أشتات

تضخُّم التزين: بين الاضطراب والاغتراب

بحسب موقع  Statista المتخصص بتحليل الأسواق العالمية، فإنَّ سوق مستحضرات التجميل بلغت عام 2018  كقيمة سوقية 507.8  مليار دولار، والمتوقع وصولها عام 2025 إلى مبلغ 785.4  مليار دولار(1).

وفي دراسة أجريت عام 2016 وجد د. ريتشارد راسل وزملاؤه أنَّ وجود الخدود الوردية وغياب الهالات السوداء تحت العين يجعل النَّاس يبدونَ أكثر صحة(2).

ولعلَّ هذا يفسر الإقبال الكبير على سوق مستحضرات التجميل، ولئن كان هذا الإقبال متفهمًا من قِبَل الإناث، فإنه لا يبدو كذلك من قبل الذكور الذين صاروا ينافسون الإناث على سوق مستحضرات التجميل، خاصة مع الموجة الصاعدة عالميًا لتأنيث الذكور (الشُّذوذ).

وهنا يثور تساؤل: هل هناك حاجة لهذا التزين أصلًا؟

لعل الآية القرآنية ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ {الزخرف: 18}

تشير إلى طبيعةِ المرأة، وأنها تُربى وتنشأ في الحلي والزينة كجزءٍ من تكوينها الاجتماعي وهويتها الأنثوية، ولكن قد يتلبس بعض الذكور هذا الدور الأنثوي فيصيبهم ما أصابهنَّ من الضَّعف واللين، كما ذكر البقاعي في تفسير الآية السابقة:” ﴿فِي الحِلْيَةِ﴾ أيْ: في الزِّينَةِ فَيَكُونُ كَلًّا عَلى أبِيهِ لا يَصْلُحُ لِحَرْبٍ ولا مُعالَجَةِ طَعْنٍ ولا ضَرْبٍ”.(3)  لذلك ثم تهديد حقيقي للهوية الذكورية عالميًا، بغض النَّظر عن الخلفيةِ الثَّقافية أو العقائدية، فاختلاط الأدوار بين الذكر والأنثى مؤذنٌ بغرقِ السفينة الاجتماعية، ومقدمة لانقراض النوع الإنساني.

إنَّ تضخُّم التزين، ما هو إلا عَرَضٌ لمرض، فالمرض الحقيقي هو اختلال مفاهيم الهوية بمستوياتها المختلفة، بدءًا بالهوية الروحية ووصولًا إلى الهوية الجندرية، يترافق مع ذلك اختلالات الهوية كاضطراب الهوية الجنسية Gender Identity Disorder  والذي تمَّ تغييره لاحقًا إلى مجرد انزعاج من الهوية Dysphoria  حسب الدليل الإحصائي الخامس لجمعيةِ علم النَّفس الأمريكية DSM-5.ء(4) من أجل تمرير (الشذوذ) كسلوك طبيعي لا يتم تجريمه قانونيًا.

وهناك نوعٌ آخر من الاختلالات النَّفسية التي تتمظهر في (تضخُّم التزين) يُدعى اضطراب صورة الجسد Body Dysmorphic Disorder وهو اضطرابٌ يتعلق بشكلٍ أو بنية الجسد أو جزء منه.(5)

وسبب هذا الاضطراب هو تدني تقدير الذات، وعدم الرضى بشكل الجسد، أو بشكل جزء منه، مثل شكل الوجه أو لونه، ونحو ذلك.

وعند التفتيش حول سبب (عدم الرضى) عن الذات، سنجد أن منشأ ذلك هو عملية المقارنة مع الآخرين، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كشفت دراسة بعنوان: “المقارنة الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي واحترام الذات” أظهرت نتائجها أن المشاركين الذين استخدموا فيسبوك في أغلب الأحيان كانوا يعانون من ضعف احترام الذات.(6)

نجد هذا المعنى جليًا في الحديث النَّبوي: (انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فهو أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم).(7)

هذا التوجيه النبوي البليغ يؤسس لمبدأ اجتماعي هام يتعلق بالاهتمام (بالتفرد الشخصي) وعدم الانجرار إلى هوة (المقارنة الاجتماعية)، حيث إنَّ المسلم أو المسلمة إذا انشغل كل واحد بنفسه، ونظر إلى ذاته وشكله بمعزل عن المقارنة بالآخر، سوف يرضى بما قسم الله له من شكلٍ ولونٍ وطول، ولن يقع في فخِّ الأمراض النفسية, وأمراض تشوه الجسد، وحتى يعوض هذا الفارق بينه وبين الآخرين، فهو يلجأ إلى تضخيم التزين، ظنًا منه بأنه سيلحق بالآخرين شكلًا ومعنى.

إنَّ موضوع (المقارنة الاجتماعية) لا يتوقف عند (تشوه الجسد) أو مجرد الإسراف في الإنفاق على مساحيق التجميل، ولكنه يغوص بصاحبه إلى مستنقع (الاغتراب النفسي) و(اضطراب الهوية) ومن ثم الوقوع فريسة سهلة للاكتئاب، وبالتالي قد يؤدي إلى الانتحار-أحيانًا-.

إنَّ سبيل إصلاح (تضخم التزين) لا يكون بمجرد الامتناع عن التزين، وإنما بتحويل الإمتاع من تزين يخدم الذات المتضخمة، إلى تزين يهذبها، وقد جعلت الشريعة الإسلامية سبيلًا واضحة لهذا التزين، وهو أن تكون النية فيه إرضاء الله تعالى، لا مجرد إرضاء غرور الذات، نجد ذلك جليًا في آيات كريمات مثل قوله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا  إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ {الأعراف: 31}

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ  قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ  كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ {الأعراف: 32}

لماذا خصَّ الزينة وقصرها على الذين آمنوا؟!

لأنَّ زينة المؤمن مرتبطة بمقصدها الشرعي، بينما نجد أنَّ الزينة عند غير المؤمن يجري توظيفها في مقاصد غير شرعية، كما فعل فرعون وقومه، كما في الآية الكريمة:

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ  رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ {يونس: 88}

ولا شك أنَّ الزينة في الآيات السابقة هي أوسع من مجرد مساحيق الوجه أو أدوات التجميل! ولكن يظل المبدأ هو نفسه أن تكون هذه الزينة مرتبطة بمعناها الأسمى، وهي أن تكون بأمر الله، تحت قانون التوجيه الإلهي الكريم.

إنَّ التزام أوامر الله تعالى سيحد من (تضخُّم التزين) وسيعيد الأمور إلى نصابها، وحينها لن يجد الفارغون والبطالون سوقًا رائجة لتلك الأقنعة المزيفة التي يروجونها على العالم.

وكما أسلفنا آنفًا: فالتزين فطرة في المرأة، وهو كذلك فطرة في الرجل، ولكن لكل واحد منهما ما يناسبه من الزينة كمًا وكيفًا ونوعًا، من غير خلط في الأدوار الاجتماعية بين الذكر والأنثى، مع التزام سنن الشرع الحنيف في مسائل الزينة المختلفة التي عالجتها مدونات الفقه الإسلامي.

هوامش:

  1. ‘Cosmetic Market Value Worldwide, 2018-2025’, Statista <https://www.statista.com/statistics/585522/global-value-cosmetics-market/> [accessed 18 February 2022].
  2. ‘A biological basis for cosmetics’, https://www.apa.org <https://www.apa.org/monitor/2017/06/beauty-sidebar> [accessed 18 February 2022].
  3. إبراهيم البقاعي, نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (دار الكتاب الإسلامي،).
  4. ‘Gender Dysphoria’ <https://www.psychiatry.org/patients-families/gender-dysphoria> [accessed 18 February 2022].
  5. ‘APA Dictionary of Psychology’ <https://dictionary.apa.org/> [accessed 18 February 2022].
  6. ‘Social comparison, social media, and self-esteem. – PsycNET’ <https://doi.apa.org/doiLanding?doi=10.1037%2Fppm0000047> [accessed 18 February 2022].
  7. إسلام ويب – صحيح مسلم – كتاب الزهد والرقائق- الجزء رقم4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى