فكر

لماذا لم ينهِ الإسلام العبودية وأنهاها الغرب؟

من التساؤلات المعقَّدة التي يتقدم بها المشككون في الإسلام  – اليوم –  سؤال لماذا لم ينه الإسلام الرق والعبودية بينما فعل الغرب؟ وهو سؤالٌ يضع الكثير من الدُّعاة والمشايخ  – غالبًا – في موقفٍ حرج، فبالرغم من سهولة إيضاح حقيقة أنَّ العبودية كانت جزءًا من التركيبة الاجتماعية لكلِّ المجتمعات, وأنَّ الإسلام قام بتقنين هذه المؤسسة وضبطها بطريقةٍ لم يُسبَق لأيِّ منظومةٍ أخلاقية مثيل قبله, وهذا بشهادة الكثير من المستشرقين، إلا أنَّ ذلك لا يجيب على تساؤل “لماذا لم يُنْهِ الإسلام العبودية وأنهاها الغرب؟” بما يحتويه هذا السؤال من أبعاد إنسانية تتحدى جدية الإسلام في التَّعامل مع القضية؛ لأنه حتى لو قلنا إنَّ الإسلام عمل على تجفيف منابع العبودية وتجنب عمل صدمة اقتصادية عن طريق انهائها تمامًا، إلا أنَّ هناك مشكلتين اثنتين في هذا الطرح، وهما:

أولًا: بالرَّغم من أنَّ الإسلام عمل على ضبطِ وتقنين مؤسسة العبودية، إلا أنه لم ينهها ولم يحرمها تمامًا.

ثانيًا: إن كان الإسلام يهدف إلى التجفيف النهائي لهذه الظاهرة، لماذا لم تنته بعد ثلاثة عشر قرنًا من ظهور الإسلام، ولماذا احتاج العالم الإسلامي إلى الغرب حتى يُنهي هذه الظاهرة ويحرمها؟ سيضيف الفريق الآخر قائلًا “أنتم تقولونَ أنَّ الإسلام لم يحرم العبودية لما لتحريمها من تكلفة اقتصادية عالية على المجتمع، لكن الغرب حرَّمَ العبودية ومنعها بالرغم من تلك التكلفة الاقتصادية المرتفعة، إذن فإنسانية الغرب أعلى من إنسانية الإسلام”. وأمام هذه الحجة القوية يعجز بعضهم عن الرَّد، فلا يوجد رد منطقي من داخل المنظومة الدينية يفسِّر لماذا لم ينهِ الإسلام العبودية بينما فعل ذلك الغرب.

الحقيقة أنَّ هناك جوابًا لهذا السؤال المعقَّد لكنه ليس من داخل التراث الديني، بل من مصفوفات التَّاريخ، وأرقام الاقتصاد، فظاهرة العبودية ظاهرة تاريخية اقتصادية بامتياز، وفهم نشوئها وزوالها يقتضي بالضرورة إلمامًا وفهمًا لهذه العلوم, ولهذا, يتحرج الكثير من المشايخ والدعاة والمفكرين الإسلاميين الإجابة على هذا السؤال نظرًا لغياب الفهْم في هذه العلوم. والحقيقة أنَّ كلاً من علمي الاقتصاد والتاريخ يقولان لنا أنَّ الغرب لم يُنْهِ العبودية بدافعٍ أخلاقيٍّ إنساني بالرغم من تكلفتها الاقتصادية المرتفعة، بل أنهاها نتيجة لارتفاع تكلفتها الاقتصادية وتراجع قيمتها السوقية.

قبل أن نناقش سؤال هذا المقال، من المهم توضيح الفرق بين العبودية كمؤسسة تاريخية مرتبطة بالحرب وبين العبودية التي مارستها أوروبا في العصر الحديث نظرًا لاختلافهما في الدَّوافع والأسباب والطبيعة, ولأن تلك الاختلافات تسهم في عملية انهاء العبودية في نهاية المطاف.

لقد اعتمدت المجتمعات القديمة على العبودية كجزءٍ من المؤسسة الاجتماعية والاقتصادية لتلك المجتمعات واستمر ذلك بعد نزول الإسلام بالرغم من أنَّ الإسلام بذل جهدًا كبيرًا في حصار الظَّاهرة وتحسين وضع العبيد, وفي هذا يقول المؤرخ بودلي في كتابه حياة النَّبي محمَّد “وحول محمَّد انتباهه إلى مشكلة الرق فما كان في مقدوره أن يحرم الرق كلية… ولكنه خفَّف قوانين الرق وعمل على تشجيع فك الرقاب، وإنَّ ما أمر به هو تحرير جميع من اعتنقوا الإسلام وقد أضاف إلى ذلك الأمر أنه لا سمة تصم العبد المحرر، وفي الحقيقة فإن العبد المحرر في الإسلام له جميع الفرص التي للرجل أو المرأة التي ولدت حرة”(1) ، وتقول زيجريد هونكه في كتابها الله ليس كذلك: “لقد كان الرق لدى العرب أقرب إلى تبادل المنفعة بين الطرفين لإعالة المعدم وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين”(2) ، وإن صعود المماليك للحكم في مصر وهم من الرقيق لدليل كامل على أنَّ مؤسسة العبودية في الإسلام اختلفت تمامًا عن مفهوم العبودية الحديث الذي مارسته القوى الأوروبية ضد الشعوب المستعمرة والذي أنتجت طبقة اجتماعية في أمريكا والمستعمرات السابقة ما زالت عالقة حتى اللحظة في أنماط العبودية وآثارها نظرًا للسحق والدمار الذي مورس عليهم، فتلك العبودية كانت تختلف في طبيعتها ودوافعها وحجمها عن أي شيء. لكن تحسين وضع العبيد وحصر العبودية في أسرى الحرب لا يشفع للإسلام في عيون الحداثيين ولا يبرؤه من تهمة الإبقاء على العبودية في الحين الذي استطاع الغرب إلغاءها.

كانت العبودية التي بقيت بعد مجيء الإسلام مؤسسة متعلقة بالحرب بالدَّرجة الأولى، وهي الطريقة التي يتعامل بها المنتصر مع المهزوم وذلك لضمان تشتيت قوة المهزوم وضمان عدم نهوضه للقتال مرةً أخرى، فكان يتم توزيع أسرى الحرب كعبيد لإبقائهم تحت الرقابة والاستفادة منهم في ذات الوقت، وقد جعل الإسلام لذلك مخرجًا بشرعه لتحرير الرقبة كطريقة للتكفير عن الذنوب أو عند تحول العبد إلى الإسلام لما يعني ذلك من أن هذا الفرد قد أصبح جزءًا من المنظومة الاجتماعية، يقول تعالى ” وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ”(3) ، وهذه التشريعات إذا ما قورنت بوضع العبودية في الامبراطوريات في ذلك الوقت تعد تشريعات “تقدمية وإنسانية” للغاية. بالمقابل لقد نشأت وتوسعت العبودية الاستعمارية الأوروبية بدوافع اقتصادية بحته وقد تمَّ استخدام العبيد السود في الزراعة والأعمال الشاقة بأعداد لا مثيل لها في التاريخ الإنساني حيث تم نقلهم عن طريق السفن التي تم حشرهم فيها من أفريقيا إلى الأمريكيتين في ظروف أدت إلى وفاة الكثير منهم في تلك السفن. ولأن العبودية الاستعمارية كانت مدفوعة بأغراض الربح وتكديس رأس المال لا بضرورة الحرب، فقد جعل ذلك الأوروبيين يذهبون بحثًا عن العبيد بشكل ممنهج إلى بلدانهم وخطفهم، ثم إرسالهم للمستعمرات، ثم وضعهم تحت صنوف وحشية من العذاب لاستخراج أكبر قدر من طاقاتهم في زرع المحاصيل الواسعة جدًا في الأمريكيتين.

أما الاختلاف الثاني فقد كان أنَّ العبودية القديمة ومنها الإسلامية لم تكن مدفوعة بأي نظرية تفوق عرقي أو اعتقادات بالاختلافات البيولوجية بين البشر، وإنما كانت -كما أسلفنا- مرتبطة بآلةِ الحرب، وهذا يفسر تنوع ألوان وأشكال العبيد في العصر الإسلامي من الأبيض إلى الآسيوي إلى الأسود إلى العربي، لا نتيجةً لرغبة المسلمين في الحصول على الجواري من كل الأجناس كما يشيع بعض المغرضين، ولكن لأنها ببساطة لم تكن عبودية قائمة على العرق، بل على الحرب, وفي حالة المسلمين على الدِّين. وقد شدد المسلمون في حقيقة الأمر على استعباد العرب دون غيرهم نظرًا لكون القرآن نزل بلغتهم والنَّبي جاء منهم وهكذا كانت حجة الإسلام أقوى عليهم.

أما العبودية الاستعمارية فقد كانت مشرعة ومدعمة بالنظريات العنصرية التي سيطرت على خيال الإنسان الأوروبي في ذلك الحين، ولهذا فقد استهدف الأوربيون الإنسان الأفريقي بالعبودية أكثر من غيره نظرًا لاعتقادهم بتدني الإنسان الأفريقي في سلم الإنسانية. وهذه الاختلافات في طبيعة العبودية مهمة في تحديد ظروف العبودية، فالعبودية المبنية على المعتقد الديني كان يسهل التخلص منها عن طريق تحويل الدين وتبني العقيدة الجديدة، وهذا كان حال الكثير من العبيد تحت حكم الإسلام، أمَّا العبودية القائمة على العرق فلا يستطيع صاحبها أن ينفك منها إلا بتغيير لون جلده. وقد أدت هذه العبودية العرقية إلى توحش الإنسان الأوروبي في التعامل مع المستعبدين فقد رأوهم بصورةٍ أقل إنسانية, مما جعلهم لا يوفرون على أنفسهم فرصة أو أسلوبًا في الإمعان بتعذيبهم وإهانتهم، فقد عاينوهم بنظرة الإنسان للحيوان وهم يعتقدون ما اعتقد به فيلسوف عصر التنوير ديفيد هيوم إذ يقول: “أعتقد أنَّ السود أدنى شأنًا من البيض بشكل طبيعي”(4)  .

في المقارنة المعقودة بين الإسلام والغرب يرجئ أصحابها تقدم أوروبا بإلغاء العبودية رسميًا دليلًا على التقدم الأخلاقي والقيمي الذي حققته أوروبا في عصور التنوير، ولو كان الأمر متعلق بالأخلاق لرأينا ظاهرة العبودية تتناقص بشكل تدريجي مع خروج أوروبا من العصور الوسطى مرورًا بعصر التنوير وصولًا إلى العصر الحديث، لكن الأرقام لا تقول ذلك، فمع خروج أوروبا من “عصور الظلام” تقدم أوروبا للعالم نوعًا جديدًا من العبودية الوحشية التي لم يُر لها مثيلًا من قبل على يد القوى الأوروبية والأكثر غرابة من ذلك أنه ارتفعت وتيرة العبودية بين القرن الخامس عشر وحتى إنهائها في القرن التاسع عشر من قبل الدول الأوروبية كلما تطبع الأوروبيون أكثر بأفكار التنوير. وهذه العلاقة الطردية بين ارتفاع وتيرة العبودية صعود أفكار التنوير لا تخدم سردية الدوافع الأخلاقية وراء إلغاء العبودية، فها هي أوروبا كلما ازدادت تنورًا كلما ازدادت بطشًا واستعبادًا. ثم فجأة وفي حدود الخمسين سنة تبدأ الدول الأوروبية بإلغاء العبودية واحدة تلو الأخرى، فما هو السبب وراء ذلك يا ترى؟ يمكن فهم هذا اللغز بسهولة إذا ما نظرنا إلى القضية من منظور اقتصادي بحت – لا من منظورٍ أخلاقي – يتتبع علاقة تطور الدولة الحديثة في أوروبا، بما كان يجري في المستعمرات الأوروبية وعلاقة تلك المستعمرات بالعبودية. جاء توسع الدولة الحديثة في أوروبا نتيجة لتدفق الكنوز الكثيرة من المستعمرات الأوروبية سواء على شكل ذهب مسروق في البداية من شعوب المستعمرات في الأميركيتين وذلك في القرون الأولى للاستكشاف. وفرت تلك الكنوز المتدفقة الرفاه الاقتصادي الذي ضمن ظهور مفكري عصر التنوير بفلسفاتهم المادية العنصرية عن الإنسان ومع وجود الحافز الاقتصادي شرعن هؤلاء الفلاسفة للتوسع في ممارسة العبودية لتحقيق العائد الاقتصادي الذي توفره اليد العاملة المجانية للمستعبدين. وقد كانت العبودية مدفوعة بالجشع المادي البحت الذي جاء نتيجة تخلي أوروبا عن الدين كمنهاج حياة واتباعها الفلسفات المادية النفعية التي شرعنت العبودية وَفْقًا لنظريات علمية عنصرية.

خلقت العبودية نموذجًا اقتصاديًا أثرى أوروبا بطريقة لم يسبق لها مثيلًا، فتخيل لو لديك أرض لا نهاية لها، ولديك يد عاملة لا نهاية لها، ما هي الثروة التي يمكنك حينها أن تصنعها؟ أدى تكدس الثروات القادمة من المستعمرات إلى نشوء رؤوس أموال أوروبية لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري وقد سمح تكدس رأس المال إلى تحفيز البحث والاختراع فتولدت بذلك الثورة الصناعية، وليس من المصادفة أن تكون بريطانيا وهي الإمبراطورية التي لم تغب عنها عين الشمس حينها هي مركز العبودية الأول في العالم، وفي نفس الوقت مهد الثورة الصناعية.

خلقت الثورة الصناعية نموذجًا اقتصاديًا جديدًا اسمه “الرأسمالية” وهو نموذج قائم على الإنتاج والابتكار ومنافسة السوق الحر الذي يحول كل شيء إلى سلعة يمكن المتاجرة بها. وفقًا لآدم سميث (الأب الروحي للرأسمالية). الرأسمالية لا يمكن أن تعمل بطريقة صحيحة إلى إذا تُركَ السوق ليقوم بعمله دون أي تدخل من قبل أي جهة حكومية كانت أو غير حكومية، ووَفقًا للنظرية الرأسمالية نفسها، يجب التعامل مع كل المدخلات والمخرجات في السوق على أنها سلع يحدد سعرها السوق بناءً على مبدأ العرض والطلب بما في ذلك اليد العاملة، فهي الأخرى يجب أن تكون محكومة بالقوى الخفية للسوق، وإذا اختلت هذه المعادلة لأي سبب كان فإنَّ النِّظام الاقتصادي كله سينهار. فمثلًا لو كان هناك طلب مرتفع على سلعة ما فتلك السلعة ستقوم بتحديد سعرها وفقًا لذلك الطلب والكمية المعروضة منها، فلو ارتفع الطلب وقلت الكمية؛ ارتفع السعر, فحفزت التاجر أو تجارًا آخرين أن يصنعوا مثلها فزاد المعروض من تلك السلعة مقارنة بالطلب عليها، فنقص سعرها حتى وصلت للحالة المكافئة التي يكون فيها العرض مساوي للطلب ويكون سعر السلعة هناك هو السعر المكافئ وسعرها المستحق. أما إذا تدخلت الحكومة لتحديد سعر تلك السلعة فإنها تخل بمعادلة السعر تلك مما يتسبب إما بنفاذ الكميات نتيجة لانخفاض سعر السلعة مقارنة بالطلب وتثبيط التجار عن إنتاجها، أو إلى انخفاض الطلب في حالة تم تحديد سعر السلعة بسعر مرتفع. ولهذا لا يجب على الحكومة أو أي أحدٍ كان أن يتدخل بسعر السلعة. اليد العاملة وفقًا للنظرية الرأسمالية ليست استثناءً عن تلك الحالة، فمن أجل أن يعمل السوق بشكل جيد يجب أن تترك سعر اليد العاملة للسوق ليحدده. وهنا تأت مسألة العبودية.

العبودية عبارة عن يد عاملة مجانية، واليد العاملة المجانية تخل بمبادئ السوق الحرة، فهي توفر انتاجًا لا محدودًا في البضائع سيتسبب في نهاية المطاف في فقد السوق لتوازنه وانكماشه بعد أن تصبح أسعار تلك المنتجات رخيصة جدًا نتيجة لرخص انتاجها. من ناحية أخرى، لم تصبح العبودية عديمة النفع فحسب، بل أصبحت تشكل مشكلة من ناحية أخرى. ففي النظام الرأسمالي يجب أن يكون هناك بائع ومشتري، أما وإن هناك يد عاملة مجانية فسيرتفع الإنتاج بشكل كبير بالمقابل سينخفض الشراء؛ لأنَّ اليد العاملة المجانية لا تتلقى المال لقاء أتعابها وبالتالي فإنها لا تشتري أيًا من تلك البضائع، وهكذا فإنه من أجل جعل النموذج الرأسمالي يعمل فأنت تحتاج عمالًا ينتجون، ثم يشترون البضائع. ومن هذا المنطق لا تصبح العبودية عائقًا أمام المنافسة العادلة في السوق الرأسمالي بما توفره من يد عاملة مجانية وحسب، بل تصبح عائقًا أمام عمل النموذج الرأسمالي بشكل صحيح، وهنا يظهر الحافز الاقتصادي لتحرير العبيد ليصبحوا عمالًا منتجين وقابضين وزبائن صارفين ومشترون. وهكذا فإنَّ الحافز المادي الذي أنتجَ العبودية الاستعمارية المتوحشة في المقام الأول هو نفسه الذي دفع باتجاه إلغائها.

وهذا التحليل ليس مجرد تخرص وقراءة في كوب القهوة، فالأحداث التاريخية وتراتبيتها وتفاصيلها تشهد بذلك. فبريطانيا على سبيل المثال قرَّرت إنهاء العبودية في كل مستعمراتها  في العام 1833 وذلك بعد سبعين سنة تمامًا من بداية الثورة الصناعية عام 1760 وهي الفترة الكافية التي أخذها الاقتصاد البريطاني ليتحول من النموذج الاقتصادي القديم إلى الرأسمالية الصناعية.(5)  هذا وقد كانت بريطانيا فقدت سيطرتها على أهم مناطق انتاج المحاصيل الزراعية بما فيها من أكبر تجمع للعبيد في العالم مستعمرتها بأمريكا الشمالية لصالح الاستقلاليين في أمريكا عام 1783. وقد سعت بريطانيا لإنهاء العبودية في أنحاء العالم لما يسببه ذلك من اختلال في التوازن للنموذج الاقتصادي الصاعد الذي كانت تتبناه فأجبرت من استطاعت من الدول المحيطة بها على إلغاء العبودية أيضًا. أما المثال الواضح  وراء دور صعود الرأسمالية الصناعية في إلغاء العبودية فهو الحرب الأمريكية الأهلية، حيث كانت الولايات الشمالية في أمريكا قد سبقت الولايات الجنوبية في التحول من الزراعة إلى الصناعة ودخول سوق رأس المال، فتبعه ذلك إلغاء للعبودية في أمريكا، الأمر الذي لم يرق الولايات الجنوبية التي كانت ما تزال تعتمد على النموذج الاقتصادي القديم القائم على الزراعة المعتمدة على العبودية، فدخلت البلد في حرب أهلية دامية عام 1861 استطاع فيها الشمال الصناعي في النهاية فرض مصالحه على الجنوب وتمرير قرار إلغاء العبودية. وهكذا تبعت الدول الأوروبية واحدة تلو الأخرى وفق جدول زمني يكاد يكون متوافق تمامًا مع تاريخ تحول الاقتصادات في تلك الدول إلى النموذج الرأسمالي.

وهكذا نستطيع الرؤية بوضوح أنَّ الغرب الذي تمكن من منع العبودية لم يكن مدفوعًا بالقيم الأخلاقية بل كان مدفوعًا بالمنفعة الاقتصادية، وهي ذات المنفعة الاقتصادية التي دفعت الغرب نحو بدء ذلك النوع من الاستعباد الذي لم يشهد له مثيلًا في تاريخ البشرية.

كما إنه من المهم الإشارة إلى أنَّ العبودية في الشرق الأوسط كانت قد وصلت إلى آخر مراحلها وأوشكت على الانتهاء والاضمحلال ولم يشهد الشرق الأوسط ارتفاعًا في معدلات العبودية فقد كانت التشريعات الخاصة بالعبودية تنطلق من منطلقات أخلاقية متعارضة مع الفائدة الاقتصادية فظلت تتراجع باطراد. في الوقت التي شهدت فيها أوروبا ارتفاعًا في العبودية في حقبة الاستعمار، شهد الشرق الأوسط تراجعًا في معدلات العبودية وسبقت دول عربية دول أخرى أوروبية في تحريم ومنع العبودية مثل تونس التي منعت العبودية في العام 1837 وذلك قبل أن يفعل الفرنسيون ذلك بعشر سنين. والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا، ما دام الغرب تخلى عن المرجعيات الأخلاقية الدينية وجعل المصلحة الاقتصادية هي المرجعية في الصواب والخطأ، فما الذي يجعلنا متأكدين من أنَّ الغرب لن يعود لممارسة العبودية أو ما هو أسوء لو عادت المنفعة الاقتصادية في الظهور؟

الهوامش:

1- V. R. (1970). The messenger; the life of Mohammed. Garden City, N. Y., Doubleday & Company, inc.

2- زيجريد هونكه، الله ليس كذلك ، نافذة على الغرب.

3- سورة النور آية 33

4-Immerwahr, J. (1992). Hume’s Revised Racism. Journal of the History of Ideas, 53(3), 481–486. https://doi.org/10.2307/2709889

5- Martin, Phyllis M. Review of Britain, the Slave Trade and Its Abolition, by Roger Anstey, P. E. H. Hair, M. M. Schofield, and Seymour Drescher. ASA Review of Books 5 (1979): 4–6. https://doi.org/10.2307/532374.

ضياء السَّعيدي

باحث في السياسات الدولية جامعة أوتاوا _كندا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى