أشتات

على قدمِ المساواة: رؤية تشخيصية

المساواة أصل قررته الرسالات السماوية لثباته في الطبيعة البشرية، ورسوخه في الفطرة الإنسانية، وأقرته دساتير وقوانين الدول على اختلاف توجهاتها. والحضارة الإسلامية تؤكد دائمًا مبدأ (المساواة)، وتقبل في الوقت ذاته (عدم التماثل). وقد قرر الإسلام مبدأ المساواة في الوقت الذي كان فيه البعض يدعي أنه من نسل الآلهة؛ لأنهم من نوع آخر غير نوع البشر. وفي هذا الوقت جاء الإسلام ليقرر المساواة أمام القانون وأمام الله في الدنيا وفي الآخرة. لا فضل إلا بالعمل الصالح، “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” (1).

في هذا الإطار، تصبح المساواة شكلاً من أشكال تحقيق الإنسانية وتحقيق جوهر الإنسان، حسب وصف الدكتور المسيري، فهي شكل من أشكال الاجتماع البشري وتحقيق لقيمة مطلقة متجاوزة للمادة والطبيعة، بل متجاوزة لدوافع الإنسان المادية والجسدية، أي تجاوز لما يسمَّي “الإنسان الطبيعي/ المادي” واقتراب لما يمكن أن نسميه “الإنسان الرباني” الذي يحوي داخله عناصر لا يمكن ردها إلى النظام الطبيعي/ المادي.

والمساواة لهذا السبب، هي مفهوم (إنساني أخلاقي ديني) يستند إلى أساس غير مـادي (مرجعية متجاوزة)، أما ما يسمى “بالمساواة” في العصر الحديث فهي في واقع الأمر (تسوية لا مساواة)، تتم في إطار مرجعية مادية كامنـة، أي أنها عملية تفكيك للإنسان وتدمير وتقويض له ككيان مستقل عن الطبيعة / المادة. وقد يتم مساواة الإنسان بالإنسان الآخر، ولكن يتم (تسويتهما) بالإنسان الطبيعي المادي الذي يتساوى في كل الوجوه مع الكائنات الطبيعية الأخرى (2).

ويفرق الدكتور المسيري بين مفهومي المساواة والتساوي فيقول: “المساواة هي أن يتعادل شيء ما وآخر في “بعض” الوجوه وحسب، أمـا “التسوية” فهي إحداث التساوي بين شيئين في كل الوجوه. والمساواة بين البشر هي مساواة بينهم في الأساسيات الإنســانية (أي فيما يميز الإنسـان كإنسـان)، أما التسوية فهي تسوية بين كـل المخلوقات (البشر والحيوانات والجمادات) في كل الوجوه تقريباً. وكل من “المسـاواة” و”التسوية” نتــاج عملية تجريدية، لكن المساواة تتــم في إطار المرجعية المتجاوزة، والإيمان بأن الإنسان مقولـة مســتقلة عن عــالم الطبيعة / المادة رغم وجوده فيها(3).

والمساواة أمرٌ يتشوَّفُ إليه الشَّارع الحكيم، لكن ينبغي ألا يكون ذلك على حساب العدالة، فإنَّ تحقيق العدالة مقدَّم على مبدأ المساواة، وأنَّ التَّشريع مع المساواة دوماً، ولكن إذا أضحت المساواة مجهِضةً للعدل، قاضية عليه، فإنَّ العدل هو ما يستقرُّ عنده الحكم ويستتب.  فالمال ـ مثلًا ـ يُعدُّ عصب الحياة، وجُعل حفظُه واجباً شرعيّاً لا يقبل التَّساهل، لكونه يشكِّل كليّةً من الكليَّات التَّشريعيَّة الضَّروريَّة الَّتي بها قوام الحياة واستمرارها، وأنَّ من ينتهك حرمته بالاعتداء عليه؛ يستحق العقوبة عاجلاً أم آجلاً، ولكن هذا لا يعني بالضَّرورة أن يُتَّخذ معياراً ذهبيّاً وحكماً عدلاً، يُحتكم إليه في الحكم على الأشياء، بالأفضليَّة أو بالدُّونيَّة.

فمن المنظور الإسلاميّ؛ ليس مَن أوتي مالاً وثروةً، هو الأفضل والأكرم مِن الّذي قُدِرَ عليه رزقه، فالغنى ليس مقياساً لتكريم الغنيّ وتفضيله، كما أنَّ الفقر ليس هو الآخر المقياس لإهانة الفقير واستصغاره. (4). وهذا بخلاف الرؤية الشيوعية في المساواة التي لا تذهب فقر الفقير ولكن تذهب بغنى الغني، فتحقق المساواة ولكن في الحاجة والفقر.

إن المساواة بين بني آدم قائمة على أساس القيمة الإنسانية المشتركة، فالناس جميعاً متساوون في أصل الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأنه ليس هناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني وخلقها الأول. وإذا كانت المساواة بين المتساويين (عدلاً خالصاً) فإن المساواة بين المتخالفين (ظلم واضح). “ومعاملة الجميع بالتساوي معناها تجاهل الفوارق فيما بينهم”. وفق عبارة روبرت غرين (5).

والمساواة من أهم المبادئ والأسس التي قام عليها المجتمع الإسلامي، وتميز بها عمن سواه. وتتجلى المساواة في القيم الإنسانية في أصلين هما: الأول: وحدة الأصل: فالبشر جميعا متساوون في أصل المنشأ، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير){الحجرات: 13}، والأصل الثاني: وحدة التكليف: فقد خاطب الله البشر بتكليف واحد؛ لأنهم متماثلون في الاستعداد لتقبل ذلك التكليف، وأساسه عقيدة التوحيد التي أرسل بها الرسل(6).

وإذا كانت قيمة المساواة تشير إلى جملة من الحقوق تفترض تساويًا بين الناس والبشر جميعًا، فإن عناصر الاختلاف هي في الواقع عناصر تمايز في إطار التعارف. إنه اختلاف تكامل وتفاعل وتقسيم للعمل كلٌ بما يحسن ضمن منظومة تراعي حقائق المساواة وسنن الاختلاف(7). وتكافؤ الفرص التعليمية -خلافا لما يعتقده البعض- ليس المقصود منه المساواة الشكلية القائمة على معاملة جميع الأفراد بنفس الطريقة، بل المقصود منه هو تعليم كل فرد ما يناسبه، بالطريقة والسرعة الملائمتين له.

والمساواة في (إطلاقها) هي إهدار لآدمية الإنسان، كما أن الحرية في إطلاقها هي نوع من الفوضى، إن المحور الأول والذي يجب أن تنبع منه قيم الحرية والمساواة هو مبدأ العدالة.  والمتأمل في المحاورة الأفلاطونية يجدها تنتهي إلى نتيجة هي أن العدالة الاجتماعية معناها أن يوضع الناس في البناء الاجتماعي بحسب قدراتهم، وما دامت هذه القدرات ليست متساوية، فلا يجوز أن تتدخل فكرة المساواة لتفسد معنى العدالة، في إشارة أوردها د. زكي نجيب محمود في كتابه مجتمع جديد أو الكارثة(8).

وكل حضارة تسعى إلى تأكيد قيم معينة تتميز بها وتصير عَلَمَا (بفتح العين واللام) عليها، وهنا يجب أن نتذكر كيف أن المشكلة الحقيقة في نطاق التطور السياسي لا تعني فقط تحديد القيم بقدر ما تعني تحديد (العلاقة التصاعدية)، حسب تعبير د. سيف الدين عبدالفتاح بين القيم وما يستتبع ذلك من نتائج، بخصوص قواعد التعامل من جانب وعناصر التقييم للسلوك من جانب آخر، ولهذا فلا توجد حضارة ترفض الحرية أو تشكك في مبدأ المساواة على سبيل المثال، ولكن المشكلة تبرز عندما تصطدم الحرية بالمساواة أو المساواة بالعدالة أو مبدأ الشورى أي (المشاركة السياسية) بالعدالة وهكذا(9)، وهو ما يعرف بسلم القيم.

والجهل بحقائق الأشياء وتركيبتها، يورث الخلط في مقادير الاستثناءات من أحكام المساواة، ويورث الخلط أيضاً في موضع عدم التساوي ومحله، وهل هو لازم في موضع واحد أو في موضعين أو ثلاثة أو أكثر، وهل يُمكن القياس عليه أم لا؟ فالذي يُريد التساوي بين المعادن لأنها معادن فهذا جاهل بحقائق الفروق بين تركيبها، فالذهب والفضة والنحاس والحديد معادن كل منها له تركيبته، وكذلك الكواكب، فالشمس والقمر والمِرِّيخ كواكب كلٌّ له تركيب وآثار تختلف عن الآخر(10).

وهذا الرأي الذي أورده الأستاذ عبد العزيز الطريفي في العبارة الآنفة الذكر، قد لا يستسيغه البعض كونه يدعو في ظاهره إلى المفاضلة وعدم التساوي، ولكن العبرة في الغالب ليست بحجم ما يأخذ الإنسان مقارنة بإنسان آخر، ولكن العبرة هنا في كفايته له، فالتساوي هنا إنما يعتبر في الكفاية لا في المقدار، فقد يتساوون في المقدار ويظلمون في الكفاية.

فالمساواة الاقتصادية غيرُ ممكنةِ التحقيق في أي مجتمع من المجتمعات؛ لأسبابٍ كثيرةٍ، في مقدمتها: اختلاف الاحتياجات، وتمايز الضرورات، [وتباين القدرات والإمكانات، مما يُنتِجُ تباين الثمرات والمكاسب]. فالعدلُ هو “التوازن والتناسب” و”إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه” .. بينما “المساواة [المُطلقة]” هي الظلم والحرمان؛ لأنها “لا تُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقه”، وإنما “تُساوِي بين المختلِفين والمتفاوتين”.

وإذا كانت “المساواة [المُطلقة]” بين العالِم والجاهل، وبين العبقري والغبي، وبين الواعي والغافل، وبين المُجِد والكسول، وبين المتوسط والنحيف، وبين الشاب والرضيع، وبين العجوز والصغير، وبين مطلق المتمايزين في الضرورات والحاجات والاحتياجات بعضِهِم وبعض: مما تأباها “الفطرةُ العادلةُ” و”عدالة الفطرة”: فلابد من تأسيس هذا التمايز والتفاوت على “قاعدةٍ عادلةٍ” تتمثل في “إتاحة الفرص المتساوية أمام الجميع لتحصيل القدرات والإمكانات”، ثم ليأخذْ كلُّ واحدٍ بعدَ ذلك ثمرات جهده، مع الحرص على “التوازن والتناسب”، لا “المساواة [المطلقة]”.. فـ”المساواة في الفرص المتكافئة” هي الشرط لعدم دخول التمايز إلى “دائرة الظلم” الذي يأباه الإسلام. كما يؤكد على ذلك د. محمد عمارة(11).

إن “التفاوت/ التمايز الاجتماعي” في نظر الإسلام حقيقةٌ من حقائق الواقع؛ نابعةٌ من تفاوت الحوافز والقدرات والجهد المبذول والذكاء الذي يَستخرج الثمرات… والإسلامُ لا يقفز على حقائق الواقع، ولا يتجاهلها، ولا يعاديها، وإنما يهذبها ويضبطها كي تظل في إطار “المشروع” ونطاق “العدل”، الذي لا يعني “المساواة التامة” و”التماثل المطلق”؛ لأنَّ المساواة في أنقى صورها وأعمق تطبيقاتها لا يمكن أن تتعدى المساواة “في تكافؤ الفرص” و”أمامَ القانون”.

وبهذا لا يؤدي التمايز إلى “فاحش المظالم”، ولا تحلم المساواة [الخيالية المصادِمة لحقائق الاجتماع] بـ “إلغاء التمايزات”، وإنما ضبط”التمايزات الطبقية” عند حد “الوسط العدل الحق المتوازن”؛ الذي يُرَشد المسارات؛ تحقيقاً للتكافل والتساند والارتفاق(12).

إن التوحيد الناظم للقيم يراها باعتبارها وحدة كلية قيمية منظومية، ومن مقتضيات التوحيد والتنزيه والحاكمية، عناصر العدل، والعدل هو عملية تنظيم القيم بلا أدنى عناصر تضارب أو تعارض، إن العدل (كقيمة وكعملية) يحدد عناصر الرؤية لفكرة المساواة على سبيل المثال، ومن العدل الوسط في هذا السياق النظر إلى فكرة المساواة في ضوء سنة الاختلاف وحقيقة التعدد والتنوع، حسب وصف د. سيف الدين عبد الفتاح(13). وقد جاء الإسلام، وأشرقت أنواره على جزيرة العرب، وكان العرب معددين للآلهة، فجاءهم بالتوحيد. وكانوا يخضعون لحكم القوة، فأخضعهم لسلطان الحق. وكانوا يأخذون بالتقليد، فحولهم إلى حكم العقل. وكانوا يأخذون بالعادات، فجعلهم يحكمون بالقوانين. كانوا قانعين بما هم عليه، فأهاب بهم لطلب الأحسن. كانوا واقفين مع عالم المادة، فحفزهم لبلوغ عالم الروح. كانوا راضين بالجهل، فحضهم على طلب العلم. كانوا يحرصون على الامتيازات، فقرر لهم مبدأ المساواة. كانوا مكتفين بالأمر الواقع، فدفعهم لتحري المثل الأعلى(14).

والمساواة هنا ليست (مساواة عددية حسابية مطلقة) ترى الأشخاص أو العلاقات في إطار من القوالب، ولكنها تردها إلى الأصل الأصيل في الإنسانية والفطرة ووحدة الخلق وحقائق التسخير وحقائق الاستخلاف والتكليف وأصول التكريم، عناصر تحقق بعد ذلك عناصر السعي التفاضلي في الحركة اليومية والفعلية والحضارية، إنه خط البداية في السعي الحضاري مساواة الخلق والاختلافات في أصل الخِلقة من لون أو ما هو في حكمه لا يمكن أن يكون مدخلًا لعدم المساواة أو تفضيلها لعنصر، وكذلك الأجناس، أما السعي الحضاري فهو حالة من الكسب والفعل الحضاري الذي يقره العمل الحقيقي والجهد المبذول.

ويجب أن يكون ذلك النمو في إطار الرؤية التوحيدية، فكل جوانب الإٍنسان تعمل في شكل تكاملي حتى وإن كان لكل جانب منها اعتباراته الخاصة إلا أنها تترابط في وحدة مميزة، تساهم في إعطاء معنى للحياة ولا تنفصل فيها الغاية عن الوسيلة، ولا يُقاس فيها الناتج بالعائد الآني دون العائد الآجل. وكذلك فإن الفروق الفردية سواء كانت كمية في أبعادها أو نوعية، فإن هدفها التكامل وليس التفاضل وأن البحث في المساواة على أساس التطابق يلغي هدف الوجود ويجعل الأفراد نسخاً مكررة تنعدم معها الغاية من وجودها.

والاستبداد يقضي على المساواة، ويعطل تكافؤ الفرص، الذي يشكل ميدان التنافس والتحاور والتثاقف والتفاكر والتقدم… ويعتمد في استمرار هيمنته وجبروته على السواعد الباطشة، ويطارد العقول والخبرات البانية، ويسعى إلى تحكيم السفهاء والسوقة والانتهازيين برقاب العلماء والخبراء المتميزين، ويقدم أهل الولاء الفاشلين على أهل العلم والخبرة الفاعلين، ويفوته أن (من لا خبرة لهم لا ثقة بهم) على المدى البعيد.

ولمبدأ الرد إلى الله والرسول الذي يفهم من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) {النساء: 59}, مدلولان: مدلول (مرجعي) وهو أن الكتاب والسنة هما المصدر في حل التنازع، ومدلول (دستوري) وهو المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون، وهو مرادف لمفاهيم “حكم القانون” و”المساواة أمام القانون” في الاصطلاح الدستوري المعاصر.  ومن غير هذه المساواة يُذعن الحقُ للقوة، وتضيع كل القيم السياسية، ويجعل الطغاة إرادتهم قانونًا.

وقد أدرك ذلك الفتى الأفريقي كما في (رواية مدينة الرياح لموسى ولد ابنو)، أدرك عُمْقَ المفارقة في النفاق الديني والاجتماعي السائد في قضية الرِق في مجتمعات الصحراء المسلمة بغرب أفريقيا، ومنها المجتمع الموريتاني. فقد كان صعاليك القافلة يربطون هذا الفتى الأفريقي بذيل جمَلٍ وقتَ سير القافلة، فإذا حان وقت الصلاة، فكُّوا الحبل من عنقه، وأوقفوه بينهم يصلِّي كما يصلُّون، في صفٍّ واحد لا فرق فيه بين سيِّد وعبْد، فكان الفتى الصغير يتساءل في ذهنه متحيراً: “لماذا المساواة في الصلاة والقهر في الحياة”؟!(15).

إن الأمر لا يقتصر على وجود الفكرة فحسب، كما تشير إليه القصة السابقة، بل يتعدى ذلك إلى تحويل الفكرة إلى إيمان يتدخل في سلوك الإنسان، فوجود الفكرة بشكل أولي لا يستلزم إيمان الناس بها إيماناً يظهر على سلوكهم ويدخل في لا شعورهم، فالناس كثيراً ما يتحدثون عن العدل والمساواة، ولكنهم عند التطبيق يظهرون بالقيم العشائرية والعنصرية والتعصبية الأكثر عمقاً في داخلهم، والذي يبدو أن دخول البشر إلى عهد القومية أو الإنسانية جاء متأخراً، ولعل فكرة الإنسانية ولدت قبل فكرة القومية، ولكن تحولها إلى مفهوم حاكم لسلوك الناس في حياتهم العملية أمر حديث الولادة. هذا الخوف من كشف الحقيقة، “الخوف من قبول المساواة، لأن المقهور حين يسعى للخروج مما هو فيه، لا يهدف إلى السواء، بل لا يهدف إلا أن يتحول إلى قاهر، ولهذا فإن الصراع مأساوي، وتكاد الحلقة تكون مفرغة، وهي ليست مفرغة”. كما يؤكد على ذلك الأستاذ جودت سعيد(16).

إن الأصل في الخِلقة المساواة في الفطرة والكرامة الإنسانية، والأصل في الخطاب القرآني المساواة التامة في التكاليف والواجبات بين الرجل والمرأة أي في المسؤولية، وبعض الفروق التي وردت كفروق بين الذكورة والأنوثة هي للترتيب والتنظيم بين الجنسين ومراعاة الواقع، ومسؤولية كل طرف تجاه الآخر من جهة، وتجاه المجتمع من جهة أخرى. والإسلام ينظر للرجال والنساء بعين المساواة، ولكن مع بعض التفريق في الدور. بشكل عام، يعتبر الإسلام الرجال والنساء شركاء يكملون بعضهم البعض ويساعدون بعضهم في المسؤوليات. ويرى المسلمون -وفقا لعبارة د. مراد هوفمان-ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة فيما هما فيه متساويان فعلًا، والاختلاف حين يكونان مختلفين فعلًا (17).

وشتان بين القول (بتمايز) دور الرجل عن دور المرأة، والقول (بالتمييز أو الفصل العنصري) بينهما وفق توصيف د. إسماعيل الفاروقي(18). فدور المرأة كما دور الرجل خاضع على قدم المساواة مع نظيره للأحكام الدينية والأعراف الأخلاقية، ويستدعى كلاهما من صاحبه استخدام كل ما أوتي من الذكاء والموهبة والطاقة والقدرة على العطاء من أجل القيام به. ويخلص د. الفاروقي إلى إثبات أن المساواة بين المرأة والرجل هي الأصل، ولكنها محكومة بالتمايز والتكامل بين دوريهما(19).

وتتمثل المساواة بين الرجال والنساء في المساواة في القيمة الإنسانية، والمساواة في الحقوق الاجتماعية، والمساواة في المسؤولية والجزاء، وهي المساواة التي تتأسس في جوانبها المختلفة على وحدة الأصل ووحدة المآل والحساب يوم القيامة(20).

وفي ظل متغيرات عالمية غير مسبوقة في التاريخ، تطورت آليات السوق وتغيرت معها قواعد التجارة وتبادل السلع والمنافع، وأصبحت الثقافة آلية من آليات الهيمنة والسيطرة بفضل عالم لا يعرف غير القوة في التعامل مع الآخر، عالم يتصنَّع أصحابه المساواة ويعلق شعار “جيران في عالم واحد”(21) إلا أن الواقع يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه عالم لا يعرف المساواة بين الدول أو الشعوب، عالم تغيرت فيه موازين القوة وقواعد السلطة. فإذا لم يكن لنا الحق في المساواة على مستوى المجتمع المحلي، فمن باب أولى ألا يكون لنا نفس الحق في المجتمع العالمي، لأن حسَّ المساواة الأولية قد دُمَّر من زمن بعيد لصالح حسّ الامتيازات ولصالح الأقوياء دائماً، القوي هو الذي يضع المقاييس والأوزان، وله الحق في تعديلها، سواء أكان الرجل في مقابل المرأة، أو الأبيض مقابل الذي ليس بأبيض، أو القوي مقابل الذي فقد القوة.

والأمم المتحدة كواحدة من المنظمات الدولية التي يهيمن عليها الأقوياء، ليست شرعية مهما سميت شرعية دولية، لأنها تفقد المساواة، (ولا شرعية بدون مساواة). كما يقول الأستاذ جودت سعيد(22). فالذين يقبلون كلمة السواء ينبغي أن ينشئوا مؤسسة السواء، وإلى الآن لم يواجه العالم هذا الموضوع بجدية، حيث أنه إلى الآن لا يوجد في العالم من يثق بكلمة السواء، والناس عادة لا يدخلون في التجارب الجديدة إلا مضطرين، وكأن الظروف العالمية لم تنضج بعد حتى يشعروا بضرورة الدخول إلى التجربة الجديدة، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) {آل عمران: 64}.

إن المساواة بين الناس ممكنة، فقط، إذا أدرك بني الإنسان أن الإنسان مخلوق لله. فالمساواة الإنسانية خصوصية أخلاقية وليست حقيقة طبيعية أو مادية أو عقلية. إن وجودها قائم باعتبارها صفة أخلاقية للإنسان، كسمو إنساني أو كقيمة مساوية للشخصية الإنسانية. وفي مقابل ذلك، إذا نظرنا إلى الناس من الناحية المادية أو الفكرية، أو ككائنات اجتماعية أو أعضاء في مجموعة أو طبقة أو تجمع سياسي أو أممي، فالناس في كل هذا دائمًا غير متساوين. حسب تعبير المفكر علي عزت بيجوفيتش(23).

ويبقى هناك فرق واحد واضح، هو أن أخلاقيات الأديان السماوية وحدها تسلم بجلاء لا لَبْس فيه بمساواة جميع البشر باعتبارهم مخلوقات لله. حتى أفلاطون سلم بعدم المساواة بين الناس كضرورة. وعلى نقيض ذلك، نجد أن حجر الزاوية في الأديان المنزّلة هو «الأصل المشترك» لجميع البشر، ومن ثم المساواة العادلة بينهم. وكان لهذه الفكرة تأثير جوهري على جميع التطورات الروحية والأخلاقية والاجتماعية للجنس البشري. وفوق هذا يبدو أن تاريخ علم الأخلاق يكشف عن العلاقة بين فكرة المساواة بين الناس وفكرة الخلود ـ وهو موضوع يحتاج إلى دراسة أعمق. إن النظم الدينية والأخلاقية التي لا تعترف، أو التي لديها فكرة مشوشة عن الخلود، لا تعترف بالتالي بهذه المساواة. فإذا لم يكن الله موجودًا، فإن الناس بجلاء وبلا أمل غير متساوين.

ويضيف علي عزت أيضا أنه لا يمكن للإنسان أن يكون محايدًا بالنسبة للأخلاق، ولذلك فهو، إما أن يكون صادقًا في أخلاقه أو كاذبًا، أو مازجًا بين الصدق والكذب، وهي حالة أكثر شيوعًا بين البشر. فالناس قد يتصرفون بشكل مختلف بعضهم عن بعض، ولكنهم يتحدثون دائمًا بطريقة واحدة عن العدل والحق والصدق والحرية والمساواة(24).

إن معادلة العدالة المجتمعية تتلخص بتوافر منظومة من الأركان. حيث اشترط في العدالة المجتمعية التوزيع العادل للثروات، وهذا هو الركن الأول (الإنصاف)، واشترط أيضا تساوي الفرص في توزيع الحقوق، وهذا هو الركن الثاني (المساواة)، وحتى يتمتع الفرد والمجتمع بعدالة التوزيع والمساواة ويحافظ على حقوقه لا بد له من الحرية وهذا شرط ضمني، وهو الركن الثالث، وإذا شعر الإنسان بالحرية، وتحققت له المساواة مع غيره، وعرف أنه لن يقع عليه ظلم، وحقوقه لن تغتصب شعر بالأمان وإلا لا فائدة من الأركان السابقة إن لم يتحقق الأمان، وهذا هو الركن الرابع والأخير.

الهوامش:

  1. حديث صحيح أخرجه الإمام أحمدن والإمام البيهقي في الشعب.
  2. د. عبد الوهاب المسيري، المادية وموت الإنسان، مجلة المسلم المعاصر، العدد 79، بيروت -لبنان، 1996م.
  3. المرجع نفسه.
  4. د. صالح قادر الزنكي، البعد المصدري لفقه النصوص، كتاب الأمة رقم (113)، الدوحة ـ قطر، ط1، جمادي الأولى 1427هـ، يونيو 2006م. ص142.
  5. روبرت غرين، القوة 48 قاعدة ترشدك إلى القوة، إ للترجمة والنشر، الرباط ـ المغرب، الطبعة الثانية، 2011م. المقدمة
  6. د. عدنان مصطفى الخطاطبة، أصول التربية الإسلامية وتطبيقاتها دراسة تأسيسية تجديدية، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى، 1440هـ ـ 2019م. ص462. 
  7. د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، في أ. د. نادية محمود مصطفى وآخرون، العلاقات الدولية في الأصول الإسلامية، الجزء الثاني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1419هـ ـ 1999م. ص158.
  8. د. زكي نجيب محمود، مجتمع جديد أو الكارثة، دار الشروق، القاهرة ـ مصر، الطبعة الثانية، 1401هـ ـ 1981م. ص96
  9. د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، في أ. د. نادية محمود مصطفى وآخرون، العلاقات الدولية في الأصول الإسلامية، الجزء الثاني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1419هـ ـ 1999م. ص152.
  10. عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، العقلية الليبرالية في رصف العقل ووصف النقل، دار الحجاز للنشر والتوزيع، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، 1432 هـ ـ 2011م. ص219.
  11. محمد عمارة، نقلا عن د. يحيى رضا جاد، في فلسفة وفقه العدالة الاجتماعية والثروات والأموال في الإسلام، مجلة المسلم المعاصر، العدد 157 / 158، بيروت -لبنان، 2015م.
  12. المرجع السابق.
  13. د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، ص 157 ـ 158.
  14. د. سعيد إسماعيل علي، السنة النبوية، رؤية تربوية، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 2002م. ص217.
  15. موسى ولد ابنو، مدينة الرياح (رواية)، بدون دار أو تاريخ نشر.
  16. جودت سعيد، كن كابن آدم، دار الفكر، دمشق، سوريا، ط1، 1997م، ص 95.
  17. د. مراد هوفمان، الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود، تعريب: عادل المعلم ويس إبراهيم، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 2000م. ص148.
  18. د. إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة، ترجمة: السيد عمر، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، مصر، ط2، يناير 2014م. ص223.
  19. د. إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة، ترجمة: السيد عمر، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، مصر، ط2، يناير 2014م. ص27 مقدمة السيد عمر.
  20. د. البهي الخولي، الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة، ص23 ـ 37، نقلا عن د. هبة رؤوف عزت، المرأة والعمل السياسي، رؤية إسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى، 1416هـ ـ 1995م. ص58.
  21. عنوان كتاب ضمن سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 201، صدر في العام 1995م.
  22. جودت سعيد، الدين والقانون رؤية قرآنية، دار الفكر المعاصر، بيروت ـ لبنان، ط2، 2002م. ص 150.
  23. علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس، دار النشر للجامعات، مصر، ط2، 1997م. ص86.
  24. المرجع نفسه، ص179.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى