أشتات

الوحدة اليمنية.. ضرورة الوجود وحتميَّة البقاء

الحديث عن الوحدة اليمنية في ضوء وحدة 1990م، والتجربة اللَّاحقة لها، بما اكتنفها مِن ظروف وملابسات، وما أحاطها مِن سياقات وأبعاد، هو اختزال يراد مِنه قتل المبدأ، وتشويهه، لصالح أجندات وأهداف خاصَّة، بعيدًا عن أيِّ رغبة في الإصلاح أو التَّصحيح، أو البناء على المكتسبات.

خاصَّة وأن الذين يتمسَّكون بخيار الانفصال لا يقدِّمون أيَّ نموذج مثالي، لا في البعد السَّابق للوحدة، ولا في البعد الحاضر مِن الممارسات. بل الغالب في القوى الدَّاعية للانفصال تلبُّسها بذات الإشكالات التي رافقت النَّخب السياسية بعد الوحدة، فالفساد الإداري والمالي والوظيفي، والعنصريَّة القبليَّة والمناطقية، وخطاب الشَّحن العُصبَوي ضدَّ كلِّ مخالف يسود اليوم مساحة هؤلاء فيما بينهم، وفيما بينهم وأبناء الجنوب ممَّن لا يوافقهم آراءهم.

الوحدة السياسية قبل أن تكون قرارًا سياسيًّا اتَّخذته قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، والمؤتمر الشعبي العام في الشمال، لأغراضهم الخاصَّة، وهروبًا مِن مقتضيات المرحلة، هي بالأساس استجابة لشعور شعبي تنامى رغم كلِّ محاولات التَّقسيم والتَّشطير، وخاصَّة بعد التَّحرُّر مِن الحكم الإمامي الكهنوتي، والاحتلال الأجنبي الغاشم.

وعليه فإنَّنا ينبغي أن نتحدَّث عن الوحدة اليمنية في إطارها الأسمى ورابطها الأقوى وجذرها الأعمق؛ فـ”الوحدة اليمنية” تتمثَّل في:

وحدة الأرض والجغرافيا: فالوطن الذي نتحدَّث عنه، ليس صنيعة نظام أو حكم، أو قبيلة أو طائفة، بل هو وطن متوارث، الكلُّ فيه شركاء، والتَّنوُّع الحاصل في جغرافيَّة اليمن، بين الصَّحراء، والجبال، والهضاب، والسُّهول، والسَّواحل، هو امتزاج بين ملامح الطَّبيعة والإنسان اليمني الذي تمدَّد على ظهرها، معدِّدًا وظائفه واهتماماته ومناشطه الاقتصادية والحياتيَّة. وهو ما جعله وطنًا متكامل الأدوار والوظائف.

وحدة الإنسان: فالمجتمع الذي سكن اليمن تربطه أواصر النَّسب والمصاهرة، والتي تشكَّلت عبر قرون مِن التَّاريخ. صحيح أنَّ اليمن موئل القبائل العربيَّة منذ فجر التَّاريخ، كما هو حال جزيرة العرب، إلَّا أنَّ هذا لا يمنع مِن تداخل العديد مِن الأعراق والأجناس في نسيج المجتمع اليمني عبر التَّاريخ، نظرًا لعوامل سياسيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة مختلفة. وقد كان المجتمع اليمني في كثير مِن الأزمنة مجتمعًا مضيافًا، ومنفتحًا، ومتعايشًا، وهو ما جعله مجتمعًا متنوِّع الأعراق.

وحدة التَّاريخ: وجود مجتمع ما، على رقعة جغرافيَّة ما، يصهره في بوتقة الزَّمن، حيث تشكِّله الظُّروف والأحداث وتعمل على صياغته صياغة صلبة متينة، فتصبح ذاكرته التَّاريخيَّة موحَّدة، وشخصيَّته القوميَّة متآلفة في معظمها، كنسيج واحد حاكته يد حائك ماهر الصِّنعة. وكثيرًا ما تنزع المجتمعات إلى التَّاريخ لتوجد جذورها المشتركة للالتقاء والتَّوحُّد. وها هي اليوم أوربَّا تستدعي تاريخها، والدُّول التُّركيَّة تستدعي تاريخها، والعرب يستدعون تاريخهم، فالتَّاريخ عامل رابط وجامع.

وحدة العادات والتَّقاليد: تنتج العادات والتَّقاليد في أيِّ مجتمع ضمن تفاعلات دينه، وشخصيَّته، وثقافته، وبيئته التي يعيش فيها، إذ تمثِّل ترجمة لتمازج هذه العناصر مع بعضها البعض، في صيغة متوارثة جيلًا بعد جيل. لهذا يصبح تكيُّف الأفراد مع محيطهم الاجتماعي في أبعاده الوطنيَّة ممكنًا، حيث لا يشعر أبناء الحديدة بغربتهم في حضرموت، ولا أبناء صعدة بغربتهم في إب، ولا أبناء تعز غربتهم في شبوة، وهكذا. لذلك فحركة الهجرة الدَّاخليَّة بحثًا عن العمل أو التَّعليم أو السُّكنى شكَّلت أحد أبرز التَّحوُّلات البارزة بعد الوحدة، حيث أصبح الشَّماليون جزءًا مِن مجتمع الجنوب، وأصبح الجنوبيُّون جزءًا مِن مجتمع الشَّمال، دون شعور بالاغتراب.

إذن، فالوحدة اليمنية وحدة راسخة، في الوجدان والشُّعور، وفي السُّلوك والمظاهر، وفي الذَّاكرة والضَّمير، وإنَّما جاء القرار السياسي، في 22 مايو 1990م، ليكشف مدى هذا الرُّسوخ، إذ لم يعلن أيُّ طرف ديني، أو سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي، رفضه للوحدة. حتَّى موقف علماء اليمن في تلك المرحلة كان رفضًا للدُّستور “العلماني” الذي فرض الاشتراكيون صيغته، أكثر مِنه رفضًا للوحدة كمبدأ، وهو ما تؤكِّده مواقفهم مِن الوحدة لاحقًا.

لذلك، عاش اليمنيون فرحة الوحدة، وأنشدوا لها، وتغنَّوا بها، وتفاخروا بإنجازها، وتسابقوا في السياحة في وطنهم الجديد طولًا وعرضًا تأكيدًا على شوقهم وشغفهم بوطنهم العزيز.

وإذا كان هناك مِن فشل أو خلل واكب الوحدة كتجربة “سياسيَّة” فهو مِن النُّخب السياسية الحاكمة، التي أدمنت حبَّ السلطة، وشهوة الصِّراع، وغريزة الطَّمع، فذهبت تتنافس على المناصب والمكتسبات والنُّفوذ. أمَّا الشَّعب فقد سار في وحدته دون تراجع، ينسج روابط النَّسب والمصاهرة والإخاء، والتَّعاون والشَّراكة الاقتصادية، دون أي اعتبار للمنطق السياسي.

يقولون: الوحدة لا تفرض بالقوَّة!

ويشيرون بذلك لحرب 1994م، وينسون أنَّ الوحدة قامت بالتَّراضي أساسًا عام 1990م، فمَن الذي ذهب لخيار القوَّة، الوحدويُّون أم الانفصاليُّون؟! والسُّؤال الأهم: وهل يفرض الانفصال بالقوَّة؟! خاصَّة وأنَّ هناك اليوم مَن يبني قدراته العسكريَّة ومليشيَّات الخاصَّة لفرض هذا الخيار، دون أي اعتبار لآراء أبناء الجنوب وإشراكهم في القرار!

ثمَّ لماذا يكذبون، ففي حين يتمدَّحون بالسُّعودية (وهي نموذج ديني)، والولايات المتحدة (وهي نموذج علماني)، وقد قام البلدان على وحدة عُمِّدت بالسَّيف، فالملك عبدالعزيز أسَّس المملكة التي مزَّقتها السُّلطات المتناحرة بسيفه وعزمه وأتباعه، والولايات المتَّحدة لولا موقف “أبراهام لنكولن” تجاه تمرُّد (11) ولاية أمريكيَّة ضدَّ الاتِّحاد، وحسمه المسألة بقوَّة السَّلاح، لم يكن للولايات المتَّحدة الأمريكيَّة اليوم وجود على هذه الخارطة الكبيرة، بقوَّتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

وإذا كان فشل النِّظام السِّياسي كفيل على إنهاء الوحدة مع الشَّمال، فهل فشل النِّظام السِّياسي في الجنوب حتَّى ١٩٩٠م كفيل على إنهاء الوحدة بين سلطنات الجنوب العربي؟! فنحن نعلم أنَّ النِّظام في الجنوب بعد حرب الاستقلال دخل في دورة صراعات بين الأجنحة، وصراعات مناطقية دامية، فهل يمكن اعتبار هذه الصُّورة القاتمة مستندًا لتفكيك الجنوب إلى دويلات ما قبل الاستقلال!

هذا منطق عبثي وهمجي وأعمى، لا يسنده عقل، ولا منطق، ولا خُلُق، ولا تسنده خبرة إنسانية، ولا عرف بشري. لذلك نقول: إنَّ منطق الانفصال اليوم لا يخضع لمعايير حقيقية بقدر ما هي أجندات خاصَّة وإقليمية ودولية، كلُّنا يعرف مَن يقف وراءها ويدعمها ويساندها.

أمَّا منطق الوحدة فهو منطق الجغرافيا والتَّاريخ والأنساب والعادات والتَّقاليد والقيم والمصالح المشتركة.

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى