أشتات

التغوّل الغربي الاجتماعي : “السوسيال” السويدية (نموذجًا)

جوهر المشكلة وصلاحيات السوسيال (1-2)

ربما لم تأخذ مسألة ترتبط بالنظام الاجتماعي القيمي العلماني ذي العلاقة بالعائلة في أوروبا ما أخذه نظام ما يسمّى بالسوسيال “دائرة الشؤون الاجتماعية ” في مملكة السويد، بعد أن تفجّرت أزمة المهاجرين هنالك- وبالأخص المسلمين منهم- مع مطلع سنة 2022م، بعد تراكم استمر لعقود – كما سنفصّل ذلك لاحقًا- في ما يُعرف بانتزاع أطفالهم منهم عنوة، من قبل تلك المنظمة، تحت ذرائع غريبة في معظمها. وسنعرض في هذا الجزء لجوهر المشكلة وصلاحيات السوسيال، على حين سيتركز الجزء الثاني- بعون الله تعالى- على مواقف الأطراف ذات العلاقة وتصورات الحلول المفترضة للمشكلة.

مشكلة عامة تجاه المهاجرين لكن المسلمين الأكثر تأبيًا:

لم تكن مشكلة المهاجرين في السويد تجاه انتزاع جهات حكومية منهم أطفالهم، بذرائع شتى؛ حالة خاصة في أوروبا، إذ إن القوانين في عدد من الدول الأوربية تنطلق من فلسفة فردانية (Individualism) لا تخلو من تطّرّف، بحيث تولي الطفل ما تصفه بالحماية الخاصة، بمعزل عن  نظام الأسرة، ونمطها وعلاقاتها الخاصة، النابعة من دينها وقيمها ومعتقداتها، وثمّة حالات مشابهة لهذه الظاهرة، ولكن بنسبٍ متفاوتة، ولا سيما في كندا، وألمانيا، وفنلندا والنرويج، مع كونها  أقلّ حدّة بكثير من مستواها في مملكة السويد، في هذا المجال.

وفي تقرير منظمة N C H R  الذي يرمز إلى اسم اللجنة الشمالية الأوروبية لحقوق الإنسان، الصادر في 2012م وأعدّه نخبة من القضاة والمحامين وأساتذة القانون السابقين، وطبيب سويدي، وأعضاء في اللجنة التوجيهية للجنة الشمال أوروبية لحقوق الإنسان N C H R  في بلدان الشمال الأوروبي، وأرسلوه إلى مجلس أوروبا واللجنة الوزارية والبرلمان الأوروبي، لإجراء تحقيق شامل في الحالات السائدة جدًا والمدمّرة لسحب الأطفال، التي تتم ممارستها بشكل يومي، في دول الشمال الأوروبي المجاورة؛ جاء  في التقرير أن ذلك يتم  عبر السوسيال في “كل من السويد، النرويج، الدانمرك، وفنلندا”(1).

بدأت مشكلة المهاجرين عامة في السويد- ومنهم المهاجرون المسلمون الذين يمثّلون الأغلبية هنالك- منذ عقود طويلة، تجاه الإجراءات القهرية التي يصفها أغلب المهاجرين هناك بالتعسفية الظالمة.  بل إن تقرير منظمة N C H R  المشار إليه آنفًا  يصرِّح أنَّ بدايات مثل هذه القوانين تعود إلى مطلع القرن العشرين(2). ويظهر أن الأمر لم يبرز  بالصورة التي آل إليها الأمر في السنوات الأخيرة؛ إلا من بعد  مرحلة الربيع العربي في بعض البلدان العربية، في 2011م، حيث تزايدت نسبة الهجرة  إلى أوروبا – ومنها السويد-   ولا سيما من سوريا، وتكاد تكون كل تلك الهجرات  أو معظمها – على الأقل- من المسلمين، الأمر الذي كان سببًا مباشرًا في خروج المشكلة، عن معدّلاتها السابقة، إلى معدّلات أعلى وأكبر، كما أن ذلك يعود إلى كون المسلمين ذوي ثقافة أسرية متماسكة – في الأصل- وأنماط العلاقة بين أفرادها لاتزال قوية، محكومة بمجمل منظومة التشريعات والآداب والقيم الإسلامية، رغم كل ما قد أصاب بعضها من فتور وتراجع، وما قد يشوب السلوك من أساليب تربوية خاطئة، في أحيانٍ كثيرة، كما أن الإجراءات السويدية من قبل دائرة الشؤون الاجتماعية “السوسيال” – وهي الجهة المسؤولة عن شؤون الطفل والعائلة، في حال تقديرها لخطر قد يتعرّض له، أو لإهمال أو عنف جسدي أو نفسي، قد يصيبه، وفق تقديرها  لمستوى كل ذلك- بلغت مستوى النيل من خصوصياتهم “المقدّسة”، وذلك  حين تنتزع منهم فلذات أكبادهم، وتعمل على إعادة تنشئتهم بقيم  مغايرة، وأنماط سلوكية مصادمة لدينهم وثقافتهم، بدءًا من قطع علاقاتهم بوالديهم، أو أحدهما، على نحو صارم وعنيف، أو غرس الكراهية في نفس الطفل على أسرته، بحيث يظل ناقمًا عليها، وعلى معتقداتها وقيمها كذلك، حتى في حال تمكّنت من إعادته إليها، بعد جهود قضائية وقانونية معقّدة، وفترة طويلة، تشمل – في الغالب-إعادة تأهيل الأسرة  من قبل هيئة السوسيال وفق قيم المجتمع السويدي وثقافته وقوانينه، وما يشوب ذلك من تحيّزات أحياناً في التطبيق، وتعهدات تخضع لها هذه العائلات بالتزامها بكل ذلك، وعدم تفكيرها بتطبيق معتقداتها وقيمها الخاصة وثقافتها على طفلها المعاد”(3)، وفي هذه الحال لئن نجت الأسرة من التأثير عليها وصمدت في وجه محاولة مسخ الروح والهوية والقيم؛ فإنَّ الطفل يكون قد أشبع بتلك المعاني، نظرًا لكونه خامة قابلة للتشكيل بكل ما تعبّأ به، لاسيما في تلك السن، بما فيها تحميل ثقافة الأسرة ودينها ومعتقداتها، جريرة الأخطاء السلوكية- إن وجدت حقّاً-  أو حتى تصوير الأمر له أن التقاليد الإسلامية تحول دون أن يحقق الطفل ذاته، حين ينطلق من غير قيد، في إشباع حاجاته وغرائزه بكل ما يجده متاحًا أمامه، وفق قيمة “اللذة” وحدها، بمعزل عن أيّ قيود أو كوابح، بما في ذلك  حقه في إقامة علاقات محرّمة، سواء مع الجنس الآخر الـ ( Girl Friend)، أو ( Boy Friend)، أو حتى مع  جنس مثله “الشذوذ الجنسي” الذي يسمّونه تلطّفًا “المثلية الجنسية” (Homosexuality)، وعادة التدخين، وتعاطي الكحول، وعدم التزامه بأيّ من الواجبات والآداب الإسلامية، وخلع الحجاب، بالنسبة للفتاة، بل ربما التعرّي، والاشتراك مع الأولاد في حصة السباحة، وحضور حصة التربية الجنسية، التي تتجاوز كل مألوف  معقول، إلى حد فاضح، وفق ما هو معروف في  كثير من البلدان الأوروبية، ومنها السويد، وربما يقود هذا بعد كل ذلك إلى مرحلة تعاطي المخدّرات!

السوسيال وصلاحياتها:

مع أنَّ الأصل القانوني أن دائرة السوسيال ذات صلاحيات شاملة، لا تُستثنى منها حتى العائلات السويدية “الأصلية”؛ إلا أنها تُمعِن في التركيز على أطفال المهاجرين، مستغلة الصلاحيات  القانونية الممنوحة لها. ووفقًا لتقرير منظمة N C H R  ؛ فإنها ” تستهدف العائلات التي  فيها عائل واحد، لأنه الأضعف اقتصاديًا وتعليميًا، وإذا كان لدى العائلة مشكلات صحية، والعائلات المهاجرة، كما أن الآباء  ذوو المعتقدات والفلسفات التي تبدو غير مناسبة سياسيًا، غالبًا ما يعدّون آباء غير مناسبين، مما يؤدّي إلى سحب أولادهم  منهم، ووضعهم في بيوت بديلة. ومنذ بداية الثمانيات هربت كثير من العائلات من السويد، ليحموا أطفالهم من الأخذ إلى البيوت البديلة”(4). والحاصل أن السوسيال تهدف بكل الوسائل إلى انتزاع الأطفال من أسرهم، بناء على أيّ ذريعة، بما فيها إلزامها المدرّسين والممرضين، بتقديم تقارير عن حالة الأطفال الذين يدرّسونهم أو يعالجونهم، وقد يكون بعض هؤلاء الممرضين أو المدرّسين مصابًا بداء   “الإسلاموفوبيا” – بالنسبة للمهاجرين المسلمين- أو  من ذوي النزعات  الشعبوية  الشوفينية العنصرية الداعية إلى طرد المهاجرين، ورفض استقبالهم على الأراضي السويدية، وثمّة اتجاه متزايد لهؤلاء، ومن المفارقة أن عددًا ولو محدودًا من  المهاجرين العرب الحاصلين على الجنسية السويدية؛ انضموا إلى هذا الاتجاه!

وخلافًا لما كان معلومًا من التسهيلات التي تمنحها الحكومة السويدية للمهاجرين إليها فقد  أحالت الحكومة في  ديسمبر 2021م  إلى البرلمان مشروع قانون لتشديد الرقابة على المهاجرين، الذين تعدّهم الحكومة تهديدًا أمنيا. ويتيح القانون هناك ترحيل الأجانب بمجرد اعتبار الشخص يمثل تهديدًا أمنيًا ، أو حتى التخوف من مشاركته في أعمال “إرهابية مستقبلية”، حتى  يسهل طرده من السويد مباشرة دون أيّ حق في المراجعة. ويقترح القانون الجديد احتجاز الأشخاص الذين يعدّون خطرًا أمنياً لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، في حين أن الحد الأقصى الآن سنة واحدة، كما سيتيح القانون، حال إقراره، للشرطة إمكانية المراقبة السرية بالكاميرات، والحق الموسع في نسخ بيانات الهواتف ومعرفة فحوى المراسلات مع الأشخاص الآخرين.

وانتقد حزب المحافظين المعارض اقتراح الحكومة. وقال المتحدث في القضايا القانونية باسم الحزب يوهان فورشيل إن اقتراحات الحكومة غير كافية على الإطلاق، وطالب بمزيد من الإجراءات، ولفت إلى أن هناك أغلبية واسعة في البرلمان تذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه الحكومة(5).

ووفقاً لإحصاءات مجلس الخدمات الاجتماعية وهيئة الإحصاء السويدية فإن عدد البلاغات التي تصل السوسيال سنويًا  تقدّر بـ300 ألف بلاغ، من بينها 180 ألف حالة متعلّقة بالأطفال(6).

الجدير بالذكر أنَّ القانون السويدي أناط بهذه الجهة ذاتها “السوسيال” القيام بالدعم المالي والاجتماعي للعاطلين عن العمل، وذوي الاحتياجات الخاصة، وحماية النساء المعنفات، ورعاية كبار السن والمهاجرين. ومن هنا فمن غير المنطقي أن يرفع المهاجرون المسلمون  – بالخصوص- أصواتهم عاليًا، ضدّ هيئة السوسيال، وهي المسؤولة المباشرة عن شؤونهم وأن يشنوا عليها حملات إعلامية  قوية، لو لم يكن الظلم الموجّه ضدهم قد بلغ مداه.

كانت الحكومة السويدية عبر السنوات بل العقود الماضية تتيح لمعارضي سياسة السوسيال عقد ندوات ومؤتمرات وتسجيل اعتراضات أقرب إلى البروتوكولات التقليدية الباهتة، ومع تزايد انتهاكات السوسيال في السنوات الأخيرة  ولمّا لم تستجب لهم الحكومة السويدية، رغم كل ذلك،  لجأوا إلى تنظيم جملة فعاليات إعلامية وتوعوية وعملية متنوّعة  وجادّة، مختلفة عن سابقاتها، وتفاعل معها كثيرون خارج السويد، إلى جانب التصعيد الإعلامي بكل وسائله على نحو غير مسبوق. وزاد من وهج التفاعل تنظيم الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، فتمت تظاهرة في العاصمة السويدية ستوكهولم، في منتصف شهر فبراير/ شباط في 2022م وأخرى بعد الأولى بأسبوع في مدينة جوتمبرج، وكلا التظاهرتين أمام مقرّ هيئة السوسيال في المدينتين، وهو ما أكّد أن الأمر فاق حدود التحمّل، لتلك المظالم. وهنا لنا أن نتساءل في وجه أولئك المتهمين (بكسر الهاء) لأولئك الآباء والأمهات في السويد بالمبالغة والتلفيق، بمن فيهم ( أي المتهمِين)  هيئة الأئمة هناك: هل من المعقول أن يغامر فرد أو أسرة بمستقبل إقامته وأولاده، في بلد أوروبي يأويه، ويقف متحديًا لتلك الهيئة وجهًا لوجه، بعد أن خاض مغامرات مرّ فيها بالفيافي والبحار والمخاطر  المتعدّدة، حتى نجا ووصل إلى برّ الأمان هناك، وحقق امنيته باللجوء، أو الجنسية، وحظي  برعاية مادية مقدّرة، هل من مصلحته التضحية بكل ذلك، لو لم يكن يرى أن كل تلك المكاسب لا قيمة لها،  حين تُقارن بخسارة فلذات أكباده ،وحرمانه منهم، ومن خشية بعضهم على مستقبل أبنائه  في التربية والرعاية بقيم أخرى وثقافة مغايرة، بل مضادّة،؟! مع ما يعلمه الجميع من أن البديل لتلك العائلات المحتجّة سيء،  أو مجهول في أحسن الأحوال في ظل انسداد أبواب الأمل كل يوم أكثر عليهم،  في يلدانهم، من حيث أمل العودة القريبة!

وإذا تذكّرنا أن الشكوى موجّهة تجاه السوسيال وأن السوسيال هي ذاتها المسؤولة الأولى عن منحهم كل تلك الامتيازات أو حرمانهم منها؛ فإن ذلك يؤكّد مدى الشعور بالمظلومية والقهر. بعيدًا عن الحسابات المادية والآنية العاجلة. 

(يتيع ……..)

الهوامش:

1- تقرير اللجنة الشمال أوروبية لحقوق الإنسان في السويد ،2012م (N C H  R) 

The Nordic Committee for Human Rights, Report: Child Removal Cases in Sweden and the neighbouring Nordic countries,  {https://www.justice.gov.sk/siteAssets}

2- المرجع السابق

3- راجع: تقرير موقع B B C بالعربية

العرب في السويد : ما حقيقة ما أشيع عن انتزاع أطفال مهاجرين عرب من عائلاتهم؟،19/2/2022م (دخول في 24/2/2022م).

{https://www.bbc.com/arabic/trending-60393334}

4- تقرير اللجنة الشمال أوروبية لحقوق الإنسان في السويد ،2012م، N C  H R،مرجع سابق.

5- Skärpt kontroll av misstänkta terrorister (تشديد الرقابة على الإرهابيين) ، 8/12/2021م (دخول في 25/2/2022م)

{https://www.svd.se/skarpta-straff-for-terrorbrott-foreslas}

6- تقرير موقع B B C  بالعربية، العرب في السويد، مرجع سابق.

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى