فكر

مقالات نقدية لبعض شبهات التشكيك في الحديث النبوي (1-8)

مصطلحات أساسية في علوم الحديث

تمهيد:

كأنها حرب كونية وحروب عوالم لا تهدأ ولا تغير من أساليبها وحججها، يتوارثها خلف عن سلف لا يتركون شاردة ولا واردة -مهما كانت ضعيفة أو باطلة- إلا أعادوا تدويرها وتلميعها مما علق بها من تفنيد ودحض، وراحوا يكررونها دون ملل أو حياء على أسماع الناس: مرة بحجة الدفاع عن الإسلام من جناية المحدثين والفقهاء.. ومرة إنقاذاً للعقل المسلم من غفلة القرون الطويلة التي سقط فيها بسبب السنة والحديث النبوبيين المزعومين(!).. ومرة لاستنهاض قوى النهوض والتقدم للسير في طريق العصر والحداثة التي عرقلها البخاري ومسلم وصحيحاهما وسائر منظومة الحديث النبوي والفقه الإسلامي!

ما سبق هو إحدى الخلاصات التي رست عليها هذه المحاولة المتواضعة لبيان حقيقة ما يجري قديما وحديثا باسم تخليص الإسلام الصحيح من أسر (الحديث النبوي) وجناية (السنة النبوية).

وبقدر ما اتضح أن هذه الحرب عابرة الزمان ضد السنة النبوية لا تهدأ ولا تمل؛ فقد اتضح كذلك أن حركة مقاومة تلك الحرب الكونية؛ وفضح أكاذيبها وكشف ترهاتها وشطحاتها العلمية؛ كانت في مستوى التحدي: نوعاً وكماً.. لكنها مثل أي ظاهرة صحية تعاني من قاعدة أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، وتعاني أكثر من ظاهرة أن زمن الصغار والتفاهات المهيمنة يمنح الباطل بريقاً من الأضواء المزيفة يزغلل بها عقول الناشئة التي يجذبها سراب التمرد والثورة على الثوابت والمستقرات في النفوس والعقول، ويجذبها أكثر كل ما يتظاهر برفض الممارسات والظواهر السلبية التي تنتشر في واقعنا الإسلامي – من تخلف وفقر ومظالم، واستبداد محلي غبي وتبعية خارجية ذليلة، وعنف مجنون وقتل عبثي من قبل توجهات الغلاة باسم الدفاع عن الإسلام- وإن ألقى بالمسؤولية دون تمييز على الإسلام وتراثه الفكري والروحي والقانوني، ورجاله ورموزه وتاريخهم، وعلى المحاولات المعاصرة لإعادة النهوض بهذه الأمة وتحريرها من غوائل الاستبداد المحلي والهيمنة الخارجية.

ولأن أدبيات مواجهة هذه الردة الفكرية كثيرة، ومعظمها مكتوب بأسلوب أكاديمي، وجميعها -للأسف الشديد- غير متاحة بسهولة بين أيدي القراء وخاصة الناشئة منهم، ولم تعاد طباعتها ووضعها للتداول الشعبي كما يحدث مع الطرف الآخر، ولا توجد جهات رسمية ولا غير رسمية تهتم بإعادة طباعتها وتسهيل الاطلاع عليها.. فلكل ذلك كانت هذه المحاولة المتواضعة لتلافي واحدة من هذه الأسباب (الكتابة بأسلوب أكاديمي) من خلال إعادة تحديد أبرز شطحات وشبهات المنكرين لحجية السنة النبوية وسلامة منظومة الحديث النبوي علمياً وتاريخياً، ومن ثم الرد عليها؛ أو للدقة اختيار أبرز وأفضل الردود والإجابات الموضحة للحقائق المزيلة للشبهات، ووضعها سهلة ميسرة بين يدي من يريد معرفة الحقيقة من الوهم -وكم في واقعنا الإسلامي من حقائق الإسلام اغتالتها الأوهام أو لبست عليها بالشبهات والإفك- في نسق وترتيب مبسط معهود يتكون من: سؤال وإجابة مركزين مختصرين (غالباً) يشتملان على أبرز الشبهات المتداولة إعلامياً وأبرز الإجابات عليها.

ومن خلال التأمل في منظومة الشبهات الحديثة/القديمة فقد وضح أن المحاور الغالبة عليها هي:

– التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات اللغوية والعلمية من خلال الاستناد إلى منهج غير علمي في تحديد معانيها وفي استخداماتها، وفي ترتيب نتائج مشوهة على أساس ذلك المنهج المنحرف.

– الترويج لمعلومات خاطئة عن ظواهر لغوية وحديثية مثل ظاهرة الترادف اللغوي، وحقيقة موقف العلماء من الاحتجاج بالحديث النبوي في الدراسات اللغوية.

– رفض مبدأ حجية السنة النبوية، وتزييف وعي القراء بأن ذلك أمر مقرر وشائع قديماً وحديثاً، وحشد حيثيات ملفقة أو تأويلها تأويلاً فاسداً لتأييد الشبهة.

– ابتداع فكرة التفريق بين مفهوم ومهام كل من (الرسول- الرسالة) و(النبي- النبوة). وفي السياق نفسه التلاعب بمضمون مبدأ الاجتهاد من قبل النبي ﷺ؛ لهدم بنيان السنة النبوية وحجيتها.

هذه تقريبا أبرز محاور الحرب القديمة/الجديدة ضد السنة النبوية وحجيتها، وهي التي ركزت الصفحات القادمة على محاولة تقريب الردود عليها والتوضيحات من جملة من المفكرين والعلماء المسلمين ووضعها في سياق مختصر.. والله تعالى نسأل أن يجعلها سبباً في بيان الحق وكشف سبيل المشككين.. والمغترين بهم.. ونحن أو إياهم على هدى أو ضلال مبين.

المقالة الأولى: مصطلحات أساسية في علوم الحديث

س: ما معنى السنة: لغة واصطلاحا؟ (1)

ج/ السنة: لغة لها معان عديدة أبرزها:

1- من مادة (سنّ)، وحروفه تطرد في معنى جريان الشيء، واطراده في سهولة، وسننت الماء على وجهي: أسنه سناً إذا أرسلته إرسالاً.

2- السن مصدر سن الحديد سناً، وسن للقوم سنةً وسنناُ، وسن الإبل يسنها سناً إذا أحسن رعيتها حتى كأنه صقلها، وسنّن المنطق حسنه فكأنه صقله.

3- السيرة والطريقة محمودة كانت أم غير محمودة، والأسوة الحسنة أو السيئة كما في الحديث الصحيح: {من سن في الإسلام سنة حسنة…. ومن سن في الإسلام سنة سيئة..}.

4- الدوام.

5-المثال المتبع، والإمام المؤتم به.

س: ما معنى السنة: اصطلاحا؟

ج/ معنى السنة اصطلاحا:

1- السنة في القرآن الكريم:

– الطريقة أي طريقة حكمته، وطريقة طاعته، وأحكامه وقوانينه التي يسير عليها الكون، والعادة والعذاب الذي يرسله الله على الكافرين: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ {النساء: 26} و﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ  وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ {الفتح: 23}، و﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا  وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ {الإسراء: 77}، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ  وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ {الأحزاب: 62}.

– التطبيق العملي للقرآن، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ {الأحزاب: 21}

2- السنة عند علماء الأصول: هي كل ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن.

3- السنة عند المحدثين: هي كل ما ثبت عن النبي ﷺمن قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلقية أو خِلقية سواء كانت قبل البعثة أم بعدها، وسواء أثبتت حكماً شرعياً أم لا. وبهذا تكون مع القرآن الكريم المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ {النساء: 59}

4- السنة في الفقه:

أ- هي كل ما ثبت عن النبي الكريم ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب، أي النافلة أي الشيء الزائد عن الفرض والواجب وهو: المندوب، والمستحب، والتطوع، والنافلة، والمرغب فيه، والحسن، وهي ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.

ب- هي ما واظب رسول الله ﷺ على فعله مع ترك ما بلا عذر.

ج – الطريقة الدينية منه ﷺ، أو الخلفاء الراشدين أو بعضهم التي يطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب. وهي نوعان: سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة.

س: ما تعريف الحديث؟ (2)

ج/ الحديث لغة: الجديد، وما يقابل القديم، واصطلاحا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وهو بهذا التعريف يرادف السنة والخبر. وقد يطلق الحديث على القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ {النساء: 87}، و ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا …﴾ {الزمر: 23} .

س: ما تعريف الخبر؟

ج/ الخبر في اللغة: النبأ، وكل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي يسمى خبراً. وفي الاصطلاح: فالخبر يرادف الحديث إلا أن الحديث أخص من الخبر فكل حديث خبر وليس كل خبر حديثاً، والحديث يستعمل خاصة فيما جاء عن النبي ﷺ خاصة، ويقال لمن يشتغل به: محدّث. وأما الخبر فيستعمل فيما ورد عن النبي الكريم وفيما ورد عن غيره من الصحابة والتابعين وغيرهم، ويقال لمن يشتغل بالإخبار: إخباري.

س: ما تعريف الأثر؟

ج/ الأثر لغة: بقية الشيء، واصطلاحاً يرداف معنى الحديث عند جمهور المحدثين، فالخبر والحديث والأثر ألفاظ مترادفة بمعنى واحد فتطلق على الحديث المرفوع إلى النبي الكريم، وعلى الحديث الموقوف على الصحابي، وعلى الحديث المقطوع (أي الموقوف على التابعي). ويرى بعض علماء الحديث أن الأثر يستخدم خاصة فيما يروى عن الصحابي والتابعي من قولهما أو فعلهما.

س: متى ظهرت مصطلحات تصنيف الحديث النبوي؟

ج/ لم يعرف المسلمون في بداية رواية الحديث بعد وفاة النبي ﷺ مصطلحات: المتواتر والآحاد، والصحيح والضعيف وغيرها.. وإن كان الصحابة والتابعون يتحرون صدق الرواية وصحة المتن لكن دون استخدام أي مصطلحات. وبعد انتشار رواية الحديث النبوي وشيوع الفتن، وبدء تمحيص السنة وتحديد مراتبها ظهر –على يد الفقهاء والمحدثين- مصطلحا المتواتر والآحاد، ثم ظهرت مصطلحات الصحيح، والحسن، والضعيف بأنواعه، والموضوع وأمثالها مع استقرار وانتشار علوم الحديث: متناً ودراية، وعلم ميزان الرجال: جرحاً وتعديلاً، وغيرها من علوم الحديث التي استلزمتها دراسة السنة النبوية وروايتها، وضبطها وتنقيتها من غير الصحيح.(3)

س: ما المقصود بالسنة المتواترة؟ (4)

ج: السنة المتواترة (وتسمى خبر العامة) هي الخبر الذي رواه عن رسول الله ﷺ جمع كثير (على اختلاف تحديده ما بين: ثلاثة أو خمسة أو أكثر إلى عشرين وأربعين) يمتنع عادة أن يتواطأ أفراده على كذب؛ لكثرتهم وأمانتهم وتقواهم واختلاف وجهاتهم وبيئاتهم، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله حتى وصلت إلينا بسند كل طبقة من رواته جمع لا يتفقون على كذب من مبدأ التلقي عن الرسول ﷺ إلى نهاية الوصول إلينا. والسنة المتواترة كثيرة جداً إلا أن أغلبها المتواتر المعنوي، وهي قطعية الورود عن الرسول ﷺ، لأن تواتر النقل يفيد الجزم والقطع بصحة الخبر.

وبعض العلماء يجعل من أمارات التواتر تلقي الأمة للحديث بالرضا والقبول؛ مثل جميع ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحهما لتقبل الأمة لهما بالقبول، واتفاق القرائن المناصرة للحديث غير المتواتر مثل رواية الثقة لأنها تبعث الثقة في الحديث، وموافقة الحديث لقواطع الإسلام وقيمه وثوابته.

س: كم أنواع المتواتر؟

ج/ هناك نوعان:

1- المتواتر اللفظي: وهو ما رواه جمع كثير لكن الرواة اتفقوا على لفظه، ومن أمثلته حديث: (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) متفق عليه.

2- المتواتر المعنوي: هو ما روي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة إلا أنها اتفقت على إفادة معنى واحد: مثل ما نقل عن كرم حاتم الطائي، وعدل عمر، وشجاعة علي بأخبار كثيرة وبألفاظ مختلفة لكنها تفيد معنى واحد هو: كرم حاتم وعدل عمر وشجاعة علي. أما في الحديث النبوي فمثل أحاديث: رفع اليدين في الدعاء، وإثبات عذاب القبر والشفاعة ونحوها.

س: ما الفرق بين التواتر اللفظي والتواتر المعنوي؟

ج/ التواتر اللفظي هو اتفاق ألفاظ الحديث المتواتر، أو هو المروي بلفظه ومعناه، وهو لا يزيد عن أربعة عشر حديثاً وقيل أقل وقيل أكثر وفقا للاختلاف في تحديد حد التواتر.

والتواتر المعنوي هو اشتراك العدد من الرواة في رواية معنى واحد بالألفاظ المختلفة، وهو كثير في السنة القولية والعملية، وبلغت أحاديثه في بعض المصنفات إلى110 أحاديث وفي بعضها إلى 310 أحاديث؛ مثل حديث رفع اليدين في الدعاء الذي ورد فيه مائة حديث مختلفة ألفاظها ومعناها واحد، وقد وضعت فيه مصنفات عديدة مثل: (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) للحافظ جلال الدين السيوطي، و(نظم المتناثر من الحديث المتواتر) للإمام محمد بن جعفر الكتاني.(5)

س: ما حكم السنة المتواترة؟

ج/ اتفق العلماء- إلا عند من ينكر حجية السنة، وإلا ما يذكر عن النظّام المعتزلي ومن شابهه- على أنها تفيد العلم اليقيني الضروري الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكن دفعه، واليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وهي حجة واجبة الاتباع والعمل بها، ويكّفر جاحدها باتفاق أهل العلم.

س: ما المقصود بالسنة المشهورة؟

ج/ السنة المشهورة هي ما رواها عن رسول الله ﷺ صحابي أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر على اختلاف تحديده ما بين: ثلاثة أو خمسة أو أكثر، ثم رواها عن هذا الراوي أو الرواة جمع من جموع التواتر، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله حتى وصلت إلينا بسند.

وهي قطعية الورود عن الصحابي أو الصحابة الذين تلقوها عن الرسول لتواتر النقل عنهم؛ لكنها ليست قطعية عن الورود عن الرسول لأن أول من تلقى عنه ليس جمع التواتر.  والبعض يعدها من ضمن أقسام سنة الآحاد؛ إلا أن الحنفية يعدونها في حكم السنة المتواترة فيخصص بها عام القرآن، ويقيد بها مطلقه لأنها مقطوع ورودها عن الصحابي، والصحابي حجة وثقة في نقله عن الرسول ﷺ، فمن أجل هذا كانت مرتبتها في مذهبهم بين المتواتر والآحاد.

س: ما حكم السنة المشهورة؟

ج/ يجب العمل بها لكن لا يكفر جاحدها. والمشهور يكون صحيحاً وحسناً وضعيفاً وفق صفات رواته.

س: ما المقصود بسنة الآحاد؟

ج/ سنة الآحاد (وتسمى خبر الخاصة) هي ما رواها عن الرسول ﷺ آحاد لم تبلغ جموع التواتر بأن رواها عن الرسول ﷺ واحد أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر على اختلاف تحديده ما بين: ثلاثة أو خمسة أو أكثر، ورواها عن هذا الراوي مثله، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند طبقاته آحاد لا جموع التواتر. وأكثر الأحاديث التي جمعت في كتب السنة من أحاديث الآحاد، وتسمى خبر الواحد. وقد بدأت الغالبية العظمى من الأحاديث النبوية آحاداً من حيث الرواية في عصر الصحابة ثم تواترت في عصر التابعين وتابعي التابعين.

س: ما الفرق بين السنة المشهورة والسنة الآحاد؟

ج/ الفرق بينهما أن السند في كل طبقات سنة الآحاد لم يبلغ حد التواتر، وأما السنة المشهورة فرواتها من بعد طبقة الصحابة بلغوا حد التواتر.

س: ما حكم سنة الآحاد؟

ج/ الجمهور على أنها تفيد الظن الراجح صحته، ولا تفيد علم اليقين، واتباعها واجب شرعا إذا توفرت في رواتها صفات العدالة وتمام الضبط والإتقان، ولا يكفر جاحدها. والخلاف معروف حول قبول خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية لكن ما عليه جماهير العلماء هو قبوله في الأحكام العملية والاعتقادية معا لحجج منها: إن هذا التفريق بين المتواتر والآحاد لا دليل عليها في القرآن والسنة، ولا في إجماع الصحابة أو أقوال جمهورهم أو بعضهم، فالقرآن قد اعتد بخبر الاثنين والأربعة وأخذ به في الحدود بما فيها إزهاق النفس في القصاص أو غيره ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ {البقرة: 282} و﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ {النور: 4}، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ {المائدة: 106}، ولم يكن معروفا زمن النبي بدليل أنه أرسل النفر من الصحابة – وليس وفداً- لكل بلد ليبلغ أهلها أحكام الدين كلها بما فيها العقائد والعبادات والمعاملات، وظل الصحابة بعده يقبلون خبر الآحاد في العقائد وغيرها.

س: ما سبب ظهور مصطلحي المتواتر والآحاد؟

ج/ ظهر مصطلحا السنة المتواترة وسنة الآحاد قبل ظهور مصطلحي الحديث الصحيح والحديث الضعيف، وقصد بهما التفريق بين الأحاديث التي يكفر جاحدها، والأحاديث التي لا يكفر جاحدها، وليس لوصم السنة المتواترة بأنها صحيحة، ووصم سنة الآحاد بأنها غير صحيحة كما يتوهم البعض. والحكم بالظني على الحديث هو من باب شدة التحري وعلى سبيل الاحتياط، ولا يقصد به الظن المذموم في القرآن ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ {النجم: 28} فهذا معناه هنا الوهم الكاذب.. وقد جاء معنى آخر للظن في القرآن الكريم بمعنى حسن وهو اليقين، فالظن في آيات عديدة يأتي بمعنى اليقين، والعرب تطلق الظن على اليقين والراجح من أحد الاحتمالين والشك، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ٤٥ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ٤٦﴾ {البقرة: 45-46} و﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ {الحاقة: 20}، و﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ {الكهف: 53}.

ومن يسر الشريعة أن كثيراً من أحكام التكليف بُنيت على الظن الذي هو إدراك الطرف الراجح دائماً، وقد يكون قوياً، ولو كلف الناس بالتحري الشديد في كل شيء لوقعوا في ضيق من أمرهم، والله لم يجعل على الناس في الدين من حرج. ولذا نجد أن كثيراً من الأحكام الشرعية بنيت على الظن مثل قوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ ﴾ {البقرة: 230}، والفقه الاجتهادي القائم على الظن -وهو أضعاف أضعاف الفقه القطعي الدلالي القائم على العلم أو اليقين- كله ناشيء عن الاحتمال الدلالي وهو الظن.(6)

س: متى ظهر مصطلحا: الحديث والصحيح والحديث الضعيف؟

ج/ ظهر هذان المصطلحان بعد اتساع حركة رواية الحديث النبوي، وظهور الكذب والوضع فيه مما لزم ظهور جهود لتنقية الحديث من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة والموضوعة وفق معايير دقيقة تتناول السند والمتن.(7)

س: ماذا ترتب على ظهور مصطلحي: الصحيح والضعيف؟

ج/ ترتب على ذلك أن صار علم الحديث يعتمد تصنيفات للحديث لا تعتمد في الأساس على مصطلحي (المتواتر والآحاد)، وإن ظلا يعززان تصنيف الحديث وتقويته بعد تحديد صحته من عدمها؛ ذلك أن هذين المصطلحين (المتواتر والآحاد) ظهرا في مرحلة تاريخية معينة في مواجهة ظاهرة اختلاق الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ، فلما تم تدوين السنة، وكثرت الرحلات العلمية وزالت هذه الشبهة وعاد الأمر كما كان في عصر الصحابة؛ وهو أن العبرة في توافر الثقة في الراوي، فمن كان ثقة كان صادق الخبر ولو كان نفراً واحداً، ومن كان غير ذلك لا تقبل روايته. ومما له دلالة مؤكدة على ما سبق أن كتابين شهيرين في علوم الحديث هما: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، واختصار علوم الحديث لابن كثير؛ لم يتعرضا لكل من المتواتر والآحاد كنوعين مستقلين من أنواع الحديث، واكتفيا بتعداد أنواعه من الصحيح والحسن، والضعيف وأنواعه.(8)

س: كيف نفهم ما ورد عن الإمام ابن الصلاح أنه: (يعز وجود حديث نبوي مستوف لشرائط التواتر المفيدة للعلم)، أو قول بعض علماء الحديث بعدم وجود حديث كذلك؟

ج/ قد رد العلماء على كلام ابن الصلاح وغيره، واعتذروا له بأنه ربما إنما يقصد بكلامه وجود ذلك النوع الخاص المتواتر اللفظي الصادر عن النبي ﷺ بنصه من غير زيادة حرف ولا نقص حرف ولا إبدال كلمة بمرادفها، وذلك لكثرة ما يشاهد من اختلاف الروايات المتواترة في بعض الألفاظ. أما التواتر المعنوي – مما ترادفت أسانيده المتعددة على معنى واحد وقدر مشترك بينها مع اختلاف نصوصها- فقد وجد كثير منها، وإفادته للعلم الضروري كإفادة التواتر اللفظي سواء، وإنما نشأ هذا الفهم من قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاق، وهذا هو المعيار الأساس في التواتر وليس في العدد، ولا سيما مع الاختلاف في تحديد العدد الأدنى.(9)

س: هل معنى ذلك أنهم لا يقصدون إنكار وجود أحاديث صحيحة؟

ج/ قطعاً فإنهم لا يقصدون إنكار وجود أحاديث صحيحة، فالإمام ابن الصلاح هو الذي تحدث عن الصحاح بالعبارات التالية في كتابه الشهير: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث:

– في حديثه عن صحيحي البخاري ومسلم يقول:

{وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز}. وزاد: {هذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقين النظري واقع به…. لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ… وإن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول.(10)

س: ما معنى المصطلحات التالية في علم الحديث: التدوين- التأليف- التصنيف- الكتابة؟ (11)

ج/ الكلمات: التدوين والتأليف والتصنيف تفيد عند الإطلاق أن هناك كتاباً تم تأليفه بين دفتين يشتمل على مجموعة من الأوراق تشكل بمجموعها كتاباً واحداً. وتفصيل معناها على النحو التالي:

1- الديوان: هو مجتمع الصحف، والدفتر الذي يكتب فيه، والتدوين هو عمل وصناعة الديوان.

2- التأليف: هو جمع مادة مفرقة، وضمها إلى بعض بحيث تصبح كتابا واحدا هو المؤلَف.

3-التصنيف: هو التمييز والترتيب بحيث يكون الكتاب(المصنَّف) مقسما على أبواب وفصول.

4- الكتابة: لا تعني عند الإطلاق إلا مجرد الخط أو الرقم على ورقة أو لوح أو جدار، كما في لسان العرب: (كتب الشيء= خطّه). ويطلق على الورقة أو الصحيفة أو الرسالة المكتوبة: كتاب.

س: ما الذي يترتب على فهم هذا الفرق بين معاني كلمات: التدوين والتأليف والتصنيف من جهة وكلمة الكتابة من جهة أخرى؟ (12)

ج/ يترتب على ذلك تسهيل معرفة مراد كثير من العلماء القدماء الذين تكلموا في هذا الموضوع من باب ضرورة فهم مصطلحات أهل كل فن، ومراعاة تطورها، واختلاف دلالاتها بين عصر وآخر؛ فذلك هو المدخل الصحيح لفهم أي قضية فهماً صحيحاً.

س: هات أمثلة في هذا السياق. (13)

ج/ على سبيل المثال فإن مثل العبارات التالية يجب أن تفهم في إطار ما سبق:

يقول الترمذي في سننه: (وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه…) أو قول ابن حجر في مقدمة فتح الباري: (ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار…) أو قولهم: (أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب).

فمثل هذه العبارات لا يوجد فيها تعارض بينها وبين القول (إن بعض الصحابة وأتباعهم كانوا يكتبون أو عندهم صحف وكتب) فالصحابة أول من كتب، والآخرون كانوا أول من صنف أو من دوّن.

الهوامش:

1- في تعريف السنة لغة واصطلاحا ينظر:

– الموافقات في أصول الشريعة للإمام أبي إسحاق الشاطبي، ص3، جزء4، 2003، المكتبة التوفيقية.

–  إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، شيخ الإسلام محمد بن علي لشوكاني، ص67، ط7، دار الفكر.

– معجم مصطلحات أصول الفقه، ص235، د. قطب مصطفى سانو، ط1، 2000م، دار الفكر المعاصر- لبنان، ودار الفكر- سورية.

–  السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د. مصطفى السباعي، ص47، ط2، 1978، المكتب الإسلامي.

– حجية السنة، د. عبد الغني عبد الخالق، ص45، ط1، 1986، سلسلة قضايا الفكر الإسلامي1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

– الفكر المنهجي عند المحدثين، د. همام عبد الرحيم سعيد، ص26، ط1، 1408ه، كتاب الأمة، قطر.

–  مصطلح الحديث ورجاله، د. حسن محمد الأهدل، ص17، ط2، 1990م، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء.

2- في تعريف الحديث والخبر والأثر ينظر: مصطلح الحديث ورجاله، الأهدل، ص 11-12، مصدر سابق.

3- السنة المفترى عليها، سالم علي البهنساوي، ص99، ط1، 1979، دار البحوث العلمية.

4- في تعريف المتواتر والمشهور والآحاد وحكم كل منها ينظر: علم أصول الفقه، الشيخ عبدالوهاب خلاف، ص41 وما بعدها، ط10، 1972، دار القلم. مصطلح الحديث ورجاله، د. حسن محمد الأهدل، ص95، مصدر سابق. السنة المفترى عليها، سالم البهنساوي، ص99، مصدر سابق. الاعتصام بالكتاب والسنة وترك فرقة العصبية المذهبية الجاهلية، الشيخ ياسين عبد العزيز، ص185، دار النشر للجامعات، صنعاء.

5- السنة المفترى عليها، ص111، مصدر سابق. مصطلح الحديث ورجاله، ص96، مصدر سابق.

6- السنة المفترى عليها، ص113و116، مصدر سابق. مصطلح الحديث ورجاله، ص96، مصدر سابق. الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية: عرض وتفنيد ونقض، د. عبد العظيم إبراهيم المطعني، ص116، ط1، 1999، مكتبة وهبة، نسخة إلكترونية.

8+7- السنة المفترى عليها، صفحات: 102 و107و 115، مصدر سابق.

9- انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، للإمام محمد بن جعفر الكتاني، ص10 و11 و19، نسخة إلكترونية. هل هناك أحاديث متواترة؟ شريف محمد جابر، مدونات الجزيرة،31/7/2017. نفي وجود المتواتر في السنة، موقع بيان الإسلام.

10- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، الإمام أبو عمرو عثمان الشهرزوري، ص9، 1988، دار الفكر.

11- تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين، د. حاكم عبيسان المطيري، ص8، 2002م، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، لجنة التأليف والتعريب والنشر. وهي من أفضل الدراسات في هذا المجال، وأكثرها دقة، واستشهادا بقدر متميز من المعلومات والأخبار التاريخية عن تدوين الحديث النبوي منذ وقت مبكر.

12+13- المصدر السابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى