أشتات

معيار المثقف

من بين عدد كبير من التعريفات التي حاولت تحديد ماهية المثقف هنالك تعريفات ركزت على دور المثقف وواجبه الرسالي، وفي مأخذ نقدي يقول  المفكر إدوارد سعيد (ت 2003م): ((لقد شهدنا في الدراسات المنهمرة حول المثقفين والمفكرين ولعاً أشد مما ينبغي بتعريف المثقف أو المفكر، واهتماماً أقل مما ينبغي برصد صورته الحقيقية، وبصمته الشخصية، ومساهمته وأدائه الفعلي، وهي في مجموعها تشكل “دم الحياة” نفسه لكل مثقف ومفكر حقيقي))(1).

وفي سياق بحثه عن جوهر المثقف يرى إدوارد سعيد أن ذلك الجوهر يكمن في حمل الرسالة وتجسيدها فيقول: ((أعتقد أن الحقيقة الأساسية هنا هي أن المثقف فرد يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة ما، أو رأي ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه إلى مجتمع ما، وتمثيل ذلك باسم هذا المجتمع))(2). وهنا يلتقي إدوارد سعيد مع عدد غير قليل من المفكرين الذين يشترطون دوراً رسالياً ونضالياً للمثقف يتمثل في تفهم طبيعة المجتمع، وتقديم الحلول لمشكلاته، وتبني قيم الحرية والعدالة والمساواة والدفاع عنها والتضحية في سبيلها.

وفي سياق متصل مع تلك الرؤية يرى بعضهم أن الشخص لا يكون مثقفاً حتى يمتلك القدرة على نقد وإنتاج الأفكار(3). وبحسب تعبير المفكر الفرنسي جيرار ليكلرك Leclerc  Ge’rard: ((المثقفون هم هؤلاء الذين ينتجون آثاراً، الذين يبدعون، الذين يجددون في المجال: الثقافي، الجمالي، الإيديولوجي، الخ..))(4).  وفي تعبير مكثف يرى الدكتور محمد عابد الجابري (ت2010م) أن  ((المثقف مهنته التفكير في الأفكار))(5).

وفي سياق تأكيد الدور الرسالي للمثقف كثيراً ما يُستخدم  مصطلح (المثقف العضوي)؛ أي المنتمي إلى مجتمعه والمتفاعل مع قضاياه، والذي يقوم بدور تنويري في المجتمع، ويكون صاحب مشروع ورؤية في الإصلاح والتطوير.

وكان المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1891 ـــ  1937م) هو أول من أطلق مصطلح (المثقف العضوي) للتعبير عن ارتباط المثقف عضوياً بمجتمعه وقضاياه، ولتوصيف فاعلية وريادة المثقف، والمسؤولية التنويرية الملقاة على عاتقه(6). ثم شاع من بعده استخدام هذا المصطلح للتعبير عن التزام المثقف الأخلاقي بالدفاع عن القيم النبيلة، والطبقات المسحوقة والمظلومة، وتجديد منظومة الأفكار السائدة، وفي هذا السياق ظهرت عدد من المصطلحات الأخرى مثل: المثقف الملتزم، والمثقف النقدي، والمثقف الرسولي، والمثقف الريادي، والمثقف الإصلاحي، والمثقف صاحب المشروع…الخ.

وقد ارتبط اسم المثقفين بالموقف النقدي في الفكر الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر  (1897 ــــ 1899م)  حين اجتمع ثلة من المثقفين الفرنسيين على إصدار بيانٍ تضامنيٍ مع أحد المحكومين ظلماً في قضية تجسس، وكان ذلك المحكوم شخصاً يهودياً يدعى ألفريد دريفوس وقد تمكن أولئك المثقفون من الضغط على السلطات لإعادة المحاكمة وتخفيف الحكم من النفي إلى السجن عشر سنوات، ثم إلى الغاء عقوبة السجن، ورد الاعتبار للمتهم، وهي القضية الشهيرة بقضية دريفوس (Dreyfus). وكانت هذه الحادثة سبباً لشيوع وانتشار كلمة (المثقفين) من جهة، ولارتباطها بالموقف النقدي، والدفاع عن الحقوق من جهة أخرى(7).

وفي بيان مدى ارتباط مصطلح (المثقف) بالموقف النقدي يقول جان بول سارتر    Jan – Paul Sartre (1905 ـــ 1980): ((إن صفة (المثقف) لا تطلق على علماء يعملون في حقل انشطار الذرة لتطوير أسلحة الحرب الذرية وتحسينها، فهم محض علماء، لا أكثر ولا أقل. ولكن إذا ما انتاب هؤلاء العلماء ــ أنفسهم ــ الذعر لما تنطوي عليه الأسلحة التي تصنع بفضل جهودهم وأبحاثهم من طاقة تدميرية، فاجتمعوا ووقعوا بياناً لتحذير الرأي العام من استخدام القنبلة الذرية؛ غدوا من فورهم مثقفين))(8).

ومن خلال هذا المثال يظهر أن المثقف ليس سوى موقف يعلن انحيازه للمجتمع وقضاياه، ومن هذا المنظور كتب الدكتور محمد عابد الجابري (ت1431هـــ /2010م):  “المثقفون في الحضارة العربية.. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد” فكان منطلق الجابري في إسباغ الوصف الثقافي على ابن حنبل (ت241هــ)  وابن رشد (ت595هــ) الدور الذي قاما به في الدفاع عن الرأي والقضية وتحمل الاضطهاد في سبيل ذلك(9).

ويمكننا القول إن جوهر المثقف يكمن في الضمير الحي، والموقف الحر المسؤول، وأنه بهذا المعيار يمكن التمييز بين المثقفين وأدعياء الثقافة، وأن المثقف الذي يحدد هدفه الرسالي بوضوح، ويستحضر على الدوام نبل الغاية وشرف المقصد الذي نذر نفسه من أجله هو من يمكنه أن يترك بصمته في الساحة الثقافية مهما كانت الصعوبات والمعوقات.

وبعبارة أخرى موجزة: المثقف الحقيقي هو صاحب الموقف والقضية والرسالة، وهو الناقد الحر المتمرد على التشكيل في قوالب جامدة، وذلك هو ((دم الحياة)) الذي يحيا به بحسب تعبير إدوارد سعيد.

الهوامش:

  1. إدوارد سعيد: المثقف والسلطة. ترجمة: د. محمد عناني. ط1، دار رؤية للنشر والتوزيع  ــــ القاهرة 2006م، ص46.
  2. المرجع السابق، ص43.
  3. انظر: د. محد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية .. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ط2، مركز دراسات الوحدة العربية ـــ بيروت2000م، ص19 ــــ 25. أ. د. عبدالكريم بكار: تكوين المفكر.. خطوات عملية. ط1، دار السلام ــ مصر 1431هــ ــــــ  2010م، ص19.
  4. جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا  المثقفين. ترجمة: د. جورج كتورة. ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة ــــ بيروت2008م، ص24.
  5. د. محد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية .. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. مرجع سابق، ص8.
  6. انظر: طوني بينيت ــ لورانس غروسبيرغ ــ ميغان موريس: مفاتيح اصطلاحية جديدة… معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع. مرجع سابق، ص587 ـــــ 588. جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا  المثقفين. مرجع سابق، ص62. جان بول سارتر: دفاع عن المثقفين. ترجمة: جورج طرابيشي. ط1، منشورات دار الآداب بيروت1973م، ص21، 54 ـــ 66.  د. محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية.. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. مرجع سابق، ص20 ـــــ21.
  7. انظر: جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا  المثقفين. مرجع سابق، ص11، 55 ـــــ 59. جان بول سارتر: دفاع عن المثقفين. مرجع سابق، ص11 ـــــ 12. د. محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية .. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. مرجع سابق، ص23 ـــ 24.
  8. جان بول سارتر: دفاع عن المثقفين. مرجع سابق، ص12. وانظر: جيرار ليكلرك: سوسيولوجيا المثقفين. مرجع سابق، ص19.
  9. انظر: د. محد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية .. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. مرجع سابق، ص37.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى