فكر

حقيقة موقف العلمانية الغربية من الدّين والموقف الإسلامي

يذهب يعضهم للقول:  إننا ننطلق في المناقشة من فرضية مركبة عالقة في أذهان أغلبنا [أي العلمانيين]،  مفادها: أنه لا تحقيق للعدالة أساسًا إلا في ظلِّ تنحية الدين جانبًا، إذ لا دين للدولة أصلًا لا الإسلام ولا سواه، ولأنَّ وجود الدين حاكم، يعني تحيّز أتباعه لأيديولوجيتهم الدينية تجاه مخالفيهم، علاوة على أن الدّين- أيَّ دين-  لا يمتلك بذاته نظامًا شاملًا متكاملًا قادرًا  على مواجهةِ تحديات الحياة في مجالاتها المختلفة.

وهنا لابد أن نعود لنجدّد ضبط مسار النقاش بحدود علمية صارمة أكثر، فمن الناحية العلمية البحتة كيف يمكن لباحث، بل لكائن إنساني يمتلك مستوى متقدّمًا من الوعي  أن يسارع إلى التسليم بفرضية كليّة مركبة لم يختبرها، بل جاءت من خصمه مسلّمة جاهزة، وهي  مكونة من  قضية مكوّنة من ثلاثة جوانب: الأول: يدّعي أنَّ العلمانية الغربية التي ينطلق منها في حديثه، عادًّا لها النموذج القياسي الحاكم؛ تقوم على أساس استبعاد الدين كليّة من دستورها ونظامها السياسي، فيما يقوم  الشق الثاني على أساس أنَّ الدين ليس قادرًا على تحقيق العدالة بين الجميع من غير تحيّز لأتباعه، ومن ثمّ فلا مناص من اللجوء إلى فلسفة أو (أيديولوجية) غير دينية (والعلمانية أيديولوجية بشرية مهما كابر مروِّجوها)، أو حتى آلية – كما يحبّذ البعض أن يصفها- لتنصف الجميع، أما الشق الثالث فيقوم على أساس أنَّ الدين – والمقصود به الإسلام في هذا السياق كلّه- لا يمتلك منظومة حكم متكاملة تقوى على مواجهة المشكلات والتحديات والمستجدات في مختلف المجالات؟

والواقع أننا بعد أن استعرضنا تلك الآيات  القرآنية آنفًا، وهي صريحة جليّة في بيان وظيفة الدولة في الفكر السياسي الإسلامي؛ لابدّ أن نحدّد مسار الحوار بضبط أكثر، في ضوء تلك التساؤلات آنفًا. فإذا اكتشفنا أنَّ من ثوابت الحكم الإسلامي ابتداءً- عبر وظائف الدولة في الإسلام- عدم محاباة أيّ طرف فردي أم جماعي، قريب أم بعيد،  صديق أم خصم، موافق للمسلم في العقيدة والدين، أم  مختلف معه فيهما، أي أن وظيفتها  الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بالتعبير  السياسي الشائع اليوم؛ فإن ذلك يقتضي مناقشة تلك التساؤلات على النحو التالي:

أولًا: هل صحيح أنَّ العلمانية الغربية تقصي الدين من دساتيرها؟

كثيرًا ما يردّد دعاة العلمانية مقولة أنَّ الغرب قد أقصى الدين من حياته السياسية والتشريعية  تمامًا، بعد ثورته على الكنيسة، وأنَّ ما يظهر بين حين وآخر من حديث (لافت) عن الدِّين وتوجيهه والكنيسة ومكانتها في توجيه السياسة والحكم، وأثر ذلك الفعلي على توجّهات  بعض السياسيين هنالك  ليس سوى  ظلال تاريخية  أو بقايا تراثية (اجتماعية) غير مؤثّرة على صناعة القرار الغربي اليوم، لكن سيغدو من تسطيح المواقف بل من الإسفاف  في التحليل – في تصوّري- ترديد مثل تلك المقولة مع تزايد الشواهد الجزئية والكليّة ولاسيما في السنوات الأخيرة، تلك التي تصبّ في قالب أن الدّين لايزال حاضرًا – وإن بدا ذلك من طرف خفي للبعض-  حتى غدا مؤثرًا على نحو لا تخطئه عين متابع، وبدت تلك الفرضية أو المقولة الزاعمة إقصاء الدّين تمامًا من الحياة السياسية في الغرب هي الفرضية الهشّة التي يعوزها المراجعة والتدقيق.

وللدلالة على ذلك يحسن بنا استعراض بعض النماذج الغربية وأبرزها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول  الأوروبية. لكن تعال بنا – أيها القارئ الكريم-  لنستهل ذلك  ببعض الدول الأوروبية وفقًا لما قام به بعض الباحثين الذين استقصوا ذلك من مصادره الأجنبية، وقدّموا لنا الخلاصة على نحو جيّد بوسع أيّ منا التأكّد من ذلك بنفسه، ثم ننتقل إلى النموذج الأمريكي بعد ذلك، وذلك على النحو الآتي:

1- بريطانيا

معلوم أنَّ بريطانيا ليس فيها دستور مكتوب بالمعنى المتعارف عليه في كثير من  دول العالم،  فنجد أننا أمام دستور عُرفى، يتمثل أساسا في القوانين المعمول بها، ويتضمن  أحكام  القضاء و المعاهدات و الأوامر الملكية و قرارات البرلمان،  فقد نص القانون البريطاني على أنه ” ليس هناك مانع على أساس دينى من تقلد المناصب العامة ما عدا منصب السيادة العليا للدولة (الملك أو الملكة). أما السيادة العليا للدولة (الملك أو الملكة) فيجب أن يكون صاحبه بموجب القانون بروتستانتيا”. وتعطى الأولوية لتوريث الحكم للذكر البكر. كما ينص على أن صاحب السيادة العليا (الملك أو الملكة) في بريطانيا هو الحاكم الأعلى للكنيسة الإنجيلية ومن صلاحياته تعيين الأساقفة  ورؤسائهم.

  • ومن حق السنودس البريطانى (المجمع الكنسى الإنجيلى) أن يقدم اقتراحًا بقوانين تعد سارية, ومعتمدة بعد اعتماد البرلمان لها.
  • أيضا من حق السنودس أن يشرع بأحكام الشريعة المسيحية الإنجيلية بعد موافقة صاحب السيادة العليا .
  • وينص القانون البريطاني كذلك على أن “كنيسة انكلترا و كنيسة اسكتلندا هما الكنائس (الرسمية) المقررة لمراسم الدولة ذات الطابع الديني. ولا يحصل أعضاؤها مع ذلك على أي ميزة بكونهم أعضاءها”.
  • ويعد البرلمان البريطاني أعلى مصدر لإصدار التشريعات، حيث يتكون من: الملك (الذى يكون منصبه بالوراثة) و مجلس العموم (وهو منتخب من الشعب) ومجلس اللوردات (الذى يعين من الملك) . وأحد مكونات مجلس اللوردات هو المجلس الروحي ويتكون من ستة و عشرين عضوا، يشترط أن يكون دينهم المسيحية الإنجيلية، و يكونوا أساقفة في الكنيسة الإنجليزية. ويجب أن تمر أغلب القوانين التي يصدرها مجلس العموم على مجلس اللوردات ليوافقوا عليها. وإذا لم يتم الموافقة عليها من مجلس اللوردات، يفصل في الأمر الملك (الذى يشترط أن يكون إنجيلي الملّة) بتوصية من رئيس الوزراء. علمًا بأنَّ للملك الحق في إلغاء أىّ قرار من قرارات مجلس العموم بلا استثناء(1), ويصف أحد المنادين بالحل العلماني, مثل هذه النصوص بالخصوصية العلمانية البريطانية، كما يشير كذلك إلى تصدير النشيد القومي البريطاني بجملة ” الله يحمي الملكة، أو إشكالية  تجريم الشخص الذي يمارس تجديفًا تجاه الأديان، من الناحية القانونية (2).

معلوم أنَّ بريطانيا ليس فيها دستور مكتوب بالمعنى المتعارف عليه في كثير من  دول العالم،  فنجد أننا أمام دستور عُرفى، يتمثل أساسا في القوانين المعمول بها، ويتضمن  أحكام  القضاء و المعاهدات و الأوامر الملكية و قرارات البرلمان،  فقد نص القانون البريطاني على أنه ” ليس هناك مانع على أساس دينى من تقلد المناصب العامة ما عدا منصب السيادة العليا للدولة (الملك أو الملكة). أما السيادة العليا للدولة (الملك أو الملكة) فيجب أن يكون صاحبه بموجب القانون بروتستانتيا”. وتعطى الأولوية لتوريث الحكم للذكر البكر. كما ينص على أن صاحب السيادة العليا (الملك أو الملكة) في بريطانيا هو الحاكم الأعلى للكنيسة الإنجيلية ومن صلاحياته تعيين الأساقفة  ورؤسائهم.

كنيسة فريدريك في الدنمارك

2- الدانمرك

أما في الدانمارك فينص دستور الدولة في المادة (4) على أنَّ الكنيسة الانجيلية اللوثرية هي الكنيسة الرسمية للدولة .

  • كما ينص الدستور الدنماركي في المادة (6) أن الملك يجب أن يكون منتميًا للكنيسة الإنجيلية.
  • وتنص المادة (66) على أن دستور الكنيسة الرسمية يجب أن يطبق بالقوانين
  • الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الهيئة الدينية الوحيدة في البلاد التي لها حق الحصول على إعانات مالية أو تمويل مباشرة من خزينة الضرائب فى الدولة (3).
  • رغم أنَّ الإسلام هو الدين الثاني في الدانمرك من حيث الانتشار، إلا أنه تم الاعتراف به رسميًا فقط بدءًا من عام 2005م. وتبلغ العطلات الرسمية في الدولة (11) يومًا كلها أعياد دينية مسيحية(4).

3- أيسلندا

تنص المادة  (62) في الدستور الإيسلندي الدستور على  أن  الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة  الدولة، وبموجب هذا ستظل هذه الكنيسة مدعومة ومحمية من قبل الدولة”.”

4- اسكتلندا

في  اسكتلندا حيث (الكنيسة المشيخية) المعترف بها رسميًا.

“يؤدي العاهل الجديد القَسَم في مجلس اعتلاء العرش، ويقسم جميع رجال الدين في الكنيسة يمين الولاء للعاهل قبل توليه منصبه”.

5- اليونان

في اليونان الأرثوذكسية، ينص الدستور في المادة (3) من القِسْم الثاني على:

أ – أن الديانة السائدة في اليونان هي ديانة كنيسة المسيح الأرثوذكسية الشرقية. والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والتي تقر بأنه على رأسها يسوع المسيح، تتحد في مذهبها مع كنيسة المسيح العظمى في القسطنطينية، كما تتحد مع كل كنيسة تتبع نفس المذهب بقدر ما يلتزمون بذلك، وكذلك الكرسي الرسولي والشرائع والتقاليد المجمعية المقدسة، وهي كنيسة مستقلة يديرها المجمع المقدس لخدمة الأساقفة، والمجمع المقدس الدائم المنبثقون عنها، والذي يجتمع على النحو المحدد في الميثاق القانوني للكنيسة، المتمثل للمرسوم البطريركي للبطريرك «تومي» الصادر في 29 يونيو سنة 1850م، والقانون الخاص بالمجلس الكنسي الصادر في سبتمبر سنة 1928م

ب – ولن يعتبر النظام الكنسي الموجود في مناطق معينة من اليونان مناقضاً للأحكام الواردة في الفقرة السابقة.

ج – ويجب الحفاظ على نص الكتاب المقدس دون تحريف، وتحظر الترجمة الرسمية للنص لأي صيغة لغوية أخرى دون موافقة مسبقة من الكنيسة المستقلة لليونان، وكنيسة المسيح العظمى في القسطنطينية”.

وعلاوة على كل ذلك وكتأكيد أكبر لمدى بقاء الدين عاملاً أساسا محركاً  في أوروبا (العلمانية) فإن قادة الاتحاد الأوروبي الـ 27 اختاروا العاصمة الأكبر رمزية لمسيحي العالم  وهي(الفاتيكان)، وذلك في 27/3/2017م، بمناسبة الذكرى الـ60 لتأسيس الاتحاد، والتقطوا صورة جماعية شهيرة ذات دلالة بعيدة، وهم يصطفون جميعاً وراء البابا فرانسيس!الذي حذر عند استقباله القادة الأوروبيين في الفاتيكان في24/3/2017م  من أن الاتحاد “مهدد بالموت” إذا لم يعد إلى مبادئ الآباء المؤسسين “كالتضامن”.

وقال: “أوروبا يعود إليها الأمل عبر التضامن الذي يشكل أقوى ترياق ضد الشعبويات المعاصرة”، وذلك في معرض حديثه عن المهاجرين والشباب.

كما صرّح رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، قائلا “يجب أن تطلق قمة روما بداية فصل جديد من أجل أوروبا موحدة من 27 دولة”(5).

وقد أثار ذلك الموقف ذو الدلالة الدينية الواضحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليصرّح في 26/3/2017م  أن  “اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي في الفاتيكان بمناسبة الذكرى السنوية الستين لتأسيس الاتحاد أظهر تحالفهم الصليبي”.

وتابع في كلمة ألقاها خلال مشاركته في افتتاح عدد من المشاريع التنموية بمنطقة (سنجق تبه) في اسطنبول متسائلًا:

“لماذا اجتمعتم في الفاتيكان ؟! ومنذ متى كان البابا عضوا في الاتحاد الأوروبي”!؟

ولفت إلى أنَّ “الاتحاد الأوروبي يرفض عضوية تركيا لكونها دولة مسلمة”(6).

6- نموذج الدين والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية

عزيزي القارئ:

لعلك مطّلَع على  بعض الأطاريح  أو الدراسات أو التقارير أو المقالات  التي تناولت علاقة الدّين بالدولة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومدى تأثير العامل الديني على صانع القرار السياسي هناك؛ إلا أنني لا أدري إن كنت قد اطّلعت على  أطروحة الدكتوراة التي تقدّم بها الدكتور يوسف الحسن عن (البُعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني). وفي ظني أنها تعدّ  من أوفى الدراسات وأعمقها، حيث خلصت – وأستميحك  عذرًا لقراءة بعض نتائج تلك الدراسة- إلى أنَّ الاتجاه الصهيوني مترسّخ في المسيحية الأصولية بالولايات المتحدة، وأنَّ نظرة هذه الحركة تقوم على قانون لاهوتي توراتي يتلخّص في ضرورة إيمان كل مسيحي مخلص بالعودة الثانية للمسيح(Second Coming of Christ) وأنَّ قيام دولة (إسرائيل) واستيلاءها على مدينة القدس إشارة إلهية تعني أن العودة الثانية للمسيح على وشك الحدوث. وبناء على ذلك فإن مسألة دعم إسرائيل مادياً ومعنوياً ليس أمراً اختياريا، أو إنسانياً، بل  قضاء إلهي لأنه يسرّع في قدوم المسيح، ومن ثم فإن من يقف ضدّ إسرائيل فإنما يقف ضدّ إرادة الله! (7).

وفيما يتعلّق بدستورية فصل الدّين عن الدولة في الولايات المتحدة تخلص الدراسة إلى أنّه  ” وعلى الرغم من دستورية فصل الدّين عن الدولة؛ فإن الجدار بينهما كان واهياً، وإن الفصل كان مقصوداً به حماية الدّين من تدخّل الدولة في شؤونه، وإن تنفيذه عملياً ظل عرضة للتغيّر تبعاً لموازين القوّة داخل المجتمع، ولأطماع الدولة والكنيسة، وقدرة أحدهما على أن تسود على الأخرى، فتتجاوز حدود المستوى النظري لعملية الفصل.

العلاقة بين الكنيسة والدولة في الولايات المتحدة:

تبيّن دراسة يوسف الحسن ذاتها أنَّ الكنيسة الأمريكية نظام شمولي في أغراضه وأنشطته وعلاقاته، وتمزج الدين بالتعليم وبالخدمات الاجتماعية، وبالطب وبالسياسة وبالفنّ وبالحرب والسلم…إلخ ولا يفلت من شباكها شيء يتعلّق بالحياة اليومية للإنسان. وقد استنتجت الدراسة أن البروتستانتية هي التي تمثّل الأكثرية الغالبة للشعب الأمريكي، وتكمن فيها مصادر النفوذ السياسي، ليس بسبب كثرة عددها فحسب، بل لكونها طبقة الكنيسة العليا، أو ما يسمّى كنيسة الانكلوسكسون البيض التي تختصر عادة بكلمة “واسب” (WASP) .

وقد استخدمت الكنيسة الوسائل والأساليب نفسها التي تستخدمها المنظمات والمؤسسات المدنية، من حيث التأثير في السياسة العامة للمجتمع، وخاصة ممارسة أساليب الضغط المنظّم المسمّى اللوبي، ووسائل استطلاع الرأي العام، وأجهزة الإعلام الحديثة، وأدوات الاتصال الجماهيري. كما ملكت وأدارت جامعات ومؤسسات تربوية وتعليمية وإعلامية واستثمارية، مما وفّر  لها إمكانات مالية ضخمة، وملكت بذلك عقول الملايين من الأمريكيين وجيوبهم، وقد وجدت الدراسة أن العقدين الأخيرين (يقصد السبعينات والثمانينات) شهدا توسّعاً في التعليم الديني في الولايات المتحدة، الأمريكية، سواء من حيث عدد المؤسسات التعليمية أو عدد التلاميذ، فضلاً عن انتخاب رئيسين للجمهورية يؤمنان بأهمية الدّين وبدوره في المجتمع، فالرئيس السابق جيمي كارتر أعلن عن عقيدته وإيمانه بشعار ( الولادة الثانية) كمسيحي أصولي، وجسّد ما في هذه العقيدة من اتجاهات صهيونية نظرياً وعملياً. كما عبّر عن ذلك ومارسه الرئيس رونالد ريغان، واعتبر أن للدّين دوراً أساسياً في الحياة السياسية للولايات المتحدة الأمريكية. وفي النتيجة فإن حركة المسيحية الصهيونية التي هي في غالبيتها بروتستانتية، هي أهم ظاهرة سياسية في العقدين الأخيرين من هذا القرن”(8).

وتأمّل في زمن هذه الدراسة فإنها كانت في التسعينات من القرن الميلادي المنصرم، وقارن ذلك بالسياسات التي جاءت بعد ريجان، ناهيك عن عهد بوش (الابن)، وما جرى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مطلع الألفية الثالثة،  حيث ما برح بوش (الابن) يكرّر مقولته بأن الرب أوحى إليه أن يتخذ قراره المصيري أو الكوني هنا أو هناك، ولذلك ارتكب كثيراً من الحماقات المدمّرة، في سياسات إدارته الخارجية، ومنها قرارا الحرب في أفغانستان والعراق،  وبوش (الابن) هو  أول من أعلن -من بين رؤساء الولايات المتحدة- عنوان  الحرب الصليبية (Crusade War ) عند  إعلانه الحرب على أفغانستان في 2001م، وقد ظن  البعض ذلك منه  زلّة لسان،  بعد أن عاد فاعتذر، نظراً للتداعيات المدويّة لمقولته،  إلا أن التحليل النفسي (السيكولوجي) لشخصيته في ضوء مواقفه الأخرى وانتمائه الفكري والوجداني المعروف إلى اليمين المسيحي (Christian Right Wing)، أو ما يُعرف بـالمسيحية الصهيونية (Christian Zionist) يقود إلى نتيجة فحواها أن الرجل يعني ما يقول، وليست زلّة لسان، بل تعبير عن ذهنيته ونفسيته واتجاهاته تجاه الآخر (المسلم). ومن المعلوم أن المحافظين الجّدد (The Neo Conservatives) ذوي المنزع الاحتلالي للعالم باسم نشر القيم الأمريكية في العالم يمثلون الأغلبية في عهد إدارته، وقد تأكّد ذلك أكثر مع تزايد نفوذهم  داخل البيت الأبيض وفي قرارات إدارته،  ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بذريعة أن غياب الديمقراطية عن جزء من العالم سيؤدي إلى تهديد بقيّة العالم، ومنه العالم الغربي، والولايات المتحدة بوجه أخص، وإذا لم يكن من  سبيل سوى القوّة لفرض ذلك، فلِمِ لا؟(9).

وتذهب الباحثة في معهد الأمن الدولي بواشنطن ريما ميار سكوف  إلى التأكيد على أنه “بات واضحا أن كثيرا من الأميركيين لا يوافقون على أن الحكومة يجب أن تظل خارج هيمنة الدين، فالكثيرون يصنفون الولايات المتحدة على أنها دولة مسيحية، ويستشهدون بعبارة “أمة واحدة بأمر الرب” الموجودة في قسم الولاء للدولة وعبارة “نثق في الرب” المنقوشة على العملة الأميركية،  كما أن جورج بوش يعتبر من قبل الكثيرين أكثر الرؤساء تدينا خلال عقود مضت”(10)،  ومن هنا نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية من الدول التي يتمتع فيها الوضع التعليمي بالحرّية الدينية إذا قورنت ببلدان علمانية أخرى أوروبية مثل فرنسا أو حتى علمانية في مجتمعات إسلامية مثل تركيا ” ففي أمريكا يسمح للطلاب بإظهار رموزهم الدينية، وأداء قسم الولاء للبلاد الذي يتضمن عبارة” أمة واحدة، إله واحد”، أما في فرنسا وتركيا فنجد الدولة تنتهج سياسات تتناقض كليّاً  مع هذا الموقف” (11).

” ويشير استطلاع للرأي أجرته أسوشيتدبرس أن 40% من الأميركيين يعتقدون أن القادة الدينيين يجب أن يكون لهم رأي في السياسة العامة..

وأشار استطلاع آخر لشبكة التلفزة المحافظة فوكس نيوز إلى أن 77% من الأميركيين يشعرون بأن المحاكم تمادت كثيرا في إبعاد الدين عن الحياة العامة، كما أوضح نفس الاستطلاع السابق أن 66% يؤيدون عرض الوصايا  العشر في المدارس العامة، وصوت 76% لصالح عرضها في المباني الحكومية. وطالبت بعض الجماعات الدينية بعودة الشعائر الدينية إلى المدارس، رغم حظر المحكمة العليا لهذا الأمر منذ أكثر من 40 عاما مضت” (12)..

“وبينما طلبت بعض المجموعات حذف عبارة “بأمر الرب” من ميثاق الولاء للدولة، ينص البرنامج السياسي للحزب الجمهوري في ولاية تكساس للعام 2006 على أن أحد أهدافه هو “تبديد أسطورة فصل الدين عن الدولة”. فما حدود وطبيعة وإشكاليات العلاقة بين الدين والدولة في الولايات المتحدة الأميركية؟”(13).

ملحوظات شخصية ومشاهدات مباشرة:

تأكّد لي شخصيًا من خلال زيارتي -مع بعض الزملاء-  ( في شهر يوليو/تموز 2010م)،  للولايات المتحدة الأمريكية في إطار برنامج الحوار الديني(Inter Faith Dialog  ) الذي تنظمه وزارة  الخارجية الأمريكية سنويا أن الحديث المركّز الذي تلقيّناه في أكثر من مؤسسة ومركز أبحاث ونحوهما عن  نظرية الفصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة؛ أظهر لنا مدى التناقض بين ذاك التنظير وبين ما كنا نشاهده من مظاهر دينية تشير إلى بقاء سلطان الدين مؤثراً في الشوارع والجامعات والمؤسسات الأمريكية الرسمية المختلفة، ولا سيما ما يتصل منها بالتماثيل الخاصة ببعض رجال الديِّن، أو بأسماء بعض الشوارع ذات الطابع الديني.

ولعل من أبرز ما لفت نظري وبعض زملائي  في الكنيسة الوطنية الكبرى بالعاصمة واشنطن – وهي الثانية على مستوى الولايات المتحدة، والسادسة على مستوى العالم،  وقد استغرق بناؤها 83 سنة، أي من (1907-1983م)- تمثال  على بوابة الدخول للرئيس الأسبق  إبراهام لنكولن، ونصّ رسالته التي تركها لأصدقائه وأنصاره، حين ترك ولايته (الينوى) مغادراً إلى البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، لتولّي مقاليد الحكم، وتمثال آخر ضخم غير بعيد عنه  للرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن، وفي المقدّمة تمثال ثالث تحته (ضريح) بارز يرمز إلى أحد أبرز الطيارين المقاتلين الذين دافعوا عن الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، والسؤال الذي يفرض نفسه ما علاقة الكنيسة بذلك كلّه، إذا كان حقّاً ثمة فصل كامل بين الديني والسياسي، مع أنّها كلها مظاهر سياسية بامتياز؟ ويبقى ما هو أبرز من ذلك وهو ما ذكَّرتني وزملائي في رحلتي المشار إليها دليلتنا في الكنيسة السيدة الديبلوماسية (آنا كوكي) التي عملت لمدة ثلاثين سنة – كما أخبرتنا- مع الخارجية الأمريكية، منها بضع سنوات في تل أبيب بفلسطين المحتلة( لاحظ عدم الشعور بالحرج  بين مهمتها السياسية السابقة وعملها الديني الحالي)،أن الرئيس باراك أوباما – وهو رئيس البلاد حينذاك- حرص في اليوم الثاني لإعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2008م، أن يتجه إلى مقرّ الكنيسة الوطنية،  بحيث  لا يبادر إلى تنفيذ أيّ  مهمة له داخل البيت الأبيض أو خارجه، على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية، حتى يُمنح (صكّ) المشروعية عبر مباركة الكنيسة الوطنية، وكأنّه بذلك يقدّم أوراق اعتماد عهده وسياساته من قبل الكنيسة، وسلطة رجال الدّين.

وقد جرى بيننا وبين رجال الدين الذين التقيناهم بعد ذلك نقاش حول ذلك، من حيث الدلالة والآثار، على خلفية كثرة الطرق على أسماعنا بمباهاة النموذج العلماني الأمريكي  في الفصل الكامل بين السياسة والدين.  و تأكّد لي شخصياً أكثر مدى المعاناة التي كان يحملها أوباما، بوصفه من أصول مسلمة،  ولعلّه بذلك سعى ليؤكّد أكثر براءته مما كان ينبزه به خصومه الجمهوريون-خاصة- منّ أنّه مسلم أو ينتمي إلى سلالة مسلمة، ربما تجعله قريباً إلى الأقلية المسلمة، أو متعاطفاً مع قضايا العالم الإسلامي، رغم تبرؤه المتتابع من ذلك، ووضع نافذة على موقعه أثناء حملته الانتخابية تبدّد (الشبهات) حول مسألة إسلامه! وأن لا حقيقة لذلك، بل هو كيد خصومه ومنافسيه! وهكذا فالعلمانية التي يدّعون أنها لا تنظر إلى مسألة الدّين باتت واحدة من أكبر الاتهامات التي مورست ضدّ أوباما، ولولا نفيه المتكرّر  وممارساته العملية، وبالأخص إعلانه أن مسألة العلاقة الوثيقة مع الكيان الصهيوني، ووقوفه ضدّ حماس وحزب الله، وجملة القضايا العادلة لأمتنا، مسألة ثابتة في السياسة الأمريكية، وهو ليس استثناء في ذلك؛ لأثّرت عليه تهمة ( إسلامه) سلباً في نتائج الانتخابات  الرئاسية.

بتعبير آخر أكثر مباشرة : هل نتوقّع في مجتمع يفاخر بالعلمانية أن يأتي يوم يصبح فيه رئيسه مسلماً مادامت كل هذه الحرب قد قامت على أوباما، رغم أن ليس بينه وبين الإسلام نسب إلا انتماء بيئي قديم لعائلته، لطالما أعلن براءته الشخصية منه!! وهكذا فالحديث عن حياد العلمانية تجاه الدّين أضحى مجرد خرافة، فضحتها المواقف العملية للعلمانيين بدءاً من بلد المنشأ، وانتهاء ببلدان الاستدراج المعلّب في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية!

الهوامش:

1- راجع: مصطفى صالح، الدين في دساتير الدول الأوروبية، (https://bit.ly/3uWbMBO) (‏ 28 فبراير، 2011‏م (دخول في 8/12/2016م).‏

2- سليم إبراهيم، نحو الدولة المدنية في العالم العربي: دراسة نقدية للنقاش الدائر بين المثقفين العرب حول العلمانية والدّين والدولة، 2012م، ط الأولى، أبو ظبي: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ص 55.

3- راجع: المرجع السابق

4- راجع: المرجع نفسه.

5- راجع: موقع عربي سبوتنيك  نيوز(https://bit.ly/354iAlX)قادة الدول الأوروبية يجتمعون لمواجهة أصعب التحديات في تاريخ، 25/3/2017م (دخول في 31/3/2017م).

6- راجع: موقع الديلي صباح (https://bit.ly/3BrApaL), أردوغان: أوروبا أظهرت تحالفها الصليبي باجتماع قادتها في الفاتيكان،26/3/2017م (دخول في 31/3/2017م).

7- يوسف الحسن، البُعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني، ص 186، 1990م، الطبعة الأولى، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

8- المرجع السابق، ص 188-189.

9- عبد الناصر المودع، مرجع سابق، ص 188-189.

10- ريا ميار سكوف، العلاقة بين الدولة والدين في الولايات المتحدة الأمريكية، موقع الجزيرة نت (https://bit.ly/3Bni9PH), (دخول في 4/9/2019م).

11- أحمد ت. كورو، العلمانية وسياسة الدولة تجاه الدِّين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا،  2012م، ط الأولى، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص29.

12- المرجع السابق.

13- المرجع نفسه.

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى