المدونة

قراءة في كتاب: الأنمي وأثره في الجيل العربي

الكتاب: الأنمي وأثره في الجيل العربي
تأليف:
حيدر محمد الكعبي
دار النشر: المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة
صدر عام: 2022م

شيءٌ من ذكريات الماضي:

هذا الكتاب جزءٌ من سلسلة كتبٍ صادرةٍ عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية التابع للنجف، وعنوانها “سلسلة الاختراق الثقافي”، وقد أرسله إليَّ صديقٌ كريمٌ لما ظنَّ من أن موضوعه قد يهمُّني، وهو كذلك.

أعادتني سطور الكتاب إلى سنوات عديدة خلت، إلى بدايات هذا القرن حين دخلتْ بيوتنا أجهزة الاستقبال الرقمية (النيميريك) ناقلةً إيانا من سجن القنوات المحلية البائسة إلى فضاءٍ لا نهاية له من القنوات العربية والأجنبية، وكانت قناة “سبيستون” واحدةً من القنوات التي أثارت اهتمامي بشكلٍ خاص، لأنها كانت تتيح لنا مشاهدة رسوم متحركة تذكِّرنا بطفولتنا الأولى، ولأنها أيضًا تعرض أعمالًا جديدةً كانت تبهر أبصارنا بما وصلت إليه تلك الصناعة من تطور في الرسم والتحريك والإخراج.

كنتُ في المرحلة الثانوية آنذاك، وكنتُ أشاهد المسلسلات خلسةً مع عدد قليل من زملائي (كان يُفترض أننا آنذاك أكبر من مشاهدة الرسوم المتحركة!)، وكنتُ أكثرهم اهتمامًا بالجوانب الإنتاجية لتلك المسلسلات، وأكثرهم تعجُّبًا وانبهارًا من فكرة أنَّ كل حركة بسيطة مدَّتُها ثوان قليلة تتطلب عشرات من الرسوم المتتالية التي يتمُّ عرضها تباعًا بسرعة معينة لإحداث تأثير الحركة. كيف يتصوَّر العقل البشري جهودًا جبارة كتلك؟ وأيّ عزيمة هائلة تلك التي تدفع المنتجين إلى بذل تلك الجهود العظيمة العصيَّة على التخيل؟ هذا دون الحديث عن الخلفيات والتلوين اليدوي والمعالجات الحاسوبية والموسيقى التصويرية والدبلجة والإخراج… كنتُ أرى في فنِّ الرسوم المتحركة كميةً هائلةً من الفنِّ الخالص يستحيل أن تهان بتلك السهولة، وأن تُعَدَّ مجرد “رسوم أطفال” تناسب فقط من هم في المرحلة الابتدائية وما قبلها. وهذا طبعًا دون الحديث عن المواضيع الفلسفية والقصص المتشابكة والشخصيات المركَّبة التي هي أكثر تعقيدًا بكثير من مستوى فهم الأطفال بل وحتى البالغين في كثير من الأحيان.

ثم جاءت مرحلة الإنترنت، وهناك وجدتُ “جنَّتي” الخاصة في المنتديات العربية التي تضمُّ محبي هذا الفنِّ من مختلف بلدان العالم العربي ومن جميع الأعمار. كنَّا أشبه بجمعيات سرية تتقاسم اهتمامًا مشتركًا تخفيه عن المجتمع، وكانت تجمعنا نقاشات معمقة وتحليلات عالية المستوى تطوَّرت في تضاعيفها لغةُ تخاطبٍ خاصة لا يفهمها غيرنا. وكنا مع ذلك نتسلَّى بالآراء الواردة من خارج عالمنا، ونقرأ ضاحكين مستهزئين المقالات التي تُكتب حول “تأثير الرسوم المتحركة على الأطفال” والتي تدعو إلى أخذ الحذر منها. وحين صدرت فتوى دينية تحرِّم مشاهدة مسلسل “مذكرة الموت Death Note” ازددنا يقيناً بأن هناك صنفين من الناس: من هم داخل عالم الأنيمي ومن هم خارجه، وليست بين هذين الصنفين أية أرضية مشتركة أو لغة تخاطب ممكنة.

لكن الزمن يمضي والعمر يتقدم، ونحن الذين كنا شبابًا في بدايات العشرينيات سرعان ما سنتجاوز الثلاثين بل ونبلغ الأربعين وما بعدها. إذن فإننا على موعد في السنوات القادمة مع جيلٍ من الآباء والأمهات يعرف حقًا ما هو الأنيمي الياباني ويملك أدوات تذوُّقه ويتكلم لغته الخاصة ويعرف المصطلحات الفنية المتعلقة به، فهل سيأتي يوم نقرأ فيه دراسات نقدية جادة من أناس يعرفون حقًا ما يتكلمون عنه؟

أين تتجلى أهمية هذا الكتاب؟

قد يعطي عنوان الكتاب انطباعًا بأنه لا يختلف عن تلك المقالات القديمة الساذجة إلى حدٍّ يثير الشفقة، لكن تصفُّح فهرس الكتاب يشير إلى أنه انطباعٌ كاذب، وأنَّ المؤلف إنما هو واحدٌ منا، شخصٌ ينتمي إلى عالم الأنيمي وقادمٌ من داخله وليس من الخارج، شخصٌ أمضى سنواتٍ من عمره متابعًا لهذا الفنِّ مستمتعًا به، ثم بلغ من السنِّ والنضج ما أهَّله ليكتب عنه دراسة نقدية موضوعية مبنية على معرفة عميقة بتفاصيل الفن، وليس على تصورات ذهنية وهمية من أناس مولعين بنظريات المؤامرة، وليس في حصيلتهم أي معلومة صحيحة عن الفن الذي يتحدثون عنه ويحذِّرون منه.

فهنا إذن تتجلى أهمية هذا الكتاب؛ في كونه إيذانًا ببلوغ ذلك اليوم الذين كان منتظَرًا منذ ربع قرن أو أكثر، يوم يشير فيه المثقف العربي إلى جهة الشَّرق، ويكشف لنا عن الأسرار الكامنة (وحتى المخاطر أيضًا) في فنٍّ عظيم بالغ الخصوبة والثراء، ومُساءٍ تقديرُه بل ومجهولٍ تمامًا حتى عند أكثر المثقفين العرب موسوعية في الأجيال السابقة (هؤلاء اقتصر نقدهم في الغالب على الفنون القادمة من الغرب وأمريكا، مع جهلٍ تامٍّ بالأنيمي الياباني. عبد الوهاب المسيري مثلًا تحدث في رحلته الفكرية عن توم وجيري رابطًا إياه بالداروينية الاجتماعية، وأحمد خالد توفيق في أحد أعداد سلسلته “فانتازيا” تحدث عن “بطُّوط”، ويظهر أن هذه الأعمال الكرتونية هي منتهى علمهم بهذا الميدان، وأنهم كانوا في عمىً كاملٍ عن رؤية الأنيمي الياباني الذي كان ليكون مادةً شديدةً الخصوبة لتحليلاتهم الفكرية وأعمالهم الأدبية .

ولن أطيل في عرض محتويات الكتاب فهو كتابٌ صغيرٌ يمكن أن يُقرأ في جلسة، لكن الذي دلَّ في الكتاب على أن المؤلف قادمٌ “من الداخل” هو عرضُه الدقيق للمصطلحات الفنية المتعلقة بالأنيمي، والتي لا يعرفها إلا الراسخون في الفن، وأيضًا إلمامُه بأهمِّ المواقع والقنوات المعاصرة العارضة للحلقات المترجمة والتحليلات المعمَّقة، وكذا إشارتُه الطريفة إلى الغضب الشديد لمحبي الأنيمي حين توصف الرسوم اليابانية بأنها “كرتون”، فرغم أنَّ هذه التسمية صحيحة لغويًا وقاموسيًا، إلا أنَّ الاصطلاح يرفضها تمامًا، فقد استقر عند أهل الفنِّ التفريق الحادُّ بين كلمتي “كرتون” و”أنيمي”؛ الأولى تعني الرسوم الأمريكية والغربية وغير اليابانية عمومًا، والثانية تعني الرسوم اليابانية حصرًا، والويل لمن يخلط بين المصطلحين! ولا أنسى كذلك تخصيص الكاتب فقرةً للحديث عن “إيجابيات الأنيمي”، وهي حركةٌ غير مألوفة وتدلُّ على مدى التفتُّح والإنصاف والقدرة على الموازنة ورؤية الجوانب المشرقة للأشياء.

تصويب خطأ في التسلسل الزمني:

أحسن الكاتبُ في عرضه الموضوعي لمراحل انتشار الأنيمي في عالمنا العربي، مقسمًا إياها إلى ثلاث مراحل رئيسية:

– المرحلة الأولى: ما كان يُعرض في القنوات المحلية (من السبعينيات حتى أواخر التسعينيات).

– المرحلة الثانية: الأعمال المدبلجة على قناة سبيستون (من عام 2000 حتى عام 2010).

– المرحلة الثالثة: الأعمال المترجمة على الإنترنت (من 2010 حتى اليوم).

أخطأ الكاتب هنا في المرحلة الثالثة التي جعلها تبدأ من عام 2010، وبصفتي “شاهدًا على العصر” فإني أقول بأنَّ المرحلتين الثانية والثالثة متزامنتان تقريبًا، وأنَّ أول من ترجم الأنيمي إلى العربية هو الإماراتي محمد شريف الأنصاري، وكان ذلك عام 2001 حين افتتح منتداه “مسومس msoms” المستمرِّ نشاطُه حتى اليوم.

فالترجمة إذن قد انطلقت عام 2001، وأنا شخصيًا قد ترجمتُ مسلسل “القنَّاص” كاملاً عام 2006، وكنتُ آنذاك سائرًا على خطى من سبقوني، متتلمذًا على أيديهم ومتعلمًا من دروسهم.

إضافةً إلى ما ورد في الكتاب:

أغتنم هذه الفرصة لأدفع بمحتوى الكتاب إلى نقطة أعمق من التحليل، ولأطرح التساؤل الجوهري الذي لم يتطرَّق له الكتاب بما يكفي: لماذا يسيء العرب تقدير فنِّ الأنيمي الياباني؟ وكيف استقرَّ في أذهانهم أنه مجرد رسوم أطفال؟

قد يقول قائلٌ بأن المسؤول عن ذلك هو شركات الدبلجة والقنوات التلفزية التي كانت تعرض الرسوم في الفقرات المخصصة للأطفال. لكن هذا ليس جوابًا كاملًا لأنَّ السؤال يشمل شركات الدبلجة نفسها، ولماذا عمدت إلى توجيه تلك الرسوم (على اختلاف تصنيفاتها) إلى الأطفال عبر مقصِّ الرقابة الصَّارم؟

أعتقد -والله أعلم- أنَّ الجواب كامنٌ في بنية العقل العربي في زمن ما قبل العولمة، وأنتقل هنا لشرح فكرتي إلى عالم النقد الأدبي، فقد قرأتُ في مكان ما تفسيرًا لاختلاف الظاهرة الشعرية بين العرب والغرب، وكان تفسيرًا مبنيًا على البيئة الطبيعية أولًا وقبل كل شيء. يعيش الإنسان العربي في بيئة صحراوية تشكَّل ذهنُه على وَفقها، والبيئة الصحراوية تعني السماء الزرقاء والشمس الساطعة ووضوح الرؤية ونصوع الألوان، لذلك كان الشعر العربي مبنيًا على الوضوح إلى حدِّ الفجاجة أحيانًا، نابذًا للغموض والضبابية. وأمَّا الإنسان الغربي فبيئتُه الضبابُ والثلوجُ والرؤيةُ الضعيفة، لذلك نشأ في الشعر الغربي الغموضُ والرمزُ والإبهام.

ولقد أشار إلى ذلك عبد الفتاح كيليطو في أحد كتبه، حين قال بأنَّ العربي النموذجي لن يهتمَّ بقصتك حقَّ الاهتمام إلا إن أكَّدتَ له أنها واقعية، فهو يهتمُّ بما حدث فعلاً، وأما القصص المتخيَّلة فلا يهتمُّ بها إلا على سبيل التسلية أو الموعظة. وليجرِّب أحدنا أن يقول لإنسان عربي نموذجي أن لديه قصةً مثيرة، سيُقبل عليك العربي بجماع حواسِّه المتحفزة ما ظنَّ أن قصتك حدثت فعلًا، فإذا ما أخبرتَه بأنها “مجرد قصة خيالية” فسيفقد جلَّ حماسته للاستماع، ولن يصغي إليك إلا بربع اهتمام وعلى سبيل المجاملة لا أكثر.

نلاحظ أيضًا انطباق هذا الأمر على ترشيحات الأفلام، فما زالت عبارة “فيلم مبني على أحداث حقيقية” هي أفضل دعاية ممكنة للمشاهد العربي، وأما متوسطو الثقافة وضعافها فعادةً ما يشعرون بالحرج وحتى تأنيب الضمير إذا شاهدوا فيلمًا خياليًا! وأنا أعرف عددًا من الأشخاص إذا أرادوا ترشيح فيلم لي قالوا: “فيلم رائع استمتعت به، أنصحك بمشاهدته”. ثم يواصلون بنبرة خافتة مفعمة بالحرج: “رغم أن فيه بعض الخيال… فيه أشياء خيالية لكنه جميل رغم ذلك”. فانظروا هنا كيف يَعُدُّ العربيُّ الخيالَ “عيبًا” في العمل الفني، وأنَّ مشاهدة الفيلم الخيالي تنازلٌ منه وتسامحٌ من لدنه مع عملٍ فنيٍّ يراه مستخفًا بعقله.

إنَّ علاقة الغرب بالخيال تختلف جذريًا عن علاقة العرب به، فالإنسان الغربي متصالحٌ تمامًا مع جهازه التخيُّلي، يبني فنونه عليه دون حرج، ويتقبلها المجتمع منه دون غضاضة، ولا يرى في كون العمل خياليًا إهانةً لعقله لأنه -ببساطة- يعرف أنه خيالي، ويدرك ذلك الاتفاق المضمَر بين الفنان والمتلقي بأن الموضوع الفني ثمرة خيال خصب، وأي تذوُّقٍ أو نقدٍ إنما هو مبنيٌّ على هذا الأساس. وأمَّا الإنسان العربيُّ فلم يبلغ بعدُ من النُّضج الفني ما يؤهل ذائقته للتصالح الكامل مع الخيال، ورغم أنه قد حقق بفضل العولمة تقدمًا لافتًا في هذا المجال إلا أنه غير كافٍ حتى الآن، وما زالت الفئة الممتازة من العرب المتصالحين مع الفنون الخيالية قليلةً ومحصورة، ومغمورةً في طوفان الاعتياديين من ضيقي الأفق، والذين لا يستوعبون معنى الخيال ويحتقرونه لجهلهم به وعدم إدراكهم لقيمته الفنية العالية.

لا غرابة إذن أن تنشأ هذه الهوة السحيقة بين الإنسان العربي وبين فنٍّ يابانيٍّ مبنيٍّ أساسًا على التخيُّل، وإذا كان العربي قد تقبَّل بعض الشيء الأعمال الغربية الخيالية فلأنها رغم خياليتها مبنيةٌ على ممثلين من لحمٍ ودم، وتعبِّر في مضامينها عن الثقافة الغربية المادية الرافضة لكل ما هو روحي، بل المنكرة لوجود الروح من الأساس. وأما فن الأنيمي الياباني فشخصياته ليست من لحم ودم بل مرسومةٌ على الورق، كما أنه يعبِّر عن الثقافة اليابانية المؤمنة بوجود القوى الروحية، لذلك نجد كثيرًا من قصص الأنيمي الياباني مبنيةً على عقيدة تناسخ الأرواح، وعلى المبادئ الأخلاقية المقتبسة من الديانات الشرقية، وعلى المبالغات المأخوذة من فنونهم القتالية التي تستخرج من جسم الإنسان طاقاته الداخلية الدفينة. كل هذه وغيرها أمور مفقودة كليًا عند الغرب، ولا نجدها في أفلامهم إلا بشكل مشوَّه، وهي وإن كانت أكثر قربًا من الشخصية العربية المؤمنة بالغيب إلا أنَّ موقف الإنسان العربي من الخيال يقف سدًا منيعًا ضد تقبُّله لها وتذوُّقه إياها.

فهذه إذن محاولةُ تفسيرٍ تروم الإشارة إلى أصل الظاهرة، وإلا فليست هناك أية رابطة منطقية بين “الرسم” و”الطفولة” تجعلهما متلازمين بالضرورة، وإلا كان علينا أن نعد “الموناليزا” لوحةً موجهةً للأطفال لأنها “مرسومة”!

ولعل من الطريف (والمأساوي أيضًا) أن ينبذ الإنسان العربي فنًا يابانيًا مليئًا بالتعقيد وأكبر بكثير من قدرته على الاستيعاب لأنه يراه “للأطفال”، ويراه للأطفال لأنه “خيالي” ولأنه “مرسوم”، ثم حين ترى ما يشاهده ذلك الإنسان تُفاجأ بأن قائمته مليئة بالأفلام التجارية السطحية الرخيصة، العربية والغربية، ويراها موجهة “للكبار” وتلائم سنه بلا حرج!

إننا قد ندخل إلى معرضٍ فنيٍّ فنقف دقائق نتأمل لوحةً مرسومةً لمنظر طبيعي، ونستمع لأغنية أو مقطوعة موسيقية، ونقرأ رواية فنتخيل شخوصها، لكننا حين نشاهد الأنيمي الياباني نغرق في بحر زاخر من تلك الفنون كلها وأكثر منها بكثير… ليس في الأنيمي لوحةٌ فنيةٌ واحدةٌ بل في كل لقطة من لقطاته خلفيةٌ مرسومةٌ بعناية وملونةٌ بإتقان (كل خلفية في أفلام استوديو جيبلي لوحة فنية قائمة بذاتها)، وليس فيه مقطوعةٌ موسيقيةٌ واحدةٌ بل في كل لقطة موسيقى تصويريةٌ مختلفةٌ تماماً، وليس فيه شخصياتٌ روائيةٌ حبريةٌ أو ممثلون يتكلَّفون الماكياج والملابس بل شخصياتٌ متفردةٌ مرسومةٌ بعناية وبمواصفات شكلية لا تتكرر أبدًا. وأما القصص والمواضيع فما من موضوع أو أسلوب سردي نجده في الأفلام الغربية الحديثة إلا وقد سبق الأنيمي إليه منذ سنوات عديدة. نعم إنَّ في الأنيمي ما هو أكثر إثارةً من هيتشكوك ودمويةً من تارانتينو وتلاعبًا بالخطوط السردية من نولان، وفيه خيالٌ أكثر جموحًا بكثير من أقصى ما وصلت إليه المخيِّلة الأمريكية الهوليودية حتى الآن. وأما التجريب السردي، والمواضيع الفكرية والفلسفية، والمعضلات الأخلاقية المعقدة، فإني كلما قرأتُ انبهارًا ما بفتحٍ غربيٍّ جديد في هذا المجال إلا وتذكرتُ أني رأيتُ مثل ذلك وأفضل منه في أنيميات صدرت منذ عقود.

ولست أقصد بهذا الكلام مدح الأنيمي الياباني، بل إني أشير إلى أهمية تلك الصناعة ومدى حجمها وعمقها، وإلا فهي أيضًا تنطوي على مخاطرَ جمَّةٍ مغفولٍ عنها، فما نجده في الفنون الغربية الحديثة من نزعات عبثية وعدمية موجودٌ أيضًا في الأنيمي وبشكل أكثر عمقًا وخطورة، ومن يتأمل مثلاً قصة مسلسل “القناص Hunter X Hunter” أو “هجوم العمالقة Attack on Titan”  فسيجد في حبكاتها القصصية وشخصياتها من العجائب ما سيتصاغر أمامه ما نراه في الأفلام والمسلسلات الغربية.

خاتمة:

أعتبر هذا الكتاب خطوةً أولى وبادرة خير، ومقدمةً لتحليلات مستقبلية أكثر عمقًا، وما هدفتُ إليه من خلال هذه المراجعة المتواضعة أن أدعو القارئ العربي الكريم، والذي لا يزال متأثرًا بأفكار نمطية قديمة، أن ينظر بشكل أكثر جدية إلى ذلك الفن القادم من اليابان، وأن يطرح عنه فكرة أنه مجرد “رسوم أطفال”، وأن يتصالح مع الخيال والأعمال الفنية الخيالية. هكذا فقط سيفتح حواسَّه لمذاقاتٍ فنيةٍ جديدةٍ شديدة الإمتاع، وسيفتح عقله كذلك لإدراكٍ أكثر عمقًا لما تشتمل عليه تلك الفنون من الإيجابيات والمخاطر، ولصورةٍ أكثر واقعيةً وصدقًا لتوازن القوى الفنية المؤثرة في العالم، والتي تشكِّل شئنا أم أبينا جانبًا لا يستهان به من الوعي والثقافة وحتى السلوك…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إلى صاحبِ مقال “قراءة في كتاب: الأنمي وأثره في الجيل العربي” الفاضل أنس محمد.
    كنتُ أتمنى لو أنك أجهدتَ نفسكَ في غيرِ الذي انشغلتَ به.. ولو أنك سخرت قلمكَ لنصرةِ فنكَ العربي، أو حضاراتك الخالدة.. لكان خيراً من أن تُشيد بالحضارة اليابانية البائدة الفانية.. وإني لأحب أن أرد لك بعض الذي جئت به، وعلك تتقبلُ الذي أكتبه بصدر رحب.
    أبدأُ -عزيزي- بالذي ختمتَ به.. إنكَ -عافاك الله- لما أردتَ أن تختم مقالكَ، أوضحتَ السوء الذي يحويه مثل هذا الفن -على حدِ تعبيرك-، إذ قلت في الذي قلته “تنطوي على مخاطرَ جمَّةٍ مغفولٍ عنها، فما نجده في الفنون الغربية الحديثة من نزعات عبثية وعدمية موجودٌ أيضًا في الأنيمي وبشكل أكثر عمقًا وخطورة” إن الخطورة التي ينطوي عليها الأنمي هي خطورة على أُسس الشريعة الإسلامية، وخطرٌ أيضاً على الأخلاق العربية الأصيلة، وأنت في هذا الباب أعلم لتبحرك في هذا الفن، إذ أن النظريات التي يُرَّسِمها الشرق المتمثل غالباً في اليابان هي نظريات دينية بحتة، إذ أن -وكما يحيط علمكم- الديانات التي نشأت في بلاد المشرق منذ سالف الزمان هي ديانات فلسفية مختلقةً نشأت في الظلام، وأرادت أن تستدل على الإله بظلامها وفلسفتِها، فتخبطت يمنةً ويسرة إلى أن أنشأت الأفكار العديدة، وخلفت خلفها المذاهب المنحرفة الكثيرة.. من أشهرها الزرادشتية والمزدكية، وهي -كما يحيط علمكم- مذاهب أو ديانات -إن صح التعبير- منحطة منحلة بعيدة كل البعد عن الإسلام وتشريعاته، وعن العرب وطبائعهم، ولما كنا نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، عرباً قِحاحاً لَقاحاً فَضِلنا على الخلق بخير اللغات وهي لغة القرآن لغة أهل الجنة.. وفضلنا بخير الكتب، وهو القرآن الذي تعهد الحافظُ بحفظه، وفضلنا بخير الأنبياء، وهو النبي الكريم العربي الهاشمي محمد عليه الصلاة والسلام، وفضلنا بأن كانت أنسابنا معروفة مشهورة، وأنساب غيرنا ضائعة مجهولة، وفضلنا بأن كانت أحسابنا فخمة كريمة، وغيرنا لا حسب لهم ولا فخر.. فبعد كل هذا التفضيل والتفخيم الذي خصّنا الله به، تأتي أنتَ يرحمك الله لتشيد بالحضارة اليابانية المخلة بقواعد الإسلام وأركانه الأساسية كالتوحيد والبعث! ثُم إنك أهملتَ هذه النقطة فما ذكرتها إلا في آخر المقال الذي فخمت فيه فناً لا يحسب إلا على أهله، ولا ينبع إلا بسوءٍ أو بفُحش.. فهذه مقدمةٌ للذي ختمتَ أنتَ بها، ثُم أحمد الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، العزيز القهار، المتعالي عن التشبيه والتمثيل، المتعالي عن الحلول والإحلال، الله الحي القيوم أحمده وأعوذُ به من أن أجاورُ سوءاً أو أركنَ إليه، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والرسل، محمد ابن عبدالله الهاشمي، سيد العرب والعجم، وخاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم، وبعد:
    إنك -عافاك الله- تحدثتَ في مقالكَ بلهجةٍ أعادت الشعوبية من اندثارِها، فسفهتَ أحلام العرب على إسلامهم، وسفهتَ غزارة أفكارهم، وحاولت عبثاً أن تضع من قيمتِهم التي أعلاها الله، فإني أذكرك بداية بأن الشعوبية التي سرتَ في إثرِها قد اندثرت وبقي العرب، واندثرَ ومات من حاول الاستعلاء على العرب.. وبقي العرب، وبقيت لغتهم، وبقيت آدابهم تتلى، وأنسابهم تحفظ، وأحسابهم تذكر، ودينهم الحنيف يعبدُ مُنّزِله سبحانه، لا نزالُ والله نفخرُ بالعرب وعقلهم وفكرهم، فتأتي يا عافاكَ الله مُتجاهلاً تاريخاً لو أمضيتَ عمركَ كله تقرأه لما بلغتَ إلى تمامه لتقولَ لنا بأن العربي لم يبلغ نضجاً فنياً يؤهلُ ذائقته! ألا يرحمكَ الله لو أدركتَ من ذائِقتِهم لما قلتَ الذي قلته، ولما نطقت بمثله.. إن أحساب العرب ومفاخرهم لا تنفد.. وإن فكرهم لا يصدأ، وفنهم أبد الدهر باقٍ.. فأين فن العرب من فن اليابان!؟ بل وأين الأخلاق الراسخة في فن العرب من الأخلاق الممسوخة في فن اليابان!؟ إني أراك يابن العرب تنهجَ نهجاً ما نهجهُ ناهجٌ قبلكَ إلا هلك..
    إن من الجهل أن ننكر أن شعر العرب الجاهليين كان شعراً قاصراً في خياله مائلاً إلى الواقع والحقيقةِ الملموسة، إلا أنه من الجهلِ والظلم أيضاً أن نهمل التطور الذي حصل في ذات الميدان والذي قامَ به عدةٌ عديدةٌ من الشعراء عرباً وموالياً، فإن نزعتَ إلى أسباب تلكَ النهضة، فإني أقرُّ لكَ بأنها كانت نِتاجَ الانفتاح على الثقافات عامة بحكم الاختلاط، وأخصّ في هذا المقام ثقافتي فارس والروم.. والانفتاح العظيم الذي حدث كان من أثره أن تطور الفن العربي في كافة المجالات.. وشارك في هذا التطور العرب والموالي، وإن كانت اليد العُليا للعرب فيه إذ هم كانوا السلطة المتحكمة الحاكِمة، ولما كان هذا تطور الشهر، وتفتحت مدارك العرب أكثر وأكثر.. وغاصوا في المعاني فكشفوا عن الدر المخبوء واللؤلؤ الخفي.. وخرجوا لنا كتباً عظيمة، ودواوين جليلة كثيرة.. وانتصروا لثقافتهم فأذابوا الثقافات التي ناسبتهم في ثقافتهم، فعزت وكبرت وازدادت جمالاً على جمال، وبهاءً على بهاء.. ثُم بعد هذا كله، تأتي -عافاكَ الله- لتقول بأن الفن العربي قاصر.. إنما يكون القصر في حصر النظر وغض البصر عن الحقائق الجلية والتاريخ الثابت..
    ثُم إنك قُلت قولاً سببتَ فيه العربَ وما أهلٌ لمثلِ هذه السبة إلا الذين مدحتهم.. فقلت فالذي قلته “وما زالت الفئة الممتازة من العرب المتصالحين مع الفنون الخيالية قليلةً ومحصورة، ومغمورةً في طوفان الاعتياديين من ضيقي الأفق، والذين لا يستوعبون معنى الخيال ويحتقرونه لجهلهم به وعدم إدراكهم لقيمته الفنية العالية ” فجعلتَ مميزي العرب أقلهم، أولئك الذين انسلخوا بالقدر الذي تواطئ في أمرهم من يردهم.. إن التميز لا يكون بتمجيد الثقافة الغالية والتعنصُرِ لها والإشادةِ بها، وإنما يكون التميزُ بإنشاءِ الحضارات الجديدة التي لا ترتكزُ على حضارات الغير كما هي، وإنما ترتكز على مجموعات التجارب عبر التاريخ لكل الأمم، إلا أن مستنسخَ الحضارة يقِلُ ولا يكثر.. ثُم وصفتَ العامةَ من العرب بأنهم ضيقي الأفق محدودي التفكير، فأقولُ لك ولمن قالَ بقولك: إن محدود التفكير مَن عجزَ عن رؤية عظمة الله، وإن عميقه ذاك الأعرابي البسيط المتصحر الذي قال ( البَعرةُ تدل على البعير، والأثَر يدل على المسير، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟! ) ولو أنكَ علمت أن البساطة والسجية أعزُ وأكرم من تلك التي تجيء تكلفاً معوجةٌ لا رأس لها ولا أساس، وإن كان.. فإنما يكون الأساسُ المُهترئ، والرأسُ الخاوي.. إن العمق بسيط، ومن تخلى عن البساطة تخلى العمق عنه، والسفسطة لا تأتي بخير.. ثُم اعلم أن سيسقط أي بناءٍ لا أساس له، وكذا هو أساس الفكر الذي تدعو إليه.. يرتكزُ على أساسٍ يرتكز على آخر.. فإن وصلتَ لآخرِ الذي استندوا إليه هدمتَه فتهاووا فوقه لا يتكئون على شيءٍ إلا سقط. فهذا في الذي ذممته من الأشراف الذين وصفتهم بمحدودي الفكر.. أولئك الذي ألفوا كُتباً وأنشأوا علوماً استندت عليها أنت وأباءك وأجدادُ أجدادك.. إن العرب لا يحتقرون الخيال، وإلا لَما كتبوا عنه وأوغلوا فيه بعد التطور الذي أحدثوه في أدبِهم، بل إن خيالهم خصب جميلُ الثمرةِ محمودُها، على عكسِ الخيال الشرقي.. فهو وإن كان خصباً متسِعاً، إلا أن ثمرته حنظلةٌ مرةٌ لا خيرَ فيها، وإن كان.. فالشرُ فيها أطغى وأعمُّ وأشمل..
    ثُم إني ألومك في المقارنة الباطلةِ التي عقدتها لما قلت (وإلا كان علينا أن نعد “الموناليزا” لوحةً موجهةً للأطفال لأنها “مرسومة”! ) إنكَ أهملتَ أن العربَ الأوائل أصحاب دولة “معين” تلكَ التي نشأت عامَ 1200 ق م. إنما عُرِفتَ أخبارهم بالرسوم والنقوشِ التي تركوها، وليسوا الوحيدين في ذلك.. وقولنا في أن الأنيمي للأطفال -وهو مفسدٌ لأخلاقهم مسفهٌ لأفكارِهم مصلحٌ لخيالهم ليسَ إلا- ليسَ استحباباً له منا إليهم، إنما هو إجلالُنا لإنسانٍ تامِّ العقل راشدٍ أن يتابع مثل هذه السفسطة الإلحادية.. ولو رمنا توسيع الفكر وإخصاب الخيال، فعلينا للأولِ فهم كتب الفقه وفهم طرقِ القياس وإصدار الأحكام.. فهذا يوسع الفكر، ولا أقول أن اتجهوا جميعكم للفتيا والفقه، لا، وإنما ذكرتُ شيئاً مما يوسع الفكر، وغيره كثير، وإما إن أردتم ما يخصب الخيال، فإن في كلام العرب ودقة توصيفهم واستخراجهم للمعاني لكفاية، لإخصابِ الفكر أمورٌ شتى غير التي ذكرت.. إلا أنني اقتصرتُ للإيجازِ لا لغيره.. إني لأرى أن مشاهدة الأنيمي من خوارم المروءة، فالمَشاهدُ الفاضحة، والأفكار الإلحادية، والقصصُ التي تعلي من قومٍ لا شأن لهم.. إنما هي أمور أعدها من خوارم المروءة.. وأحبُ لِمنَ ابتُليَ بمثلِها أن يستتر فهذا لمثلِه أصلح..
    إني لا أقصدُ من الذي أسلفتُ أن الأنيمي ليسَ بفن، بلى الأنيمي فن.. إلا أنه فنٌ لأصحابه ليسَ لنا نحنُ العرب، إن الأنيمي لا يضيفُ للفكر العربي مزيةَ خير.. فإن أضاف، فإن مثالبه تطغى على تلك المزية التي سيضيف، ومزية الخير التي سيضيفها ليست مقصورةً عليه، ولا يخلو غيره من مثلها وأفضل، إن للفلسفة حد، وهو حدُ الدين الذي شرعه الله عزَّ وجل، فإن رأى أحدٌ أن في قولي هذا رجعيةً فنعم أنا رجعي لهذا متحجرٌ عنده.. إن الدين -عزيزي القارئ- أوسع من أن نحيط به أنا وأنت، بل والخلق أجمعين منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فإن الدين هو شرع الله، ولتشريع الله حكمٌ لا تنقضي ولا تحصى.. فإن أدركها أحدٌ وتحجر عندها فإن هذا خيرٌ عظيمٌ لا يُحاز إلا لنبي، فتحجروا عند دينِ الله ولا تطغوا، واكتفوا بالذي جاءَ به النبي الكريم، والذي شرعه الخلفاء الطاهرين، والصحابة الأكارم، والعلماءُ الفحول.. وتعلموا أنتم وازدادوا علماً وأعلوا بناء ثقافتكم ودينكم، فإنكم إن أردتم إعلاء غيرها تنكّر لكم القريب والبعيد.. واعلم ألا يُعلى على قومٍ اختصهم الله من فوقِ سبع سماوات إن لم يبدلوا، واعلم أنه ما يكون لأحدٍ أن يُسَفِه العرب أو يحط من قدرهم.. فإن الألسنةَ حِداد، والأقلامُ مشرعة.. والحمدالله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى