فكر

عنصريون مع أنهم ليبراليون؟ أم عنصريون لأنهم ليبراليون؟

تعجَّبَ الرَّأي العربي والعالمي من ردةِ فعل الأوربيين حِيال أزمة اللاجئين الأوكرانية حيثُ سمعنا تصريحاتٍ عنصرية نُقلت في كبرى المحطاتِ الإعلامية التي أظهر أصحابها تعاطفهم الشَّديد مع الأوكرانيين أصحاب “العيون الزَّرقاء”، وذهبوا أبعد ذلك للتقليل من إنسانية لاجئي الشَّرق الأوسط. لقد وضعت حرب أوكرانيا المنظومة الأوروبية أمام تحدٍّ أخلاقيٍّ فاستجاب لها الإعلام بطريقة تبدو للسَّامع متناقضة مع ما تدعو له المنظومة الغربية من مساواةٍ إنسانية بين جميع الأجناس البشرية، غير أنَّ بحثًا قصيرًا في تاريخِ الفكْر الأوروبي قد يكشفُ لصاحبه أنَّ تلك التصريحات في حقيقتها تتماشى تمامًا مع الفلسفاتِ العلمانية التي تحكمُ المجتمعات الغربية.

لقد نتجت الفلسفات العلمانية التي تحكمُ الشعوب الغربية اليوم عن الصراعات المذهبية الدَّامية في أوروبا الغربية حيثُ رأى الفلاسفة الغربيين – حينها –  أنَّ الطريقة الوحيدة للوصول إلى السَّلام لا يكون إلا بالابتعاد عن أيِّ نظامٍ اجتماعي يستندُ على موضوعٍ غيبيٍّ يمكنُ الاختلاف فيه، وبالتالي استبعاد كل المفاهيم الغيبية كالإله والروح في بناءِ النِّظام الاجتماعي والاقتصار على ما هو مادي يمكن قياسه والاتفاق عليه.

ولأول مرة في التَّاريخ البشري يستبعد الإنسان “البُعْد الروحي” من تكوينه وتنظيمه الاجتماعي في مغامرةٍ تاريخية أنتجت عنفًا وصراعات دامية جعلت حروب المذاهب المسيحية تبدو كأنها لعب أطفال. فقد كان لاستبعاد الروح من الفكر الإنساني تبعاته التي أدخلته في أزمةٍ حقيقية في مسألة التنظيم الاجتماعي. فعلى العكس من ذلك، تطرح جميع الأديان السَّماوية الروح أساسًا لفكرة المساواة الإنسانية, فسفْر التَّكوين في العهدِ القديم يقولُ (فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ) [الإصحاح الأول:28]. ويأت القرآن موضحًا ومؤكدًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ} [النساء: ١]. وباستبعاد الرُّوح الإنسانية من المعادلةِ بصفتها غيبًا يصعبُ التَّأكد منه والبناء عليه = وُضِعَ الإنسان الغربي أمام تساؤل شائك وهو “ما هو الشيء المادي الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟” وهنا جاء دور العلم الماديِّ المحكوم بالعقل البشري الذي نصبته العلمانية إمامًا، فبعد أن قدَّمَ داروين (ت: 1882) نظريته العلمية حول أصل الإنسان، أصبح لدى الأوروبيين إطار علمي يجيبهم على ذلك التساؤل ويُشرعِن لهم ما فعلوه بالشعوب الأخرى أثناء فترة الاستعمار. وانطلقت كافة أنواع التفسيرات المادية التي تحمل شواهدَ مادية في محاولة للإجابة على ذلك السؤال، ففي البداية جعل الغربيون حجْم الجمجمة وشكلها هو ما يفرق بينَ الإنسان والقرود! وهكذا, راحوا يقيسونَ حجم جماجم الشعوب التي أخضعوها في الشَّرق والغرب وصنفوهم إلى بشرٍ وحيوانات, كما وضعوا الأفارقة في أقفاص وحدائق وطافوا بهم المدن الأوروبية الكبرى للتسلي والتلهي(1) ، وقد جاء استعباد شعوب أفريقيا بقلبٍ خالٍ من الشَّفقة وبطريقة ممنهجة ومنظمة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا؛ لأنها كانت مدفوعة بالإيديولوجيا التي أقنعتهم بأنَّ هؤلاء ليسوا بشرًا كاملين يشعرون كما يشعر الإنسان الأوروبي.

واصل الأوربيون صراعهم الفكري مع ذلك السؤال جاعلين من نظريةِ “التطور الداروينية” هي الأساس المادي لبحثهم عن الإجابة، فطوَّرَ بعض العلماء أمثال هاربر سبينسر (ت:1903) نظرية اجتماعية وسياسية عامة تقول: “بأنَّ البشر ليسوا سوى حيوانات تطورت عن أصول حيوانية مختلفة وهي تعيش في حالة من الحرب من أجلِ البقاء”. وقد عُرِفَت هذه النَّظريات لاحقًا باسم الداروينية الاجتماعية(2) ، وتفاعلت واتحدت مع نظرياتٍ وفلسفاتٍ علمانية أخرى كانت هي الأخرى قد استبعدت الدِّين من فهْمها للحياة مثل “فلسفة الإنسان الخارق” لنيتشه, و”الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية” لتوماس هوبز (ت: 1679) التي تعتبر الحالة الإنسانية الأصيلة هي حالة حرب الجميع ضدَّ الجميع. بدأت هذه النظرية تنعكسُ بصورةٍ سلبية على المجتمعات الأوروبية, ففي نهايات القرن الثَّامن عشر بدايات القرن التَّاسع عشر، بدأ الأغنياء ينظرونَ للفقراء بصفتهم كائنات طفيلية يجبُ القضاء عليها، وقد نتجَ عن ذلك حملة سياسية قوية في بلدانٍ أوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا لإلغاء شبكات الأمان الاجتماعي التي تدعم الفقراء؛ بحجة أنَّ ذلك الدَّعم يمكن أن يخالف قوانين الانتقاء الطبيعي مما يعرقل تقدم النوع الإنساني.

أدت مثل هذه الأفكار إلى الكثير من التَّوتر الدَّاخلي بين طبقاتِ المجتمع المختلفة، فالتفت المفكرون والسَّاسة لتلك المسألة وشعروا أنَّ تلك الأفكار ستؤدي إلى تفكيك اللحمة الاجتماعية وإضعافها؛ فخلصوا إلى حاجتهم لإعادة توجيه تلك الأفكار وما تنتجه من مشاعر نحو الخارج، فتمت إعادة موْضَعة تلك النظرية لتقول إنَّ المجتمعات التي تنتمي لنفس الجنس البشري هي من تمثل الوحدات الحيوانية التطورية لذلك النوع, ولذلك يجب أن يتصرف المجتمع مثل كيانٍ واحد ضدَّ المجتمعات الإنسانية الأخرى المنافسة له. وقد كانت المنافسة على أشدها بين الإمبراطوريات الأوروبية في ذلك الحين، فعززت “الداروينية الاجتماعية” مشاعر القومية الجامحة التي نتجت عن ذلك التنافس الاقتصادي والعسكري، وحين توفر المناخ المناسب، قادت تلك المعتقدات الأوروبيين لحرب طاحنة لم تشهد الإنسانية مثيلًا لها، لقد كانت حربًا وجودية بالنسبة للكثير من الأطراف المتحاربة. لقد حارب الجندي الأوروبي فيها أخاه الأوروبي وهو يعتقد أنه يخوضُ معركة بقاءٍ من أجل الجنس البشري الأصلح لهذه الأرض.

وضعتِ الحرب العالمية أوزارها, وظنَّ الأوربيون أنها كانت “الحرب الكبرى لإنهاء كل الحروب”، غير أنهم كانوا مخطئين, فالأسباب الجذرية التي قادت لتلك الحرب لم تتم معالجتها، والأفكار التي وجهت الحرب وزادت من لهيبها انحسرت واختبأت، لكنه لم يتم القضاء عليها، وما إن تهيأ المناخ المناسب مجددًا – نتيجة للكساد الاقتصادي العظيم الذي شهدته القارة عام 1930 -، حتى عادت تلك الأفكار للظهور للسطح مرةً أخرى فدخلت أوروبا في حربٍ طاحنة تقودها مجموعة من الأحزاب التي جسَّد كل واحد منها فكرًا فلسفيًا علمانيًا، وتسببت ذات الأفكار العلمانية بمآسي وفظائع لم تشهدها الإنسانية على  مرِّ تاريخها فأعدم النَّازيون الملايين بطرقٍ علمية مبتكَرة في سبيلِ الانتصار لعرقهم الإنساني الأسمى والأنقى على حدِّ زعمهم.

شعر الأوربيون أنه لا فائدة من إنهاء الحرب دون إيجاد معالجات حقيقية لمشكلة الأفكار العميقة في بنيتهم الفكرية، فقرروا إطلاق مفهوم واسع للإنسانية يشمل كل إنسان تحت مسمى “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وبدأوا بسنِّ قوانين صارمة تجرِّم العنصرية والتفرقة بجميعِ صورها, وذهب اليساريون منهم للقول بتساوي جميع البشر والأعراق وحتى الجنسين. إلا أنَّ كل هذه القوانين والشعارات لا يمكن أن تستند على أساسٍ فلسفيٍّ ماديٍّ, ومن ثم فإنها تناقض صراحةً كل المنظومة العلمانية “العلمية”  التي أسسوها وصارت المجتمعات محكومة بها، تسير في مساراتها ومسالكها دون أن تشذ عنها.

إذ ليسَ من الصَّعب إبقاء الأفكار العنصرية مراقبة ومضيَّق عليها بقوةِ القانون في ظلِّ الرَّخاء الاقتصادي الذي يعيشه الغرب في هذه الأيام، إلا أنَّ الأفكار العنصرية الوليدة عن التفسيرات العلمانية للحياة، تختبئ بهدوء تحتَ قشرة من التَّسامح والتَّعايش الذي يسمحُ به هذا الرَّخاء. غير أنها وكما عاودت الظهور في الحربِ العالمية الثَّانية، مرشحة للظهور مجددًا في حال حدوث أزمة اقتصادية حادة. وقد ظهرت بوادر تلك النَّزعات العنصرية مع تردي الأوضاع الاقتصادية نتيجة للأزمة المالية العالمية عام 2008م فشهدت المجتمعات الغربية والأوروبية انتعاشًا في الحركات العنصرية المتطرفة.

حتى على المستوى الاجتماعي المشهود حاليًا، لا توجد قاعدة معرفية فلسفية صلبة للمساواة المفروضة – حاليًا – بقوةِ القانون، وهذا ما يجعلها مساواة مصطَنَعة لا تحكم تصرفات الأفراد والمؤسسات، فمثلًا تحاول المؤسسات التعليمية والحكومية الترويج لفكرة التساوي المادي التَّام بين البيض والسود، وفي المنظومة التعليمية يتم ارجاء الاختلافات بينهما إلى أسبابٍ تاريخية لا أكثر، إلا أنَّ الكثير من الدراسات (التي منع نشرها) تناقض هذا الطرح وتؤيد وجود اختلافات مادية جينية تؤثر على طريقة التفكير ومستوى الذَّكاء. ولحلِّ هذه الاشكالية خلصوا لنظرية الذكاء المتعدِّد التي فُرِضَت في التعليم بالرغم من الأساسِ العلمي الهش الذي تستند عليه تلك النظرية.

إنَّ استبعاد البُعْد “الرُّوحي” عن الكائنِ الإنساني يفوتُ عليه أي فرصة لخلق معنى حقيقي لجميعِ صور المساواة، سواءٌ كانت بينَ الأجناس البشرية أو بين الذَّكر والأنثى أو بينَ مختلف الطَّبقات الاجتماعية. إذن, التفاوتات المادية حقيقة لا يمكن المراء فيها وهي إمَّا نتاج لتطور طبيعي مادي نتجَ عن التَّاريخ والتضاريس والجغرافيا أو لتفاوتات وظيفية كما هو الحال بين الذكر والأنثى. ولهذا, لا يمكن تحقيق معنى مستدام للمساواة إلا على مستوى الروحي أما المستوى المادي فيكذب المساواة ويثبت التفضيل والتفاوت.

أمَّا الدِّين فقد كان واضحًا صريحًا وقدَّم رؤية متسقة لمفهوم المساواة، وقد كان النَّص القرآني واضحًا في تثبيتِ مبدأ المساواة الرُّوحي إذ يقول تعالى {يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ}، ثم جعل الاختلاف المادي هو أساس للاختبار {هُوَ الَّذي جَعَلَكُم خَلائِفَ الأَرضِ وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيَبلُوَكُم في ما آتاكُم} [الأنعام: ١٦٥]. وهكذا, فإنَّ التفاوت المادي وقدرتنا على تجاوزه للنَّظر إلى الروح والتعامل مع الآخر بناءً على التساوي الروحي هو معيار الإنسانية الحقيقي في الدِّين.

وصفوة القول: إنَّ الإنسانَ الذي يؤمنُ بالمساواةِ الرُّوحية، مهما رأى اختلافًا ماديًا في لون البشرة، أو القدرات العقلية، أو شكل جمجمة أخيه الإنسان؛ فإنه يتجاوز تلك الاختلافات ويتعامل معها وَفْقًا لمبدأ التَّساوي الرُّوحي بينهما. أمَّا إذا استبعدنا ذلك، فستصبح معايير التَّعاطف هي العيون الزرقاء والشعر الأشقر!

الهوامش:

1- Human Zoos: A Shocking History of Shame and Exploitation

2- Simpson, 1959

المصدر
Human Zoos: A Shocking History of Shame and ExploitationSimpson, G. E. (1959). Darwin and “Social Darwinism.” The Antioch Review, 19(1), 33–45Bartlett K., (2012). The Development of European Civilization. The Great Courses. Toronto University Press.

ضياء السَّعيدي

باحث في السياسات الدولية جامعة أوتاوا _كندا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى