المدونة

المسارعة إلى الإنكار: مظنَّة الجهل

من الأمور التي أكاد أجزمُ بها, أنَّ أقل النَّاس علمًا هم أكثر النَّاس إنكارًا، لأنهم يزعمون أنَّ العلم ما توهموا الإحاطة به, فيسارعون في الإنكار, ومن اتسع علمه قلَّ إنكاره، وضحالة العلم تفضي إلى ضيق الصدر, وكثرة الإنكار. “فإنَّ العلم يشرح الصَّدر، ويوسعه حتى يكون أوسع من الدُّنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما ‌اتسع ‌علمُ العبد انشرحَ صدره واتسع”(1).

قبل بضعةِ أيامٍ كتبَ أحدهم منشورًا على صفحته في إحدى وسائل التَّواصل الاجتماعي، فيه آية من القرآن الكريم بقراءةٍ سبعية مشهورة؛ فتتابع بعض الفضلاء للإنكارِ عليه، وأنه أخطأ في الآية، بل ذهبَ بعضهم لاتهامه بتحريفِ القرآن، فبيَّنَ لهم من يعرف هذا العلم أنَّ هذه القراءة لإماميْنِ من أئمةِ القرَّاء السَّبعة، فسكتوا على مضض، ولم يرجع بعضهم عن خطئه، وأخذَ يختلقُ الأعذار لنفسه. وهذا من علاماتِ الجهل، فإنَّ العالمَ يرجعُ عن خطئه، ويعتذر عنه إذا تبينَ له بطلانه.

فلم يكن إنكار هؤلاء نتاج علم، وإنما عن جهل بعلمٍ من العلوم المشهورة، وهذا يوضح القاعدة التي يرددها العلماء أنَّ “من كثر علمه قلَّ إنكاره”، وأنه لا ينبغي للإنسان أن ينكر شيئًا إلا إذا تيقنَ خطأه، وليس لمجرد أنه لا يعرف ما إذا كانَ صحيحًا، فكم من أشياء لا نعرفها, وهي صحيحة مشهورة، فالعلمُ أوسع من أن نحيط به. فلا المسارعة في الإنكار بدون الإحاطة سبيلُ أهل العلم، ولا الأنفة من الاعتذار إذا تبين الخطأ سبيلهم أيضًا، فالعالم لا يعجل في الإنكار، ويرجع إن تبين له الخطأ. “قال محمد بن شجاع البلخي: قلت لعبد الله الخُرَيْبيّ إنَّ بعضَ الناس أخبرني أنَّ أبا حنيفة رجع عن مسائل كثيرة، قال: إنّما يرجع الفقيه عن القول إذا ‌اتسع ‌علمه”(2). يقول الجاحظ: “وأمَّا العلم فإنه أوسع من أن يحاطَ به، فمن طلبَه لشرفه وفخره فإنه لا حدَّ له ولا نهاية”(3). “وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلًا وإن ‌اتسع ‌علمه، وأنَّ ما جهله مما عرفه النَّاس أكثر مما عرفه, فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى، وأن يتهم عقله وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم؛ فيحذر أن يكون منهم وهو لا يدري”(4). فالذي ينبغي على الجاهل ألا ينكر شيئًا حتى يتيقن أنه خطأ؛ إما بنصٍّ صريح، أو بقولِ عالمٍ معتَبرٍ يقلده.

ومن عرف طرق العلمِ وسبلها تبين له أنَّ أهل العلم يترددون كثيرًا قبل الحكم بصوابِ شيء من خطئه، فالعالم يشك، والعاقل يتردد، والجاهل يجزم. “فإن الذي قل علمه، وعلم أنَّ هذا الأمر منكرًا، ليس عنده خيارات، ولا يعرف أقوالًا معارضة أو مقابلة لما يعتقده، تورث هذه الأقوال عنده غلبة ظن أنَّ هذا الأمر قد لا يكون منكرًا، أو على أقل الأحوال تورث عنده شيئًا من التردد لا سيما عند قوة قول المخالف، فالذي لا يعرف إلا قولًا واحدًا يسارعُ إلى الإنكار، لكن الذي عنده شيء من العلم بالأقوال، بأدلتها، لا شكَّ أن عنده من السعة أكثر مما عند طالب العلم المبتدئ أو العامي”(5).

وإنَّ كثيرًا من المسائل يتسع الخلاف فيها ويعظم خطره؛ لأنه دخل فيه غير أهله، فأفسدوا على العامة دينهم، وأفسدوا على أهل العلم صفاء نفوسهم. فالمسارعة إلى الإنكار تصدر دومًا عن قلةِ علم, وعدم اتساع صدر. وتشوفٌ للتصدر, والظهور, “والإنسان إذا اطلع على آراءِ الغير، وبسطت له المسألة بطريقة أكبر ‌قلَّ ‌إنكاره وقل انفعاله، وقل تشدده، لكن نؤتى من الذي لا يعرف إلا شيئًا واحدًا”(6).

ومن طريفِ ما يُذكر في هذا الشَّأن, أنَّ بعض المشارقة ذهبوا إلى المغرب فأثنوا على أخلاقهم، ولكنهم لاحظوا أمرًا خطيرًا في نظرهم, وهو أنَّ مصاحفهم يكثر فيها الأخطاء، فانتدبوا أحدهم لتصحيحها، فكان لا يذهبُ مسجدًا إلا وأخذ معه قلمًا يصححُ ما يظنه خطأ في كتابة القرآن الكريم؛ فأفسد على النَّاس مصاحفهم، وهو يتقربُ إلى الله بجهله. وعصب الحكمة كما قيل: “أن ‌لا ‌تسارع ‌إلى الإنكار”.

وفي صحيح البخاري أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “سمعتُ هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعتُ لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدتُ أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلَّم, فلببته، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوده، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان، فقال: (يا هشام اقرأها). فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌هكذا ‌أنزلت). ثم قال: (اقرأ يا عمر). فقرأتها التي أقرأنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌هكذا ‌أنزلت). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن أنزل على سبعة حروف، فاقرؤوا ما تيسر منه)(7).

ويؤخذ من هذا الحديث: أنَّ من شكَّ في صحةِ شيءٍ أو عدمها، فإنَّ عليه أن يسأل أهله، ولا يسارع في إنكار ما ليسَ له به علم. وفي الأثر عن الحسن: “المؤمن ‌وقَّاف متأنٍّ، أو وقَّاف حتى يتبين”(8)، أي: أنه يحجم في المواضع التي لم يتبين منها. يقول محمد بن عبد الوهاب: “ومتى ‌لم ‌تتبيّن ‌لكم ‌المسألة لم يحلّ لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتّى يتبيّن لكم خطؤه، بل الواجب السّكوت والتّوقّف”(9).

ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يأمر وينهى أو ينكر بلا علم. يقول الإمام النَّووي: «وإنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف بحسب الأشياء، فما كان من دقائق الأقوال والأفعال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام الابتداء بإنكاره، بل ذلك للعلماء، ويلتحق بهم من أعلمه العلماء بأن ذلك مجمع عليه، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه ‌فلا ‌إنكار ‌فيه»(10).

ومن أعظم البلايا أن يجهل الإنسان أنه جاهل. يقول الدبوسي: «فإنَّ جهل الإنسان ‌بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو معرض، والآخر محاج أو معلم»(11).

ومن شروط الإنكار العلم:

يقول سفيان الثوري رحمه الله: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلَّا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى. عدل بما يأمر، عدل بما ينهى. عالم بما يأمر، عالم بما ينهى»(12). وقال بعض السَّلف: “‌لا ‌يأمر ‌بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه”(13).

وهكذا عُلمَ أنَّ الانكار والمسارعة فيه, مظنة الجهل, وابتعادٌ عن سبيل أهل العلم, وأنَّ النظر والتحري, شأنُ العالِم والمتعلم, ورحمَ الله من قال: “من المنكر إنكار المختلف فيه”.

ولا يقدِم على التراجع إلا من التزمَ الإخلاص، وأفلتَ من حظِّ النَّفس، وقصدَ الحق، وطلَبَ النَّجاة.. وأيقن أن التراجعَ والاعتذار عن الأخطاءِ العلمية أمرٌ واردٌ وطبيعي في السِّياق العلمي والمعرفي, وأنَّ الغاية منها؛ قصد الحق, وهذا يلقي بظلاله على شداة العلمِ وطلبته؛ بأن يبتعدوا عن المواقف الحدية في الأحكام، والمسارعة في الإنكار, وتوسيع دائرة المعارف، والنَّأي عن تقديسِ الرجال، وألا يتعجلوا في نشْرِ ما حقه التريث، والابتعاد عن الغرورِ العلمي الذي يصاحبُ فترةَ الطلب.

الهوامش:

  1. زاد المعاد في (2/ 23).
  2. «تاريخ الإسلام – ت بشار» (5/ 341).
  3. الرسائل للجاحظ (1/ 157)
  4. إحياء علوم الدين (3/ 375).
  5. شرح كتاب التوحيد – عبد الكريم الخضير» (9/ 9).
  6. القطوف الدانية – صالح المغامسي  (6/ 13).
  7. أخرجه البخاري (4/ 1923):«4754».
  8. ذكره الخليل في كتابه العين (5/ 224)، وغيره.
  9. «الرسائل الشخصية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس) (ص240).
  10. روضة الطالبين وعمدة المفتين ((10/ 219).
  11. تقويم الأدلة في أصول الفقه» (ص325).
  12. الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه13/ 201):).
  13. «مختصر منهاج القاصدين» (ص129).

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى