أشتات

لا كهنوت في الإسلام: والإسلاميون ليسوا الإسلام

يقول دعاة الحل العلماني:

إنَّ الدِّين- أيَّ دين- ليس قادرًا على تحقيق العدالة بين الجميع من غير تحيّز لأتباعه، ومن ثمّ فلا مناص من اللجوء إلى فلسفة أو (أيديولوجية) أو حتى آلية غير دينية لتساوي بين الجميع وتنصفهم كلهم؛ فيظهر أن مرددي تلك المقولة ينطلقون ابتداء في فرضيتهم تلك من التسليم غير السليم أساسًا بالقول: إن قيام مجتمع – ناهيك عن اتجاه أو جماعة (إسلامية)  أو حزب-  بتبني مشروع حياتي، لإصلاح الأوضاع المختلفة، منطلقاً في ذلك من مرجعيته الإسلامية، خاصة إن جاء ذلك بجهود جماعة أو اتجاه أو حزب وتمكّن من  الوصول إلى الحكم سلميًا؛ فذلك يعني  لدى مردّدي تلك المقولة: احتكاره لذلك التوصيف (إسلامي)، والزعم أنَّ السماء تقف مساندة له وحده. كما أن القائلين بهذا الاستنتاج أو اللازم في أذهانهم وحدهم  يخلطون- في حقيقة الأمر-  بين حكم رجال الدِّين في  المفهوم الثيوقراطي الكنسي المسيحي الذي عرف في أوروبا في عصور الظلام الأوروبية(Dark Ages )، تلك التي امتدت زهاء الألف سنة، أي منذ القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر، وبين  المفهوم الإسلامي للحكم، المنطلق من خلال نصوص القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، وتطبيقات الرسول الفعلية، وخلفائه الراشدين بوجه أخص، دونما عصمة لعالم أو شيخ أو مجتهد أو إمام  أو خليفة، مهما بلغ شأنه، ففي النموذج الكنسي الثيوقراطي يقع التحكّم والادّعاء بأن القس أو البابا أو رجل الدين ينوب عن الله في الأرض، فيتحدث بلسانه،  ويتولى القيام بمهمته، على نحو من العصمة والقداسة، بحيث تغدو المعارضة له معارضة للذات الإلهية المقدّسة ذاتها، أمّا الحكم في الإسلام فهو وإن كانت مصدريته دينية (مقدّسة)؛ إلا أنه ليس حكماً دينياً بالمعنى الكنسي المشار إليه آنفاً، بل حكم مدني، ولكنه ليس مدنياً بالمعنى العلماني اللاديني كذلك، أي أنه حكم يستند في مرجعيته الكليّة والجزئية إلى الدين الإسلامي، غير أن من يتولى تطبيقه بشر يصيبون ويخطئون، أيّاً بلغ شأنهم في التضلّع بعلوم الشريعة،  وخطؤهم- ساعتئذٍ- مردود عليهم، بوصفهم بشراً، لا على الدّين ذاته، – كما تمّ مناقشة ذلك سابقاً-.

المركزية الغربية وتغوّل العلمانية:

في سياق مناقشة هذه الفرضية  تمكنت العلمانية في المجتمعات الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وجميع المجتمعات التابعة لهما – أيّاً اختلفت تفاصيل العلمانية في كل مجتمع منها نتيجة تغولّها- أن تصبح أشبه بالمتغيّر المستقل، نظراً لنفوذ المركزية الغربية الطاغية  على كل شيء، وفي كل شيء، حتى صرنا أشبه بالمتغيّر التابع لها،  ربما في كل شيء، بما في ذلك مفهومهم للدين (الكنسي)  وإسقاطه حتى على دين الإسلام، ومحاولة إجبارنا على الاقتناع بذلك، رغم الفروق الجوهرية الهائلة بين طبيعة النصرانية والإسلام، إن من حيث سلامة  المصدر الأصلي الأول النصوص (القرآن الكريم) من التحريف مطلقاً، أم من حيث طبيعة التعامل التلقائي المباشر وتكاليفه، مع الدّين ذاته من قبل كل مسلم، بمعزل عن أيّ اعتبار، وهو ما يُعرف بفرض العين، إلا من أراد أن يصبح أحد علمائه والباحثين في شؤونه، فمن حقه – ساعتئذ- سلوك المنهج الموصل إلى ذلك بمؤهلاته، وهو ما يطلق عليه بفرض الكفاية، دون أن يؤذن ذلك من أيّ وجه بقيام طبقة (إكليروس) في الإسلام، محتكرة لذلك الوصف وحدها، فتمنح الرتب (الدينية الكهنوتية) لمن دخل معها، وتحرم من هو خارجها أو مختلف معها.

من هنا فإذا استطاعت نخبنا (المأزومة) التحرّر  المفاهيمي، والانعتاق الفكري والوجداني والسلوكي من أسر المركزية الغربية؛ فحينها سنكتشف طبيعة الذات، وحقيقة الكينونة،  وخصائص الهوية المميزة، وتلك بداية الانطلاقة،  والخطوة الأساس نحو فكّ العقدة الكبيرة (التبعية).

إسلاميون وقوميون ووطنيون: من يسبق من؟

بتعبير أكثر تفصيلاً: إن المجتمع الإسلامي حتى في حال تكوِّنه من شرائح مختلفة عرقياً وعقدياً وثقافياً وسياسياً فإن ذلك لا يؤذن بالتخلي عن الدّين (الإسلامي، لأن غاية ما في الأمر أن الاتجاهات الدينية فيه – تحت أيّ عنوان –  تسعى إلى التبريز في خدمة مجتمعاتها وأمتها تحت سلطان هذه المرجعية، والتمحور حولها قبل أي إطار آخر، شأنها في ذلك – مع الفارق النوعي هنا- شأن الاتجاهات القومية والوطنية، تلك التي ترفع شعار العروبة، أو الوطن، أو الوحدة، أو السلام، أو الحقيقة، أو الثورة، أو أيّ من العناوين ذات الصلة بالمجد، فمعلوم أن أيّاً منها لا يسعى ليحتكر تلك  العناوين وما ينبني عليها، في أفراده، كما لا يمكن مصادرة حقه -في الوقت- ذاته من المضي في ذلك، مادام أن غايته أن يسعى في نضاله  ليبرّز فيه كذلك، بحيث يتمحور حوله، ويبدع فيه،  دون أن يحتكر ذلك لنفسه، أو أن يقصي  حق الآخرين فيه. وهنا تنتفي فكرة الاحتكار للوطنية ، أو القومية، أو الوحدة، أو السلام، أو الحقيقة، أو نحوها، من الاتجاهات الوطنية والقومية وسواها، كما تنتفي كذلك فكرة الاحتكار للإسلام لدى تلك الجماعات (الدينية) السلمية في اتجاهها الوسطي الغالب، بمختلف عناوينها، دون الشذوذات التي تلازم كل الاتجاهات الدينية أو الوضعية ( قومية ووطنية وسواها) بطبيعة الحال، ولكنها تظل الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة، كما سبقت الإشارة في سياق سابق من هذه المناقشة.

إن أخطر ما يحمله الاتجاه العلماني الهادف- أيّاً كانت دعاويه –  إلى إلغاء الدِّين ناظماً مجتمعياً للإنسان والقيم والمعرفة والمجتمع من كل جوانبه؛ سعيه بطريقة متناقضة مع جوهر الديمقراطية للانقضاض عليها، حيث يروم إرغام مجتمعاتنا المسلمة  على تبني النموذج الحضاري للآخر، في أيّ من نظمه الفكرية، أو السياسية، أو التربوية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية. ومعلوم بداهة بالتجربة المتواترة في الأوضاع الطبيعية أو شبهها أن مجتمعاتنا في أغلبيتها لا تختار سوى دينها وشريعتها، ومن يحمل  راية ذلك المشروع، وبذلك فإن دعاة العلمانية الرافضين لتبني الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة شامل متكامل يعدّون منقلبين على الديمقراطية التي هي – في زعمهم- جوهر المشروع العلماني ولُحمته وسداه، بل  متناقضين مع ذواتهم،  فهم وإن برّأوا أنفسهم من تهمة الخيانة للوطن بل للأمة، من جهة سعيهم -من حيث يدركون أو لا يدركون- لفرض نموذج مستعمري مجتمعاتهم وغزاتها العسكريين والثقافيين بالأمس واليوم، ومن يتواطأون على تدمير مجتمعاتها الحالية بالصراعات الإثنية والطائفية وأبرزها في سوريا والعراق ولبنان اليمن في هذه الحقبة؛ فإنهم يؤكّدون بذلك انقلابهم على المبدأ الديمقراطي الذي يظهرون الاحتفاء به في كل مناسبة، إذ إن كل مجتمعاتنا – وفي مقدّمتها تركيا اليوم- لاتريد سوى مرجعية الإسلام ونظامه وحكمه، فعن أيّ ديمقراطية يتحدثون؟!

ولقد أجاد محمد  المختار الشنقيطي  حين أوجز المسألة في عبارة قائلاً:

“ومهما يكن من أمر فإن الخروج  من المفارقة الأخلاقية الأليمة بين القيم السياسية وتاريخ المسلمين وواقعهم السياسي لن يتحقق بناء على وهم القفز على القيم السياسية الإسلامية إلى نظام علماني منبَّت من التربية الاجتماعية والثقافية في المجتمعات الإسلامية. فقد جرّب قادة علمانيون ذلك خلال القرن العشرين – ومنم كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة- وسعوا إلى إعادة هندسة المجتمع والدولة، بعيداً عن الإسلام، فخابت جهودهم ، وبرهنت على أن الدولة العلمانية مستحيلة التحقق في العالم الإسلامي، على عكس الدعوى المتداولة هذه الأيام عن استحالة الدولة الإسلامية.

وأوضح برهان على أن الدولة العلمانية مستحيلة التحقق في العالم الإسلامي هو أن العلمانية ظلت في المجتمعات المسلمة  المعاصرة – على الدوام- مساراً قهرياً، لا خياراً ديمقراطياً، وأي خيار قهري لا مستقبل له في عصر الجماهير الذي نعيشه” (1).

وقد قام الباحث التركي أحمد كورو بمقارنة بين  نموذج واحد من العلمانية الخشنة الأولى  زرع في فرنسا، والآخر في تركيا، فلاحظ كيف استطاع الأول أن  يترعرع وينمو ويشق طريقه ويثمر في المجتمع الفرنسي، في حين تيبس الآخر وأجدب  في تركيا، لأنه لم يجد غير سبيل العنف طريقاً لفرض نموذجه، فازداد الرفض الاجتماعي له، وهي النتيجة نفسها التي خلص إليها الباحث  الأمريكي الشهير صامويل هنتنغتون (2).

ويسقط محمد مختار الشنقيطي ذلك على بقية المجتمعات الإسلامية من خلال النتيجة التي توصل إليهما كورو وهنتنغتون  في الحالة التركية، ثم أورد عن باحثين آخرين هما داوود أحمد ومؤمن جودة ” تراجع بريق العلمانية كلما اتسعت مساحة المشاركة الشعبية في تركيا”(3)، عازياً ذلك إلى أن “مساحة  الشأن العام في النص الإسلامي، تجعل العلمانية مستحيلة  في الدول ذات الغالبية  المسلمة، إلا  إن جاءت عن طريق القهر العسكري  الداخلي والوصاية الاستعمارية  الخارجية”(4).

وبذلك تنتفي مبرّرات تلك الفرضية، ويثبت أنها غير ذات مسوّغ حقيقي في مجتمعاتنا إلا حين تكون التبعية العمياء للغرب هي النموذج القياسي الحاكم، وأنى لباحث أو كائن سويّ التسليم بذلك؟ علاوة على أنك ذا قد رأيت نصوص القرآن الكريم المحكمة سابقاً تلزم أتباع الدين الإسلامي، بكل مستويات مسئولياتهم أن يلتزموا العدل مع كل الفرقاء الذين  يعيشون في مجتمعهم، بمعزل عن رضاهم به، أو سخطهم عليه، وكونه موافقاً لهم ديناً، أو ثقافة، أو قرابة، أو عشيرة أو غير ذلك، أي أنه يقف من الجميع على مسافة واحدة، بوصف الدين لا يعني هنا تحيّزاً لأتباعه، ناهيك عن أن أتباعه أنفسهم يمكن أن يكونوا جماعات وأحزاباً وفرقاء، وهنا لا يستطيع أحد منهم أن يستقوي بالدين على سواه، لأنهم جميعاً يدينون بالدين نفسه، ومن لم يدن منهم بالإسلام فإن له حق المواطنة، ومن ثم فالعدل مطلوب معه كذلك. ولا ضرورة هنا لتكرار النماذج العلمانية التي سحقت بعضها في إطار المجتمع الواحد في مجتمعات عربية وغير عربية رفعت شعار العلمانية، وقد ذكرت منها مصر بين الناصريين والشيوعيين- مثلاً، وسوريا بين جناحي البعث نفسه (السوري والعراقي) من جهة، وبين البعث السوري والشيوعيين من جهة أخرى، وقل مثل ذلك في العراق، وجنوب اليمن سابقاً حتى بين الرفاق أنفسهم! أي أن العلمانية لم تعصم أتباعها من الصراع المجتمعي الذي غدا مضرب المثل في العنف.

آسف ربما استطردنا في الشق الثاني من المشكلة العالقة في أذهان دعاة الحل العلماني أو أغلبهم، لكن أعدك أن ذلك ليس على حساب الشق الثاني،  وهو الذي يقوم على فرضية أساسها أن الدين – والمقصود به الاسم هنا- لا يمتلك منظومة حكم متكاملة تقوى على مواجهة المشكلات والتحديات في مختلف المجالات!

الهوامش:

  1. محمد المختار الشنقيطي، الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية ، ص 495،2018م، ط الأولى، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية.
  2. المرجع السابق، ص 496.
  3. المرجع نفسه، ص 496- 497.
  4. نفسه، ص 497.

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى