فكر

القرشية والهاشمية والفاضل والمفضول

الإمامة في الفكر الهادوي (3-4)

اشتراط (علوية) الإمام عند هادوية اليمن (ومعهم الشيعة) هي إحدى المسائل التي يجهدون في إثبات وجاهتها وصحة اعتمادها شرطا من شروط الإمام، ويبنون عليها عقيدتهم في إثبات حق بني هاشم أو ذرية علي في الإمامة، وحصرها فيهم.. ويجادلون في أن شرط علوية الإمام مساو وأكثر منطقية من فكرة قرشية الخلافة عند السنة؛ أي في أن تكون في قريش دون سائر المسلمين لقرابتهم من النبي، ومن ثم فليس في حصر الإمامة في ذرية علي وهو الأقرب نسبا للنبي خطأ ولا تعد ولا عنصرية ولا افتئات على المسلمين! ويعززون كلامهم بما يوردونه في نهج البلاغة من أن الإمام علي قال:( احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) عندما سمع حجة مشائخ المهاجرين القريشيين (المزعومة) للأنصار في سقيفة بني ساعدة أن الخلافة فيهم لأنهم شجرة الرسول! (مع أن الشجرة هي الأصل وليست الثمرة ولولا الشجرة ما كانت ثمرة)!

وابتداء فإن الحديث في سقيفة بني ساعدة عن حق قريش في الخلافة لل يمكن أن يأخذ هذا – أو لا يجوز تفسيره- الطابع الديني ولا حتى القبلي في تبرير الأمر؛ لتصادمه مع روح الإسلام وأخلاق الأخوة والمساواة بين المسلمين، وتاريخ التآخي بين المهاجرين والأنصار.. فمن الناحية الدينية فما كان الصديق – وحاشاه- ليحاجج الأنصار الذين نصروا الإسلام بأرواحهم وأموالهم وبلادهم بحق قريش/ القبيلة المقدس في الخلافة فقط ل( قرابتهم من النبي)، وهم أبناء الإسلام الذين تربوا على أن لا ميزة  لعربي على أعجمي إلا بالتقوى فما بالنا بعربي على عربي ومسلم على مسلم! وفي المقابل فقد كان يمكن للأنصار أن يردوا عليه بسهولة وبأقوى منطقا ويذكروه بأن قريش هي القبيلة التي كفرت بالإسلام والنبي وحاربته، وجيشت الدنيا ضده، وطردته والمهاجرين من مكة؛ فأنى يكون لها الحق الديني الحصري في الخلافة دونهم بسبب قرابتها من النبي؟

وقبليا؛ فإن قبيلتي الأوس والخزرج من الأنصار هم الذين نصروا الإسلام والنبي والمهاجرين وليس قبيلة قريش التي حملت لواء العداء للإسلام والنبي والمسلمين! فمن هي قريش كقبيلة حتى يغلب الانتساب إليها على ولاء الإسلام والدين والجهاد عند الحديث عن استحقاق مسلم للخلافة؟

ومن باب أولى فما كان للأنصار أن يقبلوا هذا الكلام من أساسه وهم في بلادهم، ويعلمون الدور الحاسم الذي أداه الأنصار في نصرة الإسلام ونبي الإسلام حتى قاتلوا بني الأحمر وبني الأصفر، وعادوا إخوانهم وآباءهم من منافقي الأوس والخزرج في سبيل الله، ثم يأتي من يقول لهم إن الخلافة والدولة من حق قريش لأنهم أقرباء النبي!

الرواية الأقرب للمعقول والأكثر منطقا واتساقا مع مفاهيم الإسلام هي تلك التي قال فيها الصديق للأنصار إن العرب لن تقبل أن يكون الخليفة/ الإمام/ الحاكم إلا من قريش؛ فالأمر والتعليل إذن كان مبنيا على المصلحة العامة للدولة الإسلامية، وحظوظ بقائها، وضمان التفاف الناس حولها.. وقد فهم الأنصار الأمر وقبلوه فورا دون نقاش لأنهم كانوا يعلمون حقيقة الأمر؛ ليس لأن قريش هي قبيلة النبي وأقربائه ولكن لأن قريش في ذلك الزمان – وحتى قرون أخرى بعده- كانت قلب العرب ورمزهم السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، والعرب ما كانت لتقبل خليفة للنبي من غيرها يجتمع عليه الرأي إلا إذا كان من قريش زعيمتهم التاريخية، فهي شوكة الميزان في ذلك الزمان، ولن يكون مستغربا إن قيل إن البعض ذكر يومها حديث (الأئمة من قريش) فهو خبر من أخبار النبوءة أن الخلفاء بعده سيكونون من قريش وليس تشريعا دينيا ملزما في كل زمان ومكان!

وها هم العرب قد ارتدت وتمردت معظم قبائلها بعد وفاة النبي الكريم؛ لكن بقاء قريش يومها مع المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة عادل كل تلك القوى القبلية التي انتفضت هنا وهناك ورجحها! وقد ظلت القوة الروحية والنفسية الكامنة في رجال قريش قادرة على جذب الأنصار وتوحيد المسلمين في حالات كثيرة من التاريخ الإسلامي، مثلما حدث مع عبد الرحمن الداخل أو صقر قريش الأمير الأموي الذي نجا من مذابح العباسيين، وفر إلى الأندلس الممزقة بالخلافات والعصبيات القبلية فتوحدت حوله البلاد والقبائل، وتأسست على أساس دولته حضارة الأندلس العظيمة. وها هم هادوية اليمن يزعمون – مبالغة وتزييفا للتاريخ – أن الهادي يحيى بن الحسين (وهو القرشي الغريب عن اليمن) جاء إلى اليمن فتوحدت به البلاد، وتغير حالها من الكفر والضلال إلى الإيمان والهداية كما يزعمون!

[ يمكن القول إن وضع قريش ومكانتها كان مشابها تماما لوضع الولايات المتحدة الأمريكية في الغرب، ووضع الاتحاد السوفيتي السابق في المعسكر الشيوعي في القرن العشرين الماضي، وكما كان موقع مصر بين العرب في القرنين الأخيرين.. فلم يكن ممكنا أبدا أن يتجاوز الغرب الدور الأمريكي في القيادة في أي مؤسسة من المؤسسات الغربية العسكرية والمالية من بعد الحرب العالمية الثانية وحتى زمن قريب، ولا كان يمكن تجاوز النفوذ والقيادة الروسية في حلف وارسو.. وكذلك ظلت مصر – منذ برز دورها في القرن التاسع عشر الميلادي- هي قطب الرحى في العالم الإسلامي، ورمز العروبة بل والإسلام: سياسيا وثقافيا واقتصاديا، وكان علماؤها ورجالاتها ومثقفوها هم رمز القوة والعظمة والعلم والثقافة، ولنتذكر كيف سيطر المصريون الأكثر تقدما في العلوم والمعارف والسياسية على كل مؤسسات الجامعة العربية منذ تأسيسها، وحتى اليوم لا يجتمع العرب إلا على أمين عام لجامعتهم إلا أن يكون مصريا، ولو كان في سوء سيرته ومواقفه السياسية علما من الأعلام المخجلة!

وكذلك كانت (قريش) في زمن النبوة – وقبلها وبعدها- هي القوة السياسية والثقافية والدينية المهيمنة بالقوة الناعمة (إن جاز التعبير) بوجود الكعبة وأصنام العرب في أرضها التي تحج إليها قبائل العرب، وبقوتها العسكرية والتفاف العرب حولها، وبسيادة لغتها ولا سيما بعد نزول القرآن بلهجة قريش (وحتى قبل نزول القرآن كانت لغة قريش هي لغة الثقافة كما يبدو في الشعر الجاهلي)، وكما كانت اللهجة المصرية يوما ما قاسما مشتركا بين عرب المغرب العربي والمشرق العربي تسيدت لهجة قريش على كل لغات ولهجات القبائل العربية حتى انمحت هذه اللهجات وتلاشت إلا من الاستعمال اليومي المحدود (اللهجة العامة كما يقال اليوم) أو في كتب الأدب والأشعار حيث يجد المرء إشارات واستعمالات محدودة للهجات عربية غير لغة قريش!].

وليس تجاوزا إن قلنا إن عبارة أبي بكر الصديق للأنصار يوم سقيفة بني ساعدة (إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا في قريش) كان يقصد بها القيادة السياسية وليس الدين فالحديث كان يدور حول من يتولى القيادة السياسية للدولة، وهي عبارة كانت في قمة الدبلوماسية والكياسة المعروفة من أبرز شخصية في مجتمع المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.. فلو شاء أن يقول لقال إن العرب لن تقبل أن يكون الخليفة من الأوس والخزرج، (تماما كما لا يمكن أن يتولى الجامعة العربية سعودي أو قطري فضلا عن اليمني والسوداني.. وكما ظل المصريون يتولون القيادة في كل المؤسسات السياسية والعسكرية والثقافية في مؤسسات العمل العربي الجماعي حتى زمن قريب مع عقد السبعينيات من القرن العشرين الميلادي الماضي!).

وها هي أمامنا تجارب الحكم في معظم البلدان العربية تؤكد أن المصدر الذي تأتي منه القيادات السياسية والعسكرية لا يتجاوز غالبا القبيلة أو المنطقة أو العائلة ذات الشوكة التي تتولى مقاليد الحكم وخاصة في فترات التأسيس والبناء.. وحتى في الأنظمة الحزبية العقائدية تمخضت الأمور في المحصلة عن تركز السلطة في منطقة أو طائفة أو قبيلة تحكمت بالحزب وصار لها الكلمة والفصل في تولية وعزل القادة والمسؤولين!

ولو شاء الصديق لقال وهو صادق للأنصار في سقيفة بني ساعدة إن مبادرتهم لاختيار خليفة للنبي من بينهم دون المهاجرين لا تتفق أصلا مع مباديء الإسلام، ولا تتسق مع معايير الدولة والعقل عندما قال بعضهم: منا أمير ومنكم أمير؛ فليس الأمر أن صك ملكيتها محجوز لهم طالما أنهم أصحاب الأرض، ولا يقبل العقل وجود أميرين أو رأسين في دولة واحدة، ولكن للخلافة/ الدولة والخليفة معايير وشروط على مستويات متعددة لا تتوفر فيهم إلا بقدر ما تتوفر وبدرجة أكبر في غيرهم من المهاجرين، وهم  النخبة التي عاصرت المرحلة المكية بشدادئها وعنفوانها، ورافقت الدعوة من اليوم الأول مع النبي، وفي المرحلة المدنية واصلت دورها في قيادة الدولة بجوار النبي أكثر منهم في جميع مجالات الحياة والدعوة، ففيهم من هو أجدر بالقيادة منهم!

ولعل من دلالة المواقف على ما سبق؛ أن المتمردين على الخليفة عثمان الذين حاصروه ومنعوا عنه الطعام والماء فعلوا ذلك وهم يعلمون أنه قرشي، ومع ذلك فعندما رشحوا خليفة بعده لم تخرج الترشيحات عن قريش: علي من قبل المصريين، وطلحة من قبل البصريين، والزبير من قبل الكوفيين، وهو دلالة على أن التمرد لم يكن ضد استئثار قريش بالخلافة كما يردد البعض!

وقد فهم الأنصار بتقواهم وربانيتهم منطق الصديق وتقبلوه بسهولة، وبادروا إلى بيعته مقتنعين بوجاهته، وقد كان يمكنهم رفضه بسهولة أيضا كما سلف، ومقاومته وخاصة أن أحد زعمائهم وهو الصحابي الكبير (سعد بن عبادة) كان يرى نفسه الأحق بالخلافة، ومات وهو ممتنع عن بيعة الصديق والفاروق كما قيل! وربما ساعد على انتصار منطق الصديق أن الأنصار كانوا مختلفين فيما بينهم أي بين الأوس والخزرج على اسم (الأنصاري) الذي يستحق الخلافة كما بدا من مواقف قياداتهم، ومن مسارعتهم لبيعة الصديق وتجاوز سعد بن عبادة، ومن عدم ظهور أي مشكلة منهم بعد ذلك عند توالي اختيار الخليفة من بين المهاجرين، وخاصة في الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب قبيل وفاته لاختيار الخليفة من بينهم، ولم يكن من بينهم اسم واحد من الأنصار!

وفي كل الأحوال فإن قرشية الخلافة عند أهل السنة لم تخص قريشا بقداسة دينية ولا عصمة مخترعة لا للقبيلة ولا للأفراد، ولا فهم المسلمون أنها حق إلهي أو وصية إلهية أو نبوية يعصي من يخالفها أو قد تصل به إلى الكفر كما هو حادث عند الشيعة بالنسبة لعلوية الإمامة! وقد عارضت الخوارج الفكرة وجاهروا بأن الخلافة ليست محصورة في قريش وأنها للصالح من جميع المسلمين فما كفرهم أحد لذلك( كان علي على ذمة الشيعة أكثر من أثنى عليهم ونهى عن قتالهم بعد وفاته)، وكانت فرق من المعتزلة يقولون في الإمامة على طريقة الخوارج ولم يصبهم ضرر؛ رغم أنهم كانوا قادة الدولة العباسية ومستشاريها في عصر قوتها وازدهارها، وهي دولة تأسست على حق أبناء العباس بن عبد المطلب في الخلافة، كما أن أول تمرد مسلح ضد خليفة – إذا استثنينا ما حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لظروف خاصة- كان ضد عثمان رغم قرشيته، ومثله تمرد الخوارج ضد علي رغم قرشيته!

ولعل تاريخ الدولتين الأموية والعباسية، والسجل الطويل للثورات من داخل قبائل العرب وغيرها ضدهم تؤكد ما سلف، فقد كانت الثورات بما فيها ثورات العلويين تندلع من منطلق رفض المظالم والانحراف وليس لأنهم من قريش، وحتى ولاية معاوية لم تجعله أفضل الصحابة في زمنه، وكانت هناك قناعة أن هناك كثيرين من الصحابة من هم أفضل منه دينا وصحبة وجهادا، وأحق منه بالخلافة.. وطوال زمن الأمويين لم تكد تنقطع الثورات ضدهم لكن لم يقل أحد إن الثائرين تعدوا على الحق الإلهي أو الوصية النبوية أو انتهكوا أصول الدين، وكان من الثوار ضدهم عدد من أفضل وأكرم المسلمين مثل الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن جبير ومن كان معه في ثورة العلماء المعروفة بثورة الفقهاء بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث زمن عبدالملك بن مروان!

ومن أوضح الأدلة على أن شرط (القرشية) لم يكن من أصول الدين ولا من الشروط الدينية (كالإسلام..) إن الفكر السني وصف حكم الأمويين والعباسيين القرشيين والذين جاءوا من بعدهم بأنه (ملك عضوض)، وقرر أكابرهم – مثل ابن تيمية- أن معاوية بن أبي سفيان هو أول ملك في الإسلام (رغم قرشيته)، فنفوا عنه صفة الخليفة الراشد، تمييزا له عن حكم الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فلم يكتسب بقرشيته ولا اكتسبت دولة الأمويين بقرشيتها أي قداسة دينية على أساس حديث (الأئمة من قريش).. وفي المقابل كان الإمام أحمد بن حنبل ( مؤسس المذهب الحنبلي ورمز الحنابلة والوهابيين ممن يعاديهم الهادوية عداء صليبيا)هو الذي قرر أن زمن خلافة الحسن بن علي هو تتمة زمن الخلافة الراشدة، وكثيرون يضعونه ضمن سلسلة الخلفاء الراشدين، وفقا لحديث (الخلافة بعدي ثلاثون عاما..) الذي صححه ابن حنبل؛ أي أنه تم إخراج زمن معاوية من تصنيف الخلافة الراشدة.. وفي كتب أكابر علماء السنة ومؤرخيها سوف نجد انتقادات شديدة – لا يجرؤ شيعي على توجيهها لأحد أئمتهم- تجاه ممارسات خاطئة بدءا من معاوية كما سلف، ويزيد ابنه الذي قالوا فيه الكثير من الذم الشنيع مدينين قتل جنده للحسين بن علي رغم أنه كان يقود ثورة ضد يزيد، واستباحة المدينة في وقعة الحرة كما هو ثابت عن ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما، وصولا إلى غيره من جبابرة الخلفاء مثل عبد الملك بن مروان، وهشام، أو الفسقة منهم! فضلا عما يقوله الشيعة أنفسهم أن أكابر أئمة السنة مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي أيدوا بعض ثورات أهل البيت منذ زيد والذين ثاروا بعده ضد الخلفاء الأمويين والعباسيين!

ولأن قرشية الخلافة لم تكن أمرا مقدسا عند السنة؛ فقد كان طبيعيا أنه عندما تبدلت الأحوال السياسية، وضعفت مكانة قريش وعصبيتها في المجتمع الإسلامي، أن تنتقل منها الخلافة دون أي معوقات فقهية أو تكفير أو تفسيق أو تنظير ديني عن اغتصاب الخلافة من قريش! وآلت الزعامة إلى القوى ذات الشوكة مثل العثمانيين الذين تولى ملوكهم منصب الخلافة، واتبعهم غالبية المسلمين إيمانا منهم أن الأئمة الشرعيين صاروا من بني عثمان، وصار لخلافة بني عثمان من العصبية والولاء عند المسلمين ما لا قد تجده تجاه الأمويين والعباسيين للدور العظيم الذين قاموا به في حماية بلاد الإسلام لأربعة قرون!

وحتى بقاء النص على شرط القرشية في كتب الفقه السني صار أقرب إلى التقاليد الفقهية، فضلا عن قول من يقول إنه شرط أفضلية فقط! وقد تجاوز الزمن كثيرا شرط القرشية في الإمام أو الحاكم، وحتى التقليديون الذين يصرون على شرط القرشية لن يستطيعوا أن يقولوا إنها من أصل الدين، وأن يكابروا في اشتراطها فيمن يلي السلطة في بلادهم وإلا كان جزاؤهم ما لا يحمد عقباه من حكامهم غير القرشيين! وقد تجاوزت هذا الأمر الحركات الإسلامية الكبرى ذات النهج الإسلامي الحضاري الشامل التي تسعى منذ قرابة قرن من الزمان لإحياء الدولة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة، ولم يعد هناك من يرفع السيف لإقامة حكم دين يستند إلى صفة قبلية أو سلالة إلا الشيعة!

الفاضل والمفضول

القبول بإمامة (المفضول) في وجود (الفاضل) مسألة معروفة في المذهب الهادوي، وهو قول منسوب لبعض الهادوية/ الزيدية في أنهم يجوزون ويقرون بصحة خلافة أبي بكر وتقديمه على علي على قاعدة: (جواز تقديم المفضول على الفاضل) تفسيرا لموقف علي في السكوت عن حقه كما يزعمون، والموافقة على نتائج اجتماع سقيفة بني ساعدة تجنبا لإثارة شحناء أقوام حديثي عهد بالإسلام وتسكينا لثأراتهم لأنهم كانوا – وفق هذا الزعم- ما يزالون ناقمين على الإمام علي بسبب دوره في قتلهم وإراقة دمائهم بسيفه في الحروب التي نشبت بين الإسلام والشرك!

لدينا تحفظ قوي على صحة قول هذا البعض على أن الرضا بخلافة الصديق كانت وسيلة لتسكين الثأرات من سيف علي الملطخ بدماء الكفار، ولتفويت الفرصة على الناقمين على علي أن يتمردوا على الخلافة:

فأولا/ إن عليا رغم دوره الكبير في الجهاد العسكري ضد الكفار إلا أنه لم يكن هو الوحيد الذي قتل من صناديد الكفر والمشركين، وتصوير الأمر كذلك نوع من استغباء الأتباع معروف عند الشيعة؛ فقد شاركه في ذلك أبطال صناديد من الصحابة أمثال حمزة، والزبير بن العوام، والمقداد، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، والمعروف أن عليا لم يشارك في كل المعارك التي خاضها المسلمون.. كما كان مشهورا أن عمر بن الخطاب كان من أشد المسلمين على الكفار. ثم إن هذا التعليل يفترض أن المهاجرين والأنصار حرصوا على مراعاة مشاعر مَسْلَمة الفتح (رغم مرور عامين على إسلامهم) في اختيار خليفة النبي، وتجنب استفزازهم لأنهم كانوا ما يزالون يشعرون بالغيظ من هزيمتهم وقتل صناديدهم، ومسكونين بالثأرات!

وكما هو واضح فالتعليل متهافت جدا وهو من اختراعات الشيعة ليبرروا لأتباعهم سبب رضا الإمام علي بنتائج الشورى في اختيار الصديق خليفة للنبي؛ فلم يقل أحد أبدا في أثناء اجتماع الشورى في سقيفة بني ساعدة شيئا عن الثأرات وضرورة إبعاد علي عن الخلافة لتسكينها، ولو قالها أحد لرد عليه الأنصار وعمر بن الخطاب معهم: وهل غزو المدينة وحصارها، وتأليب العرب ضد المسلمين، وقتل قيادات المسلمين وصلحائهم مثل حمزة، ومصعب، وسعد بن معاذ، وتعذيب وقتل من سبقهم من المستضعفين كياسر وسمية مسألة هينة لا تصل إلى مستوى قتل صناديد الكفر؟ وهل دماء شهداء المسلمين مجرد ماء لا قيمة له إن كنا سنتحدث عن الثأرات؟

وثانيا/ فقد ورد عند الهادوية أنفسهم ما يفيد أن الإمام علي رفض عرضا تحريضيا تقدم به عمه العباس وأبو سفيان بن حرب، وبعض بني هاشم، للتمرد على اختيار أبي بكر خليفة على المسلمين وتجاوز علي ابن عم الرسول، واستعدادهم لحشد الجيوش لنصرته.. ولو كان القوم مقتنعين بهذه الرواية لبطل القول إن سكوت الإمام علي عن تجاوزه في تولي منصب الخلافة كان لتفويت الفرصة على الناقمين عليه خوفا على الإسلام؛ فها هو أبو سفيان( زعيم المتضررين من سيف علي) يعرض عليه تجييش الجيوش والتمرد لإيصاله إلى الخلافة رغم دمائهم التي ما زالت آثارها على سيف علي! ومن البدهي أن الذين كانوا سوف يستجيبون لأبي سفيان هم ممن هم على شاكلته ممن اعتنقوا الإسلام متأخرين، وقاتلوا الدعوة وقائدها النبي محمد وكان لعلي دور كبير في قتالهم وقتل آبائهم وأبنائهم، وبالضرورة لن يكونوا من المهاجرين ولا الأنصار الذين ما يكونوا ليستجيبوا لتحريض أبي سفيان!].(1)

وفي السياق نفسه فإن الإمامية مثلا يزعمون أن ارتداد القبائل العربية بعد وفاة النبي عليه السلام كان سببه رفضهم لاختيار أبي بكر خليفة دون علي وهم قد سمعوا النبي يوم غدير خم يوصي له بالخلافة بعده! وهم يصفون في كتبهم حروب الردة بأنها أول حرب استباحت دماء المسلمين، وحتى وإن كان الإمام علي كان ممن أسهموا فيها بالرأي على الأقل، وقبلوا نتائجها كما يتجسد في قبوله غنائمها وسبي بني حنيفة!

وغلاة الشيعة يرسمون – مثلا- صورة شيطانية دموية لأحد أبطال الإسلام (خالد بن الوليد) بسبب دوره الكبير في إخماد تلك الفتنة، ولا زالوا حتى الآن يكنون له قدرا كبيرا من الحقد والكراهية بسبب ذلك لأنه قاتل بزعمهم الذين تمسكوا بوصية الرسول لعلي بالخلافة!

وبغض النظر عن الغرابة في منطقية الأمر كله الذي يزعم أن المهاجرين والأنصار – الذين نصر الله بهم نبيه ودينه، ومدحهم صراحة في كتابه الكريم- هم الذين تآمروا على وصية الرسول لعلي بالخلافة، وانقلبوا عليه؛ بينما تحمس لها المتأخرون في اعتناق الإسلام الذين لا يزال الشيعة حتى الآن يشككون في إيمانهم ولا يصفونهم إلا بأنهم الطلقاء أبناء الطلقاء الذين أسلموا والسيوف على رقابهم، وبأنهم البدو الأجلاف القادمون من بلاد قرن الشيطان!

بغض النظر عن كل هذا؛ فإن الشاهد المهم هنا أنه وفقا للرواية فقد كان هناك دعم كبير لعلي، وقوات عسكرية كبيرة جدا مؤيدة له كان يمكنه أن ينحاز إليها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستجابة لأمر الله ووصية الرسول له بالخلافة، ويستعين بها على استعادة حقه المزعوم دون أي ضرر على الدين أو خوف الفتنة!

الهوامش:

1- الحكاية المزعومة عن تحريض أبي سفيان بن حرب لعلي للمطالبة بالخلافة واستعداده لتجييش الجيوش دعما له موجودة في نهج البلاغة، ويستشهد بها عبدالكريم شرف الدين في لمحات عن زيدية اليمن ص107.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى