أشتات

المثقف المعزول

تعد ظاهرة (المثقف المعزول) إحدى الظواهر المثيرة للقلق في الأوساط الفكرية والفلسفية، وقد تختلف وجهات النظر حول أسبابها، وإن كان الكل يجمع على خطورتها وآثارها السيئة على المشهد الثقافي وعلى مستقبل الصناعة المعرفية برمته.

ويطلق مصطلح (المثقف المعزول) لتوصيف ظاهرة انكفاء وعزلة المثقف وانزوائه بعيدًا عن دوائر الفاعلية والتأثير، وكلمة: “معزول” هي اسم مفعول؛ ما يعني بداهةً أن تلك العزلة ليست مسألة اختيار، وإنما هي مساق فرضته عدد من العوامل، وهي عزلة تستهدف “عالم الأفكار”، وليست متجهة بالقصد نحو ذوات المثقفين، ويمكن القول: إنها عملية عزل وإقصاء وتهميش لأفكار الثقافة العليا، وبالتالي شل فاعليتها ومحاصرتها في زوايا الإهمال والنسيان.

ولا يقتصر مفهوم (المثقف المعزول) على  المثقف المعاصر الذي يعيش في عزلة واغتراب معرفي عن مجتمعه، ولكنه يمتد ليشمل أولئك العلماء والمفكرين والمثقفين عبر الأجيال السابقة والذين كانت لهم إسهامات معرفية قيمة ولكنها لم تجد من الأجيال اللاحقة من يراكم ويتابع ويطور، وبالتالي أصبحت تلك الإنجازات المعرفية في طي الإهمال والنسيان.

وفي حـــــــــديثه عن ظـــــــاهرة (المثقف المعــــــــزول) يقول المفــــــــكر الفرنسي جــــيرار ليكــــــلرك Leclerc  Ge’rard: “إن المثقف المعزول فكرياً واجتماعياً وتاريخياً هو: من يُرى  عمله وقد عاش بعده ولكن بوصفه خراباً باقياً! أو كما لو كان بناءً معزولاً! هذه كانت أحوال كل من البيروني وابن خلدون في العالم الإسلامي، وكذلك حال كوتيليا ((kautilya في العــــالم الهندي، وأيضاً حال سو ــ ما ــ تسين Seeu – Ma –Tsien)) في العالم الصيني. إنهم مفكرون صارت أعمالهم تحفاً تقدرها الإنسانية جمعاء، أما في ثقافتهم الأصلية فقد افتقدوا طلاباً يأخذون بها، ويطيلون أعمارها، إلى حد أصبحوا معه أحياناً في النسيان، ولقرون طويلة”(1).

ولعل أقرب تفسير لظاهرة (المثقف المعزول) يتبادر إلى الذهن هو ذلك التفسير الذي ينطلق من التمييز الذي يقدمه الباحثون في العلوم الاجتماعية بين مستويات مختلفة للثقافة، والتي يمكن اختزالها في ثلاثة مستويات: الثقافة الجماهيرية، والثقافة الشعبية، والثقافة العليا، وكون الثقافة العليا  ـــ بطبيعتها ـــ ثقافة نخبوية فذلك يعني ــ بداهةً ــ أنها لن تحظى بفرص تضاهي تلك الفرص التي تحظى بها الثقافتين: الشعبية والجماهيرية من حيث الذيوع والانتشار؛ ذلك أن العقول القادرة على هضم الثقافة العليا هي أقل بكثير من تلك العقول القادرة على هضم الثقافة الجماهيرية والشعبية والتفاعل معها، ومع التسليم بهذه الحقيقة كما نسلم بسائر الحقائق المتصلة بطبائع الأشياء؛ فذلك لا يعني بحال التسليم القدري بانكفاء النخب الثقافية على نفسها، وبالتالي قبول انحسار وانكماش الثقافة العليا وتلاشي أو ضعف دورها وتأثيرها في توجيه وقيادة المجتمع.

وإلى جانب الطابع النخبوي للثقافة العليا هنالك عوامل أخرى تقود إلى عزلة المثقفين وإلى تنامي ظاهرة الخرائب الفكرية المهجورة على ما تحتويه من كنوز وذخائر معرفية، ويمكن الإشارة هنا إلى العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحتى لا يتشعب بنا الحديث تشعباً لا تحتمله طبيعة هذا المقال، سنكتفي ببعض الإشارات الهامة ولتكن البداية من العامل الاجتماعي؛ فالمجتمع الذي لا يؤمن بدور المثقفين في تخليق الحلول لأزماته ومشكلاته، سيعاني فيه المثقفون من العزلة والتهميش، وقد يُنظر إليهم من قبل المجتمع نظرة لا تخلو من التجاهل والاستخفاف!

ويقف الجهل بالوظيفة الاجتماعية والحضارية للمثقفين خلف هذه النظرة القاصرة؛ ذلك أن الوظيفة الاجتماعية والحضارية للمثقفين لا تقف عند تحليل الواقع وتقديم الحلول والمعالجات للمشكلات والإشكالات التي تعاني منها مجتمعاتهم، بل يمتد دورهم إلى استشراف المستقبل واستشعار الأخطار المستقبلية  المحدقة بالأمة.

ونأتي إلى العامل السياسي الذي يلعب درواً هامًا في خلق ظاهرة (المثقف المعزول)، وبداية يجب الاعتراف أن إشكالية علاقة المثقف بالسلطة هي إشكالية عميقة، وهي لا تختص بمجتمع بعينه، ولا بسلطة بعينها؛ ذلك أن السلطة  بطبيعتها ـــ أي من حيث هي سلطة وبغض النظر عن نوعها وزمنها ـــ لها موقفها من المثقفين، وهي تسعى دوماً نحو احتواء المثقفين ليكونوا تحت عباءتها ومنفذين لأجندتها، أو غير معارضين لها في أقل الأحوال، كما إنها تعمد إلى فرض أطواق العزلة حول أولئك المثقفين الذين يغردون خارج السرب، وقد رأينا في التجربة المعاصرة كيف سعت الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية إلى احتواء المثقفين وتسخيرهم لأجندتها، وكيف أوغلت الولايات المتحدة الأميركية في تسيس الثقافة وعلى نحوٍ متجاوزٍ لكل القيم والمبادئ الأخلاقية، فسلطت الأضواء على من ينفذ أجندتها السياسية وصنعت منهم نجوماً في عالم الثقافة، وحجبت الأضواء عن أصحاب القناعات الحرة المستقلة (2).

ويبقى أن نشير في خاتمة هذا المقال إلى أثر العامل الاقتصادي في عزلة المثقف، ويحضرني هنا قول الإمام الشافعي (ت204هــ): “لا تشاور من ليس في بيته دقيق”(3)!  فهاجس الضروريات حين يسيطر على الذهن يشل قدراته وإمكاناته الخلاقة، ويحصره في زاوية الدفاع عن البقاء، و(الدقيق) هنا ليس إلا مثالاً لاستحكام طوق الضروريات حول رقبة الفكر، وأنّى لمن سيطر عليه هاجس الدقيق أن يرنو بطرفه نحو البحث والتحقيق والتدقيق!

ويزداد طوق الضروريات شدةً وإحكاماً حينما تقسو الحياة، وتشتد الأزمات الاقتصادية، فينكفئ المثقف على نفسه، وتصبح متطلبات الحياة الضرورية له ولأفراد أسرته هي هاجسه الأول وشاغله الأكبر،  وحينها يبقى الأمل معقوداً على الطبقة الميسورة الشغوفة بالثقافة؛ إذ هي تستطيع من خلال اهتمامها ودعمها أن تنعش الحياة الثقافية، ولكن واقع الحال عندنا ينبئ أن الطبقة الميسورة ليست شغوفة ولا مهتمة بالثقافة إلا القليل النادر، وما أحرى أهل الطول والسعة في مجتمعاتنا بالالتفات إلى رعاية وتطوير الشأن الثقافي من خلال إقامة ودعم المؤسسات الثقافية والمراكز البحثية، وإيلاء العناية للنوابغ العلمية والفكرية والأدبية، لا سيما في البدايات الأولى؛ فمما يذكر عن الأديب الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو (1856- 1950م) أنه رفض جائزة نوبل حين منحت له، وقال: “إن هذا طوق نجاة يلقى به إلى رجلٍ وصل فعلاً إلى بر الأمان ولم يعد عليه من خطر”(4)!

الهوامش:

  1. جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا  المثقفين. ترجمة: د. جورج كتورة. ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة ــــ بيروت2008م، ص24 ـــ 25.
  2. انظر: ف. س. سوندرز (فرانسيس ستونر سوندرز): من الذي دفع للزمار؟ الحرب الباردة الثقافية. ترجمة: طلعت الشايب. ومراجعة وتقديم: د. عاصم الدسوقي. ط4، المشروع القومي للترجمة  ــــــ مصر 2009م.
  3. عبد الغني الدقر: الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر. ط3. دار القلم ــ دمشق 1987م، ص379.
  4. ويكيبيديا .. الموسوعة الحرة: (جورج برنارد شو):  http://ar.wikipedia.org

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى