فكر

مقالات نقدية لبعض شبهات التشكيك في الحديث النبوي (7-8)

استهداف الإمام الشافعي من قبل مروجي التشكيكات ضد الحديث النبوي

س: ما الدور العلمي الذي أداه الإمام الشافعي في مجال الاحتجاج بالسنة النبوية مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي حتى جعله هدفاً لغضب المنكرين للسنة النبوية؟

ج/ يروج البعض جهلاً وتقليداً أن الإمام الشافعي هو الذي ابتدع فكرة (حجية السنة النبوية) في التشريع الإسلامي بوصفها وحياً من الله تعالى ثم قلّده الفقهاء في ذلك، لكن هذا الزعم يتجاهل الآيات القرآنية الكثيرة التي تأمر بطاعة الرسول ﷺ طاعة مستقلة، واتباعه وعدم مخالفته، وهي التي جعلت سنة النبي مصدراً من مصادر التشريع مقرراً عند الصحابة ومن بعدهم، ومنها:

– ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (النساء:59).

– ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب:36).

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:7).

– يتجاهل المشككون أن آلاف الصحابة والتابعين سبقوا الإمام الشافعي بأكثر من قرن في الإيمان بحجية السنة النبوية في تعاطيهم مع أمور الدين، وكانوا متمسكين بالسنة، وعلموها ونشروها في كل مكان ذهبوا إليه.

– الإمام الشافعي لم يكن بدعاً بين العلماء في الدفاع عن السنة النبوية في وجه من ينكر حجيتها مطلقاً لأن الحجية في القرآن وحده، أو من يشترط أن توافق السنة معنى في القرآن، أو من لا يقبل من السنة إلا ما كان متواتراً فقط.

– عاش الشافعي في زمن ازدهار العلم الإسلامي، وتوجه العلماء فيه إلى تدوين العلوم، وتثبيتها بالقواعد مثل: قواعد النحو، والعروض، ومع اتساع دائرة الاختلافات في مسائل الفقه والحديث والتفسير، وظهور إشكالات بعد جمع وتدوين الحديث من الثبوت والقبول، والفهم والاستنباط والتعارض؛ الأمر الذي جعل الإمام الشافعي يأخذ على عاتقه وضع قواعد علم أصول الفقه لرفع التعارض بين ظواهر السنن الكثيرة، والجمع والتوفيق وكيفية استعمال المجتهد لها، وقوانين الاستنباط منها ومن الكتاب العزيز ومن الثروة الفقهية الهائلة من أحكام الفروع التي أبدعها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية، وساعده ذلك تتلمذه في مدارس مكة والمدينة والعراق، وعلمه باللسان العربي بسبب تردده على القبائل العربية في ديارها، وعلمه بالسنة النبوية وحفظه لرواياتها، وامتلاكه لعقل علمي يتجه للكليات ولا يهيم بالجزئيات.. فأهّله كل ذلك لوضع الموازيين، واستنباط القواعد لفهم القرآن الكريم، ومعرفة مراتب الألفاظ في دلالتها، فكانت الثمرة أن الفقه بعد أن كان مجموعة من الفتاوى والأقضية، والحلول الجزئية لمسائل واقعة أو لمسائل يفترض وقوعها صار علماً مبنياً على أصول وقواعد ثابتة، ولعل هذا ما يثير حفيظة المنكرين لحجية السنة النبوية لأنهم لم يستطيعوا التلاعب في الفقه كما تشاء أهواؤهم، ويكرر المقلدون أقوالهم دون بصيرة. (1)

س: هل تساهل الإمام الشافعي في تنظيراته عن حجية السنة النبوية على حساب المعايير العلمية في قول الحديث أو ردِّه؟

ج/ من الملحوظ أن عامة المنكرين لحجية السنة النبوية – ومنهم علمانيون وماركسيون ولادينيون مشاهير رافضون لقدسية القرآن ومصدره الإلهي ويعدونه ك(محمد أركون)مجرد حدث واقعي كوقائع الفيزياء زالبيولوجيا.. أو مجرد منتج ثقافي أو نص لغوي محكوم بظروفه الموضوعية التاريخية قبل أن يحول إلى نص مقدس (نصر حامد أبوزيد)- من الملحوظ أنهم يحملون مشاعر بغض وكره شديدين للإمام الشافعي رغم جلالة قدره في التاريخ العلمي الإسلامي، ومن مظاهر ذلك اتهامه بأنه المسؤول عن التقعيد لأنواع السنة من قول أو فعل أو تقرير، وتقرير دورها في التشريع الإسلامي بناء على فهم خاطئ وغير سليم لآيات تعسف في فهمها؛ لكن ما يفند اتهاماتهم هو ضوابط فهم السنة عند الإمام الشافعي التي تكشف أن دفاعه عن حجية السنة النبوية لم يكن عملاً عشوائياً بل مبنياً على مقدمات وقواعد علمية متقنة استنبطها من التراث الفقهي لمن سبقه من العلماء والأئمة، فهو إذن لم يبتدعها تماماً ؛كما أن علماء النحو مثل أبي الأسود الدؤلي وسيبيويه لم يبتدعوا قواعد النحو بل استنبطوها من كلام العرب الذين كانوا يتحدثون وفقها بالسليقة.. وكذلك ما يتعلق ببحور الشعر فلم يكن الأمر ابتداعاً من قبل الخليل الفراهيدي ولكن استنباطاً من تراث الشعر العربي.

س: ما الضوابط التي وضعها الإمام الشافعي لفهم النص؟

ج/ وضع الإمام الشافعي شروط وضوابط في غاية الرقي والدقة العلمية والاحترام لعقل الإنسان وخدمة العلم الرصين لفهم النص القرآني العربي وفقا لقواعد اللغة العربية وقوانينها وأساليبها في تصريف القول لحسن فهم القرآن ودقة الاستنباط من آيته وحملها على المحمل الصحيح، وأثبت حجية السنةالنبوية، وضح قواعد الاجتهاد والقياس وفقا لارتباطهما بالنص الشرعي والانطلاق منه، وإثباته للمعلوم بالضرورة وعمومية النص، واشتهر عنه ذم التقليد والتعصب والتعويل على الحجة والدليل.. وكل هذا أثار عليه حملات المشبوهين لأنها تغلق عليهم وعلى أمثالهم فرض أهواءهم في مسخ الإسلام وتحويله إلى مسيحية جديدة من خلال دعوتهم إلى فتح الباب على مصراعيه لتأويل النصوص الشرعية وفهمها فهما جديدا وقراءتها قرءاة حديثة غير مقيدة بقواعد الفهم والاستنباط ولا مراعاة للقواعد الشرعية وقوانين اللغة العربية تمهيدا للتلاعب بالأحكام الشرعية الأصول والثوابت منها وحتى العبادات!

وهذه أبرز الضوابط التي استنتجها الشافعي وهي:

– الضابط الأول: القرآن والسنة كلاهما وحي، والعمل بالسنة عملٌ بالقرآن.

–  الضابط الثاني: التحقق من ثبوت الحديث النبوي.

– الضابط الثالث: فهم السنة في ضوء القرآن الكريم.

– الضابط الرابع: أهمية معرفة لغة العرب في فهم القرآن والسنة.

– الضابط الخامس: مراعاة السياق في فهم الحديث النبوي.

– الضابط السادس: معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحاديث.

–  الضابط السابع: جمع روايات الحديث الواحد أو الموضوع الواحد.

– الضابط الثامن: الجمع بين مختلف الحديث.

– الضابط التاسع: فهم الحديث وفقاً لفهم السلف الصالح.

– الضابط العاشر: استدلاله بالمعقول من المعاني.

– الضابط الحادي عشر: فهم السنة في ضوء مقاصد الشريعة.

– الضابط الثاني عشر: معرفة أسباب ورود الحديث. (2)

وكفى لبيان خساسة الحملة المشبوهة التي استهدفت الإمام الشافعي وحده دون غيره من الأئمة الكبار أن يكون من منتقديه بحقد وعدم إنصاف شخصيات مثل: أدونيس، محمد أركون، جورج طرابيشي، نصر حامد أبوزيد، محمد شحرور، محمد عابد الجابري، الصادق النيهوم (منظر العقيد القذافي).. ومن أتبعهم من المقلدين الببغاوات!

الهوامش:

1 – انظر الدور التاريخي للإمام الشافعي في نشوء علم أصول الفقه: تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة، ص447، مصدر سابق. والسلفية مرحلة زمنية مباركة، د. محمد البوطي، ص45 وص60. نشأة علم أصول الفقه وتطوره، د. عبد السلام بلاجي، ص29، كتاب: التجديد الأصولي: نحو صياغة جديدة لعلم أصول الفقه، كتاب جماعي بإشراف د. أحمد الريسوني، نسخة إلكترونية. بؤس التلفيق: نقد الأسس التي قام عليها طرح محمد شحرور، يوسف سمرين، ص138، ط2، نسخة إلكترونية. شحرور ومغالطاته حول النطق والقول، من صفحة محمد شريف جابر في الفيس بوك، 6/12/2107.

2 – انظر: ضوابط فهم السنة عند الإمام الشافعي، أ/ نادر نمروادي، من أبحاث مؤتمر الإمام الشافعي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الأقصى، غزة. نسخة إلكترونية. موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي: عرض ونقد، أحمد قوشتي عبدالرحيم، ط1، 2016، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، نسخة إلكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى