فكر

علوية الإمامة

الإمامة في الفكر الهادوي (4-4)

كل ما قيل في الصفحات السابقة عن ألوهية فكرة الإمامة، ووجود النص المقدس: جليا أو خفيا، والقرشية والهاشمية لدى الشيعة ينطبق على مذهب هادوية اليمن في الإمامة.. لذلك فإن ما يهمنا في مسألة ( علوية الإمام عند الهادوية) هو ما يتعلق بحجج مذهبهم عن الفضائل والخصائص التي يدعون أنها تحسم مسألة استحقاق علي وابنيه للإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدون فصل؛ أما دعاوى استحقاق سائر آل البيت للإمامة بعدهم فهو مرتبط بالثلاثة الأوائل، فهو الأساس في عقيدة اللاحقين، وبالتالي فمناقشة الأصل تغني عن التوابع.

سوف نعتمد في مناقشة معايير استحقاق علي وابنيه للإمامة عند الهادوية على ما جاء في كتاب شرح الثلاثين مسألة – الشهير لدى هادوية اليمن والمعتمد لديهم قديما وحديثا- عن الفضائل والخصائص التي يقولون ان عليا استحق بها الخلافة دون كل الصحابة. أما بقية شروطهم في الإمام فلا تهم هنا؛ إما لأنها مشتركة مع بقية الفرق الإسلامية، أو لأنها  معقولة إنسانيا، أو لأنها ليست محصورة بسلالة معينة؛ وإن كانت مما لم يلتزم بها الهادوية أنفسهم بما فيها الدعوة طريقا إلى الإمامة وليس التوريث أو الغلبة فقد آلت الإمامة في اليمن منذ زمن المؤسس لتكون حكما وراثيا مغلفا بدعاوى الدعوة والخروج، ففضلا عن أن معظم الأئمة كانوا من نسل يحيى بن الحسين؛ فإن توارث الإمامة ابنا بعد أب كانت غالبة وإن تسترت بالدعوة إلى النفس أو الخروج ففي الخلاصة تكون الإمامة للمتغلب بالسيف أو المال أو بنفوذ أبيه وأسرته.. وتبقى بقية الإجراءات مجرد تحصيل حاصل حيث يلعب السيف الدور الحاسم أو الشرط الحاسم في تولية الإمام! (1)

وإذا تأملنا في أدلة هادوية اليمن على استحقاق علي للإمامة بعد النبي فنجدها لا تخرج عن أحاديث (الفضائل) التي قال النبي مثلها في كثير من الصحابة، ومنها الصحيح ومنها الكثير من الضعيف والمكذوب والموضوع.. والصحيح منها يؤولونه تأويلا اختلفوا بأنفسهم حوله، وهو لا يصلح أصلا ليكون سندا لإمامة إنسان لأن القيادة وسياسة الدول لا تقوم فقط على الصفات الروحية، وقد اختلف الهادوية أنفسهم في دلالتها.. وكم من صحابة كانوا في ذروة الفضل والتقوى والسبق إلى الإسلام لكن ذلك لم يمنحهم خاصية في قيادة الجيوش، أو تولي الولايات، وهو نفس ما حدث في تاريخ الدولة الهادوية في اليمن فقد كانت الصفات الخلقية وحتى الطبيعية تتوارى أمام قوة المال والسيف والنفوذ والعائلي، وحتى أهواء المتابعين من الخاصة والعامة!

يخصص شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الشهير (منهاج السنة) حيزا مهما لنقض استدلالات الشيعة على حق علي بالخلافة بناء على نصوص نبوية أو آيات قرآنية يتأولونها تأويلا متعسفا فضلا عن عدم اختصاصها بموضوع الإمامة.. ولعل المنطق القوي الذي دحض به ابن تيمية فكرة الإمامة وهدمها على رؤوس أصحابها، وتفنيده الحاسم لحججهم عن أحاديث فضائل علي الذي تؤهله في نظرهم للإمامة دون كل الصحابة.. لعل ذلك هو سبب هذا العداء الكبير والحقد الدفين الذي يكنه هادوية اليمن له؛ رغم كلامه الواضح والصريح والمتكرر في فضائل أئمة البيت وثنائه عليهم، وإشادته بالزيدية الأصلية. (2)

إحدى إشارات ابن تيمية المتميزة فكريا في كتابه (منهاج السنة) هو تنبيهه إلى الفرق بين أحاديث (الفضائل) وأحاديث (الخصائص) التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق الصحابة.. فأحاديث الفضائل هي مما يشترك فيها آخرون من الصحابة.. وأما أحاديث (الخصائص) فهي تلك التي يختص بها صحابي دون بقية الصحابة. ويورد ابن تيمية ما يؤكد أن معظم – إن لم نقل كل- الأحاديث التي يستند إليها الشيعة في استحقاق علي للخلافة كانت من نوعية (الفضائل) وليس (الخصائص)، وهو أمر لا يجعله مستحقا للخلافة من دون من سبقه من الخلفاء!

وفي سبيل فهم أفضل لأحاديث الفضائل ينبغي الانتباه إلى بعض خصائص الأسلوب النبوي في استخدام الألفاظ والكلمات.. فالنبي الكريم عندما يثني على خال بن الوليد واصفا إياه بأنه (خالد سيف من سيوف الله سله الله على المشركين) صحيح فلا يعني ذلك أنها خاصة به.. فهناك عدد كبير من الصحابة يستحقون هذه الصفة بأفضل مما يستحقها ابن الوليد.. فقد سبقوه إلى الإسلام وإلى الجهاد ومقارعة أعداء الإسلام في أشد الظروف صعوبة على الإسلام، ولا شك عندي أن أمثال حمزة وعلي وطلحة والزبير وأبي دجانة والمقداد وسعد بن عبادة يستحقون فضيلة (سيف الله المسلول) أفضل من خالد.. لكن ثناء النبي على خالد بهذه الصفة كانت من معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ فخالد يومها لم يكن له أي دور كبير في الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام إلا أنه نجح في إنقاذ جيش المسلمين من مقتلة في معركة مؤتة نتيجة اختلال ميزان القوى لمصلحة الروم، واستشهاد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي، وقد أثارت عودة الجيش الإسلامي بقيادة خالد استهجان المسلمين ووصفوهم بالفرار لانسحابهم أمام جحافل الروم، لكن النبي علم أن خالدا سيكون له دور عظيم في نصرة الإسلام، وأن انسحابه بالجيش من أرض معركة غير متكافئة ليس جبنا ولا فرارا  فكان الواجب  يزمها بيان فضيلة خالد لكيلا يظلمه الناس.. وهو نفس ما سيحدث في حجة الوداع مع علي مما سيأتي ذكره.

وعلى المنوال نفسه يمكن أن نفهم كثيرا من أحاديث الفضائل التي قيلت في بعض الصحابة والصحابيات.. فلا هي خاصة بهم.. ولا المقصود أن غيرهم لا يتصفون بها. وهاكم وصف طلحة والزبير بأنهما جارا النبي في الجنة.. أو وصف فاطمة بنت النبي أنها سيدة نساء العالمين في الآخرة.. أو وصف النبي لسبطيه الحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة فكل هذه الأوصاف ليست خاصة بهم ولا هي مقتصرة على أصحابها.. وإلا كان ذلك يعني أن الحسن والحسين سيدان على الأنبياء وأبيهما علي نفسه في الجنة طالما أن أهل الجنة كلهم شباب وفي سن واحدة كما جاء في الأثر.

كما أن القول إن طلحة والزبير جارا النبي أي أقرب إلى النبي لا يعني أنهما وحدهما جيرانه، وأن غيرهم من الصحابة ممن هم أفضل منهما؛ فضلا عن الأنبياء والصديقين؛ ليسوا بجيران للنبي.

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم إن فاطمة سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؛ فإنما هو شبيه بقول النبي إن خالد بن الوليد سيف الله المسلول.. ففاطمة هي سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة.. لكنها ليست وحدها كذلك؛ تماما كما أن خالدا ليس هو سيف الله المسلول وحده، ولا أن طلحة والزبير هما جارا النبي وحدهما.. وكيف تكون فاطمة سيدة النساء (بالمعنى الذي يراد تكريسه بتفوقها وسيادتها على كل المسلمات) وهناك من هو أكثر منها جهادا وتأثيرا في حياة النبي مثل أمها خديجة التي منحت الإسلام والنبي من جهادها ما يفوق ما فعلته فاطمة بمراحل.. أو كيف تكون فاطمة – وفق أحاديث أخرى ضعيفة لكن هناك من يحاجج بها- سيدة نساء الجنة وسيدة نساء العالمين وهناك مريم بنت عمران الصديقة أم النبي عيسى المسيح بوصف القرآن، والتي ابتلاها الله بما تعجز النساء عن تحمله فصبرت واحتسبت، وأسيا امرأة فرعون التي واجهت أعتى طاغية بإيمانها، وكلاهما ذكرهما الله تعالى في القرآن مثالا للمرأة المؤمنة التي استجابت لأمر ربها في أقسى الظروف؟ والأقرب لروح الإسلام والعدل أن فاطمة سيدة من سيدات النساء في الجنة كما أن الحسن والحسين سيدان من سادة أهل الجنة.. وكل أهل الجنة شباب.

وعلى سبيل المثال فيما يختص بفضائل علي التي يجب فهمها في إطار المعنى السابق؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (أنت مني وأنا منك) رواه البخاري ليست خاصة به فقد قال مثلها للأشاعرة: (هم مني وأنا منهم) رواه البخاري، وقالها كذلك عن الصحابي الفقير جليبيب وهو يدفنه:( هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه) رواه مسلم، وقالها لجعفر: (أشبهتني خَلقي وخُلقي) رواه البخاري، وقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا) صحيح كما هو في البخاري.. وحتى قول النبي إن عليا (لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق) صحيح وهو في مسلم بصيغة (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، قد قال مثله في حق الأنصار الذين يعاديهم ويكفرهم غلاة الشيعة ويهملهم معتدلوهم: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) صحيح كما في البخاري وعند مسلم بصيغة أخرى (حب الأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق) و(لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) رواه مسلم.. وقول النبي في غزوة خيبر عن علي:( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) رواه البخاري لا يعني انها خاصة به فهناك عدد غير قليل من الآيات القرآنية التي تحدثت عن حب الله لأصناف من المؤمنين:

– (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين). التوبة 108

– (إن الله يحب المتوكلين). آل عمران 159

– (إن الله يحب المقسطين). المائدة 42

– (إن الله يحب المحسنين). المائدة 13

– (والله يحب الصابرين). آل عمران 146

هناك أيضا الإشادة النبوية بعلي في حديث غدير خم ( من كنت مولاه فعلي مولاه) صحيح.. فهي لا تصلح لتكون حجة في حصر الخلافة بعلي دون بقية الصحابة لا في مناسبتها ولا في معناها!

فأما عدم صلاحها في مناسبة القول فقد كانت مناسبتها الحقيقية أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين مقام علي في تاريخ الدعوة الإسلامية مقابل الانتقادات التي قيلت بحق بعض أفعاله في اليمن من قبل بعض الصحابة الذين كانوا معه، أو من قبل جماعة من اليمنيين الذين كانوا مسافرين مع الصدقات في طريقهم إلى الحج مع النبي، وساءهم حزم علي معهم في رفضه السماح لهم باستخدام بعض مكونات الصدقات أثناء سفرهم (بعضهم لبس من الملابس وبعضهم كان يمشي على قدميه فركب الدواب).. فلما لاقهم علي على مشارف مكة؛ وكان قد سبقهم ليلحق النبي؛ ورأى ما فعلوه غضب ومنعهم فاستاؤوا منه، وكثرت أقاويلهم عنه.. ويبدو أنها وصلت إلى أسماع النبي فساءه أن يقال في أحد السابقين وعظماء الإسلام ذلك الكلام الذي يبخس تاريخه عند من لا يعرفه فكانت تلك الوقفة في غدير خم تذكيرا للناس بفضائل علي.. ولو كان الأمر أمر تبليغ وحي إلهي بإسناد الخلافة إلى علي لكان المكان والزمان المناسبين في يوم عرفة وخطبة الحج بوجود كل المسلمين القادمين من جميع الأنحاء، وقبل انصراف وفود الحجاج الأخرى في طرق غير طريق غدير خم؛ ومنهم القبائل التي زعم الشيعة أنها رفضت مبايعة أبي بكر لأنهم سمعوا الرسول الكريم يوصي بالخلافة لعلي في غدير خم.

وأما عدم مناسبة معنى كلام النبي لفهم الشيعة في أن قوله (من كنت مولاه فعلي مولاه) نص على أحقيته بالخلافة بعد النبي.. فأولا/ لأن الكلام في دلالته على إمامة علي ليس قاطعا ولو إيحاء.. وحاشا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ في أمر خلافته والقيام بأمر الأمة والدين – مما يقول الشيعة أنها من أهم مسائل الدين والإيمان- بهذه العبارات غير القاطعة، وحتى بعضا من أبرز رموز الهادوية أقروا بعدم دلالتها القاطعة على خلافة علي.

وأما ثانيا/ فلأن هذه المنقبة ليست من (الخصائص) في حق علي أو غيره؛ حتى يترتب عليها أن تكون وصية بالخلافة لعلي كما يقول الشيعة.. والدليل على هو ذلك العدد غير القليل من النصوص المقدسة التي تنص على أن الله تعالى ولي المؤمنين، وأن الموالاة بين المؤمنين بعضهم بعضا ثابتة للجميع:

– [ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور]. البقرة 257

– [ ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير].البقرة 107

– [.. والله ولي المؤمنين]. آل عمران 68

– [ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون]. المائدة 55

– [ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض..]. الأنفال 72

– [ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض]. التوبة 71

– [ وإن تولوا فاعملوا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير]. الأنفال 40

– [ واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير]. الحج 78

– [ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا..]. محمد11

– [ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين]. آل عمران 150

فلا يجوز أن يفهم من كلام النبي أن موالاة علي منقبة خاصة به فالأصل أن المؤمنين – ومنهم علي- بعضهم أولياء بعض، والله وليهم، كما أن خالدا سيف من سيف الله المسلولة لكنه ليس الوحيد في هذه المنقبة.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال لزيد بن حارثة: (أنت أخونا ومولانا).

ولنأخذ بقية (الفضائل) التي يعتقد الشيعة أنها براهين استحق علي بها الخلافة دونا عن الآخرين لنرى قيمتها الدينية والعلمية والسياسية؛ بوصفها دليل على أن عليا أفضل الصحابة:

1- قرابة علي من النبي وطيب المنشأ:

لم تكن القرابة أبدا معيارا للخير والصلاح والكفاءة في سيرة النبي مع أصحابه، ومع ذلك فالعقل والعدل يؤكدان أن فضيلة من آمن وهو من غير القرابة ونشأ بعيدا عن النبي أكبر قدرا من فضيلة من نشأ في كنفه وكان قريبا له؛ فالقرابة لم تنفع العديد من بني هاشم الذين كانوا أعداء وخصوما لددا للنبي مثل عمه أبي لهب، ومنهم من أبناء عمومته من نهب أموال النبي وبيته بعد هجرته إلى المدينة! ولا شك أن العقل والعدل يرجح كفة من آمن وقد نشأ في بيئة غير بيئة النبي الطاهرة النقية فهو قد جاهد وقاوم عناصر شر كثيرة كانت تمنعه من الإيمان لولا فضل الله عليه وجهاده وحبه لله ورسوله!

والحق أنه من المعيب والمستهجن في ميزان الإسلام أن تكون القرابة من النبي الكريم هي أحد معايير استحقاق الخلافة أو أي منصب، وهو الدين الذي يعلم أتباعه أن التقوى غير مرتبطة بنسب ولا قومية ولا قبيلة! لكن هكذا شاءت الأهواء أن تسيء للنبي من حيث لا تدري.. أو ربما من حيث تدري! وهذا المعيار سلاح ذو حدين فقد أدى ذلك إلى أن البعض قدم العباس بن عبد المطلب على علي لأنه عمه وهو أقرب إلى النبي نسبا من علي!

والمؤكد أن القرابة من النبي الكريم، وكون الإنسان من ذريته لم تشفع لهم في خلافاتهم على السلطة بين بعضهم بعضا إلى درجة سفك الدماء، والاختلاف على الدنيا، واستعداء الآخرين على بعضهم بعضا، وهي ممارسات وقعت من أئمة من أهل البيت وليس من عامتهم أو جهلائهم!

2- سابقته إلى الإسلام وكونه أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم:

السبق إلى الإسلام فضيلة لا شك فيها لكنها لا تصلح لتكون معيار استحقاق القيادة والولاية على المسلمين، وإلا فإن كثيرين من الصحابة كانوا أسبق من الحسن والحسين في الإسلام والجهاد مع النبي في الوقت الذي كانا فيه طفلين صغيرين؛ وهناك كثير من السابقين إلى الإسلام لم يعرف عنهم أنهم تولوا قيادة لا في زمن النبي ولا بعده، ولعل أشهرهم الصحابي الكبير/ سعيد بن زيد أحد السابقين الأوائل ومن العشرة المبشرين بالجنة.. ومنهم أبو ذر الغفاري الذي رفض النبي طلبا منه بتأميره رغم فضله وسابقته.. وفي المقابل فإن الرسول ولى القيادة العسكرية والسياسية لأشخاص حديثي عهد بالإسلام مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وولى عددا من مسلمة الفتح عقب إسلامهم ولايات مناطق مهمة كمكة والطائف.

وكون علي أول من آمن من الرجال فهي من فضائله؛ لكن ذلك لا يجعله مقدما على غيره من كبار الصحابة السابقين إلى الإسلام؛ فقد كان يعيش في كنف النبي وفي بيته وعمره على اختلاف الروايات: 7 أو 10 أو 12 سنة؛ ولذلك فمن الطبيعي أن يؤمن بالإسلام والنبي الذي يعيش في كنفه، ولا يصيبه في ذلك ضرر لا من أبيه أبي طالب، ولا من الأسرة التي يعيش فيها، ولا كان إيمانه حدثا كبيرا في الإسلام كما هو الحال مع إسلام عمر وحمزة! ولا شك أن إسلام أشخاص مثل أبي بكر وعثمان كان أشد على قريش وأنكأ لما يمثله الأول من مركز قيادي في قبيلة قريش، ولما يمثله الثاني من انتماء لبني أمية وثرائه المعروف.

ولو قارنا بما لحق الصحابة من عذاب وإيذاء لإيمانهم بالإسلام فسوف تتضح حقيقة فضائل كثيرين؛ فرجال مثل مصعب بن عمير أو سعد بن أبي وقاص أو عثمان بن عفان أو عمار بن ياسر وأبيه وأمه أو عبد الله بن مسعود كان ما لاقوه من العذاب والإيذاء من أهاليهم والكفار ما يفوق طاقات البشر النفسية والمادية مما يجعل إسلامهم هو الأمر الذي يستحق التقدير والتمييز.. فليست العبرة فقط في موعد الإيمان بقدر ما يكون في مدار الابتلاء والصبر عليه؛ إن كان ذلك معيارا لاستحقاق الخلافة!

وفي السياق نفسه فإن صغر سن علي مقارنة بصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان سمح لهؤلاء الأخيرين أن يكون لهم أدوار مهمة وحاسمة في مجريات الدعوة الإسلامية في العهد المكي وسنوات إقامة الدولة في المدينة المنورة ما لم يكن في مقدور علي أن يقوم بمثلها، وتفرد إسهامه في الجانب العسكري حيث تفوق على الصديق وعمر وعثمان كما تفوقوا هم عليه في جوانب أخرى لم يشاركهم فيها أو يطاولهم أحد فيها مثل إنفاق المال في سبيل الله، وإنقاذ المستضعفين من العبيد بعتقهم من جانب الصديق وعثمان، أو مواجهة قريش قبل الهجرة التي كان فيها عمر من أشد الناس غلظة على قريش، ثم مشاركتهم في إدارة الدولة مع النبي الكريم فقد كان أبو بكر وعمر أبرز مستشارييه!

3- فضائل: العلم، الصبر، الصدق، والوفاء:

وهذه الصفات من نماذج الصفات أو الفضائل المشتركة بين علي وكبار الصحابة، ولا ينكر إلا جاحد أن أكابر تلاميذ النبي وأصحابه كانوا من أهل الصدق والوفاء ممن مدحهم الله في كتاب يتلى إلى يوم القيامة، وقد رد ابن تيمية على كل هذه الأمور بمنطقه الحاسم المعروف، وأبطل جواز الاعتماد عليها في تقرير أحقية علي بالخلافة دون الآخرين.

ويهمنا هنا قول الهادوية إن عليا أعلم الناس بل لم يكن يحتاج لأحد، مع أنهم يوردون له في مسند زيد أخبارا تؤكد أنه لم يكن يعلم كل شيء مثله مثل غيره من الصحابة (انظر مثلا عدم علمه بحكم خروج المذي واضطراره سؤال النبي عنه بواسطة طرف ثالث لمكانة ابنته منه، وجهله بحكم زواج الشخص من ابنة أخيه في الرضاعة عندما اقترح على النبي أن يتزوج ابنه حمزة أخيه من الرضاعة، وتحريقه لمدعيي ألوهيته وقد نهى النبي عن الحرق! فضلا عن كلامه المشهور الذي نفى فيه أن يكون النبي قد خصه وأهل البيت بعلم غير ما يعرفه المسلمون.

وأما صبره عن حقه كفضيلة خاصة تجعله مستحقا للخلافة؛ ففضلا عن رفض غالبية الأمة قديما حديثا لدعوى الشيعة عن حقه في الخلافة؛ فقد صبر عثمان- على سبيل المثال- صبرا عظيما على المتمردين عليه، المتطاولين عليه، بذييء اللسان، وحاورهم أكثر من مرة، واستجاب لبعض مطالبهم سدا للخلاف، وصمد وهو الشيخ الثمانيني أمام حصارهم لمنزله وتجويعه مع أهله وهو الذي طالما أطعم المسلمين من ماله، وشرب أهل المدينة من البئر الذي اشتراه من اليهودي وجعله صدقة للمسلمين! ورفض رفع السيف ضدهم وإراقة الدماء، ومنع الصحابة وأبناءهم من قتالهم دفاعا عنه حقنا لدماء المسلمين؛ تغليبا لصوت العقل وأملا في حل الخلاف بالحوار لكيلا تكون سنة سيئة بعده أن كل من لم يعجبه شيء في إمامه قام بإشهار السيف وطالب بإقالته!

[ لا يعني موقف عثمان هذا أنه كان بالضرورة الموقف الصحيح شرعا وعقلا؛ فهذا مما تختلف فيه العقول ويمكن الأخذ والرد فيه، وهل كان الأصلح لعثمان أن يكون حازما مع المتمردين حماية لكيان الدولة والمجتمع أم لا؟  لكنه كان اجتهاده الشخصي الذي دفع ثمنه من حياته، وهو كما يقول العقاد في كتابه عن عثمان إنه كان موقفا نابعا من كون الزمن كان مرحلة انتقالية بين الخلافة الراشدة والملك، فقد كان موقف عثمان السلمي نابعا من أخلاقيات زمن الخلافة الراشدة المولي التي لا تصلح للتعامل مع المستجدات العامة التي طرأت على المجتمع الإسلامي حينذاك..].

وأما (الصدق والوفاء) فقد وصف الله تعالى المهاجرين بأنهم (أولئك هم الصادقون].. ويكفي من وفاء الصحابة أنهم عملوا على نشر الإسلام شرقا وغربا، وتعليم القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل مكان.. وفي كل الاحوال لا يمكن القول إن الصدق والوفاء خاصتان بعلي دون سائر الصحابة. وقد جمع الشاعر الإسلامي/ وليد الأعظمي – في كتابه/ الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه- عشرات من الحكايات الجميلة المعبرة عن حب الصحابة ووفائهم للرسول العظيم وذكراه.

****

بقيت صفة ما جرى من كرامات تؤكد استحقاق علي للخلافة؛ وهي كالعادة مغرقة في الخرافات، وفي المحصلة فإن الكرامات/ الخرافات التي ينسبها الهادوية ليحيى بن الحسين وعبدالله بن حمزة أكثر وأعقد مع فارق الزمن من تلك المنسوبة لعلي!

النص على إمامة الحسنين

الغريب أن هادوية اليمن الذين يختلفون في غالبيتهم في وجود نص جلي في إمامة علي يؤمنون بوجود نص جلي واحد فقط لا غير في إمامة الحسن والحسين في حديث ينسبونه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)! وهو النص الوحيد الذي يعتمدون عليه في تقرير إمامتهما!

وبغض النظر عن أن الحديث لا يصح عند غير الهادوية، إلا أنه ينطبق عليه ما قيل في نفي وجود نص على إمامة علي بعد النبي؛ فلو كانت هناك وصية أو أمر إلهي لكان أمر الرسول واضحا وضوحا يقطع كل شك بدلا من القول (إمامان قاما أو قعدا) فمثل هذه الكلمات لا تليق بمسألة خطيرة مثل الإمامة يقول الشيعة إنها من أخطر مسائل الدين! وقد خلت سيرة الحسنين المعتمدة عند الهادوية من أي احتجاج لهما بالإشارة إلى هذا الحديث كما هو الحال مع أبيهم في الوصية له بالخلافة!

وفي كل الأحوال فإن عدم تولي الحسنين للإمامة واقعا (عدا بضعة شهور تولى فيها الحسن فيها الخلافة في المناطق الموالية له) يؤكد عدم صحة الحديث والوصية؛ إذ كيف يقال إنها إمامان بوصية من الله والرسول أي سيكونان في علم الله تعالى إمامين ثم لم يحدث هذا في الواقع! فهما في الواقع لم يحكما، ولم يتقلدا الإمامة، وتنازل عنها الحسن بعد ستة شهور! وحكاية: قاما أو قعدا هي تخريج متهافت لتبرير عدم توليهما الخلافة للأتباع، وتبليعهم خطاب الكراهية والحقد والتكفير والتفسيق ضد الصحابة الذين اغتصبوا الخلافة عن ابني النبي!

ثم لماذا النص المقدس (عند الهادوية) على ثلاثة فقط، وترك المسلمين بل وأهل البيت أنفسهم يختلفون في الإمامة اختلاف اليهود والنصارى، ويقتتلون على السلطة بتلك الصورة التي حدثت؟ ولماذا لم يتم النص على الجميع بدلا من فكرة الدعوة وإشهار السيف وخاصة أن تاريخ الإمامة الهادوية وانتقالها من إمام إلى إمام كان يتم – إلا باستثناءات قليلة- على نهج الوراثة والغلبة الأموية والعباسية؟

وهناك دليل عقلي عند الهادوية على إمامة الحسنين بعد أبيهما: أنهما أفضل الآدميين بعد أبيهما لإجماع العترة على ذلك.. ولا تصح إمامة غيرهما مع وجودهما.. وأولا فإن القول إن الحسنين أفضل من السابقين من عموم الصحابة وهم الذين جاهدوا كل ذلك الجهاد في سبيل الله ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقاموا الدين والحسنان ما يزالان في علم الغيب ثم وهما طفلان صغيران في السن.. هذا القول يتناقض مع القول باستحقاق علي للإمامة لسابقته في الإسلام فالثابت أن آلاف الصحابة سبقوا الحسنين إلى الإسلام فضلا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم.. وثانيا فإن هذا القول يستهين بقيم الإسلام في الجزاء العادل، وفي جعل التقوى والعمل الصالح هما الميزان في تحديد الأفضل والأتقى.

لقد انشغل المتشيعون وما زالوا من 1400عام لإثبات أحقية الخلافة لعلي وذريته، وسفكت في سبيل ذلك أنهار من الدماء، والله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم أرحم بالأمة من أن يتركوها تمور في الخلاف، وتغور في الدماء فلا يعلموا المسلمين بوضوح أن الخلافة لفلان من الناس.. وكفى الله المؤمنين القتال والخلاف والأحقاد.. لكن هؤلاء يريدون أن يقولوا إنهم أرحم من الله بعباده، وأكثر حرصا ورحمة بالمسلمين من النبي إذ يزعمون ما لم يفرضه الله على المسلمين، ويستحلون دينهم، ودماءهم وأعراضهم، وأموالهم تحت مبرر وتهمة: النواصب، والكارهين لأهل البيت، الناهبين حقهم في الإمامة والسيادة!

الهوامش:

1- انظر ملحق: سلسلة أئمة الزيدية الذين حكموا اليمن الذي يبين كيف تم توارث الإمامة في أسرة الهادي يحيى بن الحسين وأقربائه: التجديد في فكر الإمامة عند الزيدية في اليمن، د. أشواق أحمد غليس، ص211، ط1، 1997، مكتبة مدبولي القاهرة.

2-   منهاج السنة، ابن تيمية، ص363.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى