المدونة

على هامش النَّقد: قراءة القراءة

“هذا تعليقٌ مطول وردَ إلينا من الكاتبِ الشَّاب النابه أنس العداي على مقالِ الكاتب أنس محمَّد من “المغرب الشقيق”, عن الأنمي, ولمَّا كان حق الرَّد مكفولًا لدينا, ورأينا أنَّ التَّعليق كُتِبَ بعناية, ولغة عالية, كان لزامًا أن نقومَ بنشره, تثويرًا للأفكار, وإحياء للمناقشاتِ الأدبية والمعرفية”.

المحرر

إلى صاحبِ مقال “قراءة في كتاب: الأنمي وأثره في الجيل العربي” الفاضل أنس محمد. كنتُ أتمنى لو أنك أجهدتَ نفسكَ في غيرِ الذي انشغلتَ به.. ولو أنكَ سخَّرتَ قلمكَ لنصرةِ فنكَ العربي، أو حضاراتك الخالدة.. لكان خيرًا من أن تُشيد بالحضارة اليابانية البائدة الفانية.. وإني لأحبُّ أن أرد لك بعض الذي جئت به، وعلك تتقبلُ الذي أكتبه بصدرٍ رحب.

أبدأُ -عزيزي- بالذي ختمتَ به.. إنكَ -عافاك الله- لما أردتَ أن تختم مقالكَ، أوضحتَ السوء الذي يحويه مثل هذا الفن -على حدِ تعبيرك-، إذ قلت في الذي قلته “تنطوي على مخاطرَ جمَّةٍ مغفولٍ عنها، فما نجده في الفنون الغربية الحديثة من نزعات عبثية وعدمية موجودٌ أيضًا في الأنيمي وبشكل أكثر عمقًا وخطورة” إنَّ الخطورة التي ينطوي عليها الأنمي هي خطورة على أُسس الشريعة الإسلامية، وخطرٌ أيضًا على الأخلاق العربية الأصيلة، وأنتَ في هذا الباب أعلم لتبحرك في هذا الفن، إذ أن النظريات التي يُرَّسِمها الشرق المتمثل غالبًا في اليابان هي نظريات دينية بحتة، إذ أن -وكما يحيط علمكم- الديانات التي نشأت في بلاد المشرق منذ سالف الزمان هي ديانات فلسفية مختلقة نشأت في الظلام، وأرادت أن تستدلَّ على الإله بظلامها وفلسفتِها، فتخبطت يمنةً ويسرة إلى أن أنشأت الأفكار العديدة، وخلفت خلفها المذاهب المنحرفة الكثيرة.. من أشهرها الزرادشتية والمزدكية، وهي -كما يحيط علمكم- مذاهب أو ديانات -إنَّ صح التعبير- منحطة منحلة بعيدة كل البعد عن الإسلام وتشريعاته، وعن العرب وطبائعهم، ولما كنَّا نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، عربًا قِحاحًا لَقاحًا فضلنا على الخلق بخير اللغات وهي لغة القرآن لغة أهل الجنة.. وفضلنا بخير الكتب، وهو القرآن الذي تعهد الحافظُ بحفظه، وفضلنا بخير الأنبياء، وهو النبي الأعظم محمَّد عليه الصلاة والسلام،  فبعد كل هذا التفضيل والتفخيم الذي خصّنا الله به، تأتي أنتَ يرحمكَ الله لتشيد بالحضارة اليابانية المخلة بقواعد الإسلام وأركانه الأساسية كالتوحيد والبعث!

ثُم إنك أهملتَ هذه النقطة فما ذكرتها إلا في آخر المقال الذي فخمت فيه فنًا لا يحسب إلا على أهله، ولا ينبع إلا بسوءٍ أو بفُحش.. فهذه مقدمةٌ للذي ختمتَ أنتَ بها، ثُم أحمد الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، العزيز القهار، المتعالي عن التشبيه والتمثيل، المتعالي عن الحلول والإحلال، الله الحي القيوم أحمده وأعوذُ به من أن أجاورُ سوءًا أو أركنَ إليه، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والرسل، محمد ابن عبدالله، سيد العرب والعجم، وخاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم، وبعد:

إنك -عافاك الله- تحدثتَ في مقالكَ بلهجةٍ أعادت الشعوبية من اندثارِها، فسفهتَ أحلام العرب على إسلامهم، وسفهتَ غزارة أفكارهم، وحاولت عبثًا أن تضع من قيمتِهم التي أعلاها الله، فإني أذكرك بداية بأنَّ الشعوبية التي سرتَ في إثرِها قد اندثرت وبقي العرب، واندثرَ ومات من حاول الاستعلاء على العرب.. وبقي العرب، وبقيت لغتهم، وبقيت آدابهم تتلى، وأنسابهم تحفظ، وأحسابهم تذكر، ودينهم الحنيف يعبدُ مُنّزِله سبحانه، لا نزالُ والله نفخرُ بالعرب وعقلهم وفكرهم، فتأتي يا عافاكَ الله مُتجاهلًا تاريخًا لو أمضيتَ عمركَ كله تقرأه لما بلغتَ إلى تمامه لتقولَ لنا بأن العربي لم يبلغ نضجًا فنيًا يؤهلُ ذائقته!

ألا يرحمكَ الله لو أدركتَ من ذائِقتِهم لما قلتَ الذي قلته، ولما نطقت بمثله.. إن أحساب العرب ومفاخرهم لا تنفد.. وإن فكرهم لا يصدأ، وفنهم أبد الدهر باقٍ.. فأين فن اليابان من فن العرب!؟ بل وأين الأخلاق الراسخة في فن العرب من الأخلاق الممسوخة في فن اليابان!؟ إني أراك يابن العرب تنهج نهجًا ما نهجهُ ناهجٌ قبلكَ إلا هلك..

إنَّ من الجهل أن ننكر أنَّ شعر العرب الجاهليين كان شعرًا قاصرًا في خياله مائلًا إلى الواقع والحقيقةِ الملموسة، إلا أنه من الجهلِ والظلم أيضًا أن نهمل التطور الذي حصل في ذات الميدان والذي قامَ به عدةٌ عديدةٌ من الشعراء عربًا ومواليًا، فإن نزعتَ إلى أسباب تلكَ النهضة، فإني أقرُّ لكَ بأنها كانت نِتاجَ الانفتاح على الثقافات عامة بحكم الاختلاط، وأخصّ في هذا المقام ثقافتي فارس والروم.. والانفتاح العظيم الذي حدث كان من أثره أن تطور الفن العربي في كافة المجالات.. وشارك في هذا التطور العرب والموالي، وإن كانت اليد العُليا للعرب فيه إذ هم كانوا السلطة المتحكمة الحاكِمة، ولما كان هذا تطور الشهر، وتفتحت مدارك العرب أكثر وأكثر.. وغاصوا في المعاني فكشفوا عن الدر المخبوء واللؤلؤ الخفي.. وخرجوا لنا كتبًا عظيمة، ودواوين جليلة كثيرة.. وانتصروا لثقافتهم فأذابوا الثقافات التي ناسبتهم في ثقافتهم، فعزت وكبرت وازدادت جمالًا على جمال، وبهاءً على بهاء.. ثُم بعد هذا كله، تأتي -عافاكَ الله- لتقول بأنَّ الفن العربي قاصر.. إنما يكون القصر في حصر النظر وغض البصر عن الحقائق الجلية والتاريخ الثابت..

ثُم إنك قُلت قولًا سببتَ فيه العربَ وما أهلٌ لمثلِ هذه السبة إلا الذين مدحتهم.. فقلت فالذي قلته “وما زالت الفئة الممتازة من العرب المتصالحين مع الفنون الخيالية قليلةً ومحصورة، ومغمورةً في طوفان الاعتياديين من ضيقي الأفق، والذين لا يستوعبون معنى الخيال ويحتقرونه لجهلهم به وعدم إدراكهم لقيمته الفنية العالية” فجعلتَ مميزي العرب أقلهم، أولئك الذين انسلخوا بالقدر الذي تواطأ في أمرهم من يردهم.. إنَّ التميز لا يكون بتمجيد الثقافة الغالية والتعنصُرِ لها والإشادةِ بها، وإنما يكون التميزُ بإنشاءِ الحضارات الجديدة التي لا ترتكزُ على حضارات الغير كما هي، وإنما ترتكز على مجموعات التجارب عبر التاريخ لكلِّ الأمم، إلا أن مستنسخَ الحضارة يقِلُ ولا يكثر.. ثُم وصفتَ العامةَ من العرب بأنهم ضيقي الأفق محدودي التفكير، فأقولُ لك ولمن قالَ بقولك: إنَّ محدود التفكير مَن عجزَ عن رؤية عظمة الله، وإن عميقه ذاك الأعرابي البسيط المتصحر الذي قال (البَعرةُ تدلُّ على البعير، والأثَر يدلُّ على المسير، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، أفلا تدلُّ على الصانعِ الخبير؟!) ولو أنكَ علمت أنَّ البساطة والسجية أعزُ وأكرم من تلك التي تجيء تكلفًا, معوجة لا رأسَ لها ولا أساس، وإن كان.. فإنما يكونُ الأساسُ المُهترئ، والرأسُ الخاوي.. إنَّ العمق بسيط، ومن تخلى عن البساطة تخلى العمق عنه، والسفسطة لا تأتي بخير.. ثُم اعلم أن سيسقط أي بناءٍ لا أساس له، وكذا هو أساس الفكر الذي تدعو إليه.. يرتكزُ على أساسٍ يرتكز على آخر.. فإن وصلتَ لآخرِ الذي استندوا إليه هدمتَه فتهاووا فوقه لا يتكئون على شيءٍ إلا سقط. فهذا في الذي ذممته من الأشراف الذين وصفتهم بمحدودي الفكر.. أولئك الذي ألفوا كُتبًا وأنشأوا علومًا استندتَ عليها أنتَ وآباؤك وأجدادُ أجدادك.. إنَّ العرب لا يحتقرون الخيال، وإلا لَما كتبوا عنه وأوغلوا فيه بعد التطور الذي أحدثوه في أدبِهم، بل إنَّ خيالهم خصب جميلُ الثمرةِ محمودُها، على عكسِ الخيال الشرقي.. فهو وإن كان خصبًا متسِعًا، إلا أن ثمرته حنظلةٌ مرةٌ لا خيرَ فيها، وإن كان.. فالشرُ فيها أطغى وأعمُّ وأشمل..

ثُم إني ألومك في المقارنة الباطلةِ التي عقدتها لما قلت (وإلا كان علينا أن نعد “الموناليزا” لوحةً موجهةً للأطفال لأنها “مرسومة”! ) إنكَ أهملتَ أن العربَ الأوائل أصحاب دولة “معين” تلكَ التي نشأت عامَ 1200 ق م. إنما عُرِفتَ أخبارهم بالرسوم والنقوشِ التي تركوها، وليسوا الوحيدينَ في ذلك.. وقولنا في أنَّ الأنيمي للأطفال -وهو مفسدٌ لأخلاقهم مسفهٌ لأفكارِهم مصلحٌ لخيالهم ليسَ إلا- ليسَ استحبابًا له منا إليهم، إنما هو إجلالُنا لإنسانٍ تامِّ العقل راشدٍ أن يتابع مثل هذه السفسطة الإلحادية.. ولو رمنا توسيع الفكر وإخصاب الخيال، فعلينا للأولِ فهم كتب الفقه وفهم طرقِ القياس وإصدار الأحكام.. فهذا يوسع الفكر، ولا أقول أن اتجهوا جميعكم للفتيا والفقه، لا، وإنما ذكرتُ شيئاً مما يوسع الفكر، وغيره كثير، وإما إن أردتم ما يخصب الخيال، فإن في كلام العرب ودقة توصيفهم واستخراجهم للمعاني لكفاية، لإخصابِ الفكر أمورٌ شتى غير التي ذكرت.. إلا أنني اقتصرتُ للإيجازِ لا لغيره.. إني لأرى أن مشاهدة الأنيمي من خوارم المروءة، فالمَشاهدُ الفاضحة، والأفكار الإلحادية، والقصصُ التي تعلي من قومٍ لا شأن لهم.. إنما هي أمور أعدها من خوارم المروءة.. وأحبُ لِمنَ ابتُليَ بمثلِها أن يستتر فهذا لمثلِه أصلح..

إني لا أقصدُ من الذي أسلفتُ أنَّ الأنيمي ليسَ بفن، بلى الأنيمي فن.. إلا أنه فنٌ لأصحابه ليسَ لنا نحنُ العرب، إن الأنيمي لا يضيفُ للفكر العربي مزيةَ خير.. فإن أضاف، فإن مثالبه تطغى على تلك المزية التي سيضيف، ومزية الخير التي سيضيفها ليست مقصورةً عليه، ولا يخلو غيره من مثلها وأفضل، إن للفلسفة حد، وهو حدُ الدين الذي شرعه الله عزَّ وجل، فإن رأى أحدٌ أن في قولي هذا رجعيةً فنعم أنا رجعي لهذا متحجرٌ عنده.. إن الدين -عزيزي القارئ- أوسع من أن نحيط به أنا وأنت، بل والخلق أجمعين منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فإن الدين هو شرع الله، ولتشريع الله حكمٌ لا تنقضي ولا تحصى.. فإن أدركها أحدٌ وتحجر عندها فإن هذا خيرٌ عظيمٌ لا يُحاز إلا لنبي، فتحجروا عند دينِ الله ولا تطغوا، واكتفوا بالذي جاءَ به النبي الكريم، والذي شرعه الخلفاء الطاهرين، والصحابة الأكارم، والعلماءُ الفحول.. وتعلموا أنتم وازدادوا علماً وأعلوا بناء ثقافتكم ودينكم، فإنكم إن أردتم إعلاء غيرها تنكّر لكم القريب والبعيد.. واعلم ألا يُعلى على قومٍ اختصهم الله من فوقِ سبع سماوات إن لم يبدلوا، واعلم أنه ما يكون لأحدٍ أن يُسَفِه العرب أو يحط من قدرهم.. فإن الألسنةَ حِداد، والأقلامُ مشرعة.. والحمد الله رب العالمين.

* رابط مقال (قراءة في كتاب: الأنمي وأثره في الجيل العربي)

(https://hekmahyemanya.com/?p=6424)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بارك الله بك وكتب أجرك وجعلك ممن يذود عن أمته ويرفع راية الدين عاليا

زر الذهاب إلى الأعلى