أشتات

جدلية المدنية والتمدن: في الفكر الإسلامي الحديث  

سلسلة: الجذور التأسيسية لمدنية الدولة في الفكر الإسلامي (4-4)

جدلية المدنية والتمدن في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر

كنا قد بسطنا الحديث في الحلقات السابقة عن الجذور التأسيسية لمدنية الدولة والتمدن في الفكر الإسلامي وتتبعنا تلك الجذور في التشريع الإسلامي نصوصه ومقاصده وفي التراث الإسلامي المتمثل فيما أنتجه العقل المسلم من آراء ونظريات ذات صلة بموضوع الدولة والمدنية والتمدن، مع عدم إغفال الجانب العملي والسلوك الممارس للتجربة الإسلامية الممتدة من فجر النبوة وبواكير الإسلام الأولى.

وفي هذه الحلقة سنتناول إشكالية المدنية والتمدن (الديني والمدني) في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.

فقد كانت إشكالية المدنية أسبق في الظهور من إشكالية العلمانية حيث عرف الفكر الإسلامي – كما أسلفنا-  مفهوم المدنية ومشتقاته (مدني ومدنية وتمدن) بدلالاتها نفسها التي تعني التعايش والعمران الإنساني القائم على الروح المدنية والتسامح والتشارك والتعايش الاجتماعي والحضاري، منذ بواكير الإسلام الأولى.

والمتتبع لمسيرة الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر منذ  أواخر القرن التاسع عشر، يجد أن النصوص والمواقف والكتابات التي تناولت إشكالية المدنية والتمدن، كانت البدايات الفعلية التي تؤرخ لهذه الفكرة، ومنها أخذت طريقها في التطور والتراكم الممتد والمتعاقب زمنًا وتاريخًا.

بعكس مفهوم العلمانية الذي لم يظهر إلا منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث لم نعثر في أدبيات ومؤلفات أي علَم من أعلامِ الفكر الإسلامي الحديث بدءًا من الأفغاني أو محمد عبده أو الكواكبي، بل ولا حتى رائدًا من رواد النهضة كفارس الشدياق، وصولًا للجيل التالي، مثل لطفي السيد وطه حسين والعقاد وسعد زغلول، أي استخدام لمفردة (العلمانية) مطلقًا، ولم تظهر كتابات بعنوانها إلا متأخرًا، ربما في سبعينيات أو ثمانينيات القرن العشرين فقط، مع عادل ضاهر ومراد وهبة وآخرين.

ويرجع  فهمي جدعان استدعاء الفكر الإسلامي – في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- لإشكالية المدنية والتمدن وتناولها بالتأصيل والتنظير، إلى الهجمة الغربية على الإسلام  واعتباره ديانة مضادة للتمدن،  فقد ذهب النقاد الغربيون من أمثال رينان وكوزان وكرومر وهانوتو إلى القول: بـ”إن المسيحية هي المولدة الحقيقية للتمدن، وأن الإسلام مضاد له لا يتفق معه”(1).

رفاعة الطهطاوي:

ففي كتابه (مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية) حاول الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) تفكيك مفهوم التمدن، وتقسيمه إلى أصلين معنوي ومادي، فـ”للتمدن أصلين: معنوي، وهو التمدن في الأخلاق والعوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسعى باسم دينها وجنسها للتميز عن غيرها. والقسم الثاني تمدن مادي، وهو التقدم في المنافع العمومية”(2).

وتلك المنافع العمومية لا يمكن ان تتحقق الا بتقليد الأوروبيين بوصفهم اكتسبوا أسباب القوة؛ وأنَّ المنفعة الأساسية للممالك الإسلامية هي في اكتساب هذه القوة، والواجب: “هو حث أهل ديارنا على استجلاب ما يكسبهم القوة”(3).

وعليه حاول الطهطاوي التوفيق بين أفكار الحداثة السياسية المتعلقة بأنظمة الحكم وبين مبادئ الفقه السياسي الإسلامي، وقارن بين شرعية الحكم التي تأتي من تطبيق الشريعة وبين الشرعية في الفكر السياسي للحداثة التي تستمد من إرادة المواطنين، ومن تعاقدهم على تقسيم السلطات، إذ يرى ضرورة خضوع السلطة الحاكمة للقوانين تطبيقا لمبدأ سيادة القانون، وهذا لا يتعارض مع جوهر الإسلام، لأنه ليس إلا تطبيق حديث لمبدأ أساسي في الحكم الإسلامي، وهو خضوع الحاكم للأحكام الشرعية الإسلامية، فالحكم الإسلامي يقيد سلطة الحاكم، مثل الدساتير الحديثة التي تقيد سلطة الحكومة.

لقد لاحظ الطهطاوي الفرق الكبير بين الدولة في الحضارة الغربية والدولة في المجتمعات الإسلامية، بالإضافة إلى اطلاعه على كتابات فولتير، وروسو، ومنتسكيو، فتأثر بهم وحاول أن يجد تماثلًا لأفكارهم ومصطلحاتهم في الفكر الإسلامي، وقد اعترف بوجود نقاط قوة في الفكر والمجتمع الغربيين،  ولابد للمسلمين إذا أرادوا التقدم من أن يستوعبوا بعض هذه القيم وبالذات فيما يتعلق بالسياسة، والتشريع في نظام الحكم، وعلاقة المواطنين بالدولة، وبذلك ترجم العديد من الكتب الفرنسية وأهمها الدستور الفرنسي، ليتوج ذلك بكتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) وبمتابعته لأفكار الثورة الفرنسية والتطورات السياسية والدستورية وإعجابه بها تبلور فكره الإصلاحي أكثر،  فدعا إلى: التعاقد المدني بين الحاكم والمحكومين من خلال مؤسسات مثل ديوان (البير) أي مجلس الأعيان، وديوان رسل العمالات، أي مجلس النواب المنتخبين.

ويستعمل هذه المنهجية، أيضًا في محاولته وصف وتأصيل مبادئ ومقومات الدولة المدنية ومنها: الحرية والعدالة والمساواة، فيقول “وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يُطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة”(4).

والأولوية للشريعة الإسلامية على أي قانون وضعي، فهي تتضمن كافة المسائل الصغيرة والكبيرة، والاحكام السياسية ايضا لا تخرج عن المذاهب الشرعية(5) وأن سـبيل تمدّن الممالك الإسلامية يقوم على التحليل والتحريم الشرعيين دون الحاجة الى العقل في ذلك و”ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه”(6).

وبناء عليه يمكننا القول: بأن الطهطاوي قد ميز بين ميادين الفكر التي تمثل (المشترك الإنساني العام) وتلك التي تمثل (الخصوصيات الحضارية) فيدعو إلى استلهام المشترك الإنساني والاحتفاظ بالهوية الخاصة والمتميزة فيها.

خير الدين التونسي:

ويختلف عن الطهطاوي خير الدين التونسي (1810-1881م) فالأخير لم يكن منظرًا إصلاحيًا فحسب بل كان أيضًا وزيرًا ورجل دولة، وضمّن أفكاره الإصلاحية في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) وفيه أبدى قبوله بمستحدثات أوروبا في مجال السياسة (الحكم) طالما لا يتعارض ذلك مع أسس ومقتضيات الشريعة الإسلامية، بل إنَّ الاقتباس قد يكون سببًا في منعة المسلمين وتقدمهم، لأنَّ التمدن الأوروبي حسب تعبيره قد “تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية فيمكن نجاتهم من الغرق”(7).

ومجاراة تيار التمدن الغربي لا يستوجب التخلي عن مبادئ وقيم المجتمعات الإسلامية، وعلينا أن نتخير “ما يكون بحالنا لائقًا، ولنصوص شريعتنا مساعدًا وموافقًا، عسى أن نسترجع منه ما أُخذ من أيدينا، ونخرج باستعماله من ورطات التفريط الموجود فينا”(8).

ويمكن تلخيص أسباب التقدم كما أسهب فيها التونسي في: ضرورة العدل،  والعلوم التي تمكن من التقدم المادي والاقتصادي، مركزًا على الدستور كشرط للنهضة، فهو بذلك يدعو إلى نظام سياسي يقوم على المؤسسات ويحترم الحريات والحقوق المدنية للمواطنين(9).

وبناءً عليه ذهب باحثون إلى أن ما دعا اليه خير الدين التونسي ورفاعة رافع الطهطاوي، إنما هو إحياء لماضي الشريعة الاسلامية أخذه منا الغرب وبقينا نحن – نتيجة إغلاق باب الاجتهاد- قانعين بما وصل إليه السلف دون محاولة لتطويره، فطوّر الغرب بدلًا عنا، وهكذا بدا لخير الدين أن يدعو رجالات عصره في العلم والسياسة، إلى التماس ما يمكنهم من الوسائل الموصلة الى حسن حال الأمة الإسلامية، وهم أهل الحل والعقد عنده الذين يباشرون العمل على جعل الحكم دستوريا مقيدا بقانون مع احترام تامّ للشريعة(10).

وفي ظل فشل مشروع الإصلاحات وارتداد الدولة العثمانية، ظهرت أفكار تجديد الشورى وتطورها لتؤدي وظائف سياسية تقلل من الاستبداد والظلم، ويُعتبر عبد الرحمن الكواكبي(1848-1902م) أهم من كتب في هذا الموضوع الذي أفرد له كتابه الموسوم (طبائع الاستبداد)” حيث يعرف الكواكبي الاستبداد عمومًا بأنه “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة”.. أما “الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة”.. والحكومة المستبدة هي “المطلقة العنان فعلًا أو حكمًا التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين”.. وعند الكواكبي أشد مراتب الاستبداد الذي يُتعوذ بها من الشيطان “هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية”(11) تليها مراتب اُخر.

كما ذهب جمال الدين الأفغاني إلى أنَّ “الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تُستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون،  ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير”(12).

الأستاذ الإمام محمد عبده:

ولعل الشيخ محمد عبدة (1848- 1905م) أبرز من تصدى للحملة الغربية الممنهجة ضد الإسلام، والمتمثلة حينها في تشويه علاقة الإسلام بالعلم والمدنية ومحاولة خلق وعي جمعي إسلامي بأن نظم الإسلام وتشريعاته تقف عائقاً امام العلم، كما تتناقض كليا مع المدنية والتمدن والنهوض الحضاري، وقد تولى كبَر هذه الحملة مجموعة من المستشرقين لعل أبرزهم، وزير خارجية فرنس آنذاك (الميسو هانوتو) والفيلسوف والمستشرق الشهير (آرنست رينان).

وقد عرض الشيخ محمد عبده موقفه وردوده في كتابه (الإسلام بين العلم والمدنية)، الذي يعد أحد أبرز مؤلفاته، إن لم يكن أهمها على الإطلاق؛ فهو بمثابة مرافعة قانونية جمعت بين دليل العقل وبرهان النقل أثبت من خلالها مدنية الإسلام وسموها على المدنية الغربية في المضمون والدلالة والغاية والوسيلة؛ حيث أثبت  أن الدين في روحه وجوهره لا يتعارض أو يتصادم مطلقاً مع المدنية في روحها وجوهرها، و “لن يقف عثرة في سبيل المدنية أبداً، لكنه سيهذبها وينقيها من أوضارها، وستكون المدنية من أقوى أنصاره متى عرفته وعرفه أهلها”(13).

وأكثر من هذا يؤكد الشيخ محمد عبده أن “المسلمين إذا تهذبت أخلاقهم بالدين سابقوا الأوروبيين في اكتساب العلوم وتحصيل المعارف، ولحقوا بهم في التمدن”(14) وأن المسلمين “ما عادوا العلم ولا العلم عاداهم إلا من يوم انحرافهم عن دينهم، وأخذهم في الصد عن علمه، فكلما بعُد عنهم علم الدين بعُد عنهم علم الدنيا وحرموا ثمار العقل”(15)

كما ينتقد الشيخ محمد عبده من يجعل من الدين مسوغًا للاستبداد، ففي سجاله ضد فكرة وجود سلطة دينية في الإسلام لم يكن يناظر المستشرقين رينان، هانوتو  فحسب، بل كان أيضًا يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين تذرعوا بالمسألة الدينية ليؤسسوا عليها حكماً سياسياً استبدادياً، ليقرر بوضوح ومن دون تردد في حديثه عن الإسلام وتطوره أن هدم السلطة الدينية والقضاء عليها أصل من أصول الإسلام “وما أجلّه من أصل… هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها حتى لم يبقى لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم،  لم يدع الإسلام لأحد بعد رسوله سلطاناً على عقيدة احد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغًا ومذكرًا لا مهيمنًا ولا مسيطرًا” فالخليفة أو السلطان عند المسلمين ليس معصومًا ولا من حقه الانفراد في تفسير الكتاب كما كان الحال في تاريخ الكنيسة، ثم أنه لا طاعة له الا بطاعته للكتاب والسنة بل إن المسلمين مكلفون بخلعه إذا أنحرف عنهما ما لم يؤدِّ ذلك إلى مفسدة أكبر، فهو حاكمٌ مدني وليس حاكمًا إلهيًا(ثيوقراطيًا) ولا قداسة لشخصه أبدًا وإنما هو موظف مسؤول عن أداء الأمانة التي وضعها الناس في عنقه عند مبايعته، وليس في الإسلام سلطة دينية “سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير،  والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها انف أعلاهم،  كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم”(16).

وبناء على ما سيق يمكننا القول: بأن الخطاب الإصلاحي عمومًا تبنى مفهوم المدنية والتمدن شريطة تهذيبه وموائمته لأحكام الشريعة ومقاصدها، كما رادف بين العدالة والحرية بل كانت العدالة على رأس أولوياته؛ فهي المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، والذي يجب ترجمته في قانون أساسي لها –هو الدستور- يحفظ حرية الفرد والجماعة،  وهذا يعني إعادة النظر في علاقة الحاكمين بالمحكومين، على نحو يجري فيه الحد من سلطات الأولين، وإجراء أحكام التقييد الضرورية عليها، وتمتع الآخرين بسلطات كانت – في النظام القديم- من مشمولات أملاك الحاكم.

إلغاء الخلافة وظهور جدلية الديني والسياسي

على إثر إلغاء الخلافة على يد كمال أتاتورك في العام 1924م شهد العالم الإسلامي – وفي القلب منه العالم العربي-  واقعًا سياسيًا جديدًا تمثل في الاحتلال وسقوط الخلافة وظهور الدولة الوطنية التي عجزت عن القيام بدورها، مع عدم اتضاح ماهيتها وهويتها، وهذا الواقع السياسي افرز واقعًا فكريًا وثقافيًا تعددت اتجاهاته بتعدد منطلقاته ومرجعيته، فشعرت أوساط إسلاميه كثيرة بأنها فقدت دولتها الشرعية التي كانت تمثل رمزًا دينيًا وعقديًا لمرحلة تاريخية ذهبت بلا رجعة، وفي المقابل رأى آخرون إنها لم تكن سوى خلافة شكلية وقائمة على الاستبداد السياسي والانفراد بالسلطة(17).

وهكذا أذكى هذا الخلاف التاريخي عراكًا فكريًا قسًم النخب الفكرية إلى مؤيد ومعارض. وقد رأى المؤيدون لإلغاء الخلافة أنها “ليست في شيء من الخطط الدينية، لا القضاء، ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفه. لا شأن للدين بِها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها….. وكذلك تدبير الجيوش وعمارة المدن ونظام الدولة …..الخ، إنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب”(18).

ففي الاتجاه المؤيد لإلغاء الخلافة نشر الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتابه (الإسلام وأصول الحكم) 1925م، والذي رأى فيه أنَّ الإسلام دين لا دولة، وأن الخلافة الإسلامية كانت دومًا وأبدًا وعلى مرّ تاريخها سلطة قهر وأنَّ “الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة وعز وقوة، كما أنها ليست في شيء من الخطط الدينية، ولا القضاء، ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها “وكذلك تدبير الجيوش وعمارة المدن ونظام الدولة …..الخ، إنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب”(19).

ويتضمن هذا الكتاب قضيتين أساسيتين: الأولى أن السلطة والمرجعية السياسية والحكومة مهما كانت لازمة وضرورية لتحقيق المثل الإسلامية، إلا أنه لا صلة بينها وبين جوهر الإسلام. أما الثانية: فإن المسلمين قد تُركوا أحرارًا في اختيار أي شكلٍ من أشكال الحكومة يكون مناسبًا لضمان رفاهيتهم.

أما معارضو إلغاء الخلافة فيعتبرونها رمزًا يمثل وحدة الأمة، وبقائها ضرورة مرتبطة ببقاء الوحدة الإسلامية، ويعد كتاب رشيد رضا(الخلافة والإمامة العظمى) وكتاب عبد الرزاق السنهوري (فقه الخلافة) أبرز ما كُتب في التدليل على ضرورة الخلافة الإسلامية حيث ساقا العديد من الأدلة النقلية والعقلية التي تؤكد وجهة نظرهم.. ومن الأدلة النقلية التي أوردها رضا قوله “أجمع سلف الأمة، وأهل السنة وجمهور الطوائف على أنَّ نصب الإمام أي توليه الإمامة واجب على المسلمين شرعًا” وسياسيًا يرى أنَّ إسقاط الخلافة ليس إلا مؤامرة لتمزيق الجسد الإسلامي من خلال القضاء على الجامع العقدي لكل أطياف الأمة(20).

وتصاعد الجدل الفكري بين الفريقين المؤيد والمعارض للخلافة إلى الحد الذي “طلعت صحيفة الأهرام المصرية- آنذاك-  باقتراح ترجو منه قفل باب الجدل، وصب الماء على النار. ودعت في هذا الاقتراح أن تكون دعوة الناس في مصر إلى الله  وليست إلى الخلافة والخليفة”(21).

فيما أكد التيار الإسلامي على شمول الإسلام لكافة مناحي الحياة وقضايا الاجتماع البشري، وبناءً عليه فالإسلام دين ودولة وعقيدة وشريعة، ويذهب الإمام حسن البنا، إلى أن من خصائص رسالة الإسلام: “أنها وسعت شؤون الدنيا والآخرة فكانت ديناً ودولة، وروحاً ومادة، وعملاً وثقافة، وشرعةً وقانوناً، ونظاماً كاملاً دقيقاً نافعاً للفرد، وللبيت، وللأمة، وللدولة، وللعالم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾”(22) فالإسلام لم يأتِ ليعالج قضايا الروح والعقيدة فقط، بل هو: “عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقران ينطق بذلك كله ويعتبره من لبّ الإسلام وصميمه”(23) .

ولسنا هنا بصدد مناقشة علاقة الدين بالسياسة وموقف التيار الإسلامي من العلمانية، واستنطاق سياقات ونصوص الصراع (الإسلامي العلماني) فتلك إشكالية تم تجاوزها وحسم الجدل فيها لصالح التيار الإسلامي؛ حيث فند حجج العلمانيين بالتأصيل العلمي الدقيق تارة وبالمناظرات العلمية تارة، ولا أدلّ على ذلك من المناظرة الشهيرة التي دارت بين الدكتور فرج فودة والدكتور محمد أحمد خلف الله باعتبارهما من رواد الفكر العلماني، وبين  دعاة ومفكرين إسلاميين وفي طليعتهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور محمد عمارة والمستشار مأمون الهضيبي، كما أثر الفكر الإسلامي بالعديد من الدراسات والأبحاث الرصينة التي تنتصر لدمج الديني بالسياسي وتمتين العلاقة بينهما.

ويضم التيار الإسلامي المعاصر العديد من التوجهات والجماعات، التي تجمع أو تكاد على مصدرية الشريعة الإسلامية وشموليتها لكافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء، وتعد مواجهة العلمانية ورفض الدعوة الى فصل الدين عن الدولة؛ القاسم المشترك والإطار الجامع بينها فيما يتعلق بالمجال السياسي الإسلامي، مع تباين آراءها بخصوص جدلية الديني والسياسي وما يتفرع عنها من قضايا كالديمقراطية والدولة المدنية وطبيعة السلطة والتغيير السياسي(الخروج على الحاكم)…الخ.

لكن الذي يعنينا هو: موقف الفكر الإسلامي المعاصر من الدولة المدنية، التي يسعى العلمانيون من خلالها وتحت عباءتها إلى تحييد الدين عن المجال العام واعتباره أحد عوائق النهوض الحضاري إن لم يكن أبرزها.

ويتحدد موقف الفكر الإسلامي المعاصر، إزاء إشكالية الدولة المدنية في اتجاهين:

– الاتجاه الأول: اتجاه الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للدولة المدنية، أي رفض كافة دلالات مصطلح (الدولة المدنية) دون تمييز بين الدلالات المتعددة له، الايجابية منها والسلبية.

– الاتجاه الثاني: اتجاه نقدي (التجديد): يتجاوز موقف الرفض المطلق إلى موقف نقدي، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح الدولة المدنية، منطلقاً من عدم تعارض الدلالة العامة – المشتركة لمصطلح (الدولة المدنية) مع المنظور السياسي الإسلامي، الذي لا يتناقض مع هذه الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الدولة المدنية، على مستوى أصوله النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة.

وبناءً عليه: سنستعرض هنا موقف الاتجاه التجديدي في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي ينطلق من أنَّ المنظور السياسي الإسلامي للدولة المدنية يعني (مدنية السلطة ودينية التشريع) لأنَّ السلطة في الإسلام مقيدة بمفاهيم وقيم وقواعد كلية، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، كالشورى والعدل والمساواة، كما إنَّ علاقة الدين بالسياسة في المنظور الإسلامي علاقة تمييز وليست علاقة فصل كما في العلمانية؛ لأن الإسلام ميّز بين التشريع كقانون إلهي ثابت والاجتهاد ككسب بشري متغير، وعليه يقوم المنظور السياسي الإسلامي على مدنية السلطة وليس التشريع كما في العلمانية؛ لأنَّ الحاكم في المنظور السياسي الإسلامي نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار، وقيام المنظور السياسي الإسلامي على دينية التشريع (وليس السلطة كما في الثيوقراطية) باعتبار قواعد الشريعة الأصولية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وتأكيد الفكر الإسلامي المعاصر على مصطلح (الدولة الإسلامية) كرديف لمفهوم الدولة، ظل مدعاة لتساؤل عن المعالم المميزة للدولة الإسلامية؟ وما طبيعتها؟ أهي دولة دينية تشاكل الدولة الثيوقراطية (الكهنوتية) التي سادت في أوروبا (العصور الوسطى)؟ .. أم هي ثيوقراطية بثوب إسلامي كنموذج إيران (ولاية الفقيه) أم أنها دولة مدنية بمرجعية إسلامية؟

غير أنَّ التأكيد على مصطلح (الدولة الإسلامية) لا يعني بحالٍ من الأحوال، أنها تحمل سمات (الدولة الدينية) المعروفة في التاريخ الأوروبي التي ادّعت القداسة، وكانت رمزًا للتسلط والقهر.

الدولة الدينية – حسب باحثين- عبارة “لها مدلول تاريخي يتمثل في كيان كهنوتي قام فعلًا، وطال مكثه، وكان الدين المسيحي يُستغل أبشع استغلال في دعمه وإخضاع الناس له”.. وهي بهذا المعنى لا وجود لها في الإسلام “حتى في فترات استغلاله من بعض الخلفاء والحكام لم يمنح أياً منهم سلطة بابوية كهنوتية، لأنه لا يتسع لأي كهنوت لا في تعاليمه ولا في تطبيقاته … وتسمية الحكومات الإسلامية المنحرفة بالحكومات الدينية وتحميل الإسلام وزرها أمر مجافٍ لكل صواب”(24) .

كما ذهب الإمام حسن البنا إلى أن اصطلاح رجال الدين من التعبيرات التي سرت إلينا تقليدًا، وهي “لا تنطبق ولا تتفق مع عرفنا، فإنها إن كانت في الغرب خاصة (بالأكليروس) فإنها في العرف الإسلامي تشمل كل مسلم، فالمسلمون جميعًا من أصغرهم لأكبرهم (رجال دين)”(25).

ويرى القيادي الإسلامي أحمد القميري أنَّ “مصطلح دولة دينية ودولة غير دينية هو تلاعب بالألفاظ لا تورث غير معارك كلامية، لسنا في حاجة إليها فنحن نؤمن بدولة ذات مرجعية إسلامية تخضع للرقابة وتخضع للتداول السلمي للسلطة، وليس من تلك الدول التي تكون حكومتها أبدية تحكم باسم الإله”(26).

وعلى ذات المنوال ولكن أكثر تفصيلًا يفرق القرضاوي بين الدولة الإسلامية وتلك الدينية التي عرفها الغرب “فالخطأ كل الخطأ الظن بأن الدولة الإسلامية التي ندعو إليها دولة دينية، إنما الدولة الإسلامية (دولة مدنية) تقوم على أساس الشورى ومسؤولية الحاكم أمام الأمة”.. فهي لا تتحكم في رقاب الناس أو ضمائرهم باسم (الحق الإلهي) إنها دولة مدنية تقيم في الأرض أحكام السماء، والإسلام لا يعرف مصطلح رجال الدين فكل مسلم رجل لدينه، لكن يوجد علماء متخصصون في علوم الإسلام أشبه بعلماء الأخلاق والفلسفة والقانون في المجتمعات الأخرى، وعلاقتهم بالدولة تقديم النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وينبغي أن تكون منهم هيئة أو محكمة دستورية عليا تعرض عليها مشروعات القوانين والأنظمة حتى لا يصدر منها ما يتعارض مع الإسلام(27) وفي كتابه (الدين والسياسة) يؤكد أن قيام الدولة الإسلامية على عقيدة الحاكمية لا يعني أنها دولة دينية(28) ففي الفكر والفقه الإسلاميين، الدولة كلها غير مقدسة، ولا يوجد فيها مقدس على الإطلاق.

وإذا كان هناك إشكال نظري حول مكانة الشريعة من داخل الدولة كجهاز سلطوي، فإننا نجد القرضاوي في سياق عرضه للمعالم التي تقوم عليها الدولة الإسلامية يؤكد على أن دستور الدولة “يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وبينتها السنة النبوية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، والعلاقات: شخصية ومدنية وجنائية وإدارية، دستورية ودولية”(29).ليضيف “والحق أن الدولة الإسلامية دولة مدنية، ككل الدول المدنية لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية”(30).

ومضمون هذا الموقف يحيلنا إلى مصدر شرعية السلطة، وحسب أستاذ القانون الدستوري كمال أبو المجد “فإن رضا الشعب هو مصدر شرعية السلطة في المجتمع الإسلامي”(31).

والأمة، هي التي تختار حكامها وهي التي تحاسبهم، وتراقبهم بل تعزلهم – وهذا لا يتعارض مع الحاكمية التشريعية – والتفريق بين الأمرين مهم والخلط بينهما موهم ومضلل فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة ثيوقراطية”(32).

ومصدر السلطات جميعًا في الدولة الإسلامية – التنفيذية، التشريعية، القضائية – إنما هو الأمة التي تمتلك سلطة اختيار الحاكم ومراقبته وعزله، وبهذا فحاكمية الله لا تتعلق بآلية اختيار الحاكم وإنما بالمنهج الذي يسير عليه، وبالتالي فطاعته مرتبطة بالعقد وشروطه، العقد الذي بايعه بموجبه الشعب، ومرجعية هذا العقد هي الشريعة الإسلامية بمصادرها من قرآن وسنة وإجماع واجتهاد(33).

وفيما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان كأهم ركائز الدولة المدنية، يذهب محمد الغزالي إلى أن الإسلام سبق الفكر الغربي في ترسيخ وضمان حقوق الإنسان؛ “فقصة حقوق الإنسان مثَل آخر لهذه المفارقات، إن المبادئ التي طالما صدّرناها للناس يُعاد تصديرها إلينا على أنها كشف إنساني ما عرفناه يوماً ولا عشنا به دهراً”  لكن “من الإنصاف أن نزكي مجموعة من المبادئ والشعارات التي انتشرت في الغرب وانسجمت مع فطرة الله التي فطر الناس عليها”(34).

أما الحريات العامة او ما يعرف بـ(الحقوق المدنية) فيعرفها الشيخ الغزالي بأنها “كل التصرفات النابعة من شعور الإنسان بذاته وضرورة اعتراف الجماعة بشخصه، وأهليته المطلقة وفق ما يريد…. وهذه الحرية تبدأ من غريزة الشعور الايجابي بالذات – كما يعبر علماء النفس- ولذلك فهي أساس لضروب شتى من الحريات بل أن المفهوم السائد للحرية بين الجماهير يكاد لا يعدوها”(35).

وهي حقوق طبيعية وبديهية كفلها الإسلام، وحسب سيد  قطب فـ “حين يولد المولود في الدولة الإسلامية تترتب له مع حق الحياة، سائر الحقوق التي تحفظ له الحياة، والتي تجعل الحياة كريمة لائقة ببني الإنسان والتي تُرقي هذه الحياة وترفعها لتُقبل عند الله” كما أن “لكل فرد في النظام الإسلامي حقاً مفروضاً، وهو أن يحصل على الكفاية من مقومات الحياة المادية والمعنوية على السواء”(36).

وقد حاول الغنوشي وضع ما يشبه (الخلاصة لنظام الحكم الإسلامي الرشيد) حسب تعبيره، مستعيرًا مبادئًا سبعة خطها ابتداءً الكاتب خالد محمد خالد، ومعلقًا عليها يكتب الغنوشي “أنه إذا آمنت قوة إسلامية بهذه المبادئ فإنها تكون قد قدمت نفسها في أول القائمة أنموذجًا عمليًا لحكم إسلامي يُحلم به” وهـذه المعالم السبعة هي:

أولًا: الأمة مصدر السلطات، بما فيها السلطة التشريعية في ما لم يرد به نص محكم من قرآن أو سنة أو إجماع.

ثانيًا: الفصل بين السلطات حتى لا يفرط بعضها على بعض أو يطغى.

ثالثًا: رئيس الدولة ينتخب من الشعب، انتخاباً حراً، وتتحدَّد مدة حكمه، وحتى لا يكون في الحكم من الخالدين.

رابعًا: المعارضة البرلمانية جزء هام من الحياة البرلمانية والسياسية.

خامسًا: تعدد الأحزاب ضرورة محتومة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وواضح أن العدل والحرية لا يوجدان في نظام الحزب الواحد أبداً.

سادسًا: انتخاب ممثلين للشعب في برلمان حر وشجاع.

سابعًا: حرية الصحافة، وحرية الرأي والفكر والعقيدة(37).

وهذا المبادئ السبعة لا تعدوا عن كونها مبادئ الدولة المدنية الحديثة بغض النظر عن الأسماء والمسميات.

في ظلّ حراك سياسي وصراع عسكري (ثورات مضادة) أعقب ثورات الربيع العربي – وما أفرزته من ممارسات سياسية ديمقراطية أوصلت الإسلامين الى سدّة الحكم- علت الأصوات المنادية بالدولة المدنية، والمناوئة لتلك الثورات وافرازاتها، ولكل ما يمت بصلة إلى الإسلام فيما يتعلق بالسياسة والسلطة ونظام الحكم، وعملت ولازالت على خلق وعي مجتمعي إسلامي عام بأن الدولة الإسلامية هي دولة دينية، والإيعاز لحلفائها من الغرب بأن صعود أية قوة إسلامية قد تنشأ في أي بلد إسلامي يسعى نحو التحرر من الأنظمة المستبدة التي سيطرت على مقدرات الأمة الإسلامية، يعني قيام دولة دينية (ثيوقراطية) لا تقر بالتداول السلمي للسلطة والتعايش المشترك وتتنكر للآخر كما تؤمن بالعنف وتتبنى الإرهاب.

والادعاء بأنّ الدولة الإسلامية هي دولة دينية على الضد من المدنية؛ دعوى مجردة عن الأساس العلمي الصحيح، لِتنكّرها للتجارب الإسلامية المضيئة منذ عهد النبوة؛ وقد تكون هذه الدعوى نتاج جهل بالإسلام ونظمه وتشريعاته، أو نتيجة خبث ومكر يرمي الى تضليل الشعوب والاستقواء بالغرب على القوى الإسلامية الصاعدة، من خلال محاولة خلق حالة رهاب لدى الغرب تجاه كل ما هو إسلامي وتصوير أن الإسلام يشبه ذلك الدين الكنسي الذي كان سائداً في العصور الوسطى.

وفيما يتعلق بمصطلحات (الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة، الدولة المدنية) مصطلحات مترادفة تمامًا أو تكاد، وفي كل مرحلة من المراحل يتوارى التيار العلماني خلف مصطلح من تلك المصطلحات ويشرع في التنظير والتأصيل والتطبيل والتهليل له محاولا علمنة المجتمع والفصل بين الدين والدولة، وفي كل مرحلة يتصدى التيار الإسلامي (علماء وكتاب ومفكرين) لتلك المحاولات بالتأصيل والتنظير لتلك النظريات بمصطلحاتها البراقة والتعاطي معها وفقا لهوية المجتمع وقيمه الإسلامية أي اسلمة تلك النظريات ولعل أبرزها نظرية الديمقراطية.

مما يستوجب على النخب الفكرية وأهل الاختصاص إعادة قراءة وتحرير الموقف الشرعي والفكري من هذه المصطلحات المهمة، التي ترتب على الجهل بها وبحقيقتها استنزاف واسع للجهود والحريات، وتوريط الشعوب في مصائد المستبد العربي المتنوعة، والوقوع في فخاخ التيارات المعادية للأمة والملة، والتأثر بشعارات براقة مخدرة للعقول مهيجة للعواطف.

وبناءً عليه: لابد من خلق رأي عام إسلامي قائم على أسس علمية سليمة، يؤيد ويعمل على قيام نظام حكم إسلامي يواكب المستجدات ويحقق طموحات وتطلعات شعوبنا المطحونة تحت جنازير الظلم والاستبداد الملقاة في غياهب الجهل والتبعية الفكرية، سيما تلك الدول التي تحررت من أنظمتها الظالمة المستبدة.

الهوامش:

  1. جدعان، فهمي،  أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط1،عمان، دار الشروق، 1988م، ص405.
  2. الطهطاوي، رفاعة رافع، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، ط بدون، ص6.  
  3. الطهطاوي، رفاعة رافع، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ط 1973، ص399 .
  4. نفسه، ص102.  
  5. نفسه، ص544.
  6. نفسه، ص466.
  7. التونسي، خير الدين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، ط الدار التونسية، ص50.  
  8. نفسه،ص 4.
  9. بادي، محسن أحمد، الدولة والمواطنة في فكر حركة الإخوان المسلمين، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة صنعاء، 2013م.
  10. السماوي، أحمد، الاستبداد والحرية في فكر النهضة، دار الحوار للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1988م، 22-34
  11. الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ط 5، بيروت، دار الشرق العربي، 2003، ص 2324.  
  12. بلقزيز، عبد الإله، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، مرجع سابق، ص47 .ص48.  
  13. عبده، محمد، الإسلام دين العلم والمدنية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص181.  
  14. نفسه، ص121.  
  15. نفسه، ص191.  
  16. عبده، محمد، الأعمال الكاملة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972م، ج3 ص285.  
  17. الجورشي، صلاح الدين، تأملات في إشكالية الشرعية والمشروعية في الخطاب الإسلامي المعاصر، مجله التسامح صادرة عن وزاره الأوقاف العمانية العدد، 23، 2008م، ص84. 
  18. عبد الله، حسان، الفقه السياسي الإسلامي المعاصر: اتجاهاته وقضاياه ومشكلاته، مجله التسامح مرجع سابق عدد25- 2009م، ص235 
  19. عبد الرزاق، علي، الإسلام وأصول الحكم، تقديم: عمار علي حسن، ط1، القاهرة، دار الكتاب المصري، 2012م ص137 
  20. بلقزيز، عبد الإله، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، مرجع سابق، 2004 م  ص83. 
  21. خلف الله، محمد احمد، الصحوة الإسلامية في مصر، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ط3، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 19995 م  ص43
  22. البنا، حسن، أحاديث الجمعة، جمع وإعداد: عصام تليمة، ط1، القاهرة، دار التوزيع الإسلامية، 2005م، ص 98.   
  23. البنا، حسن، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا،  مرجع سابق، ص 182.
  24. خالد، محمد خالد، الدولة في الإسلام، ط 4، القاهرة، دار المقطم، 2004م، ص10.        
  25. البنا، حسن، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا،  مرجع سابق، ص 86.
  26. الشرجبي، عادل، التجمع اليمني لإصلاح بين البرنامج السياسي وشعار الإسلام هو الحل، مجلة العلوم السياسية،  المجلة العربية للعلوم السياسية، بيروت لبنان، العدد24، خريف2009م. والعدد (17) خريف 2007م، ص15.
  27. القرضاوي، يوسف، فقه الدولة في الإسلام، ط 6، دار الشروق، القاهرة، 2009م، ص85وص31 – 32.
  28. القرضاوي، يوسف، الدين والسياسة تأصيل ورد الشبهات، ط1، القاهرة، دار الشروق، 2007م، ص165-170.
  29. القرضاوي، يوسف، فقه الدولة في الإسلام، مرجع سابق، ص32.
  30. القرضاوي، يوسف، الدين والسياسة، مرجع سابق، ص258.
  31. أبو المجد، أحمد كمال، المسألة السياسية، وصل التراث بالعصر والنظام السياسي للدولة، مجلة المستقبل العربي العدد 71  السنة 1980 ص 37.
  32. القرضاوي، يوسف، فقه الدولة في الإسلام، مرجع سابق، ص64.
  33. ينظر في ذلك القرضاوي، يوسف، فقه الدولة في الإسلام، ص64، الدين والسياسة، ص159، وراشد الغنوشي في الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ومجمد سليم العوا في النظام السياسي في الإسلام.
  34. الغزالي، محمد، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، ط 5، الإسكندرية، دار الدعوة، 2000م ص7.
  35. نفسة، ص96.
  36. قطب، سيد، في التاريخ فكرة ومنهاج، ط التاسعة، القاهرة، دار الشروق، 2005م ص33.
  37. الغنوشي، راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص351. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى