تزكيةمقابسات

الدقائق الغالية

سجود المحراب ، واستغفار الأسحار ، ودموع المناجاة : سيماء يحتكرها المؤمنون .

ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار ، والنساء ، والقصر المنيف ، فإن :

جنة المؤمن في محرابه (1)

ولقد منَّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية ، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه بصفاء روح ، تتضاءل بجانبها لذة المباح ، فيهجر الكثير منه حذراً من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه .

جرب ذلك المؤمنون قديماً ، زمن العيش البسيط ، وجربه المؤمنون اليوم ، زمن المدنية المعقدة .

بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور ، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة ، فيسأم ، ويمل ، و يضجر ، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب ، فيعيش في اطمئنان ، وراحة بال ، ولئن كان لنظرية آينشتاين في نسبية الوقت نصيب من الصحة ، فإن في الصلاة هذا النصيب ، كما يشرحه مصطفى صادق الرفاعي و يقول :

” يا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات ، لتبقى الروح أبداً إما متصلة أو مهيأة لتتصل ، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه ، فخاف أن يقف بين يديه مخطئاً أو آثماً ، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى ، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس و طهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير ، كأنه بجملته – مهما طال – عمل بضع ساعات “(2)

فطول الحياة نسبي.

هو طويل جداّ ، مخيف مظلم للجاهلي.

وهو قصير ، هين منير للمصلي.

وحياة الجاهلي ركود مستمر.

وحياة المصلي حركة ، تزيد صواباً ، أو تستدرك اعوجاجاً .

وإنها ( الله أكبر ) تنهي هذا الركود ، وتؤسس الحركة ( الله أكبر ) .

بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف :

” أيها المؤمن : إن كنت أصبت في الساعات التي مضت ، فاجتهد للساعات التي تتلو . وإن كنت أخطأت فكفّر ، وامح ساعة بساعة “(3)

وأظهر حركة يولدها التكبير : حركة التمييز والفرقان ، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان .

فإنك إن قلت : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }.

استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة ، و تخصص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد ، أو بلد واحد ، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع، وتستعرض تاريخ الإسلام أجمع .

ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلاً لمن أنعم الله عليهم ، و تذكر أبا جهل ومسيلمة مثلاً للمغضوب عليهم والضالين .

وفي ركعة أخرى تذكر هوداً وصالحاً – عليهم السلام – مثلاً ممن أنعم الله عليهم ، وعاداً وثمود من الهالكين .

وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين و ابن المسيب ممن أنعم الله عليهم ، و أهل الردة ، و الجهم بن صفوان ، و الجعد بن درهم من المتخبطين .

وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم و الشطح والابتداع من المدلسين .

وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد ، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .

وبذلك تعقل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ، و تجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتنبذ المفسدين ، وتلك هي حركة الإيمان ، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة .

رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون .

فمن ثم كانت مدرسة الليل .

وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}

 وإذا انتصف الليل ، في القرون الأولى ، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي :

يارجال الليل جدوا

رب صوت لا يرد

ما يقوم الليل إلا

من له عزم وجِدُّ

و إنها حقاً لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .

و إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول :

نائح والليل ساج سادل

يهجع الناس و دمعي هاطل

تصطلي روحي بحزن وألم 

 ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم

أنا كالشمع دموعي غسلي 

في ظلام الليل أذكي شعلي

محفل الناس بنوري يشرق 

 أنشر النور و نفسي أحرق (4)

و إن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ( يا قيوم ) .

ما نقول هذا أول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال :

” دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة “ (5)

أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟

إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسراً .

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية : كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .

ذلك شرط لا بد منه .

و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقاً عاجلاً في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همساً في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئاً ، ويوقع أجرهم عليه .

إن تعلم الإخلاص ، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس .

قال ، والحق ما قال :

ياليل قيامك مدرسة

فيها القرآن يدرسني

معنى الإخلاص فألزمه 

نهجاً بالجنة يجلسني

و يبصرني كيف الدنيا 

بالأمل الكاذب تغمسني

مثل الحرباء تلونها

بالإثم تحاول تطمسنى

فأباعدها و أعاندها 

و أراقبها تتهجسني

فأشد القلب بخالقه 

والذكر الدائم يحرسني (6)

وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده وأرشدك إليه, فقال :

” بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قوماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم ” .

فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة ، وليل غيرهم نوماً ؟ ونهار الأولين جداً ، ونهار الآخرين شهوة ؟

أتسبقك الحمامة ؟

وإنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :

أنام على سهو و تبكي الحمائم

وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلاً

لما سبقتني بالبكاء الحمائم (7)

فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلاً في وصفه لهم بأنهم :

يحيون ليلهم بطاعة ربهم

بتلاوة ، وتضرع و سؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم

مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم 

لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم

وبها أشعة نوره المتلالي (8)

و سَأَلَ عبد الوهاب عزام الليلَ عن أروع أسراره ، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه و استمع لتحاورهما :

قلت لليل : كم بصدرك سر

أنبئني ما أروع الأسرار ؟

قال : ما ضاء في ظلامي سر

كدموع المنيب في الأسحار(9)

أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل ، فهو مسارع مستبق ؟

أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس :

فاز من سبح والناس هجوع

يدفن الرغبة ما بين الضلوع

و يغشيه سكون و خشوع

ذاكراً لله والدمع هموع

سوف يغدو ذلك الدمع شموع

لتضيء الدرب يوم المحشر

سجدة لله عند السَحَر(10)

و يلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في أخرى أن :

عد إلى الله بقلب خاشع

وادعه ليلاً بطرف دامع

يتولاك بعفو واسع

و يبدل كل تلك السيئات

حسنات أجرها لن ينفدا

كل هذا العفو للعبد المنيب

 سابغا من خالق الكون الرحيب

 للذي تاب إليه من قريب (11)

الهوامش:

  1.  شطر لوليد في مجلة التربية الإسلامية 7/ 637 .
  2.   وحي القلم 1/359- 364 .
  3.   وحي القلم 1/359- 364 .
  4.   ديوان الأسرار و الرموز 79 .
  5.   مجلة الدعوة في دورتها القديمة عدد 63 .
  6.   أغاني المعركة 38 .
  7.   طبقات الشافعية للسبكي 3/171 .
  8.   اغاثة اللهفان 255 .
  9.   ديوان المثاني 35
  10.   لوليد في مجلة التربية الإسلامية 7/636
  11.   لوليد ، في أغاني المعركة 94 .
المصدر
كتاب الرقائق - محمد أحمد الراشد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى