آثار

من البيضاءِ إلىٰ العواذل: بطولاتٌ وملاحم (1-2)

”من البيضاء.. إلى العواذل..

بمُوجب اتفاقية الحدود الشطرية بين العثمانيين والإنجليز مارس 1914م، كانت البيضاء واقعة في الجزء الجنوبي المحتل؛ مع العلم أنَّها لم تكن خلال السنوات الماضية خاضعة للأخيرين، وهي تاريخيًا مُرتبطة بيافع، والعواذل، وبيحان، ومأرب، ولأسباب لا نعلمها لم ترتبط بمعاهدة حماية مع الإنجليز، وباحتلال الإمام يحيى حميد الدين لها أواخر عام 1923م فرض أمرًا واقعًا، وهو الأمر الذي لم يستطع فرضه على شبوة المجاورة، التي لم تدخل مثلها تحت الحماية الإنجليزية، وهناك من يقول أنَّ الإنجليز سلموها له مُقابل الحديدة، وهو قطعًا قول غير أكيد.

في كتابه (اليمن والغرب)، قال إريك ماكرو: إنَّ القوات الإمامية انتزعت البيضاء من يد الإنجليز، وهي معلومة مغلوطة تناقلها للأسف الشديد عدد من الباحثين المتأخرين، والتوصيف الصحيح لهذه الجزئية ما ذكرناه آنفًا (أنَّها كانت واقعة في الجزء الجنوبي لا الحماية الإنجليزية)، وهو ما أكده أيضًا المؤرخ سيد مصطفى سالم بقوله: «ولذلك يعتبر البيضاء هو الإقليم الوحيد الذي استطاع الإمام أثناء مُنازعاته مع بريطانيا أنْ يضمه إلى بلاده، كما يعتبر التعديل الوحيد الذي أدخل على الحدود الأنجلو – تركية، بالرغم من الحروب الطويلة بين الطرفين».

السوادية أولًا

قبل التوسع في ذكر تفاصيل اجتياح القوات الإمامية لبلاد البيضاء أكثر، وجب التذكير أنَّ رداع المجاورة كانت من أوائل المناطق التي خَضعت لحكم الإمامة؛ وذلك بعد أنْ أرسل الإمام يحيى بعلي بن محمد المطاع ومعه 500 مُقاتل لضبطها ديسمبر 1918م، ولم يكد يحول الحول حتى غادرها الأخير، وحل يحيى بن علي الذاري محله، ليعود المطاع بعد مرور عامين لتولي عمالة قضاء رداع للمرة الثانية، وهو أمرٌ كان له ما بعده.

جدد المطاع هذه المرة العزم على اجتياح منطقة السوادية، وراسل الإمام يحيى طالبًا المدد، فأرسل له الأخير بـ 1,000 مُقاتل من أرحب، وخولان، وحاشد، ومعهم أحد المدافع، وكان معه – أي عامل رداع – أكثر من 800 مُقاتل آخرين، وبأوامر من الإمام نفسه تولى شيخ مخلاف العرش صالح بن صالح الطيري قيادة تلك القوات مُجتمعه؛ كونه من أهل المنطقة، وأدرى بمسالكها، ولأنَّه – وهو الأهم – كان مُواليًا للإمامة، وسبق أنْ أهدى إمام صنعاء عددًا من خيوله الأصيلة.

الهجوم الإمامي الذي بدء في 6 نوفمبر 1921م، سبقه استعدادات مُكثفة؛ فقد نجح العامل المطاع باستمالة الشيخ أحمد قايد الجبري إلى صفه، وأخذ منه رهائن الطاعة، وكانت بلاد الشيخ المذكور (آل غُنيم) أولى المناطق سقوطًا، حط في اليوم التالي الجيش الإمامي فيها، وإلى الشيخ صالح الطيري حضر أعيان المناطق المجاورة، من آل السلال، وآل بصير، وآل سرحان، وآل منصور، والشيخ ضيف الله علوي من عبس، والشيخ طالب بن أحمد من عَمِد، جميعهم التزموا بالطاعة، ودخلوا – كما أفاد المؤرخ الإمامي عبدالكريم مطهر – في سلك الرشاد.

وإكمالًا لذلك المشهد، أترككم مع ما قاله المؤرخ عينه: «ثمَّ انتقل الجيش من هنالك – يقصد من آل غنيم – مُنتقلًا في بلاد السوادية، وقد هَرب أهلها، وكذلك أهل عفار – من بلاد الملاجم – وذاهبة، والطفَّة.. فعاد بالأمان سكان وادي عمد، وهي قرى مُتعددة.. وبعدهم طلب الأمان أهل الطاهرية.. وكذلك أهل زهران وآل عواض.. ووصل مَشايخهم إلى المحطة، ثم سلاطين أهل ذي خير من آل بهجة، ووصل كبارهم إلى المحطة، ودخلوا في الطاعة رغبة ورهبة».

سقطت منطقة السوادية، وما كان لها أنْ تسقط؛ لولا خنوع الشيخ أحمد قايد الجبري ومن تبعه من المشايخ، والشيخ المذكور – كما أفاد المؤرخ الحجري – من أسرة تُنسب لأبي لهب بن عبدالمطلب بن هاشم، وهي معلومة – حسب باحثين مُتأخرين – غير صحيحة، وواحدة من تلفيقات الأئمة السلاليين التي دأبوا على تكريسها؛ لكسب مزيد من الأنصار، ولخلق عصبية سلالية ينعشوها وقت الحاجة، وقد استفادوا منها عبر تاريخهم الطويل أيما استفادة.

وبقراءة فاحصة لتاريخ بلاد قيفة، نجد أنَّ الأسر التي ساد الاعتقاد أنَّها لهبية النسب، مثل: آل أحمد، وآل مهدي (الذهب)، وآل غنيم (الجبري)، وآل محن يزيد (جرعون)، وآل مصعب (المصعبين)، والأخيرين استوطنوا بيحان، نجد أنَّ مُعظمهم ساندوا الأئمة السلاليين بسبب الاعتقاد الخاطئ أنَّهم وإياهم أبناء عمومة، بعكس الأسر الأخرى، مثل: آل الهادي، وآل عواض، وآل سواد، وآل الطاهر، وآل غشام.

وبالعودة إلى تفاصيل الحملة الإمامية على السوادية، فهي – كما أفادت الذاكرة الشفهية – لم تستمر طويلًا، فيما خلص المؤرخ مطهر (ناقل تفاصيلها) إلى القول: أنَّ عامل رداع علي المطاع أخذ الرهائن من جميع قبائل السوادية، وبنى فيها بعد أنْ استأذن الإمام دارًا للحكومة، واستمر في مساعيه في استمالة السلطان صالح بن أحمد الرصاص، وأدلف – لما بينه وبين الشيخ صالح الطيري من النفور – عائدًا إلى رداع، وجاء القرار الإمامي بتعيين الشيخ أحمد الجبري عاملًا لناحية السوادية.

معركة عفار

مَثلَّ سقوط منطقة السوادية في يد قوات الإمام يحيى ضربة قاصمة لمناهضي الحكم الإمامي في تلك الناحية، فيما تداعى أبناء القبائل المجاورة تحت قيادة السلطان صالح بن أحمد الرصاص لمواجهة ذلك الزحف في لحظاته الأولى، وكان أخوه السلطان حسين الرصاص شريكه في ذلك، وإليهما انضم – كما أفاد المؤرخ عبدالكريم مُطهر – الشيخ أحمد بن عبدالله بن صلاح الملجمي من عفَّار بلاد الملاجم، والشيخ سالم أبوبكر، ومعهم أعيان الطفَّة، ومجاميع من ذي ناعم، والشيخ عبدالله الخضر من السوادية، والأخير سبق أنْ غادر بلدته بعد أنْ اجتاحتها القوات الإمامية، وفي دوره المشرفة على عفَّار تمركز أفرادٌ من تلك القوات.

حاول عامل رداع علي المطاع – كما سبق أنْ أشرنا – استمالة السلطان صالح الرصاص إلى صفه، ولكن دون جدوى، تحصن الأخير ومن معه من مُقاتلين في حصون عفَّار المنيعة، وعن لحظات المواجهة الأولى قال المؤرخ مُطهر: «ولما لم تنفعه رسائل النصح، أمر مولانا الإمام بمواقعته هو ومن معه في تلك الحصون، فرتب قائد الجيش جند الإمام، فجعل أرحب مع المدفع في جهة، ومعهم المقدمي – يقصد النقيب محمد بن عبدالوهاب بن سنان الأرحبي – وأهل رداع يتقدمون إلى محلات الطَفَّة من وراء الحصون؛ لمنع مدد العدو من جهة الشرق، وخولان يتقدمون إلى محلات معينة، بقصد الحصار لمن في الحصون».

وهكذا، وبعد حصار شديد، ومعارك عنيفة، تمكن قائد القوات الإمامية من معرفة الحصن الذي يتحصن فيه السلطان صالح الرصاص، فتم تركيز القصف المدفعي عليه، حتى انهارت إحدى جوانبه، ولإسكات قذائف ذلك المدفع، تسلل الشيخ أحمد عبدالله بن صلاح الملجمي من حصنه المجاور خفية، وتمترس بالقرب من المدفعيين، وأردى النقيب عبدالوهاب بن حسين أبو حليقة قتيلًا، وبجانبه اثنين من المقاتلين، أحدهما من ملاح؛ الأمر الذي أربك الإماميين، وخلخل لبعض الوقت صفوفهم، وعن ذلك الموقف البطولي قال أحد شعراء البيضاء:

غنـــيــــن لابـــــن الصـــــــــلاحي

بــــالعشــي والصباح

ذي جنـــدل الليلة الطبشي

ومـــــــولـــــى مــــــــــلاح

عــــــليـــــه قـــــطـــــــف الحـــــمام

كل ما النـــــور لاح

بعد ثمانية أيام من الصمود، وبعد أنْ يئس المقاومون من وصول المساندة من قبيلة مراد المجاورة، غادروا حصونهم المنيعة، فاستولت عليها القوات الإمامية مُؤقتًا، وجاءت أوامر الإمام يحيى بهدمها، وعن ذلك قال المؤرخ مُطهر: «ودخل المجاهدون إلى الحصون، واستولوا عليها، وأمر الإمام بإخراب الحصون، فوضعوا فيها الباروت وأشعلوه، ولم يُؤثر فيها، ثم أخربت بالأيدي، وبقي الجيش يعمل في هدمها أيامًا».

وما لم يعترف به المؤرخ مُطهر أنَّ هذه المعركة (معركة عفار) أوقفت الزحف الإمامي لحولين كاملين، وأنَّهم – أي الإماميين –  عادوا أدراجهم بعد أنْ عاثوا في تلك المنطقة نهبًا وخَرابًا، وجَعلوا من منطقة السوادية المجاورة لبلاد الملاجم منطقة حدودية، ونقطة انطلاق لجولة قادمة، سنأتي على ذكر تفاصيلها.

وعلى ذكر بلاد الملاجم ذات الأصول المرادية، فقد أفاد البرلماني علي أحمد العمراني أنَّها – أي الملاجم – تتكون من أربع قبائل: رَشَدي، ومفتاحي، ومنصوري، وغساني، وأنَّ القبيلتين الأخيرتين سقطتا في الحرب السابق ذكرها مع السوادية، ليقوم الإمام يحيى بعد ذلك بضمهما لذات الناحية، في الوقت الذي ضم فيه قبيلتي الرشدي، والمفتاحي إلى ناحية الطفة المجاورة، وأنَّ ذلك الوضع استمر حتى عام 2001م، حيث طلب البرلماني العمراني (الرشدي) من السلطات الحاكمة إعادة الوضع إلى ما كان عليه، وعادت بذلك الملاجم المديرية إلى خريطة محافظة البيضاء الصامدة.

يوم الوزير أقبل

كان ثمة خلاف بين سلطنة الرصاص الواقعة شمال شرق مدينة البيضاء، ومركزها مسورة، وهي مجاورة لـقبيلة مُراد، وعُرفت تاريخيًا بـ (بني أرض)، وتُسمى أيضًا بـ (بنير) على وزن حمير، وبين مشيخة الحميقاني الواقعة جنوب غرب ذات المدينة، ومركزها الزاهر، وهي مجاورة ليافع، والعواذل، وهو الخلاف الذي استغله الإماميون جيدًا، فتح شهيتهم لاجتياح البيضاء، وقبل التوسع أكثر في نقل تفاصيل هذه الجزئية، وجب التذكير أنَّ تلك المنطقة كانت قد شهدت قبل ذلك بفترة وجيزة حربًا بين آل الرصاص، وآل الحميقاني، انتهت بقتل الشيخ عبدالرب صالح الحميقاني، ليتصدر ولده الشيخ علي – أحد أبطال هذه الجولة – المشهد.

بعد مُشاركته في معركة عفار السابق ذكرها، وقيامه في صد الزحوفات الإمامية، عاد الشيخ صالح أحمد الرصاص إلى بلدته مَسورة، وكانت في انتظاره حرب أخرى مع آل الحميقاني، المسيطرين حينها على مدينة البيضاء، ولا نستطيع الجزم بتحديد طبيعة السيطرة الحميقانية على ذات المدينة، وهل كانت حينها دائمة أم مُستجدة؟

الوثائق البريطانية التي وثقت لأحداث تلك الحقبة اكتفت بذكر أمير البيضاء دون ذكر اسمه، وفي الوثيقة رقم (5/416 fo 13) مارس 1901م – مثلًا – وجدنا إفادة سلطان لحج (كان حينها أحمد فضل العبدلي) بأنَّ الأتراك يسعون جاهدين لاستمالة سكان بيحان، وكذلك قبيلتي العوالق العليا والواحدي.. وأنَّهم يستخدمونه لاستمالة أمير البيضاء، وأنَّه – أي سلطان لحج – يتحاشى ذلك.

كانت هذه المناطق حينها مُستقلة، ولم تكن خاضعة للأتراك، ولا للحماية البريطانية، باستثناء سلطنة الواحدي، وخلص كاتب الوثيقة إلى القول: «إذا ما استطاع الأتراك استمالة أمير البيضاء، والعوالق العليا، فإنَّ طريق القوافل الرئيسية بين عدن، وحضرموت ستغلق في وجهنا، أو ستفرض الرسوم الباهظة على التجار الذين يستخدمون تلك الطريق».

وبالعودة إلى موضوعنا، موضوع الخلاف بين آل الرصاص، وآل الحميقاني، فإنَّ الحرب الثأرية بينهم لم تتوقف خلال عام 1922م؛ خاصة بعد أنْ تمكن الشيخ علي عبدالرب الحميقاني من قتل السلطان صالح أحمد الرصاص في مدينة البيضاء ثأرًا لوالده، وكان عامل رداع علي المطاع قد تواصل بواسطة عامل السوادية الشيخ أحمد الجبري مع ذات السلطان، ومناه بعودة البيضاء لقبضته، وحكمها باسم دولة الإمامة المتوكلية.

هذه الإشارة التي أوردها المؤرخ مُطهر تجعلنا نُخمن أنَّ سيطرة آل الحميقاني على مَدينة البيضاء كانت مُستجدة، وأنَّها – أي ذات المدينة – كانت خِلال السنوات الماضية خاضعة لآل الرصاص، وأنَّ الأمير المذكور في الوثائق البريطانية ربما يكون هو نفسه السلطان صالح الرصاص، خاصة إذا ما علمنا أنَّه حين قُتل كان كبيرًا بالسن، وكان أخوه وخلفه السلطان حسين الرصاص مُتزوج من ابنة قاتله (الشيخ علي الحميقاني)، وهو الأمر الذي عقد المشهد أكثر، والأكثر أهمية أنَّ بعض المراجع التاريخية أطلقت على المنطقة تسمية (سلطنة البيضاء).

وفي مُقابل ذلك التخمين، أزال الباحث حسين الحميقاني – إلى حدٍ ما – ذلك الالتباس، وأفاد أنَّ مدينة البيضاء كانت خاضعة لآل حميقان، وأنَّ الأمير المذكور في الوثائق البريطانية هو جده الشيخ أحمد بن عبدالقوي بن صالح الحميقاني، وأنَّ الأخير التقى بمندوب الإنجليز المدعو أحمد السركال في منطقة مكيراس، ورفض الانضمام للحماية الإنجليزية.

وكي لا نذهب بعيدًا، وجب التذكير أنَّ الحرب الثأرية بين آل الرصاص، وآل الحميقاني ارتفعت وتيرتها كثيرًا، وأنَّه ومن شقوق ذلك الخلاف تسلل الإماميون، ونجحوا في استمالة السلطان الجديد حسين أحمد الرصاص إلى جانبهم، ليتوجه الأخير برفقة عامل السوادية الشيخ أحمد الجبري إلى صنعاء مارس 1923م، مُستنجدًا – كما أفاد المؤرخ مطهر – بالإمام يحيى، وحظي بوعد بتعيينه عاملًا على البيضاء؛ في حال خضعت الأخيرة للسيطرة الإمامية.

بعد مرور ثلاثة أشهر من ذلك اللقاء، سلم السلطان حسين الرصاص أحد أولاده رهينة؛ فما كان من الإمام يحيى إلا أنْ كَلَّف أمير ذمار الشاب عبدالله بن أحمد الوزير بإخضاع البيضاء، نفذ الأخير بعد استعدادات مُكثفة الأمر، وتوجه بـ 4,000 مُقاتل وبعض المدافع جنوبًا 23 سبتمبر 1923م، وفي رداع انضمت إليه قوات أخرى، ليمدحه أثناء خروجه ذاك الشاعر محمد بن يحيى الإرياني بقصيدة طويلة، قيل أنَّها – كما أفاد المؤرخ إسماعيل الأكوع – أثارت تخوف الإمام يحيى منه، وأدت فيما بعد لرفع نفوذه من البيضاء، وإب، وزبيد، ووصابين، وعتمة، وحصره في ذمار، وقيل أنَّ الشاعر أراد ذلك لأنَّه – أي ابن الوزير – تعرض لقريب له.

ومن قصيدة الشاعر الإرياني نقتطف:

سر حيــث شئـت فإنَّ جندك ظافر

وانـــزل بحيـــــــث تـرى فأنت القاهر

تــــــاهت بك البيـــــضا ومـــــالت نعوةٌ

طــــــربًا وغنــــى في الغصــــون الطائر

شهــــــدت لـــــــه يـــــــوم النـــــزال مـواردٌ

مشهــــــــــورة عنــــــد العــــــدا ومصــادر

كــــــان الحميــــــقـــانـــــــي يظــــــن بـــــــأنَّه

ينـــــجيـــــــه مـــــــن أمـــــــر الإلــــه الزاهر

حتــــــى رأى الجيــــــش اللهــام يقوده

أســــــد هصـــــــور للنـــــــواصي هـــاصر

لم يتحقق حدس الشاعر محمد الإرياني، فقد كانت البيضاء سدًا أسودًا على الأمير عبدالله الوزير وجيشه العرمرم، صحيح أنَّ آل منصور من بلاد الملاجم طلبوا الأمان، وصحيح أنَّ الشيخ سالم أبوبكر رفع راية الاستسلام، إلا أنَّ غالبية أبناء قبائل البيضاء تصدوا للقوات الإمامية، وأذاقوها الأمرين، وقد حدثت أولى المواجهات – كما أفاد المؤرخ محمد زبارة – في منطقة بني عمر من بلاد ذي ناعم 14 أكتوبر 1923م، حيث حاول المقاومون الذين تجاوز عددهم الـ 1,400 مُقاتل صد الزحوفات الإمامية، ولكن دون جدوى.

وتتداول الذاكرة الشفهية زامل شهير لشيخ قبائل الظُفريين في منطقة الطفة، الشاعر صالح هادي الظفري، قاله في حضره الأمير عبدالله الوزير، والسلطان حسين الرصاص، والبيت الأخير منه مليء بالتشاؤم من المستقبل، وهذا نصه:

ســــــلام يـــــا سيدي ولك يــــــا مسندي

يــــــــا ذي تـــوليت الـــــرعــــيــــة والجـبـــــر

سيـــــت النمر والذيـب والنعجة سوي

كــــلن تـــــــزهد محـــــــرفه لـــمّــــا ســــــبــــر

وانتــــــه صبــــــاح الخيـــــر يــــــا سلـــطانــنا

يـــا الناصري ذي شاع علمه والخبر

بـــــــرد الزيـــــــود أيبـــس عضاة الشافعي

مــــدري متــــــى يـــــرجع ورقها ذي هبر

كان القاضي الشاعر أحمد بن محمد الحضراني (والد الشاعر والمناضل إبراهيم الحضراني) من مُرافقي الأمير عبدالله بن أحمد الوزير في تلك الحملة، وقد وثقت أشعاره لأحداث مُهمة غفل عنها كثير من المؤرخين، وسنستعين ببعضها أثناء تناولنا للأحداث الآتي ذكرها، وقد حدثت حينها بينه وبين السلطان حسين الرصاص مُساجلة شعرية، وحين قال الأخير:

حيــــــا بـــــكـــــم يـــــا ذي وجدتوا عندنا

يمـــلأ لوجده واندهف هوش الحيود

مـــا اقـــــول ذا شرعي ولا ذا شرعكم

مــــــا الشــــــافعي مـــــع صـــــف الـــزيـــــود

رد عليه:

الله يحــــــيــــــي كــــــل مـــــــــن حيـــــا بنــــــــا

مــــــا السيـــل يتوطأ على رأس الحيود

جــيـش الإمـــام الـــــهـــــاشـــــــمي حولنــــا

لو قــــــــال نـــــــودي بـــــالشـوامخ باتنود

وفي الجانب الآخر، استعد الشيخ علي عبدالرب الحميقاني لمواجهة الزحف الإمامي جيدًا، قاوم وقبيلته مُقاومة الأبطال، وقاتل قتال الشجعان، وعنه قال المؤرخ محمد زبارة مُتحاملًا: «وتعقب هذا – أي تعقب معركة بني عمر – إعلان الحميقاني من مشايخ تلك البلاد للفساد والعصيان، وتصميمه على التمادي في البغي والطغيان، ثم تفريقه لما وصل إليه من أموال النصارى في بعض أعمار تلك البلاد، حتى تجمعوا إليه ورتبهم بحصونه التي هي على مَسافة ساعة من مَدينة البيضاء».

تتحدث الذاكرة الشفهية عن مَعارك شرسة شهدتها تلك الجغرافيا الصامدة، عُرفت إحداها بـ (معركة كبد)، وفيها خسر المقاومون الشيخ محسن الحميقاني، وعُرفت الثانية بـ (معركة مشعبة)، هُزمت فيهما القوات الإمامية، وخلدهما – أي المعركتين – الشيخ علي الحميقاني بقوله:

ويــــــــــــوم الــوزير اقبـل علــــــيـــنا مقــــدمـــــا

وجـــــا وان قـومي في مراكز كبد نضور

ولا مشـعبــــــــــــــة حيث امشـالي تفــلهـما

وظــلت تفاصح في امساعي وامضبـور

بعد معارك شرسة استمرت لأكثر من ثلاثة أسابع، تمكن الأمير عبدالله الوزير من دخول مدينة البيضاء 5 نوفمبر 1923م، ولولا مُشاركة قبيلة مُراد تحت قيادة الشيخ ناصر بن مسعد القردعي (والد البطل الثائر علي القردعي) في تلك الحرب، مُساندين لحليفهم السلطان حسين الرصاص في حربه الثأرية، ما انتصر الإماميون، وما رفع الشيخ علي عبدالرب الحميقاني مُؤقتًا راية الاستسلام، وتأكيدًا لما ذهبنا إليه، خاطب الأخير ابن الوزير قائلًا:

قــــــال الحميقاني صليب الراس

وقـــــــرن راســــــــي مـــن حـــديـــــدي

لـــــولا المــــرادي ذي له الغلاس

مــــا كـــــــان قـــلـــت لك ســـيـــدي

وبالعودة إلى ذكر الشاعر أحمد بن محمد الحضراني، فقد قال بعد دخول القوات الإمامية مدينة البيضاء قصيدة طويلة، جاء في مطلعها:

ألا هــــــل أتــــــى أم البنيـــــن بـــــأنـنـــي

ببيضاء حبيس نازح الــدار متبول

وقـــد بعدت عني الرفاق وسفهت

حلــومهم بئـــس الـــرجال المثاقيل

صارت البيضاء بعد ذلك جزءًا من لواء ذمار الكبير، وقد أخذ أمير ذلك اللواء عبدالله بن أحمد الوزير من الشيخ علي الحميقاني ومن المشايخ الذين ساندوه رهائن الطاعة، ثم جدد العزم على توجيه قواته جنوبًا، وكانت بلاد آل عزان، والعواذل وجهته التالية، وجاء في رسالته التي بعثها للإمام يحيى، والمؤرخة بــ 25 جمادى الأولى 1342هـ (2 يناير 1924م) تفاصيل تلك الحملة.

العواذل والموت الأحمر

فور دخوله مدينة البيضاء، عزم الأمير عبدالله بن أحمد الوزير – كما جاء في رسالته للإمام يحيى – على توجيه قوات إمامية لإخضاع بلاد آل عزان، الواقعة جنوب شرق ذات المدينة؛ وذلك بعد أنْ رفض غالبية سكانها الدخول في طاعته، وبعد أنْ استعدوا بمُعاضدة من قبيلة العواذل المجاورة للهجوم عليه، وإلى منطقة المسحرة أرسل بقريبه محمد بن علي الوزير ومعه مدفع وعدد من المقاتلين، وعن نتيجة هذه المعركة قال ابن الوزير: «وقد اجتمع المفسدون من آل عزان جميعًا إلى هنالك، نحو ألف وخمسمائة، فخذلوا، ونصر الله المجاهدين نصرًا عظيمًا، وأخذوا نحو عشرة محلات في نحو ثلاث ساعات».

وإلى مذوقين من دبان، وهي منطقة فاصلة بين آل عزان والعواذل العليا (الظاهر)، أرسل الأمير عبدالله الوزير في ذات الوقت بقوات إمامية تحت قيادة النقيب قايد بن راجح، وسليمان أفندي، والسلطان حسين الرصاص، ثم عَززها بقوات أخرى تحت قيادة النقيب عبدالله بن سعيد الجبري (سبق أنْ تحدثنا عن أدواره في حروب لواء تعز)، والنقيب صالح بن ناجي الرويشان، وعامل السوادية الشيخ أحمد قايد الجبري.

كان أبناء قبيلة العواذل (العواذل اليوم تنقسم إلى مديريتين: مكيراس، ولودر) قد استعدوا للمُواجهة، وحشدوا – كما جاء في تلك الرسالة – نحو 2,000 مُقاتل، واستولوا على منطقة دبان، إلا أنَّهم تعرضوا لهزيمة ماحقة، وعن ذلك قال ابن الوزير: «ولم يبقى بعد ذلك غبار للعواذل، وتشتت شملهم من وقته، وباكروا في اليوم الثاني بالوساطة والكتب في طلب الأمان والصلاح وبذل الطاعة، وتعقب ذلك وصول السلاطين آل القاسم علي جميعًا، وتبعتهم مشايخ الظاهر، وتمت طاعتهم، وسلموا الرهائن المختارة من مشايخ البلاد».

وعلى ذكر سلاطين آل قاسم بن علي بن حسين، وجب التذكير أنَّ حُكم السلطنة العوذلية آل لهؤلاء بعد أنْ انقلبوا على قريبهم السلطان منصور بن ديان، المؤسس الفعلي لتلك السلطنة، وهم: جعبل، وأحمد، وصالح بن قاسم، ومن قصدهم الأمير عبدالله الوزير في رسالته هم أبناء هُؤلاء، وقيل أنَّ نسبهم يتصل بالسلطان الطاهري عامر بن عبدالوهاب.

اختار آل قاسم الشيخ أحمد بن صالح بن قاسم سُلطانًا عليهم، وقد كانت نهاية هذا السلطان قتيلًا على يد ابن عمه قاسم بن أحمد، الذي تولى الحكم من بعده، راسل الأخير الإنجليز طالبًا صداقتهم وحمايتهم 1906م، ووقع مع مقيمهم السياسي السير جيمس أ.بل مُعاهدة مُتصلة 19 سبتمبر 1914م، وحصل منهم على راتب شهري قدره 80 روبية؛ ودخل بسبب ذلك في صراع مع محمد وحسين ابني عمه جعبل، ودارت بينهم حروب وخطوب، ولقي مصرعه على يد الأخير، وذلك بعد انسحاب القوات الإمامية من العواذل كما سيأتي.

اجتاحت القوات الإمامية العواذل العليا (الظاهر) أثناء ذلك الصراع؛ وما ذكر مُفردة (سلاطين آل قاسم) في الأدبيات الإمامية التي وثقت لأحداث تلك الفترة إلا دليل على ذلك، واحتمال كبير أنَّ الأخوين محمد وحسين بن جعبل اشتركا في حكم السلطنة، ومن مفارقات القدر أن نهاية الأخير كانت قتيلًا، وذلك على يد مجموعة من أبناء المناطق الشمالية 1936م.

ولكي تتضح الصورة أكثر، وجب التذكير أنَّ أمر السلطنة كان – كما أفاد المؤرخ نجيب أبو عز الدين – قد آل قبل تلك الحادثة بسبع سنوات للسلطان صالح بن حسين بن جعبل ذو السبع سنوات 1929م، فيما عُين عمه محمد بن جعبل وصيًا عليه، وللأخير ذكر في الأحداث الآتي ذكرها، بوصفه الاسم الأكثر حضورًا خلال تلك الحقبة.

وتأكيدًا لما سبق، أفاد عدد من المؤرخين أنَّ القوات الإمامية تجاوزت مُكيراس، وعريب من العواذل العليا (الظاهر)، وصولًا إلى سفوح جبال الكور من العواذل السفلى (الكور)، وتجاوزت في الجهة الأخرى ردفان وصولًا إلى إمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، وعن خُلاصة الجزئية الأولى قال عبدالله الوزير في رسالته: «وبذلك تم صلاح جميع بني أرض، والعواذل، وصلحت الآن جميع الأمور، واستقرت الأحوال».

كما كانت للقوات الإمامية حينها مُحاولة يتيمة لاحتلال يافع السفلى من جهة البيضاء، وقد تصدى لها – كما أفاد المؤرخ عبدالله الناخبي – آل الكسادي بمعاضدة من بني عصر، واستمرت تلك المعركة طوال الليل، ولم تشرق شمس اليوم التالي إلا والنجدات اليافعية تتابع من آل ذي ناخب، وآل يزيد، وآل سعد، وكلد، واليهري، وانتهت تلك المعركة بهزيمة الإماميين، ليغادروا المنطقة بعد أنْ تركوا ورائهم عددًا من القتلى والجرحى والأسرى، وكميات كبيرة من العتاد والأسلحة.

لم يستقر لقوات الإمام يحيى في العواذل العليا (الظاهر) وما جاورها من مناطق قرار، ففي مطلع عام 1924م ثار أهل منطقة شرجان على الحامية الإمامية المتمركزة هناك، وهذه المنطقة تقع شرق منطقة مُكيراس، وكانت الحصيلة 33 قتيلًا، هم إجمالي عساكر تلك الحامية؛ والسبب – كما أفاد المؤرخ محمد زبارة – نقل رهائن القبيلة من مدينة البيضاء إلى ناحية السوادية، وتوارد الأخبار بأنَّ نقلهم كان إلى سجون شهارة.

لم يُرسل الأمير عبدالله الوزير بعساكر إمامية لإخماد ذلك التمرد؛ بل أرسل بمجاميع قبلية من البيضاء المجاورة 12 يناير 1924م، وعلى دفعتين: 200 مُقاتل تحت قيادة السلطان حسين الرصاص، و200 مُقاتل تحت قيادة الشيخ علي الحميقاني، وعزز الأخير بـ 14 جندي نظامي، وإكمالًا للمشهد قال المؤرخ زبارة: «وكانت بينهم وبين البغاة معارك انجلت عن قتل كثير من البغاة، واستيلاء الأجناد الإمامية على كثير من قُراهم وأموالهم، وعلى جميع بلادهم، والإحراق لخمسة وثلاثين محلًا من محلاتهم.. بعد أنْ كانوا قد تجمعوا ألوفًا مُؤلفة».

وهكذا اتحد السلطان حسين الرصاص وعمه (والد زوجته) الشيخ علي الحميقاني لـمُحاربة قبيلة مجاورة لهم، تشاركهم المعاناة والمصير، وتسببا في خلق حرب ثأرية لم يتعافى هما – حتى تلك اللحظة – من أثارها، وكان المستفيد الأكبر من كل ذلك دولة الإمامة الكهنوتية، التي لم تحكم وتتحكم وتتوسع على مدى تاريخها إلا بخلق وتوسيع الخلافات بين اليمنيين، وديدنها بذلك ديدن كل المحتلين على مر العصور.

وما يجدر ذكره أنَّ الإماميين استفادوا حينها من خلافٍ سابق حدث بين سلاطين الرصاص وسلاطين العواذل، يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث سيطر السلطان الرصاص بدعم عثماني على العواذل العليا (الظاهر)، وأجبر – كما أفاد المؤرخ محمود السالمي – السلطان منصور بن ديان على النزوح جنوبًا، ولم يمض من الوقت الكثير حتى كانت للسلطان الرصاص مُحاولة أخرى للسيطرة على العواذل السفلى (الكور)، إلا أنَّ جبال الكور العالية حالت دون توسعاته.

وقبل أنْ أختم هذه الجزئية، وجب التذكير أنَّ السلطان حسين الرصاص، والشيخ علي الحميقاني لم يستمرا على ولائهما لدولة الإمامة الزيدية المتوكلية؛ بل قاما بعدة انتفاضات تحررية – سنأتي على تناولها اختزالًا – كلفت الإماميين الكثير، وتَعرضا بسببها للحبس والتشريد.

أبناء قبيلة العواذل العليا (الظاهر) هم الآخرون لم يذعنوا لحكم الإمام يحيى، فيما لم يتوسع مُؤرخو الإمامة في ذكر انتفاضاتهم التحررية، واكتفى المؤرخ زبارة في ذكر انتفاضة أهل شرجان – سبق أنْ نقلنا تفاصيلها – ثم أتبع ذلك بذكر انتفاضة أهل عريب، وهي الانتفاضة التي حدثت نهاية ذات العام (ديسمبر 1924م)، وذلك بعد مُرور خمسة أشهر من مُغادرة الأمير عبدالله الوزير البيضاء، وتعيين عبدالله بن عبدالله إسحاق عاملًا على ذلك القضاء.

بتكليف من عامل قضاء البيضاء عبدالله إسحاق، توجه – كما أفاد المؤرخ زبارة – عدد من العساكر لإحضار ابن أحمد صالح جعيل، ولم يحدد ذات الـمؤرخ هوية ذلك الشخص، وهل هو من سلاطين آل قاسم بن علي، أم من مشايخ الظاهر (العواذل العليا)، والاحتمال الأخير هو الأرجح، خاصة وأنَّ أهل أحمد بن صالح هذا، سكنوا – كما أفاد المؤرخ حمزة لقمان – في منطقة عريب، والأخيرة تقع شمال السلطنة العوذلية، وجنوب شرق منطقة مُكيراس تحديدًا.

وقد كان مصير بعض أولئك العساكر القتل على يد أبناء تلك المنطقة، فيما التجأ من نجا منهم إلى بيوت الرماح، فدارت الحرب هناك، وكانت الحصيلة كما أفاد المؤرخ زبارة 15 قتيلًا، و14 جريحًا من القوات الإمامية، و30 قتيلًا من أهل عريب.

دفعت تلك الحادثة القاضي الشاعر أحمد الحضراني للاستنجاد بالإمام يحيى، وأرسل له بقصيدة شعرية طويلة، حفزه من خلالها، وحفز أنصار الإمامة بشكل عام على نُصرة العامل عبدالله إسحاق، وحذرهم جميعًا من التساهل مع قبائل العواذل، وغيرهم، ومن تلك القصيدة نقتطف:

كــــأني بــــــفخـــــر الآل خيـــــر غضــــنــــفر

عــــلى خــــــده يــــــا سيـــــد العـرب يلطم

يقـــــــول أمـــــــا منـــــــكـــــم مــــلـب لـــــغــــــارة

يغـــــص بهــــــا كـــــــور البــــــغـــــاة ويـــكظم

وشنــــــوا على الـــقــــــوم اللئـــــــام بـــــغـــــــارة

فهــــل منكـــــم جيــــش خميــــس عرمرم

يـــــــدك بها شـــــــرجان مــــــن بعــــد عريب

ويجـــــــلي مكيـــــــراس وكـــــــور ويـــهـــــدم

فــــــــإن يـــــــك منــــــكــــم غــــــــارة فــوشيكة

وإن يك صـــرمًا ما لها الصيـد تحكم

رويــــــــدكم البيـــــــضــــــــاء لا تتـــــــركـــــونــــها

ولا تحــــــزنــــــوها اليـــــوم فـــالأمر أعظم

وبيــــضاء وكـــم لا تنـــشـبـــن مخــالب الـــ

عواذل منها فـاسمعوا القول وافهمـوا

بنــــي هـــاشم ما أقبــــح الســــلم والــدنى

أخـــــوكم عُــــبــيــــد الله بــــالشرق يهضم

إذا مــــــا تــــــركتـــــمـــــــوه فـــــريـــــســــــة آكل

فــــــلا خيــــــر في الدنيا ولا خير فيكم

توالى بعد ذلك إرسال الإمدادات الإمامية إلى تلك الجهة، واستمرت المواجهات بين الجانبين مدة، وقد تولى القاضي أحمد الحضراني قيادة إحدى المجاميع، وحدثت أثناء تلك المواجهات – كما أفاد الـمؤرخ علي محمد عبده – مُساجلة شعرية بينه وبين السلطان أحمد بن جعبل العوذلي، وهذا الأخير لم أجد اسمه ضمن قائمة سلاطين آل القاسم، والمقصود – كما أعتقد – السلطان محمد بن جعبل بن قاسم، أخ السلطان حسين بن جعبل، والوصي فيما بعد – وكما سبق أنْ ذكرنا – على السلطان الصغير صالح بن حسين بن جعبل، ويؤكد ذلك ذكر اسمه في إحدى قصائد الشاعر الحضراني الآتي نقلها.

وبالعودة إلى المساجلة الشعرية، فقد قال الشاعر أحمد الحضراني حينها:

يـالكــــــور لا تـــــــشمــــخ علينا

لا بـــــــد مــــا تــــنــــدي الرهيــنة

والعــــــــوذلــي كمـــــــا تــــــشــــــرد

هــــــذي السنة ثـــــاني سنـــيــنه

فما كان من السلطان محمد بن جعبل إلا أنْ رد عليه قائلًا:

يــالقاضي أحمــــد بن محمد

الكـــــور مـــا يـــــنــــــدي رهــــيـنة

ما عنده إلا الموت الأحمر

والبنـــــدري تســـــمـــــع رطيـــــنة

بعد أنْ أحكمت سيطرتها على العواذل العليا (الظاهر)، تقدمت القوات الإمامية عبر المرتفعات الشرقية جنوبًا صوب العواذل السفلى (الكور)، وما أنْ تجاوزت منطقة دمامة، حتى قامت – كما أفاد المؤرخ لبيد الجابري – بإشعال النيران في عددٍ من المواقع المحيطة؛ الأمر الذي أثار الرعب في نُفوس أبناء قبائل العوذل، وظنت أنَّها تواجه قوة جبارة، وتخلت تبعًا لذلك عن خيار المقاومة، والتجأ سلطانها قاسم بن أحمد إلى قبائل آل جعرة في دثينة، واستقر في قرية الخشي تحديدًا.

واصلت القوات الإمامية بعد ذلك تقدمها، وسيطرت على مدينة زارة العاصمة الإدارية للسلطنة العوذلية، والواقعة شمال غرب مدينة لودر، فيما صمد السلطان محمد بن جعبل فيها لبعض الوقت، وتوجه بعد هزيمته صوب دثينة (مودية)، ثم عدن مُستنجدًا بالإنجليز، وإليه أرسل الشاعر الإمامي أحمد الحضراني بقصيدة شعرية مُتشفيًا، جاء فيها:

يوم الربوع قال ابن حضران

طليــــت الأخــــــشــــام الزبيــــنة

بقـــــدم غـيــــــلانـــــي وخــــــولان

أهــــــل التــــــراتيــــب الــــزكيــــــنة

وانــا عمــــود الجيـــــش لابـان

تلحـــــق وراي كم من قـــــرينة

قــــــادم على كــوري وسلطان

وارض العـــــوالـــــق لا دثـــــيـــنة

جـــــاهم ظهــــر والرعـد حنان

كــــل ذي يســـــمــــع حـــــنــــينه

سقــــــوا بــسـيــــــلة لا بـــــدبــــان

بـــــالبنـــــدري شغـــــــل المكينة

قــد قلت يـــا سلطان محمد

الكـــــور مــــــا يـــــــنـــدي رهيـــنة

واليــــــوم بــــــأيــــــدينــــا مطــــاوع

ومـــــــن عصــــــــــانــــــا بـــــا نهيـنه

هــــذا صــــدر من حصن زارة

ذي شامــــــخــــة فوق المدينة

خــــــذنــــاه يــا سلطان عليكم

تحـــــــجر لنـــا كم من حسينه

تعاضد أبناء قبائل العواذل، ودثينة، وآل فضل على مُقاومة الزحف الإمامي(1)، وحظوا – هذه المرة – بمساندة الطائرات الإنجليزية التي قامت بأول طلعاتها في التاسع من يوليو 1925م، وعن هذا التدخل قال المؤرخ إريك ماكرو: «استخدمت طائرتان من عدن في محاولة لإجبار القوات اليمنية على الانسحاب من أراضي العوذلي»، وأضاف في نقله لحواث شهر أكتوبر من ذات العام: «قامت الطائرات من مطار الشقري في محاولة أخرى لاستعادة ما فقد من أراضي العوذلي».

من جهته قال المؤرخ لبيد الجابري أنَّ الإنجليز أرسلوا بادئ الأمر بطائرة استطلاع، ثم قاموا بعرض الصور التي تم التقاطها على السلطان محمد بن جعبل، وأنَّ الأخير حدد لهم المواقع التي تتواجد فيها القوات الإمامية، وكتب لهم تنازلًا عن الحصون التي سَتُدمر أثناء تلك العملية العسكرية.

نال القاضي أحمد الحضراني من هجمات الثوار المسنودين بالطائرات الإنجليزية الكثير، ليتمكن في نهاية ذات العام، وأثناء مُرابطته فوق جبل الكور، من إسقاط إحدى تلك الطائرات، وقتل طيارها، وقد خلد تلك الحادثة بعدة قصائد، منها هذه الأبيات التي استنجد بها بعامل البيضاء عبدالله اسحاق، حيث خاطبه قائلًا:

مــــــا لي أراك عـــــــن القــــــدوم معـوقا

إنــــي أرى التعـــــويـــــــق عنــــــه عـــارا

لم أكتـــرث في الكور ليلة قهقرت

قــــــــــــــوم هنــــــــاك وولت الأدبـــــــارا

ووقفــــــــت بعـــــــد الكــل شهرًا كاملًا

لا أخـــتــــــشي طـــــــار ولا طــــــيــــــارا

حتــــــى أتــــــى الأمـر الشريف مُخبرًا

بـــــــالرفــــع يــــا ابن الأكرمين مرارا

وإليــــــكها يـــــــا ابــــــن الكرام عريضة

مــــــن هــــــزبري قـــــد عــــــدا مغيـــارا

تـــــــاريخـــــها وافــــــي ينــــــادي أرخــــــوا

القـــــــــاضي أحمـــــــد نـــــزل الطيــارا

لم يُفصح الشاعر أحمد الحضراني عن طبيعة الأمر الإمامي إليه بالرفع، وهل المقصود به الرفع بيوميات الحوادث، أم المقصود به ارتفاع القوات الإمامية من تلك المناطق، واحتمال كبير أنَّ الجزئية الأخيرة هي المقصد، ويؤكد ذلك قول المؤرخ إريك ماكرو: «وفي سنة 1926م استولى الإمام على جزء من أراضي العوذلي السفلى، ولكنه اضطر للتخلي عنها بعد القيام بعمليات جوية ضده، وأدت هذه العمليات ببريطانيا إلى أخذ زمام المبادرة».

وهكذا، وبمساعدة سرب من الطائرات الإنجليزية، تمكن أبناء قبائل العواذل، ودثينة، وآل فضل من إخراج القوات الإمامية من العواذل السفلى (الكور)، بعد أنْ خاضوا معها مَعارك كثيرة، غَنموا خلالها كثيرًا من الأسلحة، واسترجعوا كثيرًا من المنهوبات، وتخليدًا لتلك المعارك كتب الشاعر العوذلي علي محمد الخضر الملقب بـ (بن رامي) قصيدة شعرية ألقاها أمام السلطان محمد بن جعبل، نقتطف منها:

حيـــــا بســلطـــــان العصـــيب الجــــــاسرة

سلطــــــان زارة أمــــــر حمـــــران العيـــــون

دي ســـــا عــدن زارة وســــــا زارة عـــدن

وامطــــــار من عـــــريب يكــــلم شمبيـون

جـا من عدن دي صان ملحا وامبدن

وامنـــــار قـــــدها تلهـــف اسبال امعيون

واتعــــــوذب الشيــــطان وامــزيدي هدن

حـــمّا بصـــــرهـم فـــــي امثـــــورة يلعبـــــون

كانت بذلك العواذل السفلى من أوائل المحميات الجنوبية تَحررًا، فيما ظل مصير قرينتها (العواذل العليا) متذبذبًا؛ فهناك من قال أنَّ القوات الإمامية ظلت مسيطرة عليها كاملة، وهناك من قال أنَّها ظلت مسيطرة على أجزائها الشمالية فقط، والقول الأخير هو الأرجح؛ بدليل مُعاودة القوات الإمامية فيما بعد السيطرة على 64 قرية من قرى العواذل العليا (الظاهر)، وأخذ حوالي 40 رهينة أكتوبر 1931م.

كانت العلاقة حينها بين السلطات الإمامية والإنجليز شبه هادئة؛ بل أنَّ الأخيرين أرسلوا طبيبًا خاصًا لـمُعالجة السيف أحمد يحيى حميد الدين 8 مايو 1932م، بناءً على طلب الأخير، وتعزيزًا لتلك التهدئة توجه المستر ريجينالد شامبيون (السكرتير الثاني للمعتمد البريطاني في عدن السير برنارد رايلي) جوًا إلى لودر 2 ديسمبر 1933م، وحث السلطان العوذلي – لم يذكر المؤرخ إريك ماكرو اسمه، واحتمال أنَّه السلطان محمد بن جعبل – على ضرورة المحافظة على علاقاته السلمية مع الإمام يحيى، مطمنًا أياه أنَّ الأخير سيسحب قواته من هضبة الظاهر (العواذل العليا) سلمًا.

وقد أثمرت تلك التهدئة بتوقيع مُعاهدة صنعاء في بداية العام التالي 11 فبراير 1934م، وهي المعاهدة التي لم يتم التصديق عليها إلا بعد مرور سبعة أشهر، وذلك بعد أنْ انسحبت القوات الإمامية من قرى العواذل العليا، وغيرها، وبعد أنْ تم الإفراج عن جميع الرهائن والأسرى، وفتح طريق التجارة بين المناطق الشمالية ومحمية عدن.

وكان قد توجه إلى لودر قبل توقيع تلك الاتفاقية بأسبوعين النقيب باسل سيجر 17 يناير 1934م، الموظف في مكتب إدارة المستعمرات، وكان مكوثه في تلك الجهة لمدة ثلاثة أشهر، منتدبًا من قبل السلطات الإنجليزية للإشراف على انسحاب القوات الإمامية من العواذل العليا (الظاهر)، وهو ما كان.

يتبع..

الهوامش:

1- وبما أنَّ الشيء بالشيء يُذكر؛ فثمة جُزئية مهمة ومَنسية من تاريخ أبناء تلك القبائل النضالي، وحين  قادت آل فضل قبل 264 عامًا تمردًا عاصفًا ضد الدولة القاسمية 1071هـ / 1661م، بقيادة الشيخ حيدرة بن فضل الفضلي، وذلك بعد مرور خمس سنوات من سيطرة قوات المُتوكل إسماعيل بن القاسم عليها، ساندتها العواذل بقيادة الشيخ علي الهيثمي، إلا أنَّ هذا الساند سريعًا ما خارت قواه، ورفع راية استسلامه، وحبس في سجن كوكبان.

وفي الجانب الآخر صمد الشيخ حيدرة الفضلي لعدة أشهر؛ الأمر الذي جعل الأمير أحمد بن الحسن يتوجه بقوات كثيرة إلى تلك الجهة 17 شعبان 1071هـ / 16 أبريل 1661م، وهي الحملة التي تفرَّد المؤرخ الإمامي أحمد حنش بذكر تفاصيلها، وقال إنَّ الشيخ الفضلي تحصن في إحدى الجبال المنيعة، وأضاف مُتحدثًا عن بطولة ذلك الثائر: «وكان – أي الفضلي – يتغزَّى ليلًا، ويتخفى نَهارًا في مَواضع من الجبل، وكان يتخطف ما طَفَّ، ومن وجد للنهب والقتل كذلك، وكان في زمان شدة.. فاستعمل الجند الصبر والإبلاء الحسن، مع قلة الماء، وعدم معرفتهم بمواضعه، فكان قد تلف منهم من تلف..».

وبعد حَديثه عن كرامات سيده الأمير، والمُتمثلة بنزول المطر بغير أوانه! أكمل المؤرخ حنش ذلك المشهد بقوله إنَّ القوات الإمامية اقتحمت بعد جهد جهيد ذرى ذلك الجبل العتيد، واستولت على موضعه المسمى (الحريبين)، وأضاف مُشنعًا على بطل تلك المُقاومة: «ثم أنَّه – يقصد الشيخ الفضلي – هرب، وترك حشمه وجميع رعيته، قبحه الله، فواجهوا رعاياه، ولم يبق إلا هو هاربًا طريدًا في جَماعة من أصحابه، وبلغ من خبره أنَّه دخل بلاد العوالق، وقيل أنَّ العمودي – يقصد شيخ وادي دوعن عبدالله العمودي – قبضه بعد ذلك.. هذا إلى ثاني عشر شهر شوال سنة إحدى وسبعين وألف». =

=  ثم ناقض المُؤرخ حنش نفسه، وقال أنَّ شيخ العوالق هو من سَلَّم الشيخ الفضلي للأمير أحمد بن الحسن المُرابط حينها في منطقة دثينة (مودية)، وذلك بعد أنَّ كان رفض رجلٌ يُقال له الهبَّاع ذلك، لافتًا أنَّ الشيخ الأسير احتال على آسريه، وتوجه إلى عدن، وهناك تم القبض عليه مرة أخرى، وأكمل ذات المُؤرخ ذلك المشهد بقوله: «وفي آخر يوم عرفه وصل جعفر المذكور – يقصد جعفر بن عبدالله الكثيري أحد ثوار حضرموت – والفضلي أسارى إلى صنعاء.. فأما جعفر فمطلق وراكب على فرسه، ومعه من أصحابه قياس من عشرة أنفار، وأما الفضلي فتحت الحفظ والإهانة، واتفق جمع كبير، ورسم – أي حُبس – به فيما بين البابين في القصر، والعين عليه».

أغفل المُؤرخ حنش ذكر مصير الشيخ حيدرة الفضلي، وهل تم الإفراج عنه أم لقي حتفه في سجون الإمامة؟ في حين أورد اسم صديقه الشيخ علي الهيثمي ضمن حَوادث مُتصلة، وقال أنَّ الأخير سيطر بالحيلة ولبعض الوقت على حصن دثينة مُحرم 1079هـ / يونيو 1668م، وقتل خمسة عساكر مع قائدهم، وأنَّ الدائرة دارت بعد ذلك عليه، ولقي مصرعه على يد بعض العساكر المختبئين في أحد مدافن الحبوب، وذلك بعد أن التقوه فجأة وجهًا لوجه، وهو على غير أهبة، وبلا سلاح.

وكان الشيخ علي الهيثمي قد مَكث في سجن كوكبان لأكثر من سبع سنوات، وقام – كما أفاد المُؤرخ عبدالله الحبشي – بتمرده ذاك بعد الإفراج عنه بمدة.

في حين أورد المؤرخ يحيى بن الحسين رواية متصلة ومُختلفة، ليس فيها ذكر للشيخ الهيثمي ولا لحادثة مقتله، حيث قال أنَّ الأمير الحسين بن الحسن أرسل من رداع بقوات محدودة، وأنَّ تلك القوات أجبرت الثوار على مغادرة الحصن، وتمكنت من قتل أحدهم، وقد يكون هذا الواحد هو الشيخ الهيثمي نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى