آثار

ريمة.. الانتفاضة مُستمرة

رسم فصولها أبطالها المسكونون بأوجاعها..

 التواقون للحظة الخلاص..

بعيدًا عن الشمول الذي تعمل له، وتسعى إليه الثورات والانتفاضات المـُـنظمة، ورغم الجهل المـُدقع، والعُزلة المـُـفرطة اللذين فرضا على الشعب اليمني، بدأ فكر الثورة والتمرد يتسلل إلى العوام، وقامت بالفعل حركات فلاحية مُسلحة ضد حكم الإمامة المـُـظلم، وهي على كثرتها لم تحظَ بالدراسة والتوثيق إلا ما ندر، صحيح أنَّ معظمها – أي تلك الحركات – لم تكن ترمي إلى إحداث تغيير جذري في النظام، إلا أنَّها – وهو الأهم – هزت عرش الطغاة، ومهدت لزوالهم.

قيل إنَّ ريمة تَعني باللغة الحميرية السلالم التي تُؤدي إلى الـمُرتفعات، وإنْ صحت تلك التسمية فهي بالفعل أسمٌ على مُسمى، على اعتبار أنَّها – أي ريمة – سلالم المجد التي صعدت بأهلها إلى الأعالي، وزادتهم سموًا فوق سموهم، ورفعةً فوق رفعتهم، وجعلتهم يُحدقون من على قممها المتساوية في المدى الرحب، ويَرقبون كل غازٍ ومُحتل، ويُهيئون أنفسهم للانقضاض عليه، وتجريعه كأس المنون.

بين أيدينا انتفاضة مَنسية، جَغرفتها جبال ريمة الشاهقة، وحصونها المنيعة، وأوديتها الضيقة، ورسم فصولها أبطالها المسكونون بأوجاعها، التواقون للحظة الخلاص، كانوا – أي أولئك الأبطال – وما يزالون مُكافحين بطبعهم، صَابرين بسجيتهم، مُقاومين بنزعتهم، تصدوا في مطلع عشرينيات القرن الفائت لأعتى قوة إمامية مُتفيدة، مَسلوبة الإحساس، فاقدة الشعور، لم ترَ في ريمة – أو ريمة الأشابط كما هي تسميتها التاريخية – إلا ذلك القضاء المدرار، الذي يُدر عليها الكثير من الأموال، وفاتها أنَّ نَار الصبر الخافتة قد تتحول فجأة إلى بُركان، وأنَّ الصبر مهما طال لا بُد أنْ يكون له حدود.

محافظة ريمة

علاقة سيئة

علاقة دولة الإمامة الزيدية بريمة سيئة للغاية، تُشبه إلى حدٍ كبير علاقة تلك الدولة الكهنوتية بقرينات تلك المنطقة المسالمة، اللاتي يقعن في وسط اليمن، وغربه، وجنوبه، صحيح أنَّ سيطرة الـمُتوكل يحيى شرف الدين وولده الناصر المطهر عليها استمرت لسنوات محدودة، إلا أنَّ سيطرة الدولة القاسمية استمرت لسنوات طويلة، وذلك بدءًا من العام 1036هـ / 1626م.

بعد 18 عامًا من تلك السيطرة، وبسبب ارتفاع المطالب الضريبية؛ أعلنت قبائل آنس والحداء وعتمة ووصاب وريمة تمردها، وقامت بطرد عُمال الدولة القاسمية منها، وتنصيب الشيخ علي بن ناصر راجح سلطانًا عليها، إلا أنَّ الـمُؤيد محمد بن القاسم تمكّن من إخماد تلك الانتفاضة، ونكل بالأهالي الثائرين شرَّ تنكيل.

بالتزامن مع ثورة يافع الكُبرى، امتدت ريح الثورة إلى ريمة ووصاب 1110هـ / 1698م، ثار الأهالي الـمُسالمون على عاملهم الظالم ابن مغلس، فأرسل إليهم المهدي محمد بن أحمد (صاحب المواهب) بجيش قبلي كبير جُله من أبناء بكيل، تحت قيادة الشيخ صالح بن هادي حبيش، مارس الأخير في حقهم جرائم حرب شنيعة، قال عنها المـُؤرخ أبو طالب: «واستأصلهم بالقتل والنهب والحريق، حتى كان الواحد منهم يقطع أُذن المرأة من أجل الخرص الذي فيها، ولقد بيع ذلك بصنعاء والآذان بها أو بواقيها».

وفي صنعاء خطب القاضي محمد بن صالح العلفي مُعترضًا على تلك الجرائم، فهمَّ صاحب المواهب بضرب عنقه، ثم أمر بحبسه، ووضع على أهالي ريمة ووصاب أدبًا من المال لا يُطاق، وولى عليهم عاملًا أشد جورًا من سَلفه.

وفي العام 1247هـ / 1832م تولى الشيخ علي بن يحيى الـمُنتصر عَمالة ريمة بتكليف من المهدي عبدالله بن أحمد، وكان أول عمل قام به مُفاوضة وجهاء حاشد الـمُتفيدين على الخروج من 46 حصنًا سبق أنْ سيطروا عليها؛ أذعن أغلبهم لشروطه، وغادروا *، عدا الشيخ يحيى الشويع الذي كان مُسيطرًا على أهم الحصون، وأكثرها منعة، تم التنكيل به وبأنصاره، وأخذ ما كان تحت يديه ويد أخيه الأصغر منه لطف الله أحمد، بعد معارك ضارية يطول شرحها (توسع الـمُؤرخ حيدر علي ناجي العزي في نثر تفاصيلها في كتابٍ له عن ريمة)، أودع في أولها الأخ الكبير الحبس، واستسلم في آخرها الأخ الصغير.

وعن العامل الـمُنتصر (قائد تلك الانتفاضة) قال القاضي محمد علي الهتاري مَادحًا:

هـــــــــذا عــــلي بـــــــــن يــحيـــــــــى علــــــــــم

على العـــــدا قـــــــاهر لا زال ينتـــــصر

يكـــفيـــه مـفـــخـــــــرة تطهـيــــــــر ريمتـــــــنا

من البغــــــاة وفســـق شــــــــانه البـــــــطر

وحبـس قـائـدهم يحـــيى الشويع لهم

رأس الفســـــاد الــذي بالبغي يشتهر

استبقى العامل علي الـمُنتصر الراغبين من أبناء حاشد في المكوث لديه، ليكونوا من جُملة أعوانه ومُناصريه، وأفرج عن قائدهم يحيى الشويع، وقد امتزج هؤلاء بمحيطهم الاجتماعي الجديد، وصاروا جزءًا منه، وشكلوا نسبة لا بأس بها من سكانه، سكان ريمة، أصل التعايش، ومدرسة ترويض الحياة القاسية في البحث عن الرزق الحلال.

دخلت الدولة القاسمية بوفاة المهدي عبدالله 1251هـ / 1835م مرحلة الموت السريري، فحاول في العام التالي قريبه الناصر عبدالله بن الحسن إصلاح الوضع، إلا أنَّه فشل؛ فأيقن حينها الـمُؤرخ المجهول (صاحب الحوليات) الذي عاش تفاصيل تلك الأحداث بـ «إدبار دولة هذا الإمام»، وأضاف: «وخالفت أطراف البلاد، واضطرب أمر ريمة ووصاب، وانقطع الرجاء والأمل من بلاد رداع».

جولة تمهيدية

إبان التواجد العثماني الثاني، كانت ريمة تابعة لـمُتصرفية الحديدة، وما أنْ غادرتها الحامية التركية تحت قيادة إسماعيل الأسود، حتى أرسل الإمام يحيى حميد الدين إليها بـ 1,000 مُقاتل أرحبي 18 ديسمبر 1918م، وأسند تلك القوات بمدفعين، وجعل عليها محمد بن يوسف الكبسي، والشيخ علي بن المقداد الآنسي.

ما إنْ وصلت تلك القــوات عن طــريــق بلاد آنس إلى مَشارف قـضاء ريـمة، حتى تصدى لـها بعض الـمُواطنين الـمُتحمسين، ثم ما لبث أنْ أذعن الأخيرون مُجبرين؛ خاصة بعد أنْ قام الإماميون بنهب مواشيهم، وباقي التفاصيل أتركها للمُؤرخ الإمامي عبدالكريم مُطَّهر الذي قال: «وقابلتهم بعد ذلك جهات ريمة بالطاعة، والدخول في سلك الجماعة، وأقبلت إليهم المشايخ والرؤساء من جميع البلاد، وانتقل المقدميان إلى الجَبى، مَركز قضاء ريمة، ومن هنالك صار ضبط البلاد جميعها، كُسمة وجهاتها، والجعفرية إلى حد قبيلة الزرانيق من تهامة».

كانت ريمة من أوائل مناطق اليمن الغربية سُقوطًا في يد القوات الإمامية، بعد حراز طبعًا، تولى المقدميان (الكبسي، والآنسي) إدارتها، وما هي إلا عشرة أشهر حتى توجه وفد من أبنائها لـمُقابلة الإمام يحيى أكتوبر 1919م، وذلك بالتزامن مع انتفاضة مِلْحَان الآتي ذكرها، وقد أدت مُناشدة ذلك الوفد إلى إقالة الكبسي ورفيقه، وتعيين محمد بن علي الشامي بدلًا عنهما، فيما أسندت عمالة نواحي القضاء إلى كلٍ من: عبدالله حمود غالب على كُسمه، والشيخ علي بن المنتصر على السلفية، ومحمود النهاري على الجعفرية، وقد توجه جميعهم إلى مَقار أعمالهم، بعد أنْ تم إسنادهم بقوات محدودة، فيما توفي الأخير قبل أنْ يتولى مهامه، وحل قريبه محمد بن علي النهاري محله.

بالتزامن مع انتفاضة بُرع الآتي ذكرها، التي انطلقت شرارتها مَطلع عام 1920م، واستمرت لأكثر من أربعة أشهر، ثار أبناء بلاد الطعام المجاورة *، والتابعة حينها لناحية الجبين، تحت قيادة شيخ ضمانها، وشيخ عزلة ذَرْحَان أحمد عبدالله الضالع، الذي لم يَذكر الـمُؤرخ مُطَّهر اسمه، واكتفى بالتلميح أنَّه – أي الشيخ المذكور، الذي أمدني الباحث علي محمد الغانمي باسمه، وبرواية أحد أحفاده – كان مَدعومًا من قبل حاكم صبيا محمد بن علي الإدريسي.

في نقله لتفاصيل على تلك الحِقبة، قال الباحث عبدالله حسين محمد أحمد الضالع أنَّ جده شيخ ذَرْحَان، وكثير من أبناء المناطق المجاورة ساندوا ثُوار جبل بُرع في انتفاضتهم السابق الإشارة إليها، وأنَّ الـمُواجهات تجاوزت ذلك الجبل العتيد إلى منطقة ربوع بني خولي الواقعة في أطراف بلاد الطعام، وأنَّ تلك المنطقة وما جاورها من مناطق تحولت لخط تماس مُلتهب، وهي تفاصيل ذكرها أيضًا الـمُؤرخ عبدالكريم مُطهر، وسنعرج عليها اخنزالًا في موضوعنا التالي.

نظرًا لمحدودية قواته، سارع عامل ريمة محمد الشامي بِمُراسلة الإمام يحيى، ليقوم بعد أنْ وصله المدد بتكليف الشيخ علي يحيى الشرف بالتوجه شمالًا صوب عُزلة ذَرْحَان، وأسند القوات الـمُهاجمة بأحد المدافع، وأفاد الباحث عبدالله حسين – حفيد شيخ ذَرْحَان – أنَّ تلك القوات تَمركزت بادئ الأمر في قرية الحضن، ثم واصلت تقدمها صوب قرية الشامة، وجبل نجمان، فيما ظل المدفع المصاحب يصلي حصن الضالع بحممه من محلة الجبجبة، والأخيرة تقع أسفل قمة جبل الزعلا التابع لعزلة بلحوت، وهي بعيدة نسبيًا ومُنخفضة عن الحصن الـمُستهدف، وتقع في جنوبه الغربي.

عبدالله قال أنَّ جده كان يَملك مَدفعًا صغيرًا يُسمى (المسرفة)، قذائفه لا يتجاوز حجمها حجم حبات البُرتقال، وما أنْ هَمَّ صباح اليوم التالي بتلقيمه، والضرب على محلة الجبجبة، حتى تَفاجأ بقذائف المدفع الإمامي تنهال على حصنه (حصن الضالع) من جبل نجمان الـمُقابل، وتحديدًا من المكان الذي بُنيت فيه مدرسة الوحدة لاحقًا؛ حيث قام الإماميون بنقله – أي المدفع – إلى ذلك الموقع القريب والاسترتيجي ليلًا، فيما تسببت إحدى قذائفه بهدم جانبًا من ذلك الحصن.

أمام تلك الانتكاسة، قرر الشيخ الضالع وبضغط من أنصاره الانسحاب غربًا، صوب منطقة مَرَقِّدَة القريبة من منطقة السُخنة، وحُمل إلى تلك المنطقة حملًا؛ كونه كان حينها كبيرًا في السن، وفي عقده التاسع، وهناك التقى – كما أفاد حفيده – بقادة الجيش الإدريسي، والتقى أيضًا بشيخ عزلة بني حسن الشيخ أحمد عبده الحسني، وتناسيا خلافاتهما حول منطقة الأملاح، وبمعنى أصح ثاراتهما السابقة، واستعدا لجولة أخرى – سنأتي على تناولها – كانت شبه حاسمة.

في نقله المقتضب لأحداث تلك الجولة، تحدث الـمُؤرخ مُطَّهر عن حدوث مُواجهات شرسة بين الجانبين، صورها بقوله: «فجرت بين الفريقين حربٌ ضروس، هاجم فيها المجاهدون الحصون، وأنزلوا بالمخالفين ريب المنون، واستولوا على البلاد، وطهروها من ذوي الفساد، وأحرقوا بعض قُراها نكاية بالأعداء، واحتووا على غنائم كثيرة.. وكانت القتلى من الفريقين غير قليلة، إلا أنَّها من الباغين أكثر».

وكان الثوار قد قاموا قبل مُغادرتهم بِغمر الأشياء الثمينة التي لم يستطيعوا حملها في إحدى بِرك الحصن، وقد ظلت تلك الـمُقتنيات – كما أفاد الباحث عبدالله حسين – في أماكنها حتى عودتهم، صحيح أنَّ القوات الإمامية لم تنتبه لها، إلا أنَّها انتبهت في الـمُقابل لممتلكات المواطنين الآخرين في ذَرْحَان نفسها، وفي بني حسن المجاورة، وبني وقيد، والمسخن، وقامت بنهبها، ونهب المواشي، وتكسير مطاحن الحبوب، وكل ما له صلة بأدوات تحضير الطعام.

وتجددت الانتفاضة

لم يَنعم العامل محمد الشامي بعد إخماده لتلك الجولة بالاستقرار لحظة، وما هي إلا أسابيع مَعدودة، حتى عاود ثُوار بلاد الطعام عليه الكرة، وقاموا بتمردهم الكبير يوليو 1920م، تحت قيادة الشيخ محمد أمين أحمد، كان والده (أمين أحمد) شيخًا لمشايخ ريمة، وقائم قام لذلك القضاء باسم الدولة العثمانية، وقد كان لنجاح أبناء بُرع في طرد القوات الإمامية من بلادهم الأثر الأكبر في تحفيزه للقيام بانتفاضته تلك.

خرج الشيخ محمد أمين متخفيًا من بلدته (الجبين)، وتوجه شمالًا صوب بلاد الطعام، واستطاع خلال فترة وجيزة – كما أفاد الـمُؤرخ مُطَّهر – تحشيد 3,000 مُقاتل، وقاد بهم أقوى انتفاضة ريمية في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، التي توازي بأهميتها انتفاضة الشيخ علي الـمُنتصر السابق ذكرها.

سيطر الثوار تحت قيادة الشيخ محمد أمين على حصن الجِمام التابع حاليًا لعزلة التالقة المستحدثة، والتابع حينها لعزلة الجِمام، وتمكنوا بعد أنْ أفنوا حاميته الإمامية من السيطرة عليه، وقد برر الـمُؤرخ مُطَّهر هزيمة وانتكاسة تلك الحامية بالقول: «ولكنهم لانقطاع المدد عنهم، بانقطاع الطريق، مَكثوا يدافعون إلى أنْ رزقهم الله الشهادة».

حَفز ذلك الانتصار الثوار للتقدم جنوبًا، وسيطروا خلال فترة وجيزة على قرية الشامة التابعة لعزلة ذَرْحَان، والـمُطلة على أكثر من منطقة، وأجبروا حاميتها الإمامية على الـمُغادرة، بعد أنْ قتلوا الكثير من أفرادها، في معركة شرسة استمرت يومًا كاملًا، وكان المقدميان النقيب ناجي بن ناصر العسل، وأحمد الأكوع من جُملة القتلى، فيما لا تزال بقايا متارس تلك المعركة وغيرها ماثلة للعيان حتى اللحظة.

وفي إطار عُزلة ذَرْحَان أيضًا، شنَّ الثوار في اليوم التالي هُجومًا كاسحًا على الحامية الإمامية المتمركزة في مركز الضالع، قتلوا من أولئك العساكر من قتلوا، وجرحوا من جرحوا، وأجبروا من تبقى منهم على المغادرة، وقد صور الـمُؤرخ مُطَّهر تلك المعركة بالقول: «فكان ذلك اليوم يومًا مهولًا، اشتمل على حرب عظيمة، ومعركة جسيمة، وحارب فيه المجاهدون.. إلى أنْ نفدت مؤونتهم، فخرجوا من أماكنهم، وخالطوا الأعداء طعنًا بجنابيهم، ورجمًا بالأحجار».

وما هي إلا ساعات مَعدودة حتى جاءت الأوامر لتلك القوات ولقرينتها الـمُتمركزة في حصن الضالع، وقرية الحضن، التي كانت تحت قيادة الشيخ علي عمر المقداد، بالانسحاب إلى الجبين؛ وذلك حتى لا يطالها الحصار، وقد كانت للأخير – قبل انسحابه – مُحاولة يتيمة لإنقاذ الموقف، تحدث عنها الـمُؤرخ مُطَّهر بقوله: «وقد كان الشيخ علي عمر المقداد وهو بالحصن – يقصد قرية الحضن – حين رأى اشتداد الحرب على الضالع أمدهم بعصابة، ولكنهم لم يقدروا على دفع سيول الباغين».

واستطرد الـمُؤرخ مُطَّهر في نقل تفاصيل ذلك المشهد، وأضاف: «ومع ذلك فالزيادة والمد إليهم – يقصد إلى الثوار – في توالٍ وتتابع، وانتشر الحرب حينئذ في عموم المراتب إلى الحصن، وغيره، واشتعلت الأرض نارًا، وحاول كل فريق من المجاهدين أنْ يمد الآخر لاشتداد الحرب في كلِّ مرتب.. وقد تعذر التواصل بين المجاهدين لحيلولة الأعداء بينهم بكثرتهم، وانتثارهم بتلك الجهات».

حدثت بالقرب من حصن الضالع معركة شرسة، استمرت حتى هجم الظلام، واصطبغ الأفق بالسواد، تحدث عنها الـمُؤرخ مُطَّهر باقتضاب، وأضاف: «ولولا ما من الله به على المجاهدين، لكانوا فريسة للأعداء، فإنَّ الله رزقهم الثبات، ودفع عنهم بعناية ما تابعه الأعداء من الهجمات».

كانت خسارة القوات الإمامية في هذه المعركة فادحه، وهو ما أكده ذات الـمُؤرخ تلميحًا، حيث قال: «وفي أثنائها وجه الشيخ علي عمر المقداد همته إلى جمع جرحى المجاهدين، وشهدائهم، وتيسر له ذلك على ما في الحال من الصعوبة، ومُقابلتها بنفوس مكروبة»، وأضاف مُهونًا: «فالمقاتيل منهم – أي من الثوار – تجاوز عددهم ستين، ولم يكن شهداء المجاهدين مثل سُدس هذا العدد».

وفي رواية توضيحية لكل ما سبق، أفاد الباحث عبدالله حسين الضالع نَقلًا عن مُعمرين عاصروا تلك الأحداث، أنَّ الثوار فصلوا مُقدمة القوات الإمامية الـمُتمركزة في حصن جده (حصن الضالع)، عن مُؤخرتـها الـمُتمركزة في قرية الحضن، وأنَّ القائد علي عمر المقداد لم يستطع لشراسة الـمواجهات مُغادرة الأخيرة، وإنقاذ الموقف، واكتفى بلم شتات القوات الـمُنهزمة، تارة بإلقاء الأوامر الـمُحفزة على الصمود، وتارة بإلقاء الشتائم الرادعة عن الهروب، ليقوم بعد ذلك بتغطية القوات المنسحبة من حصن الضالع ناريًا، وما أنْ وصلت تلك القوات إليه، عبر قرى عبرحب وزيعان وحصورة، حتى انسحبوا جميعًا إلى عُزلة الجبين.

بينما المواجهات في حصن الضالع مُستعرة، فرَّ إلى الجبين مُقاتلو الإمامة في وصابين وعتمة، ولم يذكر الـمُؤرخ مُطَّهر سبب فرارهم ذاك، وهل كان بسبب امتداد انتفاضة ريمة إلى تلك النواحي، أم أنَّ تعبيره خانه، ونسي أنْ يُوضح أنَّ مَقدمهم كان لإنقاذ أقرانهم، والاحتمال الأخير هو الأرجح.

كان انسحاب الشيخ علي عمر المقداد بقواته إلى الجبين بعد وصول تلك القوات ببضع ساعات، أعاد عامل ريمة محمد الشامي ترتيبهم جميعًا، وهو ما أوضحه الـمُؤرخ مُطَّهر بقوله: «ولما وصل المجاهدون في جنح الليل إلى الجَبى، كان ترتيبهم أحكم ترتيب، وتفريقهم في جهاته؛ لعدم الثقة بأهل البلاد»!

التدخل الإدريسي

تَجاوزت بلاد الطعام ريح الثورة، ووصلت إلى باقي نواحي قضاء ريمة، وتجاوز الثوار عُزل ذَرْحَان وبني ناحت وبني بلحوت، وصولًا إلى الجبين، حاصروا الأخيرة، في حين وجد محمد الإدريسي فرصته للتدخل سانحة، وأرسل إلى تلك الجهة بقواتٍ كثيفة، تحت قيادة شيخ قبيلة القُحرى يحيى أبو هادي حميدة.

من جهته قال الباحث عبدالله حسين أنَّ الدعم الإدريسي لأبناء ريمة ابتدأ مُبكرًا، وبالتحديد فور انسحاب جده شيخ ذَرْحَان أحمد عبدالله الضالع – كما سبق أن ذكرنا – صوب منطقة مَرَقِّدَة، لافتًا أنَّ الأدارسة قاموا بتأهيل الثوار، وأعادوا تشكيلهم تحت قيادة الشيخ أحمد عبده الحسني، ومساعدة سعيد علي الجبل، وأمدوهم بالأسلحة والذخائر، وخمسة مدافع، ومُستلزمات حربية أخرى.

وبالعودة إلى موضوعنا، وإكمالًا للمشهد، أترككم مع ما قاله الـمُؤرخ مُطَّهر: «استحكمت حلقات الحصار عليهم – يقصد على الإماميين في الجبين – من كل جهة، وأطبق أهل قضاء ريمة على الخلاف، وكثر عدد قواد الإدريسي الذين وصلوا إليهم، وشايعهم أهل البلاد، وذوو النفوذ، ولم يبق على الطاعة غير عامل الجعفرية السيد محمد علي النهاري، وأخويه، وأما بنو عمه ومنهم ولد السيد محمود النهاري العامل السابق، فكلهم جال في ميادين الخلاف، وركب متون الاعتساف، ونبذوا ما في أعناقهم من الأيمان، ونزلوا عن درجات أهل الإيمان»!

حاصر الثوار المسنودون هذه المرة بالقوات والمدافع الإدريسية الإماميين في الجبين مدة، ودارت بينهم معارك عدة، استطرد الـمُؤرخ مُطَّهر في نقل تفاصيل بعضها، كمعركتي باب الثلوث، ومحلة البيضاء، قائلًا أنَّها – أي المعارك – لم تنقطع يومًا واحدًا، وحين حاول بعض الـمُحاصَرين من قبيلة بني الحارث الهروب، تعقبهم الثوار، نكلوا بهم شرَّ تنكيل، وقتلوهم شرَّ قتلة، فرضخ حينها من تبقى للأمر الواقع، واستماتوا في مُواجهة بَلاهُم الـمُتدافع، وتعاقدوا – حد تعبير ذات الـمُؤرخ – على الثبات، ووطنوا أنفسهم على القتال حتى الممات.

«وقد جرت في أثناء الحصار بين الجند الإمامي والبغاة معارك وحروب، وأهوال وخطوب»، هكذا لخص الـمُؤرخ مُطَّهر المشهد، وأوضح أنَّ تلك المعارك أسفرت عن قتلى كُثر من الجانبين، وأنَّ الشيخ أحمد عبده الحسني من الطرف الريمي، والشيخ يحيى الضلعي من الطرف الإمامي، لقيا في معركة البيضاء – سنأتي على تناولها – حتفهما، وأنَّ المواجهات في الجبين توقفت بعد تلك المعركة مُؤقتًا، في حين اكتفى الثوار بالحصار والقصف المدفعي.

وفي ذات التصعيد التحرري، ثار أهالي كُسْمَة، وحاصروا القوات الإمامية الـمُرابطة في مركز ناحيتهم الجنوبية، وأجبروا العامل علي حمود غالب على الاستسلام، والأخير تولى أمر تلك الناحية بعد وفاة أخيه السابق ذكره، وقد صور الـمُؤرخ مُطَّهر ذلك المشهد بقوله: «فلم يجد العامل ومن معه بُدًا من مُجابرة الأعداء، على أنْ يكون خُروجهم بِسلاحهم، ويَذهبوا حيث أرادوا، فأظهروا إسعادهم إلى ذلك، ولما خرجوا إليهم، غدروا بهم، وأخذوهم أسارى».

ما إنْ وصلت أخبار تلك الانتفاضة، ومُناشدات عامل ريمة محمد الشامي – كما أفاد ذات الـمُؤرخ – إلى الإمام يحيى، حتى بادر الأخير بإرسال المدد تلو المدد، في البدء أرسل بأحمد علي المنصور ومعه 700 مُقاتل من حاشد وأرحب، وكلفهم بالمرور من السَّلْفيَّة، تصدى الثوار لهم في أطراف تلك الناحية الشرقية، وأجبروهم على العودة، وقد تعرض من رجع منهم إلى صنعاء للتوبيخ الشديد.

راسل الإمام يحيى بعد ذلك عامله على الحدا علي بن محمد الشامي (ابن عامل ريمة)، وكلفه بذات المهمة، جمع العامل الابن حوالي 1,500 مُقاتل، كان الشيخ ناجي بن صالح القوسي، والشيخ محمد ناصر البخيتي من ضمنهم، وقادهم صوب ناحية الجبين، وتمكن بعد معارك عديدة من الاستيلاء على عُزلتي بني أبي الضيف وبني الضبيبي، وحصني مشحم ومُسَعَّد، لينفك بذلك الحصار من جهة الشرق والجنوب عن والده، وذلك قبل أنْ يَصل هو نفسه إليه.

من جهته أفاد الـمُؤرخ الإمامي محمد زبارة أنَّ عامل آنس القاضي أحمد بن أحمد الجرافي قَدِم بقوات قبلية ونظامية أخرى لـمُساندة القائد علي الشامي، في حين تباهى الـمُؤرخ عبدالكريم مطهر بما فعله ذلك القائد من جرائم، وأسمى انتصاراته بـ (الفتح العظيم)، حيث قال: «وقطع الجيش المسافة الطويلة في ظرف يوم واحد – 14 أغسطس 1920 تقريبًا – يقتل ويحرق ويبدد كالسيل الجارف، والبرق الخاطف، وبهذا الفتح العظيم، والنصر الفخيم، انفك الحصار على من في الجبى، وزال الخوف عن الشائب، والكهل، والشاب، والصبي»!

في تلك الأثناء، أرسل الإمام يحيى إلى ريمة بقوات كثيرة من خولان، وقد أكمل القائد علي الشامي بها وبالقوات التي معه سيطرته على المناطق المجاورة لعزلة الجبين، كعزلتي حورة جنوبًا، وبني ناحت  شمالًا، وقد دارت في الأخيرة مَعركة شرسة، تحدث عنها الـمُؤرخ مُطَّهر قائلًا: «فاجتمع الجيشان، وقد دوخا ما وراءهما، ونادى أميره بالأمان، وتقدما على محطة بني ناحت، وفيها من جموع الباغين جنٌد كبير، فصبّحوهم بقارعة.. وتفرقوا في كل جهة، وساقوا خلف البغاة إلى الحصن * فاستولوا عليه بعد حرب شديد».

عاد القائد الشامي أدراجه جنوبًا، مُؤجلًا السيطرة على بلاد الطعام لجولة أخرى، وهناك إشارات – سنأتي على تناولها – أنَّ الثوار أجبروه على تلك العودة، ليبدأ جولته الجديدة بالسيطرة على عزلة بني الطليلي مِفتاح ناحيتي كُسْمَة والجعفرية، وقد استولى ليلًا، وبعد معركة شرسة على حصونها المنيعة، وذلك بعد عدة مُراسلات فاشلة، وأكمل الـمُؤرخ مُطَّهر ذلك المشهد بقوله: «ثم نادى الأمير بالأمان، فتراجعوا – أي سكان الطليلي – إلى ديارهم وقد خَرَّبَ مُعظمها».

كانت كُسْمَة (مركز الناحية) وجهة القائد الشامي التالية، سيطر عليها وعلى باقي عُزل تلك الناحية، بعد مُقاومة عنيفة، فيما استعصت عليه ناحية الجعفرية المجاورة، وبلاد الطعام – كما سبق أنْ ذكرنا – في الجانب الآخر، وقد شهدت الأخيرة – كما سياتي – مُواجهات مُتواصلة، استمرت لأكثر من عامين.

حدثت تلك الانتكاسة بالتزامن مع حدوث مثلها في جبال صعفان – سنأتي على تناولها – وعن ذلك قال الـمُتصرف يوسف بك حسن في مُذكراته، وفي نقله لأحداث يوم 7 سبتمبر 1920م تحديدًا: «منذ أسبوع والهزائم واقعة في جيش الإدريسي، المشارقة – يقصد عساكر الإمام يحيى – استردوا أكثر ناحية صعفان، وقسم كبير من قضاء ريمة، بعد أنْ كانوا محصورين في قلعة واحدة».

ثم تحدث – أي الـمُتصرف حسن – عن إرسال الإمدادات الإدريسية من باجل للثوار، وقال في نقله لأحداث يوم 19 سبتمبر 1920م: «والحركة في باجل اليوم مهمة، وذلك من السعي في إعداد جيش ومدفع، وسوقه إلى جهة اليمن – أي الجنوب – ومناوشة المشارقة الذين من جهة ناحية الجعفرية.. وأعتقد أنَّه مثلما نال صعفان وريمة وبرع من مصائب التخريب والنهب، سيكون في الجعفرية».

عاث الإماميون في المناطق التي سيطروا عليها نهبًا وحرقًا وخرابًا، وأجبروا غالبية سكان تلك المناطق على الفِرار إلى تهامة، وأخذوا ممن آثروا البقاء رهائن الطاعة، وعن ذلك قال الـمُؤرخ زبارة: «وما زالوا – يقصد الإماميين – في تتبع لهم – يقصد للثوار والقوات الإدريسية – حتى أجلوهم.. واستولوا على كثير مما قد فرقوه في ريمة.. وضبطوا أمورها بأخذ الرهائن القوية من المنحرفين»، وقال الـمُؤرخ مُطَّهر: «وامتلأت أيدي المجاهدين من الغنائم، وكانت لا تُحصر ولا تُقدر.. وقد قُدرت القتلى من أهل ريمة.. بما ينوف عن الألف، وأما محمد أمين فإنَّه فرَّ إلى باجل».

قادة عِظام

لم يضطلع بدور قيادة الانتفاضة الريمية الشيخ محمد أمين فقط، فهناك مَشايخ آخرون، وقادة عِظام شاركوه تلك المهمة، كشيخ عزلة بني حسن أحمد عبده الحسني، والأخير – كما أفاد الباحث علي الغانمي – يُعد من أشهر مشايخ بلاد الطعام الذين تولوا حصار الجبين، واستشهد وهو مُرابط فوق أحد المدافع في قرية الجنن من عزلة بني ناحت، ودُفن في نفس المكان.

من جِهته استطرد الباحث عبدالله حسين الضالع في الحديث عن تلك الانتكاسة (معركة البيضاء)، قائلًا أنَّ الثوار تَمركزوا في مَحلة البيضاء الواقعة في إطار عُزلة الجبين، وجَعلوا مُؤخرتهم في قرية الجنن التابعة لعُزلة بني ناحت، والـمُقابلة لتلك المحلة، وبينهما مُنخفض يُسمى (صنفرة)، وكون القرية المذكورة (الجنن) مكشوفة على الجبين، نصبوا فيها مَدافعهم، وأصلوا القوات الإمامية الـمُتمركزة في قرية رباط حمير حمم نيرانهم.

ذات صباح، أفاق الشيخ أحمد عبده الحسني على نية ضرب القوات الإمامية الـمُتمركزة في حصن مُسَعّد، الواقع في إطار قرية رباط حمير، والأقرب لقرية الجنن، ولأنَّه كان مَدفعيًا ماهرًا، اعتلى أحد الـمَدافع، وبدأ بقصف ذلك الحصن، وحين طلب منه رفاقه تأجيل الضرب إلى بعد تناول وجبة الفطور، خاطبهم: «سأفطر بالحصن» – أي سيهدمه – وماهي إلا لحظات حتى اخترقت عدت طلقات إمامية جسده، استقرت احداها في قلبه، وأودت بحياته على الفور.

رواية الـمُؤرخ مُطَّهر لتلك الانتكاسة جاءت مُشبعة بالتفاصيل الشارحة، كون الغَلبة كانت هذه المرة من نَصيب فريقه، ومما قاله نقتطف: «صوبت عناية الله بندق أحد المجاهدين على أميرهم الشيخ أحمد عبده.. فوق المدفع، فقتلته في الحال، وأوردته حياض الوبال، فاعتراهم الفشل، وأمد من في تلك الجهة الشيخ علي عمر المقداد مع أصحابه وجماعة من أرحب، وبادروا بالهجوم على الأعداء، فانهزموا، وتبعهم المجاهدون، فغنموا منهم ما غنموا، حتى أخرجوهم من محل البيضاء، بحرب شديد، وجلادٍ ما عليه من مَزيد».

ولم يكتف الأماميون بذلك؛ بل قاموا بعد سيطرتهم – سنتحدث عن ذلك – على منطقة الشيخ أحمد عبده الحسني (عزلة بني حسن)، بقتل أحد أولاده، ونهب بيته، وقد كان ذلك القائد الهُمام أحد أشهر قادة تلك الانتفاضة، ومثلت لحظة استشهاده انتكاسة كبرى للثوار، وكان لها ما بعدها.

الشيخ أحمد عبدالله الضالع – شيخ عزلة ذَرْحَان – كان أيضًا من جُملة أولئك القادة، وهو كما قاد الجولة الأولى، شارك في الجولة الكبرى، وكان – كما أفاد حفيده – بمثابة القائد الروحي لها، وساد الاعتقاد بين العامة أنَّها جاءت ردًا على تلك التي سبقتها، وكان يُطلق عليها (حرب الشيخ الضالع والإمام)، وقد انسحب – أي الشيخ الضالع – بعد أنْ فك الإماميون الحصار عن الجبين إلى بلاد الطعام، ليرضخ بعد الـمُواجهات الآتي ذكرها مُجبرًا للسلطات الإمامية، وقدم عقائر ورهائن الطاعة، وكانت في العام 1922م وفاته.

شيخ عزلة حورة قاسم حسن الحوري هو الآخر كان أحد أولئك القادة، تفرَّد الـمُتصرف يوسف بك بذكره في مُذكراته، ناقلًا في توثيقه لأحداث يوم 2 سبتمبر 1920م قصة لقائه في باجل به، حيث قال: «وبينما نحن في الـمُذاكرة بشأن ريمة، إذ وصل الشيخ قاسم حسن من ريمة، وهو من الرجال المعروفين بالهمة وحسن الأخلاق، وقد أضحى من المنكوبين بين أطماع أمراء اليمن، لأنَّه بينما كان ثائرًا على المشارقة مع جيش الإدريسي، مُحاصِرًا لمركز الجبى، إذ وصلت شِرذمة من المشارقة إلى عزلته، ونهبوا بيته وقراه عن آخرها، فأصبح فقيرًا بعد أنْ كان أميرًا».

ومن قرية القزعة – مغرم العساكرة (صار هذا المغرم عُزلة مُستقلة) التابعة آنذاك لعُزلة الجِمام، برز شيخ تلك المنطقة حسن أحمد أبوبكر، وكانت له – كما أفاد حفيده الدكتور محمود أبوبكر – مُشاركة فاعلة في تلك الانتفاضة، وكان من ضمن المشايخ الذين حضروا اجتماع باجل، وهو الاجتماع الذي حضره عدد من مشايخ ريمة الـمُساندين للأدارسة، ليقوم الإماميون بعد ذلك بعزله، وتعيين شخصًا آخر بدلًا عنه، ولم يكتفوا ذلك؛ بل عمدوا بعد فشل تلك الانتفاضة على حرق كُتبه، وحبسه، وفي السجن لفظ أنفاسه الأخيرة، مثله مثل كثير من أقرانه الثائرين.

ومن وجهاء مغرم العساكرة أيضًا، قرية رقبة تحديدًا، برز أحمد عبدالله الأهدل، ويُعد الأخير أحد قادة تلك الانتفاضة، وخلد الدكتور محمود أبو بكر – نقلًا عن علي حسين الزبير، نقلًا عن مُعمرين عاصروا تلك الأحداث – بعض مواقفه، التي اختلط في إحداها الحقيقة بالأسطورة، وأفاد أنَّه أحد أبطال معارك شآمة جشمان – سناتي على تناولها – الفاصلة، وأنَّه بعد هزيمة الثوار فرَّ إلى تهامة، ومن الأخيرة توجه إلى صنعاء، ولم يعد إلى بلدته إلا بموجب عفو خطي من قبل الإمام.

من جهته لم يُشر إسماعيل الوشلي، وهو مُؤرخ مُنحاز للجانب الإدريسي إلى دور أي من مشايخ ريمة في تلك الانتفاضة، وأسند قيادتها لقائد الجيوش الإدريسية الشيخ محمد طاهر رضوان، واختزل يومياتها بسطرين ونصف السطر، حيث قال: «وفيه – يقصد شهر ذي القعدة 1338هـ / يوليو 1920م – استولى قائد الجيوش الشيخ محمد طاهر المذكور على بعض بلاد ريمة، وما والاها، وأخذ منهم – أي من القوات الإمامية – أسرى، وأرسلهم إلى الزيدية، ثم أرسلوا إلى جازان».

وإيضاحًا للمشهد، لم يتحدث الـمُتصرف يوسف بك الذي كان حينها مُقيمًا في باجل عن توجه الشيخ محمد طاهر إلى ريمة؛ بل تحدث عنه بوصفه قائدًا عامًا لمعظم الجبهات، دائم الإقامة في تلك المدينة، وشنع عليه أعظم تشنيع، وتحدث في الـمُقابل عن شيخ قبيلة القُحْرى يحيى أبو هادي بوصفه – كما سبق أنْ ذكرنا – قائدًا لجبهة ريمة، ونقل في يوميات 11 أكتوبر 1920م عن توجه قوات إدريسية بكيلية * تحت قيادة الشيخ محمد علي صغير النهاري إلى الجعفرية، وذلك لـمُشاغلة القوات الإمامية من جهة، ولتخفيف الضغط عن قوات أبي هادي الـمُحاصِرة حينها للجبين من جهة أخرى.

وتأكيدًا لقول الـمُتصرف يوسف، أشاد الشاعر يحيى بن محمد الهادي بقبيلة القُحْرى التهامية لتوطيدها حُكم الأدارسة في ريمة وغيرها، والشاعر المذكور كان بادئ الأمر من أنصار الإمام يحيى، إلا أنَّه – كما أفاد الـمُؤرخ إسماعيل الأكوع – اختلف معه 1913م، وتحول لمناصرة محمد الإدريسي، ومدح الأخير وأنصاره بعدة قصائد، منها هذه القصيدة التي اقتطفنا منها:

ســـــلام على القُحُرى مــــــرازبة الحــــــــرب

أسود الشرى في موقف الطعن والضربِ

فـــــــــإنـــــــــهم حـــــــــزب الإمــــــــام محـــــــمــــــدٍ

وأكـــــــرم بهـــم للحــــــق والدين من حزبِ

فقـــــــد نصــــــــروا الدين القويـــــــم بنصرهم

لهـــــذا الإمام الجهبــــــذ العــــــلم القـــــطبِ

ورام العِــــــــدا ألا يُـــــــرامــــــــــــــــــوا بـــــــريـــــمــــة

فيرموا إلى القُحْرى بخطبٍ إلى خطبِ

ثمة إشارة مهمة أوردها الـمُتصرف يوسف في مُذكراته، وهي أنَّ الـمُواجهات كانت حينها في ريمة سجالًا، وإنْ كان الـمُؤرخان مُطَّهر وزبارة قد أغفلا انتصارات الجانب الريمي – الإدريسي، فقد جاءت إشارات ذلك الـمُتصرف مُحايدة، ومُقتضبة، وهو كما تحدث من قبل عن هزيمة هذا الفريق، عاود الحديث عن انتصارات حققها، وعن حصاره للجبين مرة أخرى، حيث قال: «الأهالي هذه الأيام قد ضيقوا الخناق على هذا المركز – يقصد الجبين – بعد أنْ كان المشارقة أخذوا مددًا، وتقووا، ونهبوا أموال الأهالي الذين نالتهم أيديهم. والآن الأهالي تعوروا وثاروا».

وفي نَقله ليوميات 1 ديسمبر 1920م عاود الـمُتصرف يوسف بك ذكر الشيخ يحيى أبو هادي، قائلًا أنَّ الأخير رجع من ريمة إلى باجل طالبًا المدد، وأنَّ الشيخ محمد طاهر عززه بقوات من حاشد، وخرج لوداعه. والراجح أنَّ القوات الإمامية كانت قد أتمت سيطرتها حينها على معظم نواحي ريمة، باستثناء ناحية الجعفرية الواقعة في جنوبها الغربي، وبلاد الطعام الواقعة في الشمال، وأنَّ الشيخ المذكور رابط بقواته في الأخيرة؛ كونها قريبة من بلاده، وأنَّ حصاره الثاني للجبين كان منها، وأنَّه أجبر القائد الشامي على التوجه – كما سبق أن ذكرنا – جنوبًا صوب كُسمه.

وفي ذات الصدد، أورد الـمُؤرخ محمد العقيلي اسم شخص يُدعى (الدائيلي)، بصفته عاملًا لريمة، وذلك ضمن قائمة عُمال الإمارة الإدريسية، ولم يتوسع في ذكر اسم ذلك الشخص، ولا طبيعة مهامه، وهل زار قضاء ريمة، أم اكتفى بالإدارة عن بعد.

توجه استقلالي

وفي موضوع شبه متصل، كان في تلك الفترة ثمة توجه نخبوي في الحديدة – الخاضعة حينها للإنجليز – بإنشاء مملكة تهامية مُستقلة، أو ولاية تابعة لتركيا أو لمصر، حدودها من أبي عريش إلى زبيد، على أنْ تكون ريمة وبُرع من مُلحقاتها، وقد أرسل أعيان ذات المدينة إلى عُصبة الأمم بعدة رسائل، عَبروا فيها عن مَطالبهم تلك، تماشيًا مع القاعدة السائدة في حق تقرير المصير.

جاء في إحدى رسائلهم: «نحن سكان الحديدة من مُثقفين وسادة وتجار وأشراف، نُسارع بتقديم هذا البيان، ونطلب من الميجر ميك الحاكم السياسي في الحديدة نقله مشكورًا إلى لجنة الأمم.. نحن لا نريد أي حكومة أخرى غير حكومتنا العثمانية.. وإذا لم تتنازل القوى لتوسلاتنا، فإننا نطلب تعيين أحد أفراد العائلة الخديوية ملكًا علينا».

اتهمت الرواية الرسمية المتوكلية حينها الشيخ محمد أمين بتبعيته لمحمد الإدريسي، وبأنَّه خاض معاركه التحريرية تلك، بإيعازٍ ودعمٍ من الأخير، وأنَّ الإمدادات وصلته من باجل، وعُبال، وما يفند إلى حدٍ ما تلك الرواية، أنَّ أمين كان – وربما صار – من أنصار التوجه الاستقلالي لنخب الحديدة، وراسل الإنجليز خلال الأحداث السابق ذكرها، وطلب حمايتهم، ومساعدته وأصحابه في نيل الاستقلال.

في رسالة بعثها للحاكم السياسي البريطاني في الحديدة 20 أكتوبر 1920م، قال الشيخ محمد أمين: «ولما استولى الإمام يحيى على أغلب قطعة اليمن، نشر فيه ألوية الظلم، وانسلب راحة العموم، وصارت الرعايا في دور الاستبداد والظلم، وخربت دورهم وديارهم، وأخذ حالهم وأموالهم»، وأضاف: «وجعلت أراجع مَقام دولتكم.. ملتجيًا بالدولة العظيمة أنا ومن بمعيتي – حدد سكان ريمة حينها بـ 100,000 نسمة – دفع المومى إليهم – يقصد الإمام يحيى، ومحمد الإدريسي – عن تعديهم إلى بلادنا، وبلاد أمثالنا، وإراحة الأهالي من سفك الدماء، ونهب الأموال».

لم تتحقق رغبات الشيخ محمد أمين وأصحابه الاستقلالية، وحققت القوات الإمامية انتصاراتها السابقة والتالية بمساعدة مائزة من أقرب الناس إليه، ابن عمه الشيخ علي يحيى الشرف، وقد وصف الـمُؤرخ مُطَّهر الأخير بأنَّه كان من جُملة الذين بادروا إلى الطاعة، وأظهروا النصح، وأضاف أنَّه كان من «المناصرين للحق أثناء أيام الحصار، وقام بمُعاضدة العامل أتم قيام، فرعى الإمام – عليه السلام – وأعوانه له تلك المزية، وسوغوه من الرعاية كل أمنية».

وفيما يخص مصير الشيخ محمد أمين، فإنَّ مكوثه في باجل لم يَستمر طويلًا، غادرها إلى جيزان، ومن الأخيرة إلى مصوع، وما أنْ عاد إلى باجل مرة أخرى، حتى تَعرض – كما أفاد الـمُؤرخ مُطَّهر – للاعتقال، صحيح أنَّ ذات الـمُؤرخ لم يُوضح سبب ذلك وطبيعته، إلا أنَّ أصابع الاتهام لم تتجاوز الأدارسة، ويعزز صدق هذا الاحتمال موقف أمين السابق ذكره، وحضور اسمه في الأحداث الآتية.

كان الشيخ محمد أمين – كما أفاد الـمُؤرخ عبدالودود مقشر – من جُملة المشايخ الذين حضوا برعاية الملك عبدالعزيز آل سعود أثناء الحماية السعودية للإمارة الإدريسية، وقد شيد له الأخير قصرًا في جيزان، أسوة بغيره من مشايخ تهامة الذين جابهوا دولة الإمامة، وطلبوا اللجوء من الأدارسة، ثم من آل سعود.

ناحية مُستقلة

وبالعودة إلى موضوعنا، فإنَّه وبعد أنْ استعصت بلاد الطعام – كما سبق أنْ ذكرنا – عن السقوط، أرسل الإمام يحيى إليها بداية العام 1921م بـ 2,000 مُقاتل، مصحوبين ببعض المدافع، تحت قيادة الشيخ نصير الدين علي بن المقداد الآنسي، على أنْ تتركز مهمة هذه القوات، وقرينتها الـمُرابطة في الجبين، تحت قيادة القائد علي الشامي، في الانقضاض كالكماشة على بلاد الطعام، ثم التوجه صوب جبل بُرع الـمُجاور للسيطرة عليه، وهو ما تحقق مُؤقتًا في الجزئية الأولى، ولم يتحقق – كما سيأتي – في الجزئية الأخيرة.

تقوى بذلك الجانب الإمامي، وتوجهت قوات الشيخ الآنسي صوب بيت القابلي، الواقعة في شمال عزلة بني شرعب، وتمكنت بعد حروب وخطوب من السيطرة على أطراف بلاد الطعام الشمالية والغربية، واستقرت في حصن المنامة التابع لعزلة بني الخولي، والمواجه لجبل برُع.

وفي الجهة الأخرى تحرك القائد الشامي من الجبين شمالًا، وسيطرت قواته – التي كان جلها من الحدا وخولان وحاشد وجبل عيال يزيد – على عُزل ذَرْحَان وبني بلحوت وبني وقيد وبني حسن والجِمام والمسخن وبني شرعب، وذلك بعد معارك شرسة شهدت منطقتي الحضن من عُزلة ذَرْحَان وجبل الزَّعلا من عُزلة بني بلحوت أبرز فصولها، وقال الـمُؤرخ مُطَّهر عن نتائجها: «وكانت القتلى من بلاد الطعام كثيرة، والأسرى منهم كذلك، واحتزت رؤوس جماعة مُنهم، فأرسلها أمير الجيش – يقصد الشامي – إلى أبيه عامل ريمة، وطيف بها في البلاد»، وأضاف: «فأصبحت البلاد عن أهلها خالية خاوية، ولعظيم ذنوبهم وطغيانهم ناعية»!

تحرك القائدان (الشامي، والآنسي) بعد ذلك غربًا صوب بُرع، من محورين مُختلفتين، وحاولا السيطرة على ذلك الجبل العتيد، ومنيا على أحراشه بهزيمة مَاحقة، وباقي التفاصيل أتركها للـمُؤرخ مُطَّهر حيث قال: «وارتفع جيش ريمة من الجبل راجعًا إلى أطراف ريمة، وتبعه الشيخ نصير الدين ومن معه»، وقد لزم الأخير بعد تلك الهزيمة النكراء داره، وبقي فيه حتى وفاته.

أما القائد علي الشامي فقد حاول باستماته المحافظة على المناطق التي سيطر عليها، خاصة بعد أنْ عاود الثوار هجماتهم، وعن ذلك قال الـمُؤرخ مُطَّهر مُهونًا: «وعادت أطراف بلاد الطعام إلى الخلاف، وكاد الخلل أنْ يسري إلى ما فوقها من بلاد ريمة، ولكن عامل ريمه وولده شمرا عن ساق الهمة، في حفظ الأطراف، وإطفاء نيران الخلاف».

لم يتوسع الـمُؤرخ مُطَّهر هذه المرة في ذكر تفاصيل معارك هذه الجولة، وجاء في نقله لحوادث أواخر ذات العام (1921م) ما نصه: «والحرب لا يزال مُستمرًا بين أعوانه – يقصد أعوان الإدريسي – وبين جنود الإمام في بلاد الطعام، وكل فريق واقف بإزاء الفريق الآخر في مَراتبه، والرمي بين الفريقين غير مُنقطع».

تولى خلال الأشهر الفائتة القائد علي محمد الشامي عَمالة قضاء ريمة نيابة عن أبيه، إلا أنَّ بقاءه في ذلك المنصب لم يَستمر طويلًا، انهكته – كما أنهكت سلفه – الانتفاضة المستمرة، وآثر الاعتزال، فيما أسندت تلك المهمة لعامل بلاد آنس القاضي أحمد الجرافي، على أنْ يبقى الأخير بمنصبه السابق، وقد علل الـمُؤرخ مُطَّهر ذلك التصرف إلى «أنَّ أكثر المجاهدين في تلك الظروف الموجودين في جبال ريمة من سكان الجهة الآنسية، وهم يتعاقبون في القيام بالمرابطة والجهاد فريقًا بعد فريق، على قاعدة مُحكمة في التداول والمناوبة، وحسن المعاقبة، وكثيرًا ما جرى الاختلاف في شأن الجوامك المستحقة لهم بين العاملين».

استطاع العامل أحمد الجرافي أنْ يُعيد ناحية الجعفرية سلمًا إلى حضيرة الدولة الإمامية، وعن ذلك قال الـمُؤرخ مُطَّهر: «وأصلح القاضي أحمد أيضًا ناحية الجعفرية، واستمالهم، وأعادهم إلى الانقياد». أما كُسْمَة الـمُجاورة، فقد أسندت عمالتها إلى عبدالكريم بن إسماعيل، بدلًا عن عاملها السابق علي حمود غالب، الذي أسره الثوار، وأغفل ذات الـمُؤرخ ذكر مصيره.

وبما أنَّ الـمُواجهات كانت حينها في بلاد الطعام مُستعرة، وبلا توقف، فقد ارتأت السلطات الإمامية الغاشمة فصلها عن الجبين، وجعلها ناحية مُستقلة وخَامسة لقضاء ريمة، وتم إسناد عمالتها للقائد العسكري الشيخ علي عمر المقداد، وعن ذلك قال الباحث علي الغانمي: «بما أنَّ بلاد الطعام أصبحت ساحة حرب، وشملت الـمُواجهات أغلب قراها وجبالها ووديانها، وشارك أبناؤها باستماتة في تلك الانتفاضة، والدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وقدموا في سبيل ذلك الكثير من التضحيات؛ فمن الطبيعي – هنا – أنْ يُقرر الإمام يحيى جعل منطقتهم ناحية مُستقلة، ليشدد عليهم الخناق أكثر، ويَكبح جماح تحركاتهم».

وغير بعيد عن وجهة نظر الباحث الغانمي، قال الـمُؤرخ مُطَّهر: «الـمُناوشة بين المراتب مُستطيلة على الدوام.. والحرب سِجال، ولكن أكثر الوقائع فيها النصر لجند الإمام؛ فلذلك اقتضى الرأي الشريف إفراد تلك الجهة بعامل».

وإكمالًا للمشهد أترككم مع ما قاله ذات الـمؤرخ: «وقام عامل بلاد الطعام بما عُهد إليه، وجرت بينه وبين الأعداء حُروب يطول تعدادها، لاستمرارها بطول هذا العام، حتى أنَّه لم ينقض هذا العام – يقصد سنة 1340هـ / 1922م – إلا وقد حصل المرام، من إثخان الأعداء في تلك الجهات، واستكمال بلاد الطعام، وإدخال أهلها في سلك الطاعة، والوقوف عليها على أحسن ثبات».

من جهته قال الدكتور محمود أبو بكر – نقلًا عن علي حسين الزبير، نقلًا عن مُعمرين عاصروا تلك الأحداث – أنَّ الشيخ علي عمر المقداد تمركز مُدة في قرية المشماط، الواقعة في عنق جبل الطاعة، والتابعة لعزلة بني شرعب، وأنَّه ضم الشيخ أحمد صغير البكير أحد عقال ذات العُزلة إلى مَقادمته *، في حين توجه شيخ العُزلة حسن أحمد الزبير إلى بُرع، وأنَّ الأدارسة تَمركزوا في الجهة الأخرى غربًا، ونصبوا في جبل العر التابع حينها لعُزلة الجِمام أحد مَدافعهم.

تَعمق الدكتور محمود في نقل تفاصيل بعض المعارك التي شهدتها تلك المنطقة، وبتوصيف أدق التي شهدها خط التماس ذاك، لافتًا أنَّ حِصن شآمة جشمان الـمُتاخم لجبل الطاعة، والواقع بين ضالع المسخن وقرية المشماط، وتحديدًا أسفل الأخيرة، شَهد أعنف الـمُواجهات، حيث التقى الثوار بالقوات الإمامية وجهًا لوجه، واشتبكوا معها بالسلاح الأبيض، وأضاف أنَّ آثار نوبات الحراسة، والمدافن ما تزال ماثلة للعيان، وذلك في محلة صنب الواقعة أعلى جشمان، واستدل على شهادته بزامل حربي كان يردده الإماميون حينها، تقول كلماته:

خيــــلت بــارق من على المشماط يلمع

سيـــدي تسمع ضرب المدافع والهجوم

مـــا ضده إلا المـــرت والصاغ المشمع

وإدريس قـد ضاع والختم ساهر لا ينوم

صحيح أنَّ القوات الإمامية أحكمت سيطرتها على معظم عُزل بلاد الطعام، إلا أنَّ المواجهات في أطراف تلك الناحية لم تتوقف؛ والسبب قُربها من جبل بُرع الخاضع حينها للسيطرة الإدريسية، وتحولها إلى خط تماس مُلتهب، وقد استمر الإمام يحيى بإرسال مجاميعه القبلية إليها، مبتدئًا بإرسال مجاميع من قبيلة بني جديلة العفارية (حجة)، ثم أمدها بـ 2,000 مُقاتل من حاشد وخولان والحدا، تحت قيادة يحيى بن علي الذاري، وكانت المجاميع الأخيرة قد وصلت إلى مقامه بداية العام 1923م «راجين إسعافهم بإرسالهم إلى محطات الجهاد»، حد توصيف الـمُؤرخ مُطَّهر، فكان لهم ما أرادوا، وقد رافق ذلك إعادة علي الشامي لعمالة ريمة، بعد أنْ اعتذر الجرافي.

توجهت تلك القوات إلى بيت القابلي، ومن الأخيرة تقدمت غربًا، وتمكنت بعد معركة شرسة من استعادة السيطرة على حصن المنامة، ثم واصلت تقدمها صوب الشُطبة، ثم عطار، وصولًا إلى مغربة الخُزاعي، والمنطقتان الأخيرتان تابعتان لناحية بُرع، فيما تتبع الشُطبة ناحية بلاد الطعام، وتوجد فيها مقبرة كبيرة تحوي مئات القبور، يُرجح أنها لقتلى تلك المواجهات، ولم تمض سوي أيام معدودة، حتى فتك المقاومون والأوبئة بالقوات الإمامية، وأجبروها على العودة إلى ريمة خائبة.

وقد خلد الشاعر الريمي منير الضوحاء تلك الانتفاضة الـمُستمرة بقصيدة طويلة، اقتطفنا منها:

سل بـــــلاد الطعــام سل ساكنيها

مـــن ربـُــــوع الإبـــاء حتـــى الجِـــمامِ

شبــــت النــار في الجِمام عليهم

منـــذ أتـــــوها فبــــئس ســـوء الختامِ

تــــلك ذُرْحَـــانُ بــــالمنايـــا سقتهم

من رصاص اللظى ووقع الحُسامِ

مـــن بني شرعـبٍ تـــــداعى رجالٌ

ومــــن المُسْخُنِ انتضـــوا كالسهامِ

وتـــــداعى بنو حسـن والــــوقيدي

سانــــــدتـــه العَســـــاكِرة في الصدامِ

والنــــديبـــــي ومغـــــرمُ العُـــــرِّ هَبــُّــوا

مــــــا لغـــــــازٍ أتــــــى بـــــها مـــــــن مقامِ

ســل قضاءَ الجبين هَبُّوا جُموعًا

ســــل عــــن السَلْفِية وقــــومٍ عــــظامِ

قـــــــد غــدت كُسْمَةُ ومزهر غُولًا

يستــــجــــــــرُّ الــــغُــــــزاة بـــــــالالتـــــــهامِ

وربُــا الجعفرية استشاط جحيمًا

نكـــــلت بــــــــالطـــــــغــــــاة والأقـــــــــزامِ

هـــــــذه ريـــــمــــــةُ لمــــــن رام عـــــــــزًا

مجــــــدها كـــــالــــــربا رفيــــــعٌ وسامي

لا ولـــــــن تستـــــكيــــــن يـومًا لطاغٍ

لـــــــدعــــــاة الضــــــــلال والأوهـــــــــــامِ

دخل قضاء ريمة نفق الإمامة الـمُظلم، وكم من نفوس أزهقت، وأموالٍ نُهبت، وحُرماتٍ انتهكت، وكانت مناطق خطوط التماس هي الأكثر تضررًا؛ وذلك لكثافة القوات الإمامية الـمُتواجدة فيها، وفي وادي الشعرور مثلًا، والواقع شرق قرية المحربة التابعة لعُزلة بني شرعب، حاول أحد العساكر الإماميين الاعتداء على إحدى النساء، فما كان منها إلا أنْ دافعت – كما أفاد الدكتور محمود أبو بكر – عن نفسها، فيما صدحت أخرى مُناصرة لها بهذه الـمُلالاة:

يا مشرقي ياللي شواربك زَرب

هــاتوا الفــــريقة شـــانمكنـه ضرب

وفي إطار ذات العُزلة أيضًا، كان هناك – كما أفاد الدكتور محمود أبو بكر – قائد إمامي يُدعى (العُقَيدة)، يَعمل مُساعدًا للعامل علي عُمر المقداد، ويقيم في قرية المشماط بمنزل يُقال (بيت الراوي)، واشتهر بجبروته وتعديه على المواطنين الـمُسالمين، وقد وثقت إحدى الملالات الشعبية تعديه على إحدى النساء، هذا نصها:

وانا اشهدك يا الله على العُقَيدة

يَحْـرِب من الطـاقة على الوليدة

هناك في ذات الصدد أغانٍ شعبية كثيرة وثقت لتعاظم الرفض الريمي للتواجد الإمامي، منها هذه الـمُلالاة التي كُنَّ نِساء عُزلة بني شرعب يرددنها تشفيًا بهزيمة القائد الإمامي السابق ذكره (العُقَيدة)، الذي لقي مَصرعه حينها، ودفن في قرية المشماط، وقد أمدنا بها – أي الـمُلالاة – الباحث علي حسين الزبير نقلًا عن والدته، ويقول نصها:

يا شيخنا إدريس يا مَرحبا به

خَـــلَّى العُقَيــدة بـــــال بـــيـــن ثيابة

كما كان لاتخاذ الشيخ علي عمر المقداد قرية المشماط – التابعة لذات العُزلة – مركزًا لناحية بلاد الطعام، الأثر الأكبر في تعاظم تلك الانتهاكات؛ وهو الأمر الذي جعل الشيخ حسن أحمد الزبير يُسارع لإيجاد حل لهذه الـمُعضلة، والأخير عاد من جبل بُرع بموجب عفو عام صدر حينها، وتمثلت مهمته الـمُستجدة بقيامه بجمع 200 ريـال فرنصي من أبناء منطقته (بني شرعب)، وإقناع العامل بالانتقال إلى منطقة بني نديب، وجعل الأخيرة مركزًا جديدًا للناحية، وهو ما تم، ولكن بعد حين، وهي – أي بني نديب – كانت حينها أحد مَغارم عُزلة الجِمام، وتحولت فيما بعد إلى عُزلة مُستقلة، مثلها مثل مغارم العساكرة والعُر والتالقة.

طَوى مُقاتلو الإمامة صَفحة الانتفاضة الريمية بعد عامين ونصف العام من نُشوبها، وهي الانتفاضة التي أغفل مُؤرخو ريمة – للأسف الشديد – نَشر يومياتها، وحق لأبناء وأحفاد أبطالها أنْ يفخروا بها، وأنْ يُعيدوا رسم تفاصيلها فوق ربوع أرضهم الطيبة، تمامًا مثلما أعادوا تكرارها في جبهات الدفاع عن الجمهورية.


 

بعد تلك الانتفاضة بـ 27 عامًا، حاول أولئك المتفيدون العودة إلى ريمة مرة أخرى، إلا أنَّ أبناء الأخيرة تحت قيادةالشيخ علي النهاري تصدوا لهم، وأجبرهم على العودة، وعن ذلك قال أحد المُؤرخين المجهولين: «وقد كان تقدمه محمد أحمد العفاري مع قوم من حاشد، وأول مطرح حطوه على بلاد ريمة، وكبيرها يومئذ السيد علي النهاري، ونعم الرجل، صاحب همة ونجدة، فأظهر الشدة والقوة، ودفعهم في وجوههم.. وقد كان قبضوا شطرًا من بلاد ريمة، في بني أحمد، ولكن السيد النهاري جمع الجموع، وحشد الناس لقتالهم، وتشددوا في حربهم لهم، ونصرهم الله، وقتلوا فيهم قتلًا ذريعًا، وشردوهم، وباءوا بالخسران، وكان ذلك في عيد الأضحى آخر سنة 1274هـ».

*  في تعليقه على هذه الجزئية، قال الباحث علي الغانمي أنَّ جميع قبائل بلاد الطعام وعشائرها شاركت في تلك الانتفاضة، من الجِمام، وحصن المنامة، وبني شرعب شمالًا، حتى حصن الضالع، وذرحان جنوبًا، ومن جداجد، وبني أعسر شرقًا، حتى العساكرة، وبني حسن غربًا.

وأضاف: «تُوجد في بلاد الطعام عدد كبير من الأسر والعشائر، وتتداخل أغلبها في الانتماء القبلي والقرابة، وتتفرع من بعضها البعض، ولكل عُزلة أو قبيلة مغارمها ومشايخها، وأهل الحل والعقد، ومُعظم تلك الأسر والعشائر شاركت بلا شك بإيجابية في تلك الانتفاضة، سواء بأدوار كبيرة أو محدودة».

وذكر الغانمي عددًا من تلك الأسر والعشائر، كـ أحسون، وبني حسن، والشرة، وبني القبلي، والضالع، وبني أبوبكر، والبرار، والذرحاني، وبيت أبو سعيد منخ، وبني نديب، ونعمان، والعساكرة، والحنيشي، والمسخني، وبني يحيى، والوقيدي، والشرعبي، والمغربة، وأسرة الحسني، وزيعان، وبني شمسان، وبني شيبان، وبني الحكمي، وبني الحاج، وبني الكريمي، والتالقة، والجرادي، والمقفلية، والعر، وبيت الدار، والأعسري، والطعامي، والمركز، وجداجد، وبيت الجبجبة، والخولي، والزبير، وبني يوسف، والعمري، والشويع (وهي غير أسرة الشويع ذات الأصول الحاشدية)، وبني الشماع، وبني الغانمي، وبني سليمان، وبني المطري، وبني التهامي، وبني الوصابي، والبحري، واللبخي، وصهافة، والفلاحي، والمعطن، وبني السباك، وعومان، والفقيه، والعزب، والنقيل، ودرويش، والشامة، وبيت مرسم، والمشماط، والقزعة، وبني البكير، وبيت الحقول، والنهاري، والدمانة، والجبل، وسمع، والقليصي، والصبري، وسبأ، والحداد، والحمري، والخوالة، والشرقي، والجبوبي، والسدر، والعكام، والسوق، والمرول، وعصمة، وبني الصدام، وحضرة، وحدقة، والصحصح، وبني سحيم، والنيابة، ونجمان، وبني درعان، ومهنا، والبصير، والفتاح، وبني الناصر، وبني سحام، والحتف، والملحاني، والحمامي، وعبرعشر، وبني البطل، والجمام، والعامري، والزنيم، وبني متيعة، والظاهر، والمعافا، والغربي، وبيت هادي، وبني أنيف، وبني جريد، والكدف، وبيت الشرف، والجرجرة، وبني راجح، وبني الكداري، والضوحاء، وقحفل، وبني الكردي، والرجيف، والشطبة، والجورة، وفيشان، والمحارب، والوادي، وبيت مشرف، وجشمان، والركنة، والزبرة، وبيت الزوبري، وبيانة، والرشيدي، والمبرك، والدفان، والعراري، وغيلمة، والقحم، والمطيب، وبني صلاح، والشيبة، والمحربة، وبيت قتادة، والمخلفة، والمانم، والماجل، وبيت الدغيش، وبيت المنظر، والغرة، وبني السعيدي، وبني المرخامي، وبيت شبح، وبني السواد، والأملاح، والمخلاف، والسرادي، وبيت الصدف، والمعترض، وبيت عياش، وبيت الجرعمي، والمعشور، والمدة، وبيت الكرشمي، وبيت الزريعي، وبني المشرع، والطويلة، والمكتوب، وبيت المعسيف، والبكالي، والجمايم، وبيت القابلي.

*  في تعليقه على هذه الجزئية، قال عبدالله حسين الضالع أن القوات الإمامية واصلت تقدمها إلى قرية الحضن، وأن المُؤرخ مُطهر التبس عليه الأمر وأسماها بـ (الحصن)، على اعتبار أنَّ المقصود حصن الضالع السابق ذكره، وأفاد عبدالله أن الإماميين أسسوا لهم في تلك القرية حامية عسكرية دائمة، على أنقاض ما يُسمى بـ (بيت القرانة)، الواقع شرق ذات القرية، وتحديدًا في أعلى جبل الشرف.

وصلت تلك المجاميع بادئ الأمر إلى باجل، تحت قيادة النقيب محمد يحيى الشائف، وكان قوامها 100 مُقاتل، ولم يذكر الـمُتصرف يوسف بك الجهة التي وصلت منها، وهل كانت تُقاتل قبل وصولها ذاك تحت راية الإمام يحيى، أم تحت راية محمد الإدريسي، أما أنها لم تُقاتل مع هذا الطرف أو ذاك، وقدمت أصلًا من مضارب قبيلتها البكيلية.

*  أحمد صغير البكير من عُقال عُزلة بني شرعب، قَرية الحنيشي تحديدًا، والأخيرة مُتاخمة للشطبة، وهناك من شَكك في حادثة انضمامه للجانب الإمامي، على اعتبار أنَّه كان شجاعًا، مِقدامًا، قوي البنية، صاحب رأي، ومستشارًا أمينًا لشيخ العُزلة الشيخ حسن أحمد الزبير، وحسب إفادة أحد أقارب الأخير (الباحث علي حسين الزبير) أنَّه – أي البكير – شارك في الانتفاضة الريمية، وتوجه إلى شآمة جشمان، وذلك بعد أنْ استولى الإماميون على الشُطبة، وبعد أنْ تغلب على مجاميع إمامية قامت باللحاق به.

كان الشيخ البكير يحظى باحترام الجميع، وكان أبناء منطقته لا يبتون بشيء إلا بعد أخذ مشورته، وهناك حكاية مُتداولة تُؤكد ذلك، يتمثل مَضمونها الساخر بأنَّ أبناء المناطق المُجاورة كَانوا يقولون: «صلوا على النبي يا شراعبة»، فيأتي الرد من الأخيرين: «لما يأتي أحمد صغير البكير»!

* المرت: نوع من أنواع البنادق القديمة.

الصاغ المشمع: أي الرصاص الجيد، غير المُعاد تعبئته، ويسمي النوع الأخير بـ (الرصاص المُعوض).

الزرب: نبات شوكي

 الفريقة: العصا الغليظة التي طولها بقدر طول اليد، ورأسها أسمك من مؤخرتها، وتسمي في بعض المناطق بـ (الصميل).

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لله درك اخي بلال ..شكرا لهذا المجهود الكبير..وفقك الله.. كنت اتمنى ان ترفق المبحث بمراجع ووثائق تاريخية استندت إليها في النص الماثل امامنا . ولم التحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى