أشتات

ما علاقة الطائفية بالقيم والسِّياسة والدين؟!

سلسلة: التعصب الطائفي ... مقاربة في التشخيص والعلاج (3-5)

الطائفية والدين:

في البدء ينبغي التفريق بين أمرين: الأول: التفريق بين الفكر الديني والفكر الطائفي، فالفكر الديني هو النازل من السماء بالكتب السماوية، التي أرسل الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ رسله إلى خلقه بها، وتقوم جميعها على التوحيد كالإسلام والمسيحية واليهودية، على ما شاب الأخيرتين من انحراف. بينما الفكر الطائفي هو تفريع أو انشقاق عن فكر ديني، يتفق في الأصول مع الدين المنشق عنه، ويختلف تارة في بعض الفروع عن الطوائف المتبنية للدين ذاته، وتارة أخرى يختلف معها في إدارة شؤون الطائفة أو ممارساتها التعبدية. والأمر الثاني: التفريق بين الفكر الطائفي وممارسة الطائفية. إذ يعتبر الأول حقا إنسانيا كفلته جميع الديانات والمواثيق الدولية والحقوقية. بينما الثاني، في معناه السياسي والإداري السلبيين، ترفضه جميع الكتب السماوية والاتفاقات الدولية، وجميع أسس وبنود حقوق الإنسان. فالأول يتماشى مع الطبيعة البشرية من حيث حرية الاعتقاد والتفكير والاختيار، بينما الثاني يصطدم بحقوق الآخرين الفكرية والسياسية والاجتماعية (1).

والطائفية ليست الدين، وإن هي من الدين، أو هي تبرر نفسها به، فالدين أرحب في المبادئ والقيم، وأشد تسامحا من الطائفية. والخلط بينهما جار على أوسع النطاقات لدى من يتناولون الظاهرة بالدرس، على مثال ما هو جار ـ وراسخ في الوعي ـ عند الطائفيين أو المدافعين عن شرعية الطائفية: كبنى ذهنية عقدية، واجتماعية، وسياسية، وهؤلاء كثر في العالم، وفي بلادنا العربية على نحو خاص! وطبيعة الطائفية أنها تطل برأسها كلما تحول الدين من رسالة ربانية سامية إلى مؤسسة اجتماعية اقتصادية سياسية، وغالبا ما يتذرع بها البعض عندما يريد تحقيق أغراضه أو الحصول على مكاسب لا يتمكن من إحرازها بالطرق العادية، أو عندما يريد التغطية على ممارساته الفاسدة وحماية موقعه السياسي (2).

ومعضلة استعمال فكرة الله أو اسم الله كذريعة لا تتفوق على معضلة أخرى من المعضلات الشائعة، وهي استعمال فكرة الله أو اسمه كسبب استفزازي. هناك متعبدون كثيرون يمارسون الاستفزاز انطلاقا من عاداتهم الدينية. إنهم يستغلون لأبعد حد تقاليد وأعراف مذهبهم كي يضايقوا بها الطرف الآخر غير الخاضع لهذه الأعراف. وقد يصل الاستفزاز أحيانا كثيرة لدرجة التحرش، ويصبح وقوع الشر واردا في كل لحظة (3). فالطائفة أصبحت في حالات معينة أكثر تأثيرًا في الحياة الاجتماعية من الدين نفسه.

والتدين المغلوط من أسباب رواج التعصب الطائفي، ذلك التدين الذي يحول قيمة الحب الجميلة إلى كراهية في النظر إلى الآخر وفي سلوكه معه. ذلك التدين الذي يبدل مبدأ الرحمة إلى اصطفاف للتشدد والعنف، فباسم الدين ـ أي دين ـ وباسم الله، عند كل ديانة، ومذهب، يصبح التدين أداة لقمع المخالف، وآلية لتهميش المنافس، ووسيلة لاستبعاد الهويات المغايرة، حصل ذلك بين أبناء المذاهب في المسيحية، وواقع أيضا بين المذاهب الإسلامية … والإشكال ليس في الأديان والمذاهب، إنما هو في انحراف تدين المتدينين عن جادة التدين الحقيقي الذي يفيض بالحب والرحمة.

ولا يهم هنا إذا كانت هذه الطائفية تعني تعصبًا لجماعة تابعة لمذهب أو دين، أي إن كانت طائفيّة مذهبية أو طائفيّة دينية. فهي في الحالتين انتماء عصبوي إلى جماعة تجمعها رابطة العقيدة (وليس بالضرورة الإيمان بهذه العقيدة وممارستها). ففي الطائفية عمومًا يتغلب التعصب للجماعة على التعصب للدين، وفي المذهبية والتدين يغلب التعصب للمذهب أو للدين على التعصب للجماعة، ولكن غالبًا ما يتقاطع التعصبان (4).   يقول الدكتور علي الوردي: “ضعفت نزعة التدين في أهل العراق وبقيت الطائفية: حيث صاروا لا دينيين وطائفيين في آن واحد. وهذا موضع العجبّ”(5).

الطائفية والسياسة:

الأنظمة الموصوفة بالطائفية لها أمراضها، كما أن الأنظمة المحض تنافسية لها أيضا أمراضها! كل نظام من دون استثناء يحتوي على بذور فساده إذا افتقر إلى آليات مستدامة لتأمين ضوابطه. وقد ساهم القمع والكبت والتهميش والأزمات في تحويل الجماعات الطائفية إلى مؤسسات ذات تطلعات سياسية. وكذلك ترسخت المؤسسة الطائفية، وأصبحت الطائفة نفسها تشكيلا سياسيا يطبق على أنفاس المجتمع، حيث لا تستطيع أن تكون موجودا من الناحية السياسية أو القانونية إلا من خلال الطائفة (6). واصطبغ هذا الصراع بصبغة طائفية لكون الطائفية اليوم نسقا ثقافيا يتحكم في تصورات الأفراد وسلوكياتهم وسبل التواصل فيما بينهم.

والمتابع لمسيرة الأحزاب والتنظيمات في العالمين العربي والإسلامي، خلال العقود الخمسة الأخيرة، بتوجهاتها المختلفة، اليسارية والقومية والإسلامية، يندهش لكثرة التوالد الانشطاري فيها. هذه الحالة شبيهة بكثرة الإنجاب في البلدان العربية والإسلامية، وكأن رغبة التوالد ورغبة الانشطار تتماشيان مع المزاج العام لشخصية أبناء هذه المجتمعات. يقول المفكر الإنجليزي (جون لوك) قبل أكثر من 300 سنة، عندما هاله الشقاق الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، والذي استمر عقودا طويلة: ” إن الصراع بين الطوائف المسيحية ينم عن صراع البشر على السلطة، واحتكار المرجعية، أكثر مما يعبر عن كنيسة السيد المسيح”(7). ولذا مهما قدم المنتصر ـ تكتيكيا ـ من مساع ومبادرات للتصالح مع الآخرين من الطوائف الأخرى، سوف يقرأها الآخرون على قاعدة الشك لا الثقة، لأن أرضية التظالم تبقى مستبطنة بين الطوائف، لا تنمحي بسهولة. والخوف يُحيي النزعات القبلية والمناطقية والطائفية، والأمن والعدل يلغيها.

وعندما تتعامل الدولة مع مخالفيها بمنطق مذهبي طائفي وتُغذي النعرات الطائفية بين “أبنائها”، إن كانت تحسبهم كذلك، فقد فقدت سبب وجودها الجامع – في الأصل – الناظم لمكونات المجتمع تحت مظلة “الوطن”، وبالتالي فقدت هيبتها وأهليتها للقيادة، وهي بهذه العقلية بالطبع لن تتنحى من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى آليات ورافعات ومطهِّرات ومعقِّمات… وهذا بالضبط ما تفعله الثورات اليوم في بلادنا، ولبلوغ هذا الهدف يبذل أبناؤها أغلى وأعز ما يملكون.

ونحن نرى أن لا حل غير المواطنة المتساوية ضمن الجماعة الوطنية الواحدة، بعيدا عن مواريث الفقه الطائفي القديم والحديث، وعن نوازع العزلة الطائفية الجديدة. فلا بديل عن المواطنة المتساوية التي لا مِنَّة فيها من حاكم على محكوم، أو من أغلبية على أقلية. لكن إنصاف الأقليات غير المسلمة في الدول العربية والإسلامية غير متاح دون إنصاف الأكثريات المسلمة. ومن إنصاف الأكثريات احترامُ خيارها في صياغة بناء دستوري وسياسي منسجم مع منظورها الأخلاقي والتشريعي. فأكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الأقليات غير المسلمة في العالم العربي والإسلامي هو اعتبار كل قوة سياسية إسلامية عدواًّ، واعتبار كل أسلمة للفضاء العام اضطهاداً. (8). ولذا عندما يصاغ دستور أي بلد لا بد أن يصاغ بعينين، واحدة على الحاضر الواقعي المؤثر وتستبطن المستقبل المنظور، وواحدة على المستقبل البعيد غير المنظور وتستبطن الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حينها يمكن أن تتقي المجتمعات صراعات دموية قريبة ونزاعات مستقبلية قاصمة. حيث أن من تعريفات الحرب الأهلية والفتن الطائفية أنها: “عملية تلتهم فيها مجموعة من الأفكار المتطرفة غير الخاضعة للتفكير ولا للنقد رصيد التعايش بين أناس تعايشوا معا لقرون عديدة، ويفقد معها الإنسان زمام ذاته”(9).

والمتأمل في حال الدول العربية يجد عجبا، فلا هي إسلامية ولا هي علمانية ولا هي ديمقراطية، وأغلبها لا يستحق وصف الدولة أصلا، إنما هي عصابات طائفية أو عائلية أو عسكرية اتخذت هيكل الدولة لتحقق أكفأ نهب منظم وأشد سيطرة محكمة. ومع ذلك تجد العلماني والديمقراطي مشغولا بنقد الإسلام وحكمه، ومعهم الإسلامي المنهزم نفسيا. و”عندما يصبح الوطن هو القاسم المشترك الأعظم لجميع المواطنين، فهذا يعني بالضرورة خفوت صوت الانتماءات الصغيرة، والتلوينات العرقية والطائفية والطبقية”. (10).

و”دولة الإنسان”، كما ينادي بها بعض المفكرين، وخاصة في البلدان التي تشكو من تمزق طائفي، هي جملة تتكون من مفردتين، وتمثلان أكبر قيمة سامية لتراكم التجارب البشرية عبر التاريخ، وتواصلها من خلال دمجهما، فمفردة “الدولة” تختصر تجارب الأمم والحضارات في مسألة تنظيم شؤون حياة الإنسان، ومفردة “الإنسان” تلخص كل ما تستهدفه الرسالات السماوية والأرضية. فالأولى (الدولة) هي أداة لخدمة الثانية (الإنسان)، ولكن الثانية هي التي تدير وتطور الأولى، فلا صعود للأولى دون الثانية، ولا نجاح للثانية دون صحة الأولى. (11).

الطائفية والقيم:

التحيز في حقيقة الأمر ميل وبتدقيق المعنى هوى متبع، والهوى سقوط، والسقوط تحيز، ومنه ما يتعلق بالأمر المعنوي ومنه ما يتعلق بالمادي، والتاء في تحيز، للطلب وكأنه طلب للميل، وهو يتعلق بالعوالم الأربعة جميعا (عالم الأفكار والأشياء والأشخاص والأحداث)، كما يتعلق بكل عناصر السلوك (الاتجاه والرأي والحكم والموقف والسلوك الفعلي). (12). إن كلمة التحيز تكون أثيرة ومقبولة عندما تعبر عن موقف واضح يناصر الحق ولا يجافي الحقيقة، ولكنها تكون كلمة منفرة ومرفوضة عندما تعني في الأذهان تعصبا أعمى لنزاعات ذاتية أو ابتعادا مقصودا عن جانب الحق والموضوعية.

ومن المفارقات العجيبة أن يصبح الانتصار للطائفة من القيم التي يتم الترويج لها لتكون قاعدة في التعامل بين أبناء المجتمع الواحد المتعدد الطوائف! وكلما ازداد التصاق الوحشية بظل البطولة، أو بظل الانتصار للطائفة والعرق واللون، أو بظل الدين أو بظل المصالح الاقتصادية المتضاربة، أصبحت الروحانية مجرد قناع لسفالة الإنسان في دنياه، فوحده الإنسان فقط هو الذي بوحشيته يهدد سلامة المبادئ والقوانين الطبيعية الضرورية لوجود الكائنات الحية جميعها وعلى رأسها هو بالذات. وخصوصا عندما يتذرع بالدين، أو القومية، أو اللسان… إلخ. (13). ولنتأمل شهادة الدكتور برهان غليون في هذا السياق، والتي يقول فيها: “إن بين الرافعين لشعارات القومية والوحدوية، عتاة الانفصالية والقُطرية، وبين المتحدثين بالعلمانية حماة العشائرية والطائفية! فالانفصال بين القول والعمل، بين المعتقد والسلوك، بات اليوم ظاهرة عامة كبيرة، بل طامة كبرى”! (14).

دوائر الانتماء:

الإنسان وجود وهوية، الوجود نتاج الخلق الرباني، والهوية نتاج الانتماء إلى الاجتماعي والثقافي والسياسي في مكان وزمان ما، إذ يولد الإنسان في اجتماع ثقافي وسياسي معين، فيجد نفسه في وسط دوائر انتماء متعددة. ثمة دائرة العائلة، ودائرة العشيرة والقبيلة، ودائرة المنطقة أو الإقليم، ودائرة البلد أو الوطن أو الدولة. و”كلمة هوية هي كلمة مضللة، فهي توحي في بادئ الأمر بحق مشروع ثم تصبح أداة قتال، وهذا الانزلاق من دلالة إلى أخرى يبدو خفيا وطبيعيا، ونحن ننخدع به أحيانا، فنشجب ظلما يمارس، وندافع عن حقوق شعب يعاني، ولا نلبث أن نجد أنفسنا متواطئين مع مجزرة ترتكب”. (15).

وينجح المتطرفون ـ في كل دائرة ـ عادة وبسهولة عجيبة في جمع المؤيدين والمريدين بسبب الشعارات المرفوعة من قبل المتطرفين، وبسبب قابيلة المجتمعات الشرقية للتعصب الجماعي القادم من الموروث التاريخي العصبوي للقبيلة، وبسبب المفهوم المغلوط للإيمان بهوية واحدة تتنافر مع الهويات الأخرى، مع استصحاب جميع النزاعات والظلامات التي تعرضت لها كل هوية. والانتماء الذي يتعرض للتجريح ويشعر أهله بمظلوميتهم أمام الهويات الأخرى، ويرددون صورا لمعاناتهم واضطهادهم، تحولهم هذه الحالة إلى توثيق تمسكهم بهويتهم وتماسكهم تجاه الهويات الأخرى، بل تساهم في رسم تراتبية تلك الهويات وانتمائهم لها. لذلك “غالبا ما ينزع المرء إلى التماهي مع أكثر انتماءاته تعرضا للتجريح” (16).  وقضية التوازن بين الحاجة للانتماء والحاجة للانفتاح: انتماء هادم للعقد تجاه ثقافات الهويات الأخرى، وانفتاح بناء لا يخجل من هويته الخاصة، بل هو انفتاح يخدمها ويقويها. هو توازن بين المحافظة على وجود وبقاء الذات ووجود وبقاء الآخر.

وعندما تتزاحم الولاءات يحتاج الإنسان إلى مرشد حكيم يساعده على ترتيب أولويات تلك الدوائر حتى يتسنى له التعامل والتفاعل السلس معها جميعا دون الشعور المعقد بالتضارب بينها أو التضاد. مع قناعتنا بأن التزاحم حالة مصطنعة أكثر من كونها حقيقية. (17).

الاجماع الثقافي والسياسي:

لا يمكن إقامة إجماع ثقافي بين الناس، فتنوع المجتمعات سنة كونية لا يمكن تبديلها، وتعدد المشارب الفكرية نتاج طبيعي لتراكم تاريخ التجربة البشرية عبر العصور، ناهيك عن الاتساع كما وكيفا، لأنماط الحياة الثقافية والفكرية بين أبناء المجتمع الواحد في القطر الواحد. بل ما عاد حلم الإجماع الثقافي يراود أهل الثقافة أنفسهم لقيام (المدينة الفاضلة). فمن الصعب الوصول إلى إجماع ثقافي على أرض تحتضن فسيفساء اجتماعية مكونة من مذاهب دينية متعددة أو مدارس أيديولوجية مختلفة، لذلك ينبغي السعي للوصول إلى بديل أو بدائل عن فكرة توحيد الشعب أو المجتمعات تحت سقف أيديولوجي واحد، بحيث يؤمن جلهم بمفرداته ويعتقدون بتوجيهاته. والاجماع السياسي الواقعي، المبني على المصالح المشتركة قابل للوجود والديمومة، بينما الاجماع الثقافي المبني على الوهم قابل للتمزق عند أضيق المنعطفات وأصغرها، ولكن الاجماع السياسي لديه المرونة على تجاوز المنعطفات الكبيرة والخطيرة. (18). والفرد قد يتماهى ظاهريا مع من يفرض عليه وصاية ثقافية، ولكن لا يعني ذلك قبوله بها أو حدوث تغيير في اعتقاده وقناعاته.

يقول برهان غليون: “إن المواطنة والشعور بالانتماء لأمة من الأمم يرتبطان بعنصرين: عنصر الاجماع الثقافي، أي الانتماء لعقيدة واحدة مماثلة، وعنصر المشاركة السياسية، أي المساهمة في تكون السلطة. والاجماع الثقافي لا يعني الوحدة، ولكن الاعتراف بقيم مشتركة، كما أن الاشتراك لا يعني النفوذ إلى السلطة، ولكن يعني حق التمثيل فيها”. (19).

وفي ظل التشاحن الطائفي يكون عند كل طائفة صغيرة أم كبيرة رأي ورؤية في نفسها وعن غيرها من الطوائف، مما يجعل انعدام الأرضية المشتركة لإيجاد إجماع ثقافي هو الصفة الغالبة. فالطائفة الأكبر تميل إلى الاعتقاد أن تصفية التمايزات الثقافية هي شرط الوصول إلى إجماع يخلق الوحدة والانصهار، وتكمن وراء ذلك فكرة أن فقدان الإجماع السياسي مصدره غياب الاجماع الفكري أو الديني، بينما العكس هو الصحيح. أما الطوائف الصغرى فتميل أيضا، من نفس المنطلق إلى تضخيم مشكلة التمايز الثقافي وتأكيدها لتحويلها إلى مشكلة هوية. (20).

مسارات الطائفية:

اتخذ مفهوم الطائفية مسارات مختلفة، منها ما هو نتاج السياسة واجتهاد الساسة، ومنها ما هو نتاج التراكم التاريخي للعلاقات المتوترة بين الطوائف، ومنها ما هو نتاج الثقافة السلبية المغلوطة لمعنى الطائفة والطائفية، ومنها ما هو نتاج الخلط المغلوط لمفهوم الطائفة والطائفية بين ما يفهمه ويعتقده الغربيون ونتاج تجربتهم، وما يعتقده ويفهمه العرب ونتاج تجربتهم، ومنها محاولة الهروب إلى الأمام على المشاكل الطائفية، ومنها مساعي تحميل الطائفية جميع تبعات التخلف والجهل والهزائم.

يقول سليم الحص مبينا الأثر السلبي لمسار الطائفية في لبنان كحكم ونظام مع فقدان الإجماع السياسي حتى على مستوى التوظيف: “لو كنتَ أعظم الضباط شأنا فلن تكون قائدا للجيش، ولو كنت أطول القضاة باعا فلن تكون رئيسا للتمييز أو رئيسا لمجلس شورى الدولة، ولو كنت أغزر الاقتصاديين أو الماليين علما ومعرفة أو أوسعهم خبرة فلن تكون حاكما لمصرف لبنان المركزي، ولو كنت أقدر الناس وأدهاهم فلن تكون مديرا عاما للأمن العام. أجل لن تكون أيا من هؤلاء إذا لم تكن من ذوي الانتماء الطائفي الذي يؤهلك لهذه المناصب”. (21).

والأمم تميل أيام قوتها إلى الثقة بالنفس، والفضول العلمي، وحب الاستكشاف، والتعطش للمعرفة، بينما تميل في لحظات ضعفها إلى ضعف الثقة بالنفس والتعصب الديني، ورفض التنوع والتعدد الفكري والعرقي والثقافي. (22). وتتمثل جذور الفتنة وبعض العوامل المساعدة عليها في الآتي (23):

ارتباط المجتمعات سلبيا بالموروثات التاريخية، مما يجعلها حبيسة التاريخ ومرتهنة له. بل تحتكم إلى وقائع حدثت منذ عشرات القرون في خلافاتها الاجتماعية والسياسية القائمة. والأدهى من ذلك هو التناصر لتلك الوقائع، وكأن النصر الكلامي فيها سيغير من حال الأمة اليوم، أو يغير ثوابت التاريخ كما يعتقد بها كل فريق.

غياب ثقافة التعددية الفكرية وثقافة التوافق السياسية، وبالتالي غياب القبول بالتعددية الاجتماعية والثقافية في المجتمعات عامة.

وجود أمراض ذاتية ونفسية وأخلاقية ناتجة عن طبيعة وبيئة المنظومة الاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمعات، تجعل الارتهان لها حالة سارية عند المتعاطين في القضايا المرتبطة بالطائفية، كالحقد والكراهية والحسد… والعصبية، بحيث يتناصر أهل كل طائفة ضد الطوائف الأخرى، وتحركهم تفاصيل صغيرة جدا.

وجود مصالح ضيقة، أو أجندات سياسية ضيقة، عند بعض الأشخاص أو بعض الجماعات المعنية بالطوائف أو المهيمنة عليها، فتعمل لأجلها دون النظر إلى الأخطار المترتبة عليها.

بروز الأصوات المطالبة بالهويات الخاصة العرقية والدينية والمذهبية التي تكاثرت وتزامنت مع سقوط أيديولوجيات عالمية كانت سائدة ومهيمنة كالشيوعية.

غياب العدالة في توزيع موارد الدولة، أي عدم توازن الدولة في توزيع الموارد بين مناطقها وطوائفها ومحافظاتها.

التعصب داء الطائفية الأكبر:

طبيعة التعصب:

توصل جون لوك إلى تقرير بدهية غابت عن بال المتعصبين في كل عصر، وهي: ” أن النار والسيف ليستا أداتين لإقناع البشر بأنهم على خطأ”. (24). والتعصب ليس فقط أمرا لا أخلاقيا، ولكنه قد يكون مميتا. ومجرد التعصب يفقد الإنسان الصواب المطلوب. كما يعتبر التعصب وليد إحساس بالكبرياء الفكري والاقتناع الزائف، بعدم الحاجة إلى ثقافة الآخرين وعلومهم ونمط عيشهم. ومن المعلوم في التاريخ الثقافي أن التعصب يؤدي إلى الفقر الفكري والجدب الروحي، بينما يثمر الانفتاح والتسامح ثراء فكريا وروحيا.

والتماهي مع المبدأ سيف ذو حدين: فهو قد يكون إخلاصا ووفاء، أو تضحية وفداء، ولكنه قد يفضي بالمرء إلى التعصب الذميم وإلى الانغلاق على الذات. وقد يؤول إلى نفي الآخر واستبعاده، ومن ثم إلى ممارسة الإرهاب عليه. وأن من دخل الدين (أي دين) إما أن يتمسك به تعصبا، شأنه شأن أي صاحب دين لا يدفعه إلى التمسك به إلا العصبية والألفة، ولو كان معتنقا غيره لفعل ما فعل، وإما أن يتمسك به عن علم ودراية، لأنه فكَّر في اختياراته وعرف عن عالمه وما فيه، فاطمأنت نفسه لصدق دينه وعظمة رسالته فهو لا يعادله بشيء أبدأ(25).

ولا يدرك المتعصب أنه متعصب، لا يدرك أبدا إلا إذا جاءته رحمة الله فخلع منظاره الملون عن عينيه، فتعدد الآراء في الشيء الواحد هو في الحقيقة اختلاف في ألوان المناظير، لا في الشيء ذاته، ولا في العيون التي تستطيع أن ترى الشيء على حقيقته لو أمكن لها أن تراه مباشرة وبغير منظار(26). والتعصب يكون على حساب مقدرات الأمة وثروتها البشرية والطبيعية، وهو ما أكده الشيخ محمد الغزالي حين قال: “إنني استيقنت من أن التعصب الشديد لمسألة ثانوية يتم على حساب الدماء والأموال والأعراض وكرامة الأمة وحياتها”(27).

ولعل نزعة التطرف النابعة من نزعة الشر في النفس البشرية تدفع نحو العصبية القبلية والطائفية والقومية. بينما على العكس من ذلك فإن نزعة الإنسانية النابعة من نزعة الخير في النفس البشرية تدفع نحو رقي المجتمعات، وتقبل بعضها، من خلال بناء المجتمع المدني والدولة المدنية القائمة على العدل الاجتماعي، والمساواة بين المواطنين في كل مناحي الحياة السياسية. والإنسان بطبيعته متحيز ومتعصب لقناعاته، وليس هناك من هو حيادي ومنصف، إلا في النادر، وقليل ما هم، وهو ما أكد عليه الدكتور علي الوردي بناء على أبحاث علمية تشير إلى أن التعصب صفة أصيلة في العقل البشري وأن الحياد أمر طارئ(28). ومثال ذلك أن الإنسان عندما يكتسب معلومة جديدة تخالف معلومة راسخة لديه، فإنه لا يسعى لتقبلها، وإنما إلى رفضها مهما كانت تحمل من المصداقية.

يقول الصادق النيهوم فيما نقله عنه ياسر حارب: ” التعصب ظاهرة من ظواهر الثقافة المتخلفة، إنه نوع من الصراع الفكري الذي تعيشه تلك الثقافة وتعتمد عليه للدفاع عن نفسها ضد أي تيار من الخارج. فالعقل غير المثقف لا يحتمل النقاش، لأنه عاجز عن أن يثق في إمكانياته المحدودة، والحل المتوقع أن يغمض عينيه ويصدمك بعظام جبهته مثل كبش مدرب على النطاح (29).

ومن سلبيات التعصب أنك مهما حاولت أن تكون عادلًا وترضى عرقًا ما أو طائفة ما بمناصب وأموال، فإنه سيتهمك بأنك لست بعادل مهما فعلت، وهذا وضع تواجهه حكومات وقوى مخلصة، فالتعصب الطائفي والعرقي يريد أكثر من حقه، في حين أن القلوب المؤمنة تعطي أكثر مما تأخذ، ولا يحركها الطمع في المناصب والأموال! وهذا ما يجعل التعصب يمثل ضربا من ضروب الأنانية حيث يكون المتعصب جزءا مما يتعصب له على مستوى النسب، أو المكان، أو الفكرة. ولا يكون التعصب غالبا مبنيا على غير أساس، وإنما يقع فيه التجاوز والمبالغة، مما يحيل المتعصب إلى متطرف حقا.

وتقوم آلية التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض على الحقيقة النهائية التي تدفع به إلى وجوب الالتزام الكامل برأي أو مذهب أو جماعة أو قبيلة أو فترة تاريخية معينة مما يجمع عادة بين الفضيلة والرذيلة والحسن والقبح والخطأ والصواب. (30).

والتعصب حتى يمنح نفسه الشرعية فإنه يعتمد المبالغة والدعاية أسلوبا من الأساليب. كما يقوم على الاختصار المخل والتعميم المجحف، أي هو مولود لأبوين غير شرعيين، ولذا فإنه مذموم بمعايير الشرع والمنطق والإنسانية. (31).

الهوامش: 

  1. 27 د. كاظم شبيب، المسالة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ص127.
  2. مجموعة مؤلفين، تحرير وتقديم: عبد الإله بلقزيز، الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية من الفتنة إلى دولة القانون. ص81.
  3. أنور فؤاد أبي خزام، الدين والجمال، مبحث فلسفي في إلغاء الطائفية السياسية، دار الفارابي، بيروت ـ لبنان، ط1، 2005م. ص 52.
  4. د. عزمي بشارة، الطائفة والطائفية: من اللفظ ودلالاته المتبدّلة إلى المصطلح السوسيولوجي التحليلي. ص9.
  5. د. علي الوردي، وعَّاظ السلاطين، رأي صريح في تاريخ الفكر الإسلامي في ضوء المنطق الحديث، دار كوفان، لندن، الطبعة الثانية، 1995م. ص260.
  6. مجموعة مؤلفين، تحرير وتقديم: عبد الإله بلقزيز، الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية من الفتنة إلى دولة القانون. ص82.
  7. د. كاظم شبيب، المسالة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ص107.
  8. د. محمد بن المختار الشنقيطي، أنصفوا الأكثريات المسلمة، أوراق الربيع (34)، مدونات الجزيرة، 20 / 3 / 2018م.
  9. د. ياسر الغرباوي، الهروب من الحرب الأهلية ـ مصر نموذجاـ، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر، ط1، 2015م. ص11.
  10. د. عبد الكريم بكار، هي هكذا… كيف نفهم الأشياء من حولنا، الجزء الثاني، دار السلام للطباعة والنشر، مصر، ط1، 2012م. ص11.
  11. د. كاظم شبيب، المسالة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ص352.
  12. د. سيف الدين عبد الفتاح، مقدمات أساسية حول التحيز في التحليل السياسي منظور معرفي وتطبيقي، إشكالية التحيز، رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، د. عبد الوهاب المسيري (تحرير)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الثالثة، 1998م. ص298.
  13. أنور فؤاد أبي خزام، الدين والجمال، مبحث فلسفي في إلغاء الطائفية السياسية. ص37 بتصرف.
  14. د. برهان غليون، اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الرابعة، 2006م. ص74.
  15. أمين معلوف، الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة، ترجمة: د. نبيل محسن، ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق ـ سورية، الطبعة الأولى، 1999م. ص50.
  16. المرجع نفسه. ص41.
  17. د. كاظم شبيب، المسالة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ص133.
  18. المرجع نفسه. ص143ـ 146.
  19. د. برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، سينا للنشر، 1988م. ص114، 115.
  20. المرجع نفسه. ص76.
  21. سليم الحص، نحن والطائفية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 2003م، ص15.
  22. د. محمد المختار الشنقيطي، الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي، منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة ـ قطر، ط1، 2018م. ص514، 515.
  23. د. كاظم شبيب، المسالة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ص86، 87.
  24. جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة: منى أبو سنة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997م، ص 34
  25. د. جاسم سلطان، أنا والقرآن (سورة آل عمران)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 2015م. ص126.
  26. د. زكي نجيب محمود، قصاصات الزجاج، دار الشروق، القاهرة ـ مصر، الطبعة الأولى، 1974م. ص233.
  27. الشيخ محمد الغزالي، دستور الوحدة بين المسلمين، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط2، 1989م. ص93.
  28. د. علي الوردي، مهزلة العقل البشري، محاولة جديدة في نقد المنطق القديم لا تخلو من سفسطة، دار كونان – لندن، ط2، 1994م. ص134.
  29. ياسر حارب، اخلع حذاءك، الناشر: مدارك للنشر والترجمة والتعريب، بيروت ـ لبنان، الطبعة التاسعة، 2015م. ص132، 133.
  30. د. عبد الكريم بكار، فصول في التفكير الموضوعي، منطلقات ومواقف، دار القلم، دمشق، ط3، 2000م. ص186.
  31. د. عبد الكريم بكار، من أجل الدين والملة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر، القاهرة، ط 1، 2010م. ص142.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى