آثار

ماذا تعرف عن مشروع حضارة اليمن بتقنية الواقع الافتراضي والواقع المعزز؟!

تمهيد:

شابٌ يمني يعيشُ خارج وطنه، قدَّم عملًا فريدًا، آتى أكله بإذنِ ربه، بحرصه، وبجهود المخلصين لأوطانهم وأمتهم. سواء أكانوا في الداخل أو خارجها بأجسادهم، فالأرواح تبقى هناك حيثُ تنتمي لجذرها، ومصدر وجودها. ومهما افترقوا عن أوطانهم بحكمِ الضرورة، إلا إنهم أسهموا بشكلٍ ما، في نهْر حضارتهم المتدفق.. كيلا ينقطع.

من هو عبدالله السباحي واضع هذا المشروع الكبير؟

عبدالله السباحي:

شابٌ يمني يعيش في ماليزيا منذ عام 2015. مصمم جرافيك ومخرج رسوم متحركة حائز على عدة جوائز في مجالات 2D / 3D. يعمل كمصمم مستقل (مدير فني عن بعد)، ومدرب في مجال التصميم والرسوم المتحركة.

قام بإخراج فيلمين رسوم متحركة قصيرين حصلا على العديد من الترشيحات الدولية في المهرجانات السينمائية والتلفزيونية، وجائزتين كأفضل فيلم رسوم متحركة قصير في عام 2020 ، 2021.

درسَ علم النَّفس في جامعةِ صنعاء، وحصل على درجة البكالوريوس، بجانبِ عمله في التصميم الجرافيكي، قادته ظروف الحرب في اليمنِ للسفر إلى ماليزيا. وبجانب عمله كمصمِّم مستقل قرَّر أن يطور نفسه في دراسة “الأنیميشن” الذي كان يستهويه منذ الصِّغر. حصل بعد ذلك على درجة البكالوريوس في “الأنیميشن” بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، بالإضافة لأكثر من دبلوم في التصميم الجرافيكي وتصميم المواقع. وبعد أن أحسَّ بقَدَمٍ راسخة في هذا الحقل، حدَّثَ نفسه: “هل حان الوقت لترجمة الأفكار التي كنتُ أتمنى تحقيقها؟!”.

ثم إنَّ شغفه بمجال التقنية يمتد لِما قبل أكثر من عشر سنين من الآن، فقد قام بتأليف كتاب دليل المستخدم (وهو كتاب لتعليم مهارات استخدام الكمبيوتر ونظام التشغيل ومحرر النصوص واستخدام الانترنت للمبتدئين). وتمَّ تدريس آلاف الموظفين في الوزارات في ذلك الوقت بالدليل الذي قام بإعداده. كان يحتوي على اسطوانة ليزر تفاعلية، قام ببرمجتها بالصوت والصورة. وبمحتوى غني يتجاوز 450 شكل وصورة في الكتاب، كما ذكر ذلك في مقابلةٍ له على قناةِ الجزيرة.

" [السباحي] شخص مجتهد ولديه طموحه الذي أثمرَ في مجاله"

حول المشروع:

مشروع حضارة اليمن بتقنية الواقع الافتراضي والمعزز 

“مشروعٌ فرديٌ لحمايةِ الإرثِ التَّاريخي لليمن، والحفاظ على الشواهد الأثرية والمدن التاريخية، وذلك بتجسيد الآثار والشواهد التاريخية، ورقْمَنة المدن التَّاريخية، والحفاظ على ديمومتها لتوثيق الحضارة اليمنية من محاولات الطَّمس وضياع الآثار، ومنع بيعها في المزادات والمتاحف العالمية.”

ترجع فكرة مشروع حضارة اليمن بتقنية الواقع الافتراضي والمعزز، لمشروع قام بإعداده الأستاذ عبدالله السباحي في عام 2004″ كخريطة رقْمية للمناطق السِّياحية والأثرية في اليمن. وتمَّ تقديمه باسم بوابة اليمن لِمدينة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وعمل نموذجًا مبسطًا وعرضًا بتقنيةِ الفلاش. ولكن لم يكمل طريقه في ذلك الوقت..”.

بعد أن شاهد الأستاذ عبدالله السباحي التدمير والنهب الذي جرى لآثار العراق وسوريا، وما لحقه من تدمير وتضرر كبير في المتاحف اليمنية (متحف تعز، عدن، ذمار). قرَّر في 2018 البدء في الموقع والعمل على إنشائه وبرمجته. ثم في 2019 تم إطلاق الموقع فعليًا عندما رأى ما رآه من نهب وسطو واضح وبيْع في المزادات العالمية. حينها تعزَّز عنده الحس الوطني، وولد لديه هم أخلاقي وتاريخي، ذلك الهم الإيجابي الذي يجعل صاحبه يعمل ساعيًا لتحقيقِ ما أخذه على عاتقه.

يشير الأستاذ عبدالله  أن الموقع متاح للدخول إليه ورؤية بعض القطع الأثرية التي تم نمذجتها. كما يشير إلى أنَّ الموقع لا يزال في بداياته، مما يعني أنَّ التطوير والإبداع سيستمر في قادمِ الأيام. ويعود عدم ظهور المشروع بشكله النهائي لسبب سنذكره في نهايةِ هذه المقالة.

الأسباب الأساسية:

ويمكن القول أن الأسباب الأساسية لبناء هذا المشروع هي:

  • حماية تراث اليمن عبر وضع أرشيف تقني، بشكلٍ حداثي ومتطور، بعد حصر تراثنا الموجود لدينا، وغير الموجود (المنهوب).
  •  هذه الأرشفة المتطورة ستساعد في رفع الوعي لدى الأمة اليمنية، الأمر الذي سيجعلنا نطالب بتراثنا المنهوب في السنين القادمة.

هل للتراث أهمية لكي نحافظ عليه؟!

في حواره مع الأستاذ يونس بن عمارة، تطرق [عبدالله] للحديث عن محاور مهمة حول التراث وأهميته للبشرية، وعند توجيه سؤال له عن أهمية التراث، كان جوابه:

"التراث هو هُوية الإنسان، إذا فقدنا التراث فُقدت هُويتنا"

للتراث أهمية كبيرة لكلِّ الأمم، فإذا ما ذهب هذا التراث- دعك من ذهابه كُلِّيًّا- إذا ذهبَ بعضٌ منه، فإنَّ جزءًا من ذلك التاريخ يذهبُ معه. ولذلك نرى في جميع الدول أو الأمم من يقوم بالاهتمام بالتراث ويسعى بكل الوسائل لإبرازه، بل والتفاخر به، وهناك دول أو أمم تحاول خلق تراث لنفسها بشكلٍ من الأشكال. يقول السباحي:

“التراث له أهمية كبيرة، وإذا ما فقدنا التراث والوطن لم يتبقى لدينا أي شيء نفقده”

السرقات التي تمت بحق تراثنا:

إذا عرفنا أهمية التراث، واهتمام أمم العالم بتراثهم، وغلاء القطع الأثرية وبيعها في المزادات بأسعار باهظة الثمن. إذا عرفنا كل ذلك، فلا شك حينها أن يتم نهب آثارنا وآثار الأمم الأخرى، في استغلال واضح لحالة الحروب والأزمات الداخلية، وكانت اليمن من تلك الدول المنهوبة وفُقِدت آلاف القطع الأثرية ضحية الحرب والنَّهب.

قال عبدالله: “حدثت سرقات لتراث اليمن وأخذ منه وعُرض بشكلٍ علني. وهناك دول تستفيد من وجود الحروب لكي تطمس تراث الدول المنكوبة وتنسب تراثها إليها، لأنهم يعلمون أنَّ الدول بدون حضارة مصيرها أن تتلاشى”.

ثم أشارٍ لشيء مهم، لم يكن ليخطر ببالي: “وهذه الدول تقوم بأخذ تلك الآثار، وتدفنها في بلدانهم، وبعد ذلك يستأجرون علماء، ويخبرون العالم أنَّ هذه الآثار موجودة لديهم منذ آلاف السِّنين.” فتصوَّر!

كيف بدأ العمل؟

بدأ بتصميم وبرمجة الموقع ابتداء، كما ذكرنا سابقًا، ثم قام بتصميم النماذج ثلاثية الأبعاد (يشمل ذلك القطع المسروقة من حضارة اليمن).

حدثنا عبد الله (في لقائه) عن الأجهزة التي تقوم بمسح القطع الأثرية بخاصية الثري دي (3D)، وقيمتها تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار.  وعن إدخالها بهيئة ثلاثية الأبعاد. هذه الأجهزة تسهل كثيرًا من أرشفة الآثار، ووجب على المؤسسات والهيئات المختصة بالآثار اقتنائها، وبدء العمل في أرشفة الحضارة.

الصعوبات أثناء إجراء المسح:

عن أي صعوبات سنتحدث هنا؟ لا يمكن لمشروع الوقوف على قدميْه بشكلٍ تام إلا بعد صعوبات وجهود وشغف، وغيرها من المحفزات، والأمور التي يؤمن بها الإنسان، والتي تجعله (يعني الإنسان) يستمر في طريقه، محققًا نجاحات فريدة، وإسهامات في دنياه، تكون أثرًا له بعد رحيله، ينفع الله بها كثيرًا من خلقه. أليست الصعوبات علامة النمو كما يقول مالك بن نبي؟

وعندما يكون الإنسان اليمني (وربما العربي أيضًا) أصل الحديث، فإن الصعوبات أو التحديات لا يمكن حصرها، تأتي بألوان متنوعة وأشكال عديدة، وقليلون هم الذين يبزغون للسطح بإنجازات لها نفعها، “ولكل مجتهد نصيب” كما يقال في أعتقِ الأمثال السَّارية بين النَّاس.

يقول عبدالله حول مسح الآثار الموجودة بالمزادات العالمية، تلك التي لم يستطع الوصول إليها: “القطع التي يتم بيعها بالمزادات، لا يمكن الوصول إليها، لذلك قمتُ بتصميمها بمحاكاةِ التَّصميم، حسب الوصف الموجود للقطعة من قياسات توضيحية، وعملها بشكل ثلاثي الأبعاد، بحيث يكون لدينا نسخة من الأصل الموجود، في المزادات التي تبيع الآثار”. وهذا من ضمن الأسباب التي ذكرناها في (الأسباب الأساسية)، فوجود النسخة في المشروع يقول للعالم أن هذه القطع الأثرية لنا، وستدور الدنيا دورتها، وسيعود ما سُلب منا في يوم من الأيام إن شاء الله تعالى.

عدم ظهور المشروع بشكله النهائي:

وذلك لكون المشروع (بكامله) قائمٌ بجهدٍ ذاتي، فقد أخذ منه [عبدالله] وقت وجهد كبيريْن. وفوق ذلك، لم يتوفر أي دعم مالي من أي جهة. وفي مقابلة له على “قناة الحرة” عند سؤال مقدم البرنامج عن سبب عدم طلبه شيء من الدولة؟ رد قائلًا: “الدولة لها اهتمامات إنسانية أولى، والإنسان في البدء. الإنسان اليمني الذي يعاني من تراكمات الحرب، والتي زادت من الفقر والمرض والحاجة”.

الغريب في الأمر بأن القناة حذفت اللقاء في قناتها على اليوتيوب في نفس اليوم، ولحسنِ الحظ [كما أخبرنا] قام الأستاذ عبدالله قبل ذلك بتنزيلها ونشرها على قناته، وعلى حسابات مواقع التواصل.

مهما يكن من أمر، فقد وجد مئات الأشخاص الذين شجعوه ورحبوا بالفكرة وتحمسوا بالمساهمة والعمل كلٌّ حسب مجاله. وفي مقابل ذلك وصلته تهديدات ( عبر الاتصال بهاتفه، بتهديد صريح بأن يتوقف عن السيْر في المشروع)، لأنه أبان عن وضع حسابات مواقع التواصل، والمواقع الدولية التي تقوم ببيع القطع الأثرية اليمنية والمتاجرة بها. وقد قام بذلك.  إذ استمر الأستاذ عبدالله بالسير فيما يؤمن به، متجاهلًا كل ما أتاه من تهديدات، محققًا هدفه دونما كلل أو خوف.

هنالك من يستفيد، وهنالك مافيا الآثار (في الداخل والخارج) من تجار الحروب، ومن مصلحتهم بأن يظل الوضع مهمشًا.

تكريم لمن يبادر :

أطلق (الأستاذ عبدالله السباحي) مبادرة لاسترداد القطع الأثرية، لجميع الأشخاص الذين سيقومون بإعادة أي قطعة أثرية للمتاحف في اليمن: سيتم تكريمهم بشهادة من موقع حضارة اليمن، وشكرهم على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ووضع أسمائهم بشكل دائم في صفحة شرفية داخل الموقع لمساهمتهم في حماية الإرث التاريخي للأجيال وللحضارة اليمنية. وأيضًا سيتم وضع أسمائهم في كتاب سنوي سيطلق بتقنية الواقع المعزز، والذي سيصدر بشكل رقمي ومطبوع.

تجاهلٌ صريح:

المؤسف – بحق –  بأنَّ الإعلام اليمني (متمثلًا بالصَّحافة والتلفزيون وحتى الشخصيات اليمنية التي لها شريحة كبيرة من المتابعين) لم يقم بتسليط الضوء على هذا المشروع الكبير للحفاظ على الحضارة اليمنية، وهذا التجاهل والتهميش المتعمد من المؤسسات الحكومية والجهات الخاصة، يعد بحد ذاته جُرْم في حق كل يمني مبدع محب لوطنه.

الهوامش:

– الموقع الشخصي للاستاذ عبدالله السباحي: asabahi.com

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى