آثار

المعارضة اليمنية في النصف الثاني من الخمسينات

أولا: المعارضة عام 1955م (قوى الانقلاب) (الأمراء – الجيش )

مدخل

لقد أحدث انقلاب 1955م – رغم فشله – هزة عنيفة داخل السَّاحة السياسية اليمنية مما أدى  إلى تباين وتناقض في مواقف القوى السياسية من الإمام أحمد وقيادة الانقلاب، فتحولت بعض القوى من الموالاة إلى المعارضة، بينما تحولت القوى الأخرى من المعارضة إلى الموالاة، وقد كان لكل منها ما يبرر موقفها من الانقلاب ليس هنا مكانه. غير أنه يمكن التأكيد على أنَّ  تنفيذ الانقلاب بعد أحداث الحوبان وما صاحبها من نهب وقتل واشعال الحرائق وخسائر مادية وبشرية في صفوف المدنيين، كل ذلك أفقد الانقلاب التَّأييد الشعبي والسياسي حيث بدا الإمام أحمد بطلًا يدافعُ عن حقوق وممتلكات المواطنين ضدَّ الجيش المتمرد, بالإضافة إلى المواقف العربية المؤثرة كالسعودية ومصر اللتان عارضتا الانقلاب ووقفتا في صف الإمام لحساباتٍ كثيرة تخصصت لها دراسات أخرى.

إنَّ هذا التَّباين في المواقف يؤدي إلى صعوبة في تحديد فصائل المعارضة وتتبع أنشطتها بعد عام 1955م. فهناك حركة المعارضة التقليدية بزعامة النُّعمان والزبيري، وهناك معارضة 1948م وخصوصًا من تبقى منهم في سجون حجة، وهناك المعارضة  اليمنية في عدن، والمعارضة اليمنية في القاهرة ، فضلًا عن المعارضة التي تبنت الانقلاب عام 1955م وتشمل الأمراء والجيش ومن وقف معهم من القوى السياسية اليمنية من الدَّاخل والخارج.

ويمكن الإشارة باختصار الى القوى السياسية اليمنية المتصارعة آنذاك على النَّحو الآتي:

أولًا: قوى المعارضة عام 1955م

يمكن اعتبار قوى الانقلاب  حركة  معارضة؛ لأنها نفذت انقلابًا عسكريًا ضد الإمام وأجبرته على التنازل ووضعت مكانه الإمام عبدالله بن يحي حميد الدِّين الذي لم يستمر في إمامته الا بضعة أيام وتضم هذه المعارضة الفصائل الآتية:-

1- الأمراء من الأسرة المالكة بقيادة الأمير عبدالله:

وقد تعرض هؤلاء للقتل والنَّفي والتشريد، ولم يلتئم شمل هذه الأسرة مرة أخرى حتى تم اسدال الستار عليهم جميعًا بعد ثورة 26 سبتمبر 1962. ولم يتوقف نشاط أفراد هذه الأسرة خلال هذه الفترة المدروسة بين مهاجم للإمام ومدافع عنه مما يحتاج إلى دراسة تاريخية أكاديمية مستقلة. ويكفي أن نؤكد  أنَّ أهم نتائج انقلاب 1955 حسبما حددها القاضي الأرياني قد انحصرت  بالنتائج الأتية:-

أ‌- إعلان ولاية العهد رسميًا للبدر من قبل أبيه الإمام أحمد، وبذلك حسم مشكلة ولاية العهد

ب‌- إعدام الأمير عبد الله والعبَّاس

ت‌- نفي الحسن إلى أمريكا

ث‌- سجن مجموعة من الأمراء الصغار 

ج‌- قيام الإمام بإفساح المجال لابنه البدر للتحرك الخارجي(1)

وهذا التحديد يعطي انطباعًا بأنَّ الانقلاب لم يخرج عن طبيعته العائلية، أو كما ذكر الأرياني نفسه في مكان آخر إن الانقلاب تحت زعامة عبد الله والثلايا ليس إلا أحد إفرازات الصراع على ولاية العهد(2)، بين البدر والحسن أو بين الأمراء من أنصار الحسن، وبين المعارضة من أنصار البدر، وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن الانقلاب بأسبابه وآثاره ليس إلا امتدادًا لانقلاب 1948م بأسبابه وأثاره، مع فارق بسيط هو أنَّ  انقلاب 1948م كان بين أسرتين أو أكثر من أسر السَّادة الطامحة إلى العرش، بينما كان انقلاب 1955 محصورًا داخل الأسرة المالكة نفسها، وبالتالي فإنَّ الصراع على العرش أو وراثة العرش أو ولاية العهد مهما كانت التسميات، هو المحور الرئيسي للأحداث أو المشكلة التي تطفو على السطح وتستأثر باهتمام القوى السياسية اليمنية وتملي عليهم اتخاذ بعض المواقف حيالها. وقد أدى  ذلك في الفترة اللاحقة الى استمرار انقسام الأسرة المالكة وتأثير هذا الانقسام على ظهور تيارين جديدين هما (البدريين والحسنيين) والذي استمر إلى بداية الستينات.

ولأنه لا يمكننا تتبع أنشطة الأمراء المعارضين للإمام، فإننا سنكتفي بإلقاء الضوء على مصير أشقاء الأمير عبدالله ومنهم شقيقته التي حاولت قتل أخيها الإمام أحمد انتقاما لشقيقها.

فعند إعلان ولاية العهد رسميًا لم يصدر عن الأمراء حيالها أي رد فعل، أما لتباعدهم وإما لأنهم واقعون في مأزق أكبر من هذا الأمر، فقد كانت اعتقالات الأمراء في الداخل، مستمرة، والذين في الخارج لا يدرون بمستقبلهم، وهل سيسمح لهم بالعودة إلى اليمن، والأميرين عبد الله والعباس تم إعدامهما.

وكان الأمير إسماعيل وهو شقيق عبد الله موجودًا في  القاهرة أثناء الانقلاب فاقتصر دوره على التماس العفو من الإمام لأخويه عبد الله والعباس، حيث أرسل برقية مفتوحة مؤرخة 20/4/1955م. جاء فيها (مولاي لو عفوتم لسبقتم إلى مكرمة لم يسبقكم إليها أحد قط)(3), ولكنهما أعدما في حجة فسيطرت على الأمير إسماعيل مشاعر الكره والحقد الشديديْن للإمام أحمد حسب تعبير الأكوع الذي يستطرد بأن الإمام قد عينه في مناصب عدة في القاهرة بعد تدخل الأمراء لرأب الصدع إلا أن الأمير إسماعيل قد طال بقاءه في القاهرة، وتزايدت مشاعر الخوف لديه, ويرى الأكوع أنَّ الأمير إسماعيل لم يعد إلى اليمن إلا قبل الثورة بأيام وربما كان هو الذي دسَّ السُّم للإمام أحمد(4)، ويذكر زبارة أنَّ هذا الأمير كان يتوقع الثورة ومستعدًا لتأييدها ولكنه أصبح من ضحاياها(5).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الأمير إسماعيل لم يكن بالشخصية السياسية المشهورة الطامحة إلى العرش وإنما تكمن أهميته في أنه كان رابع أربعة أشقاء من الذكور من أبناء الإمام يحيى من زوجته السيدة فاطمة المداني(6).

وقد لقي ثلاثة منهم مصرعهم بتوجيهات الإمام أحمد ، بالأمر الصريح أو بالإيعاز إلى من يقتلهم إذ لقي الأمير إبراهيم مصرعه في سجن حجة مسمومًا باعتباره من زعماء 1948م. ولحقه الأمير يحيى مسمومًا عام 1950م. وكان الثالث الأمير عبد الله الذي تم إعدامه في حجة كما هو معروف، فأصبح الثلاثة ضحية الانقلابين، وكان لهم أخت شقيقه استفزها موقف الإعدام لأخيها فوجهت نيران المسدس باتجاه الإمام وهي في قصره، ولكنَّ الرصاص لم تصبه، فأمر باعتقالها وإرسالها إلى سجن النِّساء في صنعاء ومع بقاء الأمير إسماعيل في القاهرة طوال الفترة اللاحقة، لم تبق إلا أم هؤلاء الخمسة الذين يشكلون أول مجموعة يتم إبادتها من داخل الأسرة نفسها, وعندما عاد إلى اليمن تقومُ الثورة فيلحق بأشقائه ولكن على يد الثوار الذين ساعدتهم تلك التداعيات السَّابقة ، فلم يجدوا إلا هياكل متداعية في الأسرة التي بدأت بالهدم من الداخل.

إنَّ ظهور تيار الحسنيين على السَّاحة اليمنية يستلزم تتبع  نشاطات الحسن وبقية الأمراء الذين أصبحوا في صفه كمعارضة جديدة من داخل الأسرة المالكة. غير ذلك يحتاج إلى بحث مستقل ويكفي أن نختم برسالة بعثها أحد الأمراء من ألمانيا إلى الإمام أحمد لإبراز مدى الانقسام وتوقع الثورة المباركة من قبل الأمراء أنفسهم.

فمن رسالة طويلة من خمس صفات أرسلت إلى الإمام من ألمانيا من الأمير عبد الله بن الحسين قدمها المقالح في دراسة تحليلية(7) وأوردها الأكوع أيضًا(8) نستطيع أن نتعرف على طبيعة النشاطات السياسية وتياراتها، وتأثيرها على الأسرة المالكة، من وجهة نظر أحد أفرادها, مع عدم استبعاد المبالغة والتهويل بهدف التأثير على الإمام أحمد,  فقد جاء فيها:

((إنَّ الوضع ينذر بالخطورة فهناك أناس تغلي مراجل الحقدة في قلوبهم، وتملأ أنفسهم البغضاء والكراهية لهذه الأسرة الصغير والكبير، والحاكم والمحكوم، وقد فكروا بالقضاء علينا بشتى الوسائل، وقد وافتهم الفرصة بعد الأحداث الأخيرة   (الانقلاب) فأخذوا في الدس لدى جلالتكم ليقضوا على البقية من الأسرة عن طريقة جلالتكم، ولكنكم لم تجاردوا أغراضهم، ومع ذلك فإنهم لم ييأسوا، فسيجتهدون حتى يحين الوقت ليتخلصوا من هذه الأسرة عن طريق جلالتكم، أو سواها، ولهذا فاليمن مستقبلها مظلم، يشوبه احمرار الدماء التي ستسيل عن حق أو باطل، وأتوقع ارهابًا، ودماءً وتخريبًا متصلًا ليلًا ونهارًا، كما عاشت فرنسا في عهد (روبسبير وزملائه), كما إنه ليس لليمن مستقبل سياسي ولن تستقل بعد جلالتكم، فلنعمل على تفادي الأخطار المحيطة بنا من كل جانب،  فالأطماع الأجنبية والخلافات والانقسامات في الشعب والأسرة، وأتخيل إن اليمن المستقل, سيصبح عليه حاكمًا من الأجانب أو مجلس وصاية من الجامعة العربية لسوء تصرف حكامها وملوكها، وأغلب الطامعين هدفهم الانتقام أو الشهرة والمال والزعامة، ورغم اختلافهم فهم متفقون على نقطة البدء في العمل وهي إنَّ العقبه الكأداء هي هذه الأسرة ))

وتشير الرسالة إلى مستقبل اليمن ونظام الحكم عمومًا وإلى مستقبل الأسرة المالكة على وجه الخصوص إذا لم تتم المعالجة السريعة: ((فيجب علينا المبادرة للقضاء على الأخطار لنضمن المستقبل ونحتفظ بشرفنا وكرامتنا، واختلاف الأسرة واضح لجلالتكم، ولولي العهد وللنَّاس ولي، ولا يوجد أحد غير هذه الأسرة تستطيع تزعم اليمن بين يوم وليله، أو ستقوم ثورات وحروب داخليه، وستسفك الدماء أنهارًا )).

ورغم إنَّ الرسالة قد توقعت انفجار الثورة أو الحروب الداخلية كنتيجة للأسباب التي أوضحتها فإن فكرة التحول إلى نظام جمهوري كهدف لهذه الثورة وبديلًا مقبولًا للنظام الملكي لم تكن متوقعة آنذاك (عام 1956) فقد طرحت الرسالة بدائل أخرى كنتيجة لانهيار السلطة الحاكمة والتي ستكون هي المسئولة عن العواقب وحدها, أما أفراد الشعب فإنهم ((سيعيشون كما عاش غيرهم سواء تحت الاستعمار أو مجلس وصاية من الجامعة العربية، ولن ينال أحدًا سوءًا أو دمارًا أو هلاكًا سوى هذه الأسرة؛ لأنَّ الشعوب لا تموت، وسيكون ذلك جزءًا لما عملناه))

ويهول المصير المشؤم الذي ينتظر هذه الأسرة إذا تهاوت بقوله: ((لكأني بنا نساقُ إلى المشانق، وأطفالنا تملأ بهم السجون، ونساؤنا تنهب وتشرد وتذل وتهان، إني والله أخشى اليوم الذي لا تجد فيه نساؤنا لقمة العيش، إني والله أخشى اليوم الذي تهدم فيه دورنا، وتصادر أموالنا، وتحل لعنة علينا، والأجيال التي تأتي بعدنا؛ لأنَّ هذه الأسرة كانت السبب في كل المصائب..  إنَّ اليمن يقع في فوهة بركان إن لم تحل المشكلة من الآن، وأهمها انقسام الأسرة)).

ويختمها بقوله: ((والغريب إننا جميعًا نعرف ذلك فأصبح أفراد هذه الأسرة يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأنتم الذين تستطيعون أن تأمرونا فتطيع، ومن شذَّ عن الجماعة فقد أخبرت جلالتكم ما يكون جزاؤه …وآلمني جدًا تأخر عمي اسماعيل عن الخروج.. ولا نعتقد أنه يسمع الأعداء أو يسمع كلامهم) ) 25 الحجة سنة 1375هـ  (3أغسطس 1956م)

2- الجيش النظامي في تعز من الانقلاب إلى الثورة:

هل كان انقلاب 1955م حافزًا للجيش في أن يتقدم الصفوف الأولى ويلعب الدور الأكبر في الحركة الوطنية المناهضة للإمام أحمد, أم كان الانقلاب ضربة قاصمة زرعت فيهم روح الهزيمة والاستسلام والخضوع والخوف من المصير الذي قابله ضحايا الانقلاب

من خلال الوضع العام السائد في تعز خلال الشهرين اللاحقين للانقلاب، رأينا كيف استمرت الحوادث والاضطرابات التي أوحت للإمام بأن الجيش خلفها، فأمر بتخفيض الرواتب التي أحدثت توترًا بحدوث انقلابٍ أخر.

ونتيجة لذلك، بدأ الإمام كما يبدو بعد تخفيض الرواتب، بتطهير وتصفية بعض وحدات الجيش النِّظامي إلى حدٍ كبير، فقام باعتقال وسجن عددٍ من الضباط، كما أمر بنقل المسئولين أو المشتركين في حوادث الحوبان مع عدد آخر من الضباط والجنود إلى صنعاء كما أمر بإيقاف بعضهم عن العمل، وكان الاعتقاد السَّائد حينها أنَّ الإمام كان يرغب بإعادة تنظيم الجيش وتطويره لتحسين خدماته الدفاعية بواسطة البعثة المصرية الموجودة في اليمن(9).

ربما إنَّ عملية إعادة تنظيم الجيش كانت رغبة الأمير البدر، أمَّا الإمام فربما كانت خبرته القاسية مع الجيش النِّظامي قد جعلته يولي عنايته للجيش البراني، إذ رفع مرتباتهم الشهرية من الحدِّ الأدنى الذي كان يتراوح بين 4-5 ريالات، إلى 10-15ريال خلال الثلاثة الأشهر التي أعقبت الانقلاب بالإضافة إلى صرفيات يومية من الحبوب، وكان معظم هؤلاء مجهزين بسلاحهم الشخصي ويتم تزويدهم بالذخيرة من قبل الحكومة كانوا يتمتعون بحرية في أعمالهم وتحركاتهم أكثر من الجيش النظامي(10)

بدأت القلاقل تنمو من جديد خلال شهر يونيو 1955م (الشهر الثالث لسقوط الانقلاب). وبات الرأي العام في تعز يعبر عن عدم الرضى والارتياح للوضع الذي تعيشه البلاد0 وأضحى المعتقد أنَّ الإمام ليس لديه قناعة بأهمية الاصلاحات مما أسفر عن انتشار شائعات جديدة بقرب حدوث انقلاب أخر خلال أيام معدودة الأمر الذي أفزع السُّكان في تعز، وجعلهم يتحركون لمغادرة المدينة من جديد. بعضهم مع عوائلهم وبعضهم أرسلوا عوائلهم فقط والبقية كانوا  على أهبة الاستعداد(11).

وقد ترتب على ذلك استمرار الإمام بنقل بعض الضباط إلى صنعاء وإلقاء القبض على بعض أتباعه من الجيش غير النظامي والحرس الملكي الذين كان الإمام يشك بوجود دعم من قبلهم للأمير عبد الله، كما قام بجمع الذخيرة المحفوظة في قصوره ومخازنه حتى لا يتمكن الجيش من استخدامها إذا فكر في انقلاب آخر(12)

ويروي الأستاذ الناظري، أنَّ ثمانين جنديًا تعاهدوا حينها على أن يعيدوا الكرة بانقلاب جديد على الإمام فانتقل الإمام حينها إلى دار النَّاصر وأصدر توجيهاته إلى المقدم أحمد الآنسي بترحيلهم إلى صنعاء وأمر بصرف راتب شهرين لهم مقابل رحيلهم، وقبل سفرهم رددوا زاملًا من إنشائهم قالوا فيه:

قالها البـداع من صلـب ناجي

خاطرش يا ساحة الجحملية

خاطرك يالمام من قلب شاجي

ما أمور إلا وتصــبح جلية

فوصل نص الزامل إلى الإمام فأمر بتأخير سفر الذي أنشأ هذا الزامل عن رفاقه، وإكرامه بمأمورية إلى ريمه(13)

وحينما انتقل الجيش إلى صنعاء، أحدث هناك مشاكل وحوادث جديدة تحت مبررات عديدة (14)

وفي نفس الوقت الذي انتقل فيه البدر إلى صنعاء وجه الإمام باستدعاء عدد يتراوح بين 2000-3000 مقاتل من قوة الدفاع القبلية وتوجيهها إلى صنعاء لحفظ النظام، لعدم اطمئنانه إلى الجيش النِّظامي فيها(15).

على ما يبدو إنَّ التذمر قد ساد الجيش خلال فترة الثلاثة الأشهر التالية لسقوط الانقلاب، وأصبح ولاءه موضع شك الإمام، وحسب المصدر فقد أوقف فرقة من الجنود في تعز لرفضهم التحرك إلى البيضاء، وأشيع بعدها أنَّ أغلب هؤلاء قد هربوا إلى المملكة السعودية مع بعض الفارين من ضباط الجيش لطلب الأمان(16)

وتذكر الوثائق البريطانية أنَّ الشعور المعادي للإمام قد بدء يطفو على السطح من جديد وذلك في صفوف الجماهير وفي صفوف الجيش، حتى في الصفوف القبلية التي كان يعتمد عليها الإمام لضرب الجيش، خصوصًا بعد إعدام الأميرين عبد الله والعباس(17).

عمومًا ومهما كانت الأسباب، يمكن القول: إنَّ الجيش النظامي الذي كان تابعًا في انقلاب 1948م أصبح شريكًا في التخطيط لانقلاب 1955م, ثم منفردًا بتنفيذ الانقلاب لصالح الأمير عبد الله, وبالتالي رغم الهزيمة في الانقلاب، فقد أصبح الجيش قوة سياسية جديدة يستحيل تجاوزها أو تجاهل مطالبها, وقد حاولت التعبير عن وجودها بتلك التمردات البسيطة الأمر الذي فرض على الإمام وولي عهده التراجع عن إصرارهم السَّابق بإنزال العقوبات على ضباط الجيش, وإعطاء الأهمية الخاصة لهم تدريبًا وتسليحًا، ثم السيطرة على تشكيلاته، وإعادة تنظيمه، حيث تم انشاء معسكرات جديدة من ضمنها فوْج البدر، كما جاءت صفقة الأسلحة الروسية لتحديث وتجهيز هذا الجيش الذي أصبح متطلعًا إلى الانفراد بالسلطة على غرار الثورة المصرية في الوقت الذي تساعده الظروف الداخلية والخارجية على اغتنامها

وهكذا أصبحت المؤسسة العسكرية قوة سياسية وعسكرية تعمل مستقلة عن المعارضة وخارج إطارها, فكأنما كان الانقلاب تجربة لم تخلق الإحباط بفشلها, بل خلقت حبًا للمغامرة والتكرار

ويري زيد الوزير إنَّ  محاولة اغتيال الإمام أحمد في حادثة مستشفى الحديدة عام 1960م على أيدي ثلاثة ضباط ما هي إلا تأكيدًا للنزعة الجديدة(18)  والتي مكَّنت الجيش فيما بعد من تكوين تنظيم الضباط الأحرار وتنفيذ ثورة 1962م المباركة.

هذه هي الأرضية الوطنية التي انطلق منها الجيش الوطني خلال السبع السنوات السابقة لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م .

الهوامش:

  1. الأرياني، وثائق، ص147.
  2. المرجع نفسه، 135.
  3. الأكوع ، الوحدة ، ع 298 ، ص5
  4. الأكوع , الوحدة، ع 298، ص 5.
  5. ينظر: ترجمة الأمير إسماعيل في زبارة، نزهة النظر (مخطوط) ج1، ص253.
  6. عن مصرع الأميرين إبراهيم ويحيى, ينظر:  العزي، حيدر، انقلاب 1955م.
  7. المقالح, قراءة تحليليه في وثيقة أمير سابق، 26 سبتمبر، ج3، 10-21 (ينظر: الحظري، حقيقة الثورة وأسرارها).
  8. الأكوع, الوحدة، عــ 278، ص 1.
  9. Records  ,V12   , P36-37
  10. Records , V12 , P39  وتم استنتاج هذه الزيادة من خلال المقارنة بين التقارير البريطانية قبل وبعد الانقلاب.
  11. Records  ,V12,  P43  
  12. Records , V12, P43
  13. الناظري مقابلة ، الأكوع الوحدة ع 261 ص5
  14. Records , V12, P43
  15. Records , V12, P39
  16. Records , V12, P38
  17. Records , V12, P41-43
  18. الوزير، زيد, محاولة ، 166،  167 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى