أشتات

معركة الدعاة مع الناشطين والناشطات اجتماعيًا: هل هي معركة رابحة أم خاسرة؟!

دار نقاشٌ بيني وبين بعض الفضلاء حول منشوراتهم المستمرة في التحذير من الناشط الفلاني أو الناشطة الفلانية، وجدوى هذه المنشورات في تغيير واقع هذه الظواهر الاجتماعية..

وكان رأيي-ولا يزال- بأنَّ الطريقة الحالية التي يسلكها الدعاة -جماعاتٍ وأفرادًا- لا ترقى لمعالجة هذه الظواهر الاجتماعية بالطريقة الصحيحة؛ هذا إن لم تعد سلبا على العمل الدعوي للدعاة أنفسهم، أو مزيدا من تضخيم الظاهرة لا تقزيمها!

ولعلي أوجز الفكرة في نقاط:

1- ليس كل فكرة أو منشور يطرحه هذا أو ذاك نحن ملتزمون بالرد عليه، فالسكوت قد يكون ردًا؛ لا سيما إن كان في سياق خطة المعالجة المنشودة.

2- الظواهر الاجتماعية تخضع لتحليل متعدد المستويات:

أ-  تحليل من النَّاحية الفقهية الأصولية؛ هل هذا المنشور ينتهك مقدسًا إسلاميًا فعلًا (أم أنَّ صاحب الرد يتوهم هذا الانتهاك أو يضخمه)؟ ما هي مستويات العذر التي ينبغي أن يفقهها هذا الداعية أو ذاك؟ ما هي فحوى النص ومفهومه ومنطوقه في ذلك المنشور؟ وهل نسارع في الرد لمجرد (ظاهر) النَّص دون تمعن في زواياه المختلفة؟

ب-تحليل من الناحية الاجتماعية؛ ما نسبة تفشي هذه الظاهرة أو تلك؟ من هي الفئة المستهدفة؟ ما الأثر الاجتماعي الذي تخلفه على قيم المجتمع والأسرة؟ هل هناك مراكز دراسات ترصد هذه الظواهر رصدا تحليليا حقيقيا لتكون الظاهرة أمامنا بصورتها المعتدلة دون تضخيم أو تقزيم؟.

ج- تحليل من الناحية النفسية.. ما هي الدوافع التي دفعت هذا الناشط/الناشطة لعمل ذلك المنشور أو لتبني تلك الفكرة وترويجها؟ هل هناك رصد نفسي لذلك الناشط وتحليل شخصيته حتى نعرف مفاتيحه وطريقة التعامل معه كما يفعل الغرب برصد هذه الشخصيات نفسها وتوظيفها لصالحه؟ لماذا لا نستخدم نفس السلاح الذي يستخدمونه وينجحون فيه ضدنا!

د- تحليل من الناحية التربوية ..هل الهجوم على الناشط/الناشطة هي الطريقة السليمة دوما؟! لماذا لا يتم كسب ود هؤلاء الأشخاص بطريقة مهذبة، وبطريقة شخصية دون إثارة على العام؟!  وقد أخرج البزار عن أبي هُرَيرة أن  النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلاَّ نفورًا فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأعلم بها فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قتام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار”.

في قصة ذلك الأعرابي الذي جاء يتقاضى حقه من النبي ﷺ فضرب لهم النبي ﷺ ذلك المثل؛ فلماذا لا يتم التعامل برفق مع هؤلاء الشاردين، حتى لو أعطوا شيئا من (قتام الأرض) كي يعودوا ونكسب مواقفهم!

هذه أربع مستويات على الأقل ينبغي مراعاتها عند تحليل هذه الظواهر الاجتماعية.

ونعود إلى بقية النقاط؛ عند النقطة الثالثة.

3- الظواهر الاجتماعية التي يعتقد أنها تصادم القيم والأخلاق الإسلامية تخضع لقاعدة الأمر بالمعروف بمعروف والنهي عن المنكر بلا منكر، وهذا لا يمكن الوصول إليه بسهولة خاصة في الظواهر المعقدة والعابرة للقارات مع وسائل التواصل الاجتماعي التي دخلت كل بيت؛ وعليه فلا بد من الانطلاق من تحليل علمي موضوعي يبنى على مستويات التحليل الأربعة آنفة الذكر قبل إصدار أي رد فعل تجاه هذه الظاهرة أو تلك، وهذا يتطلب جهودا جماعية على شكل مراكز رصد ودراسات تعنى بتتبع هذه الظواهر وإصدار التوصيات، وبناء عليه يتحرك الدعاة على نور من هذه التوصيات، فهي تشبه الاجتهاد الجماعي في النوازل، ولكنها في إطار الظواهر الاجتماعية فحسب!

4- ترتيب الأولويات في الاحتساب ينبغي أن يكون حاضرًا في الذهن؛ فبعض الظواهر الاجتماعية بسيطة ولا تقارن بما يحصل من دمار أخلاقي عبر تصفح المواقع المحرمة عبر جهاز الجوال بيد هذه الشاب أو تلك الشابة! هذا مثال واحد فقط على النحت الأخلاقي الذي يمارس يوميا ضد الناشئة؛ بينما لا يملك هؤلاء الدعاة أي نوع من أنواع الحماية وصد هذا الهجوم بشكل فعلي، فلو تم ترتيب الأولويات وتخصيص برامج توعية للشباب حول ظاهرة إدمان المواقع الإباحية على سبيل المثال، فهي أولى من مجرد الانشغال بالرد على منشور ذلك الناشط أو تلك الناشطة.

5- لكل فعل رد فعل.. وهؤلاء الناشطون أو الناشطات وإن كان بعضهم مدعوما من منظمات غربية لها أجنداتها؛ لكنهم يظلون رقما صغيرا وغير معروف لدى كثير من الناشئة، لكن مع هجوم الدعاة المتواصل عليهم فإنهم يكسبون مؤيدين ومتابعين جددًا بسبب هذه الردود؛ لذلك لا بد من وضع هذا الأمر في الاعتبار.

6- الناشطون والناشطات ليسوا شرًا محضًا، وهناك قضايا حقوقية يتبنونها ومشاريع ينفذونها لفائدة المجتمع، لماذا لا يتم التواصل معهم في المساحات المشتركة والآمنة، ودعمهم فيها، بدلا من تسليط الهجوم الشامل عليهم بما أحسنوا وأساءوا فيه؟ بينما قد يكون التواصل معهم في المساحات المشتركة وسيلة وقناة مناسبة لتقديم النصائح في الجانب السلبي من عملهم.

7- توجيه قنوات الدعم.. الجميع يعلم أن المنظمات الغربية لا تخدم في المنطقة العربية لوجه الله ولا حتى لوجه الإنسانية، وأن كثيرا من هذه المنظمات يستهدفون البناء القيمي والأخلاقي للأسرة؛ لكن لماذا لا يفكر الدعاة أو تفكر مؤسساتهم الدعوية باستغلال هذا الدعم بطريقة ذكية وناعمة، وعقد شراكات حقيقية مع هذا المنظمات كما يفعل الحوثيون مثلا، ويضربون عددا من العصافير بحجر واحد!

هذه الجزئية تحتاج من الدعاة للتفكير خارج الصندوق.

8- قد يقال بأن المطالبة بإخضاع كل رد على كل منشور أو فعالية للبحث العلمي والتحليل متعدد المستويات هو نوع من إعاقة الاحتساب الشرعي؛ وينحو نحو المثالية غير الواقعية.. والرد على هذه الفكرة هي أن نعلم مسبقًا أهمية التنسيق والاجتهاد الجــمـــاعــي في مثل هذه النوازل؛ فإن عدمت مراكز البحث والتحليل ومراكز الدراسات الاجتهادية فليكن ذلك عبر مجموعات مصغرة من المهتمين والدعاة والفقهاء وبالتشاور مع بعض المختصين في النواحي الاجتماعية والنفسية والعلوم السياسية عبر مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهذا أمرٌ متاح ولا يحتاج إلا لشيء من ضبطِ النَّفس أولًا ثم التنسيق ثانيًا وعرض الرد واستكناه صلاحيته من عدمه ثالثًا.

أخيرًا: لنتذكر دومًا بأننا دعاة لا قضاة.. وأنَّ الناس يعلمون جيدًا من الذي يسعى في إفساد المجتمع ومن الذي يسعى في إصلاحه، ولكن الناس غالبا يميلون مع من يستدر عواطفهم لا من يرفع عليهم الدرة!

ويتجاوبون مع من يرحم ضعفهم ويتجاوز عن خطئهم لا مع من يتتبع زلاتهم وخطاياهم.

بعد هذا التطواف هل تعتقدون بأن استمرار المعارك الكلامية للدعاة مع الناشطين والنشاطات هي معركة رابحة أم خاسرة؟.

والله الموفق والهادي للصواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى