقُ للنفس أيَّ قَدْرٍ من الاستقرار، بل صَنَعَتْ لنا (جيلَ الهشاشةِ) الذي لم يَعُدْ قادرًا على الصمود لتحقيق رفاهيته المنشودة.

سنجد نُخبةً من الشباب ساعدتهم المقادير بالموهبة والمثابرة وحَفَّتهم ظروف العناية، فاستطاعوا النجاة من شَرَكَ (الرفاهية الآنية)، لكنهم فُوجِئُوا أنَّ المدينة الحديثة قد بَعْثَرَتْ نَسَقَ الحوائج البشرية، ثم رَتَّبَتْها وَفْقَ مطامع الكبار، وفَرَضَتْ قوانينَ غيرَ مُعلَنَةٍ ضَيَّقَتِ سُبُلَ إشباعِ الأساسيات (بالحلال)، حتى غدا تحصيلُها أكثرَ مَشقةً من الكماليات؛ فلا غرابة-إذًا-أن يمتلك الشابُّ حاسوبًا متطورًا، وهاتفًا أنيقًا، يلتقط الصور جِوار المعالم التاريخية وبين مناظر الطبيعة الآسرة، يجوب الشوارع حيث تصطف الْمَحَالُّ التجارية والمطاعم وغيرها، ويجد بأسعارٍ معقولةٍ ألوانًا لا تنتهي من الكماليات، يرى أنَّ المدينة الحديثة قد وَضَعَتْ كلَّ شيء بين يديه، في حين أنَّها أغرقته في الكماليات وحالت دونه ودون كثير من الأساسيات؛ ففُرَصُ العمل شحيحةٌ، والاستقلال بالمأوى ضَرْبٌ من المستحيل، وأمَّا الزواج فمشروع باهظ الكُلَفِ غير مضمون النتائج.. هكذا قَلَبَتِ المدينةُ هَرَمَ الحوائج؛ ليعيش الشابُّ المعاصر حياةً شاذَّةً عمَّا تواترت عليه البشرية، حياةً حَرَّفَتْ له القِيَمَ النبيلة إلى غاياتٍ رخيصةٍ، وما زالت تُغْرِيهِ وتَنْحَطُّ به من رخيصٍ إلى أرخص، فلا نَعِمَ بالرفاهية التي يريد، ولا ظفر بالحقائق الكبرى.

إن صحَّ أن يكون هذا مدخلًا إلى نقد الغاية (الرفاهية)، فالتساؤل المتفرِّع عنه: هل السَّعي إلى الرفاهية سلوكٌ اختياريٌّ أم إنَّه شبه ضرورةٍ تفرضها الحياة الحديثة؟!

محمد العامري

كاتب وباحث في اللسانيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى