أشتات

في التربية وغيرها …السيرة النبوية خارطة طريق للجادين

القصص هي المادة الأولى التي تتفتح عليها وبها قلوب الأطفال، تلك القلوب الصغيرة البريئة، ولذا لا بد أن نحاكي في القصة أسلوب الأطفال وطبيعتهم، فنلجأ إلى تكرار الكلمات والجمل وسهولة الألفاظ وبسط القصة، وينبغي أن تحتوي القصة على توجيهات رقيقة، وإيضاحات كاشفة لمرامي القصة وحوادثها ومواقفها، كما ينبغي أن تحتوي على تعليقات داخلة في ثنايا القصة، ولكنها توحي بحقائق إيمانية ذات أهمية كبيرة، حين تستقر في قلوب الصغار والكبار.

وقصص الأطفال لا بد أن تكون ممتعة وشيِّقة، واضحة سهلة، خفيفة جميلة. وسيرة نبينا محمد ﷺ أعظم القصص نجاحا وأكثرها تنوعا وأصدقها خبرا. قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)، وأسوة حسنة هنا تعني منهاجا تفاعليا مع السيرة النبوية. ومن يحب أحدا من البشر فإنه يحب أن يسمع سيرته دائما، ويتمنى أن يعرف كل تفاصيل حياته، فكيف بمن يحب رسول الله ﷺ؟ وخير ما يتدارسه المسلمون ولا سيما ناشئتهم هو دراسة السيرة النبوية، إذ هي خير معلِّم ومثقِّف، ففيها ما ينشده المسلم من دين ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد.

إن دراسة الهدي النبوي له أهميته لكل مسلم فهو يحقق عدة أهداف من أهمها: الاقتداء برسول الله ﷺ  من خلال معرفة شخصيته ﷺ وأعماله وأقواله وتقريراته، وتكسب المسلم محبة الرسول ﷺ وتنميه وتباركه، ويتعرف على حياة الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ، فتدعوه تلك الدراسة لمحبتهم والسير على نهجهم واتباع سبيلهم، كما أن السيرة النبوية توضح للمسلم حياة الرسول ﷺ، بدقائقها وتفاصيلها منذ ولادته وحتى موته مروراً بطفولته وشبابه، ودعوته وجهاده وصبره، وانتصاره على عدوه، وتظهر بوضوح أنه كان زوجاً وأباً وقائداً ومحارباً، وحاكماً وسياسياً ومربياً وداعية وزاهداً وقاضياً، وعلى هذا فكل مسلم يجد بغيته في سيرة المصطفى ﷺ.

فالمربي يجد في سيرته ﷺ دروساً نبوية في التربية والتأثير على الناس بشكل عام وعلى أصحابه الذين رباهم على يده وكلأهم بعنايته، فأخرج منهم جيلاً قرآنياً فريداً وكوّن منهم أمة هي خير أمة أُخرِجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وأقام بهم دولة نشرت العدل في مشارق الأرض ومغاربها.

والداعية يجد له في سيرة رسول الله ﷺ أساليب الدعوة، ومراحلها المتسلسلة ويتعرف على الوسائل المناسبة لكل مرحلة من مراحلها، فيستفيد منها في اتصاله بالناس ودعوتهم للإسلام، ويستشعر الجهد العظيم الذي بذله رسول الله ﷺ من أجل إعلاء كلمة الله، وكيف التصرَّف أمام العوائق والعقبات، والصعوبات وما هو الموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن؟

ويجد القائد المحارب في سيرته ﷺ نظاماً محكماً، ومنهجاً دقيقاً في فنون قيادة الجيوش والقبائل والشعوب والأمة، فيجد نماذج في التخطيط واضحة، ودقة في التنفيذ بينة وحرصاً على تجسيد مبادئ العدل وإقامة قواعد الشورى بين الجند والأمراء والراعي والرعية، ويتعلم منها السياسي كيف كان ﷺ  يتعامل مع أشد خصومه السياسيين المنحرفين، كرئيس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر والبغض لرسول الله ﷺ وكيف كان يحوك المؤامرات وينشر الإشاعات التي تسيء إلى رسول الله ﷺ  لإضعافه وتنفير الناس منه وكيف عامله رسول الله ﷺ وصبر عليه وعلى حقده حتى ظهرت حقيقته للناس فنبذوه جميعاً حتى أقرب الناس له وكرهوه والتفوا حول قيادة النبي ﷺ.

ويجد العلماء في سيرته ﷺ ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى لأنها هي المفسِّرة للقرآن الكريم في الجانب العملي، ففيها أسباب النزول، وتفسير لكثير من الآيات، فتعينهم على فهمها والاستنباط منها ومعايشة أحداثها، فيستخرجون أحكامها الشرعية، وأصول السياسة الشرعية، ويحصلون منها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة وبها يدركون الناسخ والمنسوخ وغيرها من العلوم، وبذلك يتذوقون روح الإسلام ومقاصده السامية.

ويجد فيها الزهاد معاني الزهد وحقيقته ومقصده، ويستقي منها التجار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها، ويتعلم منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات، فتقوى عزائمهم على السير في طريق دعوة الإسلام وتعظم ثقتهم بالله عزوجل ويوقنوا أن العاقبة للمتقين، وتتعلم منها الأمة الآداب الرفيعة، والأخلاق الحميدة، والعقائد السليمة، والعبادة الصحيحة، وسمو الروح، وطهارة القلب، وحب الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة في سبيله، ولهذا قال علي بن الحسين رضي الله عنهما: (كنا نعلم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن)، وفي علم المغازي علم الآخرة والدنيا. وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص :(كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ يعدها علينا ويقول هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها) (ابن كثير: البداية والنهاية).

إن سيرة النبي ﷺ حلقة من سلسلة النبوات والرسالات، وللنبوة والرسالة خصائصها وميزاتها، وسيرة النبي ﷺ مع اشتراكها في خصائص النبوات والرسالات السابقة لها خصائصها وسماتها الخاصة. والرسل وحدهم ـ عليهم الصلاة والسلام ـ هم الهداة الحقيقيون بالدعوة والقدوة لكن هؤلاء الرسل باستثناء محمد ﷺ لم يصلنا عنهم ما يغطي احتياجات البشر في الهداية والقدوة، ولذلك حكمته، فمحمد ﷺ هو الرسول الخاتم، ورسالته هي الرسالة الخاتمة ولذلك اجتمع له أربعة شروط لا بد منها لسيرة القدوة والهادي: التاريخية، والشمول، والكمال، والواقعية العملية.

وقد حدثنا الشيخ أبو الحسن الندوي عن تجربته في كتابة السيرة النبوية، وأنه قبل أن يكتبها عاش فيهما زمنا طويلا، يتذوق من خلالها حلاوة الإيمان، ويتغذّي بما جاء فيها من القصص والأخبار عاطفة الحبّ والحنان، والسيرة النبوية أقوى العناصر التربوية وأكثرها تأثيرا في النفس والعقل بعد القرآن، وكانت السّيرة هي المادّة الأولى التي يعتمد عليها في كتاباته ومحاضراته (أي الندوي)، يستمد منها القوّة في البيان، والتأثير في العقول والقلوب، والدلائل القوية، والأمثلة البليغة، لإثبات ما يريد إثباته، وهي التي كانت ولا تزال تفتّق قريحته، وتشعل مواهبه، وما من كتابة ذات قيمة من كتاباته إلا وعليها مسحة من جمال السيرة النبوية، وفضل لدراستها والتأمل فيها.

إنّ من دَرَسَ علم النفس والأخلاق، وعُنِيَ بدراسة الشخصيات المعاصرة، وعاش معها طويلا عرف أنّ النزول في أعماق نفس إنسان والإحاطة بآفاقها، وتصويرها تصويرا دقيقا شاملا من أصعب أنواع المعرفة وأساليب البيان وأدقّها، وفق تعبير الشيخ الندوي، وأنه لا يحسن ذلك بعض الإحسان، ولا يقدر عليه بعض القدرة إلا من عرف شيئا كثيرا من خوالج النفس وخواطرها، وآمالها وآلامها، وأحزانها وأشواقها والتهاب الروح، ولوعة القلب، وقد رأى كيف يبيت هذا الإنسان ليله ويقضي نهاره، وكيف يعاشر أهله ويعامل أصحابه، قد رآه في السّلم والحرب، والرّضا والغضب، وفي العسر واليسر، والضّعف والقوّة، ومن أحوال النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها، ومن مظاهر الجمال والكمال ما لم توضع له ألفاظ بعد، ولا تفي به ثروة لغوية مهما اتّسعت ودقّت.

والسّيرة النبويّة المحمّدية تتميّز من بين سير أفراد البشر- وفيهم الأنبياء وغير الأنبياء- بدقّتها وشمولها، واستيعابها لدقائق الحياة وتفاصيلها وملامحها وقسماتها، وذلك بفضل علم الحديث، الذي لا يوجد له نظير، لا في تاريخ الأنبياء ولا في تاريخ العظماء، وكتب السّير والشمائل، وما جمع وحفظ من الأدعية والأذكار النبوية، ومناجاته ﷺ لربّه آناء الليل والنهار وما حفظ ونقل من جوامع الكلم، وما أثر عن الوصافين الحاذقين من أصحابه وأهل بيته في صفته التي لم تحفظ كتب الآداب والتاريخ والأنساب، صفة أكثر منها دقة، وأعظم منها استيعابا للملامح البشرية والدقائق الخلقية.

وسيرته ﷺ أكمل السّير كما كانت أجملها، وهي مؤسّسة على نصوص قرآنية ووثائق تاريخية ودقائق في الخَلق والخُلق، وتفاصيل في العادات والعبادات، والأخلاق والمعاملات، لا يتصوّر فوق ذلك، وهي أقرب إلى الحقيقة والواقع، قربا لا يتصوّر فوقه، ولا يطمع في أكثر منه، بعد أن مضى على هذه الحياة الطيبة الكريمة مدة طويلة.

ولكن رغم وجود هذا الفارق الكبير بين سيرته ﷺ وبين سير العظماء بل وبين سير الأنبياء، ورغم دقّتها التي لا دقّة فوقها، وشمولها الذي لا شمول فوقه، لا بدّ من الاعتراف بأن تصوير حياته وأخلاقه، واستيعاب المعجزات التي اشتملت عليها سيرته ودعوته وحياته الانفرادية والاجتماعية، ومعاملته مع الله ومع الخلق، وآيات الحسن والإحسان في تكوين خَلقِه وخُلُقه، وفي حبّه ورأفته، وفي دعائه وابتهاله، وفي تألّمه للإنسانية ومصيرها، وفي منطقه وحكمته، وفي جامعيته وكماله، يكاد يكون مستحيلا، وأنّ ما جاء في كتب السّير والشمائل- على جماله وروعته- هو بعض ما خصّه الله به من جمال السيرة وكمال الخَلق والخُلق لا كلّه، وإن جلّ ما هنالك أنها محاولات وجهود يشكر عليها هؤلاء المؤلّفون ويؤجرون عليها، وهي ثروة عامة خالدة، يجد فيها كل إنسان وكل جيل من البشر، وكل طبقة من طبقات الناس حظها من الهداية والنور والتقليد والاقتداء.

والسيرة النبوية ـ في الأصل ـ هي الكتاب والسنة، فالإنسان لا يعرف رسول الله ﷺ إلا إذا عرف الكتاب الذي أنزل عليه، وعرف مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته، وتلك هي سنته. فقد كان خلقه القرآن، ولقد كان القرآن نفسه سجلا لأهم الأحداث في حياته، فمن هنا قلنا إن القرآن سيرته، وإن أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته هي سيرته. إن السيرة النبوية تسع الزمان والمكان والأشخاص، كما عبَّر عن ذلك الشيخ سعيد حوى، فهي منهج متكامل متجدد، فما من وضع للإنسان وللناس وللمكلفين إلا والسيرة النبوية تسعه قدوة وعملا، ملاحظا في ذلك أحوال الناس جميعا، من ضعف وقوة، وما دام الإنسان على مقتضى هذا الدين العظيم فإنه على نوع من القدوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى