آثار

تاريخ اللغة العربية وحاضرها

اختار الله اللغة العربية لتكون لغة خاتم كتبه، ولغة خاتم رسله عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن لهذا الاختيار سرًّا يعلمه الله في هذه اللغة.

 بحسب علماء اللسانيات التاريخية من المستشرقين تنتمي اللغة العربية الفصحى إلى فصيلة لغات أطلقوا عليها مسمى “اللغات السامية”، تضم لغاتٍ عديدة، أبرزها [1]:

– لغات الفرع الجنوبي: وتنتمي الفصحى عند المستشرقين إلى هذا الفرع، وتضم إلى جانبها اللغات العربية البائدة (العربية الجنوبية، والثمودية، واللحيانية) والحبشية (الجعزية والأمهرية).

  لغات الفرع الشمالي الشرقي: وهي اللغة الأكادية التي تفرع عنها البابلية والآشورية وغيرهما. 

–  لغات الفرع الشمالي الغربي: وهي اللغات الأوغاريتية والآرامية التي تفرعت منها لغات عديدة أشهرها السريانية، واللغات الكنعانية: ومنها الفينيقية والمؤابية والعبرية.

 يرجِّح العلامتان بروكلمان ورينان أن الموطن الأول للساميات هو جزيرة العرب، وبالتحديد الجزء الجنوبي الغربي منها (اليمن) ومنه هاجرت إلى شمال الجزيرة وإلى بلاد الرافدين والشام والحبشة[2]، ولهذا يقال لليمن: (العرب العاربة، وأصل العرب) غير أن الذين استمروا في اليمن فقدوا الإعراب مع الزمن وتغيرت لغتهم ولهجاتهم بسبب موقعهم على طرق التجارة وكذلك فقد الإعرابَ عربُ الشام والعراق والحبشة وتغيرت لغاتهم مع الزمن بصورة أشد من تغيرها في اليمن بسبب بعدهم عن الجزيرة.

والإعراب هو أعظم ميزات العربية، وهو أثر ظاهر أو مقدر في أواخر الكلمات يسببه عامل نحوي وفق نظام سليقي قياسي مطرد مستكن في البُنية اللغوية العميقة للعرب الفصحاء يدل على المعاني النحوية المختلفة مثل الابتداء والفاعلية والمفعولية والحالية والإضافة ….إلخ.

الذين حفظ الله بهم الإعراب واللغة العربية الفصيحة هم الذين هاجروا إلى شمال الجزيرة واستوطنوا الصحراء ولم يختلطوا بغيرهم من الأمم، والذين استوطنوا مكة وما حواليها؛ لأن مكة كانت مجتمع العرب، ففيها يجتمعون كل سنة للحج، ويتحدثون فيها بالعربية الأصيلة المعربة، وبعد الحج ينتقلون إلى سوق عكاظ الذي كان سوقا للكلام العربي المعرب الفصيح شعرا ونثرا أكثر منه سوقا تجاريا.

بناء على المعطيات السابقة ذهب بعض المحققين إلى أن مصطلح “اللغات السامية” نسبة إلى سام بن نوح غير دقيق ولا يقوم على دليل مقنع، وهي تسمية أطلقها المستشرق النمساوي شلوتزر معتمدًا على الإصحاح العاشر من سِفْر التكوين الذي حدد أبناء سام، وهو إصحاح محرَّف فيه الكثير من الأخطاء، ونادى هؤلاء المحققون إلى إلغاء تسمية اللغات السامية واستبدالها بــ “اللغات الجَزَريّة” نسبة إلى جزيرة العرب التي خرجت منها هذه اللغات، وأول من أطلق هذه التسمية هو المؤرخ العراقي سامي سعيد الأحمد في كتابه “اللغات الجَزَريَّة”[3].

إذن فاللغة العربية الفصحى هي أم هذه اللغات، أو أقرب لغة إلى اللغة الأم على الأقل، وأن بقية اللغات السامية (الجِزِريَّة) كانت في بدايتها لهجات تفرعت عن الفصحى بعد رحيل المتحدثين بها إلى العراق والشام والحبشة، كما تفرعت اللهجات العربية المعاصرة عن الفصحى، ومن أول من أشار إلى هذا الرأي من علماء اللسانيات العرب هو العلامة تقي الدين الهلالي[4]، ثم أيدته قرائن كثيرة جعلت عددًا من العلماء المعاصرين يتبنونه ويؤيدونه[5].

نزول الوحي باللغة العربية:

اكتسبت اللغة العربية بالقرآن العربي الكريم، وبالرسول العربي الخاتم شرفًا سيرافقها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهما اكتسبت أهمية قصوى في التاريخ البشري، فبها دونت الحضارة الإسلامية التي امتدَّ خيرها بين مشارق الأرض ومغاربها، فصارت اللغة الأولى للسياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في هذه الأرض.

 بفضل الله وبسبب القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة والتاريخ الإسلامي حافظت اللغة العربية على فصاحتها وإعرابها، وكانت هي اللغة الوحيدة من بين لغات العالم التي كتب الله لها الخلود، وعدم التفرُّع، فإنه لهذا السبب لم تستطع اللهجات العربية الكثيرة أن تتحول إلى لغات مستقلة كما هو الشأن في سائر لسانيات البشر.

العربية الفصحى بعد البعثة:

الإسلام دين عالمي، والقرآن العربي يخاطب الناس أجمعين، والرسول العربي هو خاتم المرسلين ولم يرسله الله للعرب خاصة، ولكن أرسله إلى العالمَين.

ولهذا خرجت الدعوة من جزيرة العرب وخاطبت العَجَم، ووصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، واختلط العرب بالعجم، فعاد عرب العراق والشام واليمن إلى لغتهم الأم تلقائيًا، ولكن على عُجْمة ولِكْنة، وأقبل العجم ممن يتحدثون لغات من فصائل لغوية غير فصيلة اللغات الجزرية على لغة القرآن العظيم يتحدثونها ويتعلمونها.

لكن هذا التوسع أدخل فيها اللحن، ووقع الخطأ في قراءة القرآن الكريم لهذا كان لابدَّ من قوانين لحفظ اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، فكان علم النحو والعربية عمومًا. قال ابن خلدون: “لَمَّا فسَدت مَلَكة اللسان العربي في الحركات المُسمَّاة عند أهل النحو بالإعراب استنبطت القوانين لحفظه”[6].

أثَّرت العربية –باعتبارها لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة ولغة الحضارة الإسلامية-تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية والكردية والأُردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحلية، كما أثرت بحكم الجوار على بعض اللغات الأوروبية وخاصةً المتوسطية منها كالإسبانية والبرتغالية والمالطية والصقلية.

العربية في العصر الحاضر:

العربية في هذا العصر لم تعد لغة الحضارة كما كانت من قبل، وعلى الرغم من كثرة المتحدثين بها مقارنة ببقية اللغات إلا أنها لم تعد اللغة الأولى في العالم، وذلك بسبب ضعف أبنائها وتغلب المستعمرين عليهم، لكنها لا تزال تحمل سبب عظمتها الخالد، الذي لا تحمله لغة غيرها، وهي بوضعها الحالي – على الرغم من حال متكلميها البائس- لا تزال واحدة من أهم لغات العالم، وتأتي على رأس قائمة اللغات المنضبطة في قواعد تركيبها، ووفرة أصواتها، وإحدى أكثر اللغات المعاصرة انتشارًا في العالم، يتحدثها حوالي نصف مليار من البشر، يعيشون في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من سكانه المناطق الأخرى المجاورة يتحدثونها كلغة ثانية  كالأحواز وتركيا وتشاد ومالي والسنغال وإرتيريا، وتُدرَّس بشكل رسمي أو غير رسمي في الدول الإسلامية والدول الإفريقية المحاذية للوطن العربي، وهي لغة العلوم الشرعية في مختلف دول العالم، ويحرص كل من دخل دين الإسلام من العجم على تعلمها.

حاليا تتعرض اللغة العربية لهجمات شرسة من جهة القوى المعادية للعرب وللمسلمين، فعندما احتلوا الوطن العربي وفتَّتوا العالم الإسلامي حاولوا إبعاد اللغة العربية عن لغة العلم التطبيقي، وإحلال الإنجليزية والفرنسية بدلًا عنها، وعند تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية استبعدوها من اللغات المعتمدة في هيئات الأمم على الرغم من أنها من أوسع اللغات انتشارًا مقارنة ببقية اللغات الخمس الكبرى المعتمدة في هيئات الأمم المتحدة (الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والصينية)، ولهذا السبب تقع على عاتق أبناء العربية، وجميع المسلمين مجابهة العدوان السافر على هذه اللغة العظيمة الكبرى.

وقد ناضل العديد من غيوري العرب والمسلمين في أروقة الأمم المتحدة دفاعًا عن اللغة العربية توِّجت جهودهم باعتمادها في الثامن عشر من ديسمبر سنة 1973م، إلى جانب اللغات الخمس الكبرى بعد تجاهلها زمنا طويلًا، وقد اختار الغيورون على اللغة هذا اليوم يوما سنويًا للغة العربية يذكِّرون فيه العرب والمسلمين بواجبهم تجاه لغتهم، وفي ذكراها السنوية للسنة الماضية (2021م) نجح غيورو العرب في اعتمادها ضمن اللغات المعتمدة في الفيفا. 

ولا تزال أمامنا مَهَام مُهمة للغاية تجاه اللغة ولا سيما في مجال تعريب العلوم والحاسوب، وتضييق مساحة الازدواجية اللغوية بين الفصحى والعاميات، وإنجاز معجمها التاريخي، واستكمال معاجم المصطلحات العلمية وغيرها من قضاياها الملحة. 

الهوامش:

  1. يُنظر فقه اللغات السامية لكارل بروكلمان ص 11-33، ترجمة رمضان عبدالتواب، منشورات جامعة الرياض، 1397هـ-1977م.
  2. يُنظر فقه اللغات السامية لبروكلمان ص12، وفقه اللغة لعلي وافي، ص10، دار نهضة مصر، القاهرة، 2004م.
  3. يُنظر اللسانيات: المجال والوظيفة والمنهج لسمير شريف ستيتية ص576-577، عالم الكتب الحديث، إربد، 1325ه-2008م. 
  4. يُنظر كتابه تقويم اللسانين ص140-141، مكتبة المعارف، الرباط، 1404ه-1984م.
  5. يُنظر اللسانيات: المجال والوظيفة والمنهج ص 595.
  6. تاريخ ابن خلدون من المقدمة (1/ 756)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، 1408ه-1988م.

د. عارف الكلدي

أستاذ اللسانيات المشارك/ كلية الآداب جامعة عدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى