أدب

سر الأبجدية: في إنتاجِ نسقٍ إبداعي

تتألفُ الأبجدية العربية من (29 تسعة وعشرين حرفًا) هي في مجملها حروفٌ مفردة لا تنطقُ بأي إبداع، ثمَّ يأتي أي مبدع ليشكِّلَ من تلكَ الجوامد نصوصًا إبداعية غاية في الدَّهشة والجمال. ولعلَّ السؤال الذي يطرح نفسه: ما الأداة التي يسُتطَاعُ بها تحويل هذه الحروف الجامدة إلى نسقٍ إبداعي؟! وهل يكمن الإبداع أساسًا في تلك الحروف التي تبوحُ لكلِّ مبدع ببعضِ الأسرار؟! أم إنَّ سر الإبداع يكمنُ في المبدعِ ذاته؟!

مما أذكره جيدًا؛ أنَّا كنَّا نعمِدُ إلى ساعةِ المنزل، ونزيدُ في دقائقها قليلًا، نصنعُ ذلكَ – ابتداءً- تحايلًا على أنفسنا، من أجلِ أن نستيقظَ صباحًا فورَ ذهابنا إلى المدرسة، ونحنُ في حالةِ استنفار؛ خوفًا من فواتِ الوقت، وانتهاءِ طابورِ الصَّباح، وما يتبعُ ذلكَ من عواقب وخيمة!

الإقدامُ على هذا الفعل؛ هل هو محضُ غباء؟! أم تحايلٌ ذكيٌّ/رخيص على النَّفس، بمشاركةِ “أداةِ النسيان”؟!

عندما نستيقظُ من النَّوم، ننتقلُ من عَالَمٍ إلى عَالَم، وتأثيرُ ذلكَ يجعلكَ تفكِّرُ في اللحظةِ الراهنة التي أنتَ مقدِمٌ عليها، وينصبُّ تركيزكَ فيها، وعيناكَ ترقبان بحذرٍ عقاربَ السَّاعة تركضُ بلا هوادة، وهنا يأتي النِّسيان، ويطمسُ بسطوته حيلة الدقائقِ الزائدة، لتتحولَ السَّاعة إلى وقتٍ حقيقيٍّ لا شكَّ فيه.. وهذا يُسهِمُ في الانتهاء بشكلٍ خاطفٍ من بروتوكولاتِ الاستعدادِ للمدرسة، والوصول في اللحظةِ المطلوبة. والمحصلة النهائية؛ حيلة صنعناها بـ درايةٍ وعلم، دخَلَ عليها النِّسيان، وأسقطَ فكرةَ كونها “حيلة”، ووضعَ مكانها الحقيقة؛ فآتتْ أكلها.

وبناءً على فكرةِ عقاربِ السَّاعة وعاملِ النِّسيان؛ بإمكانكَ – مثلًا- أن تحدِّدَ عددًا كبيرًا منَ الكتبِ لقراءتها، أنتَ تعلمُ ابتداءً أنكَ لن تقرأَ هذا الكم منَ الكتب، لأسبابٍ وظروفٍ مختلفة، لكنَّ كتابتها في ورقة، وتعاهدها بينَ حينٍ وآخر، يساعدكَ على المضي قدمًا نحو الهدف الذي رسمته في لحظةِ قرار، وهنا يأتي النِّسيان، ويغطي على علمكَ السَّابق أنكَ لا قدرةَ لكَ على قراءةِ هذا الكمِّ الكبير، وتبقىٰ فقط حقيقة المكتوب بينَ يديك، وهمَّة الإتمام التي تشتعلُ في داخلكَ لتحقيقِ ما تتمنى، ولو انتهى العام وقرأتَ نصف ما كتبته؛ فقد نجحتِ الحيلة، وآتتْ ثمارها.

وهذا يجرُّنا إلى لحظاتِ الوداعِ الأسيفة، قبلَ أن ترحلَ المرأة إلى ربِّها.. يقفُ الزَّوجُ بدموعٍ حرَّى، وقلْبٍ سَاهِمٍ شَجِي، يبكي بكاءَ من لا بقاءَ له في الحياة، ويقسمُ حينها بأيمانٍ مغلَّظةٍ؛ أنَّ الحياةَ بعد زوجته فناء، وما هي إلا محضُ خراب.. وأنه سيبقىٰ وفيًّا لحبِّهما أبدَ الدَّهر.. في تلكَ اللحظةِ يمارسُ زيادةَ عقاربِ السَّاعة، وذلكَ من خلالِ اعتماده لاحقًا على سلاحِ النِّسيان؛ الذي يصنعُ منه عريسًا بعد أشهرٍ قليلةٍ من رحيلِ زوجته!

ولو تأملنا، فالنِّسيانُ في الحالةِ الأولى، أسهمَ في لحاقنا بالوقتِ المناسب، وفي الحالةِ الثانية؛ أسهمَ في إنجازنا ما كنَّا نستصعبه، في حالِ لو قسنا الأمورَ بوضعها الطبيعي مع مشاغلنا المتوهَّمة أو الحقيقية التي لا حدَّ لها.. وفي الحالةِ الثَّالثة، وقفَ النسيان إلى جوارنا، بعد أن قطعنا عهودًا أن نبقى في محرابِ العزوفِ عنِ الحياة إثر رحيلِ من نحب.. وما هو إلا زمنٌ  يسير، وأعادنا إليها من بوابةٍ ربما كانت أكبر من سابقتها..!

فهل تظنُّ بعد كل ذلك أنَّ ما كنَّا نصنعه في منزلنا من زيادةِ عقاربِ السَّاعة، محضُ غباء.. أو حيلة سخيفة؟! لا أظنُّ ذلك.. بل غالب ظني أنَّ عقاربَ السَّاعة لا تعودُ للوراء!

ولأنَّ الحديث متصلٌ بالنِّسيان كأداة من الأدوات المدهشة التي يُستطَاع بها تحويل الحروف الجامدة إلى نسَقٍ إبداعي, فقد وقفتُ مُعجبًا، فرِحًا، بـ عبارةٍ ذكرها أديبُ المغربِ عبد الفتاح كيليطو، في كتابه “مسارات”. وذلكَ في قوله:

“الإبداعُ لا يمكن أن يتمَّ إلا على أساسِ النِّسيان. بدونه لن يكونَ هناك إبداع؛ وإنما مجرد تكرار واجترار”. ومزجُ الإبداع بـ النِّسيان؛ من الممكنِ أن يقالَ عنه “فن”، ومعادلة في غايةِ السهولة والصرامة؛ “لكي تبدعْ = لا بدَّ أن تنسى”، ويُراد بالنِّسيان هنا، عدم الاعتماد على ظواهر النُّصوص، أو الاتكاء على زخارفِ الألفاظِ المنتقاة، وحبس النَّفسِ عليها، وقولبتها في نصٍّ آخر، بما يشبه الحياكة التي تعتمدُ في أصل إنجازها على الترقيعِ بصورٍ مختلفة!

فإنَّ أي إنجاز نصي لا بدَّ أن يخضع لقواعد منظمة تتمثل في ذهـن المبدع عند فعل الإنجاز، لعلَّ من أبسطها؛ توافر المخزون الثقافي المساعد على أداء فعل الإنجاز, وتراكم هذا المخزون ينشأ من الوقوف على أعمال إبداعية ثم محاولة نسيانها. فالمبدع لا يبدأ من الفراغ أو العدم، لكنه يبدأ دائمًا من نهاية ما، هذه النهاية/البداية تكون أساسًا له في عمله الإبداعي، وموجهًا حميمًا في نسق هذا الإبداع.

والنسيان في حقْلِ العمل الإبداعي؛ يجعلُ منكَ مدهشًا، خالقًا للنَّص، لا تظهرُ عليه آثار مرضٍ وراثي، أو هجنة واضحة، وإنما صورة مشرقة على منوالٍ غير مألوف، يمثلُ شخصيةَ الكاتب؛ الذي تناسى كل شيء، وسطَّرَ معنىً يعيشُ في داخله، ويرنو للخروجِ مشرقًا بلا شبيه.

ومن أمثلة النِّسيان التي تصنعُ الإبداع، ما حدثَ لأبي نواس، “عندما أعلنَ رغبته في أن يصيرَ شاعرًا، نصحه أستاذه خَلَف الأحمر أن يحفظَ ألف قصيدة عن ظهرِ قلب، ثم بعدَ ذلكَ طلبَ منه أن ينساها”. وعندما نسيها، ثارت عواصف الإبداع في رأسه، فصنعَ قصائده المدهشة، ولهذا، اعتبر “كيليطو” أبا نواس من كبارِ شعراءِ العرب؛ لأنه مارسَ “فنَّ النسيان”.

كما “يحكى عن خالد بن عبد الله القسْري أنه قال حفظني أبي ألف خطبة. ثم قال لي: تناسها. فتناسيتها، فغاضت وفاضت، فو الله ما أردتُ بعد ذلك شيئًا من الكلام إلا سهل علي وعْرُه ، ولانَ لخاطري صعبُهُ”. وجريًا على هذا الفهم اصطنع ابن خلدون مصطلح (نسيان المحفـوظ), ودعاه رولان بارت (تضمينات من غير تنصيص), وهكذا, فإنَّ كل نص ماثل إنما هو مجموعةٌ من النُّصوص الغائبة. و”النص الغائب مصطلح نقدي جديد، ظهر في ظل الاتجاهات النقدية الجديدة، ويراد به أنَّ العمل الأدبي يُدرك في علاقته بالأعمال الأخرى، فالأدب ينمو في عالمٍ مليء بكلماتِ الآخـرين. والنَّص تشكيل لنصوص سابقة ومعاصرة، أعيدت صياغتها بشكلٍ جديد. وليس ثمة حدودٌ بين نص وآخر، وإنما يأخذ النَّص من نصوصٍ أخـرى، ويعطيها في آن” كما نصَّ على ذلك رائد نظرية جمالية التلقي هانز روبرت ياوس.

وبمجرد أن يبدع الكاتب نصه الجديد؛ الذي هو عبارة عن مجموعة من نصوص سابقة ومعاصرة أودعها في جدران الذاكرة بعد نسيانها، فإنه يدخل نصه في عمليات تناصٍّ جديدة، ذلك لأنَّ النَّص الجيد يستطيع دومًا العطاء المستمر لقراءاتٍ متعددة.

والمحصلة النهائية من قولٍ كهذا: أنَّ النِّسيانَ أصلًا لا يكونُ إلا من شيءٍ سابق، قد يكونُ مثلًا، قصائد حفظتها، أو كتبًا قرأتها، أو أفكارًا وقفتَ عليها، ولن تصل إلى درجةِ النسيان إلا إن مررتَ بطريقِ الطلب، أي طلب المعارف. فكما أنَّ الإبداع ليس إلا ثمرةَ النِّسيان، فكذلك النسيان لا يأتي إلا بعدَ مرحلة قبْليَّة محملة بالجهد والفعل؛ فهما وجهانِ لإبداعٍ واحد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى