تزكية

رمضان امنحنا حلوى السَّماء

أنا ذاهبٌ إليك هذه المرة, ذاهبٌ إليك رمضان على جناحينِ من حبٍّ ولهفة, أو لستَ بعض زمني الأعز الذي أقطعه بمشيئة الله تقدمًا نحو الأمام؟

لمَ تجيء وتذهب؟ ولمَ أنا المستقبل والمودع بين مجيئك والذَّهاب؟ لمَ وقتنا دائمًا يأتي ويرحل؟ هذه المسافة في التعبير ألا ترتب مسافة في الشعور ومسافات في العلاقة؟

فرق كبير بين أن تكون مقبلًا ومستقبلًا, بين أن يجيئك رمضان وتذهب إليه, بين أن يذهب عنك بدونك وأن تذهب به, ليس ضيفًا عليك, أنت ضيفه, أنت الجائع إليه والمتطلع إلى مائدته الرَّبانية.

أدقق خشية أن يترتب على سوء التعبير سوء أدب, كأن تلقاه بجفاء أو تعامله كعبء أو كأن تنظر إليه بجيبك لا بقلبك.

جديدانِ نحن, أنتَ وأنا, لستَ الذي فات ولستُ الذي فوتْ.

دانٍ إليك وأنت تدنو, قريبٌ أزاحم العشَّاق مستبقًا إليك , أتنسم روائحك القدسية في أنفاس الأيام, أرقب أنوارك بعين القلب وأصغي لتراتيلك بسمع الروح, أرقبك كما لو أنك العمر, كما لو أنك الحياة .

في كل جارحةٍ عينٌ أراك بها 

حبًا وفي كل خفقٍ للثناء فمُ

هو الحب ينجز لحظة الصدق تعبيره ويودع أسراره في لوامع لا تموت.

ومن عجبٍ أني أحنُّ إليـهم..

وأسأل شوقاً عنهم وهم معي

وتبكيهم عيني وهم بسوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

شجنٌ قديم ربما ضاع اسم صاحبه لكي يبقى هواه دليل حب لا يضيع, هذا أنا رمضان بين يديك مواجيدٌ موقعةٌ, و”أشواقٌ لا يسكنها اللقاء”.

هذا أنا أجرجر خلفي عمرًا من خسارات عازم على الكسب, مصمم على أن لا أدعك تفلت مني أو أدعني أفلت منك, هذا أنا أتشبث بك بشغف طفل يتطلع إلى ما تخبئ أكمامك من لطائف وأسرار, لن أتركك تغادر دون أن تمنحني من سكاكر الرُّوح وحلوى السَّماء.

لا يقدر نفسه من لا يقدر وقته, والعمر أثمن ما يوهب .

يبكي المرء على الشيء الغالي والعزيز يسرق منه أو يفلت في زحام الغفلة, في حين لا يأسى على العمر المديد يتسرب منه ويغور بعيدًا عن “أرض الرُّوح” لا يأبه بأيامه ولياليه تحسب عليه ولا تذهب إليه, يحرقها كقمامة, يبذلها رخيصة في طلب الحقارات, يبيحها للسرَّاق من كل لون حتى إذا “انسكب الزيت وانطفأ الفتيل” وانتهى ندمًا إلى ما أضاع, “قال ربِّ ارجعون لعلي أعملُ صالحًا فيما تركت”.

وقتك أنتَ.. ولابن عربي حكمة مشتعلة تختزل الخسران: “كل وقتٍ غير محسوب لك، أو لا لكَ ولا عليك ، لا يعوَّلُ عليه”, ولابن القيم في فوائده ما يلح به على ذاتِ المعنى.

ومشتت العزمات يقطعُ عمره

حيران لا ظفر ولا إخفاق

وله في ذات الدرب ما يشبه التبكيت لعاجز الرأي المضيع لفرص الحياة أمامه شأننا وشأن كثيرين ممن لا يحسنون صيْد الزَّمن واقتناص لحظاته الهاربة.

وعاجز الرأي مضياع لفرصته

حتى إذا فات أمر عاتب القدرَ

وبتكثيف أكبر يقول بن القيم: “العاقل خصم نفسه والجاهل خصم أقدار ربه” كلام مضيء ينير القلب والدرب توالي نشره الأزمنة، سنىً فواح يعبق بالمعنى الكريم في طريق السراة المدلجين , رمضان كنوز مخبأة من الرحمات, فيوض وأنوار وأوقات دافئة مكتنزة اللحظة فيه تساوي الخلود, أوقات سخية ندية تتضافر على إغرائك. تعرض عليك ذخائرها بتنافس ومحبة تؤجج جوعك للامتلاء وعطشك للارتواء, تغريك بالارتفاع والتحليق والارتقاء إلى ما لا يحد.

رمضان، يعيد ترميم علاقتك بالزَّمن, ينفي مظنة أن يكون عبئًا عليك, يخرجك من دائرة السفه في التَّعامل معه, ينتشلك من حماقة الخصومة يعيدك إليك يصلكَ بك, يريك أنك وقتك وأنَّ عمرك عملك, قبضك على لحظاتك في صالح عمل يمتد مفتوحًا على الأبدية.

رمضان شهر استثنائي مغاير له فرادته وخصوصياته وميزاته الربانية يتطلب توقًا خاصًا, شغفًا استثنائيًا, استعدادًا مجاوزًا, أشواقًا صاعدة, أناسًا غير عاديين, أرواحًا لا تأسرها العادات ولا تأتي العبادات كأشكال ورسوم خالية من الروح والمعنى .

يا الله كيف يسمع القلب صدى مصاريع الجنان وهي تفتح, كيف نزرع جوعنا في نهارات رمضان بذار محبة لنجنيها سنابل نور ونفائس خلاص, كيف نهز لياليه صلوات وضراعة فتساقط علينا الرحمات.

يمنحنا رمضان بقدر ما نمنحه, ويسخو علينا الله بقدر سخاءنا في الطاعة والبذل, يعطينا بقدر رغباتنا السَّخية في الحياة الحقة الغنية.

الصوم: عبادة تعانق فيها الروح الجسد بتناغم وانسجام دونما فصام نكد.

تشف الروح ويخف الجسد ويأخذ اللطيف بالكثيف, ومتى حدثت الخيانة التاث الصوم وانجرحت روح العبادة واستحال الجهد إرهاقا بلا طائل.

تُخلى  الساحة من الشيطان ليعلن الإنسان الكريم عن نفسه وعن حضوره كوجود وكينونة غير مهددة إلا منه حين يرغب في أن يكون الشيطان المطلق السراح.

في رمضان تقترب الآخرة, يدنو الطموح البعيد المجرد, تفتح الجنان وأبواب الأمل, تنفتح الأوقات تتفتق عطرًا وبشرًا وسكينة, تتفجر اللحظات عطايا وهبات, للحياة طعم آخر, للعبادة لذة أخرى, للوجود لون مختلف آسر, ساحر, شفيف, متبتل, خاشع, دامع, حميم, للمساجد بكاء, للمآذن احتفاء, وللقرآنِ مذاق الجنة.

بروحي ارتعاشات جذل ولحظات انغرس طعمها في شغافِ القلب, هي العمر أغلى ما ينال وأحلى ما يستطعم.

رمضان يرفع سقف مطالب الحياة على الصعيد المعنوي والمادي, ويرفع طموحاتنا إلى أبعد مدى وينهض بنا لمعانقة السَّماء حيث الخصب والغنى والحياة الحقة, حيث تعود الرُّوح إلى النَّبع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى