المدونة

في ذكرى رحيل فقيه اليمن

كيف يمكنك أن تدرس الفقه الإسلامي وبالذات الكتب المتأخرة، وهي مجموعة مواد قانونية جافة؟! كنت أتساءل حتى التحقت بحلقة شيخنا العلامة العمراني، حيث درسنا على يده أول الأمر الدراري المضيّة للإمام الشوكاني، فلمست روح الفقه عند شيخنا، إذ الدليل حاضر بقوة في ترجيحات الشيخ، مما يجعل للمادة الفقهية هيبة واستنادا مباشراً إلى الوحي. وإذا لم تستوعب المسألة، أسعفك بنكتة أو قصة تاريخية تقرب لك المعنى، وتضفي على الدرس الفقهي حلاوة من روحه الجميلة. لقد كانت محاضرات شيخنا مهوى الأفئدة، لبساطته وعمقه ونفسه المرحة، التي ظلت ترافقه حتى فارق الحياة.

ورغم أن الشيخ نشأ في بيئة تحفل بالتعصب المذهبي، حيث الزيدية المحتكرة للحقيقة المطبوعة بنزعة السياسة والاستحواذ، إلا أنه فارق البيئة مبكراً، إذ نهل من المدرسة السنية الصنعانية الممتدة من لدن الشوكاني ومن جاء قبله كابن الأمير وابن الوزير وغيرهما، ولذلك كان شيخنا يعرف نفسه بأنه شوكاني المذهب، يتبع الدليل.

ومما أذهلني أنه يوماً عرض مسألة ما فاختار أحد الأقوال، فانبرى له أحد الزملاء وبيّن له أن الدليل الذي اعتمده لا يصح، وأن الصحيح فيما يخالفه، فعاد الشيخ من فوره عن رأيه، فانبرى أحد الزملاء وناصر رأي الشيخ الأول، فقال الشيخ: أنتم فقهاء، زيدوا حرروا المسألة، وتعالوا لنا بنتيجة.

فهالني سعة التسامح، وهذه المرونة التي جسدها شيخنا واقعاً لا تنظيراً، إذ الفروع الفقهية مظنة الخلاف وموطن النظر الظني، حيث لا جزم فيها ولا تشنج.

وفي إحدى المرات ألقى الشيخ نكتة فضجت القاعة بالضحك، فقام أحد الطلاب وكان قد غلبه النعاس، فسأل زميله الذي بجواره عن النكتة، فبادره الشيخ: اضحك يا بني، كلهم ثقات.

وبخطه الوسطي النزاّع إلى الدليل، المبرأ من التعصب المذهبي، أرسى مداميك التعايش مع رهط من الفقهاء المتحررين كالعلامة أحمد سلامة رحمه الله، وغيرهم ممن ساروا على نهج الفقهاء الأحرار.

لقد أثمرت بذور ابن الوزير وانتفاضة ابن الأمير وحركة الشوكاني، ثم ورثتهم المدرسة الإصلاحية بصنعاء في مطلع القرن العشرين من أمثال العلامة علي المغربي والعلامة زيد الديلمي والمفكر الحر محمد المحلوي والعلامة عبد الله العيزري والشيخ حسن الدعيس، وغيرهم من رواد الفقه الإسلامي السني المتحرر.

ولذلك رأينا المليشيات تتلمظ حنقاً على الشيخ، إذ يمثل ركناً شديداً في معمار التسنن الفقهي الصنعاني، وامتدادا لخصمها اللدود الشوكاني، الذي عرى مذهبهم الفقهي، وأتى عليه من القواعد.

إن معركة تسنن الكتلة الفقهية في صنعاء من التجارب التاريخية النادرة، التي لم يلتفت لها إلا القليل، فلقد تفجر التسنن من وسط البيئة الزيدية المغلقة، ولم يهاجر إلى المدرسة الشافعية المنافسة في وسط اليمن، بل احترف مذهب الدليل، وهكذا تعاظمت الهجرة الفقهية منذ قرون، حتى بسطت لها الثورة السبتمبرية، وعاضدتها الحركة الإسلامية الحكيمة في اليمن، التي مدت الشراع عبر مؤسساتها لتعظيم الزخم الفقهي المعتدل، وكاد التفسير العائلي للإسلام أن ينقرض، لولا الردة عن الاعتدال التي أحدثها الانقلاب الحوثي الأخير.

رحل شيخنا بعد قرابة 80 عاماً من التدريس والفتيا، حيث افتتح أول حلقة علمية لتدريس العلوم الشرعية في مسجد الفليحي عام 1359ه، ثم تنقل بعد ذلك في العديد من صروح العلم والافتاء، حتى وافته المنية، وقد خلف أجيالاً من التلاميذ، وتراث علمياً، وسيرة عطرة، جعلت منه إحدى الشخصيات القليلة التي أجمع عليها اليمانيون.

12/07/2021م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى