المدونة

الشباب العربي: أزمة معنى أم أزمة حاجة؟

مما لا ريب فيه أنَّ أمتنا العربية تعاني أزمة حضارية هائلة، وأزمتنا نحن الشباب لا تقل عنها هولًا؛ فنحن جزء من هذه الأمة المثيرة للأحزان.

إنَّ الأزمة التي يحاول هذا المقال تلمّسها هي تلك التي تتجلى في آلاف من الاقتباسات الروائية التي تعجُّ بها وسائل التواصل الاجتماعي، كل يوم في عالمنا العربي، والتي جميعها يتضمن البؤس والتشاؤم والعدمية والضياع وغياب المعنى.

إنه لأمر مثير للاستياء والتساؤل، أن يحضر كبار الروائيين المأساويين أمثال دوستويفسكي وكافكا، في صورة اقتباسات مجتزأة من سياقها النصي والثقافي والتاريخي الخاص.

بالتأكيد أنَّ كتابات هؤلاء ليس محرَّم على الأمم الأخرى تداولها ورؤية بعض جوانبها العميقة من خلالها. إلا أنَّ من المؤسف تحويل هذه الأعمال الإبداعية الكبرى إلى مجرد اقتباسات متناثرة في فضاء السوشيال ميديا؛ بحيث عملت على إحباط التفاعل القرائي المعمق مع جسد النَّص في كيانه الكلي وعظمته المبهرة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى: يثير هذا العَلَف الكثيف من الاقتباسات العدمية أسئلة عن المحفزات وراء اختيار هذا النوع من العبارات ورواجها .

إن تلك الاقتباسات (يقول المُقتبِس) تنطق عنّا بصورةٍ من الصور، تقول بؤسنا على نحو يرضينا… تلك النصوص المجتزأة لا تتنكر لهزائمنا، ولا تعيب سقوطنا، بل نجدها إلى جانبنا، تسندنا ببلاغتها ونفاذ رؤيتها، تدهشنا أنها قيلت فينا قبل أن نولد، تُمجّد حالة الذهول والتيه التي تلفنا منذ عقود.. ألا إن هذه النصوص تستحق الإذعان، وأن كُتّابها يشتملون على ضرب من النبوة.

إذن ما الذي يُلجئُنا إلى اختيار هذه العبارات المظلمة دون غيرها؟

ما نوع الأزمة التي تجعلنا مفتقرين إلى صوت عدمي يقول ما نشعر به؟

وهل حقًا نحن نشعر بالعدمية كما قالتها النصوص في بنيتها الكلية؟

من الواضح أنَّ تلك النصوص نصوص أوروبية تمت صياغتها وفق ظروف معينة أسهمت عبقرية الكاتب في رفع كلماتها إلى مستوى يتعالى على الشرطية التاريخية، لكنها تظل مشدودة إلى سياجها الثقافي الخاص بصورة غامضة جدًا، وهذا ينطبق على نصوص دوستويفسكي العظيمة.

إنَّ أبطال هذا الكاتب المروّع، شخصياتٌ مأساوية على نحو يثير الهلع. لقد استطاع أن يتنبأ بنتائج الحداثة العدمية بصورة مذهلة كما في روايته “الشياطين”، التي صوّر فيها حالة الرعب والفوضى التي ستعم روسيا استجابة لعدمية الحداثة الأوروبية؛ لهذا نجد أبطال هذه الرواية عدميين، استوت لديهم كل الأشياء… يعيش ستافروجين (أحد الأبطال) حالة من التبلد والذهول واللامبالاة، ويرى كيريلوف (أحد الأبطال) أنَّ الحياة والموت سواء، ويعد نفسه للانتحار لأنه وجده الطريقة الأكثر تحقيقًا للفرادة والاستقلال بما أنَّ الأمور جميعها أصبحت بلا قيمة.

إنَّ الأزمة التي يتحدث عنها الروائيون العظام، على لسان أبطالهم، هي أزمة المعنى، غياب الله من أفق المسيحي وظهور النزعات التي تعلي من قيمة العمل والمادة على حساب الروح المتجذرة عميقًا في الذات الأوروبية.

بالنسبة لنا، فإنَّ الوضع يختلف تمامًا؛ فنحن لم نشهد مسيرة الحداثة منذ بدايتها، فقد أدخلتنا في أفقها، رغمًا،  بعد أن قطعت ثلاثة قرون في أرضها، وإذن نحن لم نشهد غير نتائجها، وبالتالي فلم تنوجد الأزمات الروحية التي انوجدت في أوروبا.

لازلنا محتفظين بجميع تصوراتنا الدينية والأخلاقية، كما ضبطتها نصوص الشريعة من سالف الأزمان، وإذن فلن يكون بيننا شخص يتألم بسبب مشكلة تأسيس الأخلاق مثلاً، كما فعل دمتري فيدروفيتش(أحد أبطال رواية الأخوة كارامازوف) في سجنه (يجيب أخاه عن سبب تألمه الشديد بأنها هذه الإستيطيقا، أي مشكلة الأخلاق وعلى أي نحو تبتني).

إننا نطالع الكتابات العربية على طول القرن الماضي فلا نكاد نجد مثل هذا النوع من التشظي المرعب الذي نعيشه ونعبر عنه من خلال الاقتباسات. كانت جميع تلك الكتابات تقريبا إصلاحية حتى في جانبها الأدبي باستثناء القليل، أمثال محمود درويش ونجيب محفوظ.

إن الثورة المعلوماتية في مطلع هذا القرن، قد أحدثت الكثير من التحولات على صعيد النظرة إلى العالَم في بُعدِها المادي بالنسبة لنا؛ فالعالَم أضحى قرية صغيرة، نراه أنّى شئنا عبر هذه الوسائط، فانفتحت أمامنا آفاق للعيش جديدة، ونما إحساسنا بأنفسنا وشعورنا بالحياة كما نراها في تلك البلدان.

نحن تعساء بشكل مضاعف على تعاسة الآباء الذين لم يشهدوا مثل هذه الانفجارات المذهلة في عالم التكنولوجيا..

إن بلداننا لا زالت تواصل انحطاطها على نحو بليد في جميع المستويات، ولكننا ننظر إلى بلاد أخرى تعيش في النعيم فتتعاظم المأساة.

إننا نتنفس في فضاء الحسرات كما يقول شايغان.

يحيا الشاب العربي ولكنه لا يعيش، هناك فرق.

إننا لا نشكو أزمةً روحية، ولم ننس الله بعد، وليس من معنى وجودي كبير أضعناه. كل ما نشكوه هو غياب الحاجة، غياب الفرص القادرة على تلبية حاجاتنا النفسية والجسدية.

إن أزمتنا أزمةٌ مادية، وبعيدًا عن محاولة البحث في أسبابها، فإن الشعور الذي يسيطر علينا جميعا هو شعور تعيس، حزين وصادق، لا يختلف، من حيث وعْينا به، عن شعور من يعيش أزمة غياب الروح؛ لهذا يمكن أن نعثر على أهم سبب لهذا الإقبال الكبير من الشباب على تلك الاقتباسات.

إنَّ الأزمات المادية، مهما كانت، لا تخلق عباقرة ومفكرين عظام، ولا أدباء وفنانين من طراز خارق (يكفي دليلا على ذلك شغفنا المَرَضي بهذه الاقتباسات).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى