المدونة

فُقّاعة الخلاص

لا شيء يلفت اليوم أكثر من صرخات التحولات التي تصم الآذان في الأوساط الشبابيَّة، والترحل من موقع انتماءات محدَّدة إلى انتماءات أخرى، رُفعت رايات تساوم وتستقطب بدعاوى الجِدّة والتنوير والتخلص من التراث بكليته، وتأتي بحزمة مقولات ودعاوى تستقوي وتستند في إشاعتها بمجرد سطوة النماذج العالمية المهيمنة، وتطرح التساؤل التالي في قوالب تقريعية، وتارة تهكمية على من يخالفها: ألا ترى أنَّ “العالَم” اليوم يقول/يعيش هذه المقولة؟!  يسعى من يطرح هذا السؤال ليثبت أنَّ الأفكار التي ترحَّل إليها في الانتقالات الشتوية الأخيرة هي المخلِّصة لهذه الأمة من براثن التخلف، والمشعة في حياته بأنوار الجدوى، وأنها الأجدر والأقدر على تحقيق كل طموح، من بسطٍ للعدالة وجلب للمتعة والسعادة للناس الداخلين فيها أفواجًا، في لحظات انتحار الإمكان التي يعيشها عددٌ لا بأس به من فئات الأمة وليس الشباب اليمنيُّ استثناءً من ذلك إن لم يكن له قصب السبق في أحد هذه المنزلقات!

انتكاسة الأمل مع موجة الربيع العربي الأولى التي بدأت في أواخر 2010م، التي بلغ بها ومعها الشباب اليمني والعربي مرتقىً صعبًا من الإيمان العملي بإمكانهم على التحكم بحاضرهم، منفكين بمصائرهم عن أيادي الحكام الظلمة.. هذا كان الطموح.. وهكذا كانت بوادره، وقد أحسن الشباب البدايات، ولكن ولأسباب كثيرة؛ ليس أولها: تفجُّر الصف الثوري من داخله، وخاصة بيع بعض النخب المتصدِّرة ذممها بثمن بخس. ولم يكن ثانيها: غياب الوعي الكافي بطبيعة لحظة التدافع الراهنة التي تمر بها الأمة. ولا آخرها بطبيعة الحال: التدخل الأجنبي القذر؛ الأسباب السابقة وما لم يذكر أكثر مما ذكر؛ وَأدْت الحلم–أي حلم الأمل والطموح بصناعة مصير شخصي ومجتمعي مختلف–وتمَّ تشييعه ومن ثم تشييع أربابه من النخب الصادقة منضبطي البُوصلة إما إلى مقصلة الإعدام، أو إلى السجن، ومن تيسر له التسلل خفية إلى منفى غريب يهاجر إليه، تاه* في صحراء اليأس والشهوات والإخلاد إلى الأرض، وافتعل معارك مع الدين إما بالهجوم أو التشكيك في حكم شرعي تارة، أو صعّد بعضهم–في تارة أخرى-ليستهدف أحد أصول الإسلام الكبرى وأتى بمعوله الذي كلَّ حَدُّهُ لينقض حجرة الإيمان العتيدة ليحل محلها فقاعة الإلحاد أو اللادين أو التنوير!

ومن ثم ذهب ليصعد–كما توهم-في جبل المتعة المبذولة في المجتمعات التي هاجر إليها بأقدام حافية، وكلما صعد درجة تشققت قدماه وانساح دمه، ولما رأى انسياح الدماء أغوته نفسه بأنها ضريبة الصعود والانعتاق من دينه وأعباء الانتماءات السابقة.. الانتماء للأسرة.. الانتماء لموطن الفؤاد الأول الذي استنشق فيه هواءه النقي.. محاضن البدايات ورفاق الإشراقات الأولى، حاضني حلم الإسلام ونصرته والتفاعل مع قضاياه والنهضة بالمجتمعات؛ كل ذلك كان يُنحر بسكين مدثومة كلَّما صعد درجة في جبل الهبوط! توهم أنَّ التخفف-المشرعن-من مسؤوليات الدين وواجباته، أو حتى ترك الدين بالكلية هو المخرج ولم يدرِ أنه سيكون المنزلق!

وإذا لاحظ الإنسان هذا الرباط على التنكر الشرس للحاجة الفطرية والمستدامة المغروسة في نفس الإنسان، وهي التوق إلى خالق جليل يتصل به الإنسان عبر نبيٍّ وكتابٍ مُنزَّل يرشده ويوجهه، ويجيبه عن الأسئلة التي تُثقِل كاهله عن أصله ومسيره ومصيره، وعن الجدوى من عمله وسعيه، وعن حياته وكيفية عيشها، وعن معاده وكيفية الظفر بأفضل المنازل فيه، إما إلى شقاء دائم أو نعيم مقيم. والذي يثير في النفس عجبًا هو “التنكر الشرس” لصوت الفطرة الصارخ، ويصبح تديّن الإنسان، وتحمله لمسؤولياته تجاه ربه ورسوله ودينه هي مثار التهكم، تنتقل-مثلًا-حالة الالتزام بالصلوات المفروضة في وقتها، وشفعها بنوافلها وختم الليلة بوترها، والمحافظة على الأذكار في الصباح والمساء والأذكار التفصيلية المبثوثة في رحاب السنة النبوية الفسيحة، وحتى القراءة في الكتب التراثية، واعتزاز الإنسان المسلم بانتمائه إلى نسب علمي أصيل والاستشهاد في المجالس بمقولات الرعيل الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان؛ من كونها تمثُّل سوي وفعل صحي لعيش هذه الحياة بأفضل صورة، واتساق في الانتماء، إلى تخلُّف وتنكص، وخضوع لسدنة معبد التراث وغير واحدة من الوصمات التي يَصِمُ بها عبيدُ التنكر الشرس غيرهم من المتدينين وحاملي هموم دينهم وقضاياه، مما دفع كثيرًا من الشباب اليمني والعربي الذي امتنَّ عليه ربه بتنشئة في بيئة مسلمة ومتدينة إلى التلعثم والارتباك بشدة متى ما أراد فعل ما يميله عليه التزامه الديني، وأورث تشوهات كثيرة في النفس يعز هذا المقام عن ذكرها لضيق مساحته.

وقد كنتُ أظن أنَّ حالة الاستنفار تجاه مظاهر التدين خاصةً بجماعتنا من اليمنيين أو العرب فقط، وحفر هذا الاهتمام أخدودًا معرفيًّا أُجمِّع فيه ما أراه يفيد في تفكيك هذه الحالة المقبلة على ديارنا–وهي في الحقيقة بدأت تخلُق لها أنوية عبر قنوات مختلفة ليستدام وجودها في نحرنا وتتناسل عندنا-ومن ثم تصميم معالجات ناجعة لها، وأنا في سعيي هذا وجدتُ فتيلًا تفسيريًا لهذه الحالة عند رينيه جينو، أتى بها في سياق تعليلي للهجوم الأوروبي الشرس، إذ ذَكَرَ: “أنَّ الأوروبيين إنما يهاجمون-قبل كل شيء–هذه الروح الربانية لأنهم يخشونها بقدر ما يجهلونها؛ فهم منها محرومون، ومن كان على هذه الحال أصابه الفزع من كل ما لم يحط به علمًا”(1).

الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل من مشايخ الإلحاد المعممين، حاول أن ينهب أدبيات دينية ليضمنها سِفر الإلحاد، الذي يتلوه على مريديه أطراف الليل وأطراف النهار حتى يربت على كتوفهم الهشة التي نخرتها العدمية، فهل نجح من خلال إنجيله هذا أن يصنع الإنسان والمجتمع الذي يريد؟!  هل استطاع أن ينقذ نفسه من صوت الفطرة الهادر بداخله ويسعد بإلحاده أو تخففه من الالتزام الديني؟!

يقول راسل: “في أعماقي دائمًا وأبدًا ألم فظيع–ألم فضولي ثائر-بحث عن شيء يتجاوز ما يحويه العالَم”(2).

ثم يعود مرة أخرى راسل بعد أن عجز في قلع جذور هذا الألم وتفسيره الذي وجده في نفسه ليقول: “يبدو أنَّ شيئًا في المرء ينتمي بعناد إلى الله!”(3).

وقبل راسل وأثبت منه ولقوله صدى رقراق في الآذان قولُ ابن القيم عليه رحمة الله: “في القلب شَعَثٌ لا يلمّه إلا الإقبال على الله.. وعليه وحشة لا يُزيلها إلا الأنس به في خلوته.. وفيه حزن لا يُذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته.. وفيه قلق لا يُسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه.. وفيه نيرانُ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.. وفيه طلبٌ شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب.. وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أُعطيَ الدنيا وما فيها لم تُسَدَّ تلك الفاقة أبدًا”(4). وفي آية جليلة مهيبة، قال الله على لسان يعقوب عليه السلام في وصيته الخالدة لبَنِيه: “وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ”.

وقبل إغلاق بوابة المغادرة أترك هذا السؤال معلَّقًا أعلى البوابة: هل يا ترى كان يستحق أن تلغم المدخلات الصحية الأولى التي صنعتك، ومن ثم تفجرها عند تجاوزك لحدود بلدك وختمك على جوازك بتأشيرة المرور لبلد الهجرة الجديد؟! هل كان يستحق؟!

الهوامش:

(*) بالطبع ليس الجميع ولكنها نسبة لا بأس بها وهي مناط الحديث هنا، وهم من أقصد بالبسط والتوسع الذي تبع هذه الكلمة.

1- كتاب الشرق والغربي، رينيه جينو، ترجمة/ أسامة شفيع السيد، ص175.

2- Cited in: Philip Yancey, Disappointment with 

God (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 1988), p.253.، بواسطة كتاب/ براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، د.سامي عامري.

3- 320/2    Bertrand Russell, Autobiography

4- (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) (164 – المجلد الثالث – طبعة دار الكتاب العربي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى