فكر

مقالات نقدية لبعض شبهات التشكيك في الحديث النبوي (2-8)

مكانة السند والمتن في علوم الحديث

س: ما أهمية صحة السند من عدمه في منظومة السنة النبوية والحديث النبوي؟

ج: صحة السند هو أبرز القواعد العلمية في علم مصطلح الحديث لتصحيح الأخبار، وقد اتبع هذا النهج علماء الحضارة الإسلامية في العلوم الأخرى كالتاريخ والفقه والتفسير واللغة والأدب وغيرها، فكانت مؤلفات العلماء في العصور الأولى مسندة بالسند المتصل إلى قائلها في كل مسألة وبحث، وتناقل التلامذة كتب مشائخهم بالسند المتصل جيلاً بعد جيل. وفي كتابه (مصطلح التاريخ) عن التعامل مع النصوص التاريخية يقول الدكتور أسد جبرائيل رستم – أستاذ التاريخ في الجامعة الامريكية ببيروت وهو لبناني نصراني- أنه اطلع على تراث المحدثين وكتبهم في علم مصطلح الحديث فأدهشه منهجهم، وتعجب من منهجيتهم الدقيقة في توثيق الأخبار ونقدها، أو كما قال وهو يصف حالته الشعورية: (أكببت على مطالعة كتب المصطلح وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعاً عليها ازداد ولعي بها وإعجابي بواضيعها). ويقول عن زيارته عند زيارته للمكتبة الظاهرية في دمشق 1936م وفحص مخطوطاتها: (ومن أهم ما وجدت فيها نسخة قديمة من رسالة القاضي عياض (ت 544ه) في علم المصطلح، كتبها ابن أخيه سنة (595ه)، وكنت قد قرأت شيئاً عنها في بعض رسائل المصطلح، فاستنسختها بالفوتوستات، وبدأت في دراستها وتفهم معانيها، فإذا هي من أنفس ما صنف في موضعها، وقد سما القاضي عياض إلى أعلى درجات العلم والتدقيق في عصره. والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ في أوروبا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، وذلك على الرغم من مرور سبعة قرون عليها، فإن ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير والاستنتاج تحت عنوان: (تحري الرواية والمجيء باللفظ) يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في أهم كتب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز، وقد اقتطفنا من كلام القاضي عياض في هذا الموضوع شيئا أوردناه في باب تحري النص والمجيء باللفظ في كتابنا هذا. والواقع أن المثودولوجيا الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي ليست غريبة عن علم مصطلح الحديث، بل تمت إليه بصلة قوية، فالتاريخ دراية أولاً ثم رواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث تتفق في جوهرها وبعض الأنظمة التي أقرها علماء أوروبا فيما بعد في بناء علم المثودولوجيا، ولو أن مؤرخي أوروبا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجيا حتى أواخر القرن الماضي).(1)

س: هل حقاً أن علماء الحديث لم يهتموا بنقد متن الأحاديث المروية عن النبي ﷺ؟

ج/ غير صحيح أن ذلك قد حدث؛ بل كانت بداية رواية الحديث زمن الصحابة – مع توفر الثقة في الصحابة- أن كان التركيز على متن الحديث والنظر في صحته، ومراجعة الصحابة لبعضهم بعضاً. وبالتأمل في شروط الحديث الستة نجد أن أغلبها خاصة بالمتن مباشرة أو غير مباشرة عدا اتصال السند، فالبحث في عدالة الرواة هو بالبداهة حرص على أوصاف رواة الحديث وهل هم من الثقات أو الكذابين، وشروط مثل أن يكون الراوي ضابطاً، وألا يكون الحديث شاذاً أو معلولاً دليل على الاهتمام بنقد المتن. وفي السياق نفسه فإن تصنيف عدد من أصناف الحديث يدل على اهتمام بالمتن من مثل: الحديث الشاذ، والمنكر، والمتروك، والمعلل، والمضطرب، والمدرج في المتن، والموضوع، والمقلوب، كما أن بعض أنواع علوم الحديث تصب في اتجاه أهمية دراسة المتن، مثل: معرفة الناسخ من المنسوخ، ومعرفة المصّحف من متون الأحاديث، ومعرفة مختلف الحديث وغريب الحديث، ومعرفة من خلّط في آخر عمره. كما أن صحة السند لا تعني بالضرورة صحة المتن، فلا تلازم بين المسألتين، وهذا بمعنى القول: حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد أي أن الإسناد صحيح أو حسن وليس في هذا حكم على المتن لأنه قد يصح الإسناد ولا يصح المتن لاحتمال شذوذه أو وجود علة فيه فلا يكون صحيحا.(2)

س: لماذا كان الاهتمام بصحة السند أوسع من الاهتمام بصحة المتن؟

ج/ التوسع في نقد الأسانيد كان أمراً طبيعياً؛ لأن موضوعه الرجال الذين تسلسلت الرواية عنهم، وهم لا يحصون عدداً، فالحديث الواحد الذي يكون في مسنده عشرة أو أقل أو أكثر، فألف حديث قد يبلغ رواتها خمسة آلاف راوٍ.

– نقد السند أولى من نقد المتن، فهو عمل جليل دقيق لأن موضوعه أخبار وسير الرواة، وأسرار حياتهم وسلوكياتهم، وما طرأ عليها من تغيرات في سلوكياتهم وضبطهم.. إلخ.

– أما متن الحديث فهو يحمل أخباره ومعانيه، ويمكن معرفة المقبول والمردود بالنظر العابر في معناه ومضمونه، أي أن المتن يحمل معه مقتضيات الحكم عليه دون السند.

– الأمارات والضوابط الموضوعة لنقد المتن خاصة لغير الثقات من جامعي الأحاديث أو الكتب التي تجمع بغير تمحيص.(3)

س: كيف يمكن الاطلاع على الجهود العلمية التي بذلها علماء الحديث في نقد متن الحديث النبوي الشريف؟

ج/ هناك جهود علمية هائلة بذلها علماء الحديث في نقد متن الحديث تأسياً بما عمله الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا هم مؤسسي علم نقد الحديث من خلال تحريهم في قبول الأحاديث، وقد تطور هذا العلم حتى صار كبيراً ودقيقاً في أشكاله وقواعده وتقعيداته، وتم تدوين علم الحديث، وبرز فيه علماء أئمة تخصصوا فيه، ووضعوا فيه المؤلفات القيمة صيانة للحديث النبوي الشريف، ومن أبرز الدراسات العلمية الحديثة التي وثقت الجهود العلمية في نقد متن الحديث:

1- اهتمام المحدثين بنقد الحديث: سنداً ومتناً، ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم للدكتور/ محمد لقمان السلفي.

2- جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف للدكتور/ محمد طاهر الجوابي.

وفي هذين الكتابين الجليلين سوف يجد الراغب في معرفة الحقيقة الكثير عن:

– تحري الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في نقد الحديث:

– تأسيس علم الجرح والتعديل.

– أسماء علوم نقد متن الحديث.

– أسماء أئمة علماء نقد متن الحديث وكيف اهتموا بصيانة متن الحديث.

– منهج نقد متن الحديث.

– أبرز قواعد نقد متن الحديث.

– أشكال من نقد متن الحديث.

– تدوين علم نقد الحديث.

– نماذج من مؤلفات علماء نقد متن الحديث.

– ردود على الشبهات الطاعنة في متن الحديث.

س: كيف واجه المسلمون الأحاديث غير الصحيحة؟

ج/ اشترط المحدثون سلامة أسانيد الروايات في الظاهر من جهة اتصالها وعدالة رواتها وضبطهم، ومن مراعاتهم لذلك: البعد عن المحاباة، وقبولهم روايات المخالفين في الاعتقاد من أهل الفرق المبتدعة ممن عرفوا بالصدق والسلامة الدينية من الفسق في العمل والسلوك، وعدم وصول بدعتهم بهم إلى حد الكفر، وعدم تزعمهم للدعوة إلى بدعتهم، وبالاجتهاد في تحصيل الحديث والضبط والإتقان؛ تقديماً لمصلحة السنة والرواية.

– عناية المحدثين باستخراج العلل الخفية وعدم الاكتفاء بشروط الصحة الظاهرة، فصحة السند شرط من شروط الحديث لكنه ليس موجباً لصحتها لأن هناك شروطاً أخرى مثل انتفاء علّته، وعدم شذوذه ونكارته، وعدم مخالفة الثقات أو أن يشذ عنهم. ثم هناك مرحلة جمع سائر أسانيد الحديث وطرقه والمقارنة بينها، والنظر في مدى الاتفاق والاختلاف بين الرواة ثم ترجيح رواية الأثبت والأوثق حال الاختلاف فتستبين بذلك العلل الخفية، وهذا يقتضي معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف.

– تحديث المعلومات عن الرواة برصد الإشكالات الطارئة، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق، فتوثيق الرواة لا يعني أنها تظل صفة له طول عمره، فالرواة قد تعتريهم حالات عارضة تؤثر في قدراتهم الذهنية، وفي مستوى أدائهم للحديث بسبب تقدمهم في السن، أو مما قد ينزل بهم من مصاب، كما أن بعضهم يختلف ضبطه وإتقانه في حالة وجود صحفه معه من عدمها، وقد وضعت لكل ذلك قواعد دقيقة في الرصد والتعامل معها.

– نقدهم للمتون، ولو صحت أسانيدها في الظاهر فذلك كان من أبرز طرق الحكم على الراوي بالصدق أو الكذب، وبالضبط أو الضعف. وقد وضع علماء الحديث قواعد دقيقة في معرفة نقد المتون مثل: ركاكة اللفظ، وفساد المعنى وسماجته، وتكذيب الحس له، والمجازفات، ومخالفته لصريح القرآن والسنة الصريحة ولحقائق التاريخ، وموافقته لمذهب راوٍ متعصب لمذهبه، أو تضمنه أمراً من شأنه أن تتوفر الدواعي لنقله لحدوثه في مشهد عظيم ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا واحد، أو اشتمال الحديث على إفراط في الثواب على الفعل الصغير والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.(4)

س: هل توجد أمثلة على تشدد رواة الحديث في معاييرهم؟

ج: بلغ تشدد المحدثين مبلغاً كبيراً في تطبيق معايير الحديث الصحيح، ووضعوا كتباً خاصة بالضعفاء. ومن الأمثلة على نزاهتهم في حكمهم على الرجال هذه الأصناف التي حفظها التاريخ: (5)

1- المجرحون لآبائهم: الإمام علي بن المديني سئل عن أبيه فقال: سلوا عنه غيري.. فأعادوا المسألة فأطرق ثم رفع رأسه فقال: هو الدين.. إنه ضعيف!

2- المجرحون لأبنائهم: الإمام أبو داود السجستاني صاحب السنن، قال: ابني كذاب. ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه!

3- المجرحون لإخوانهم: زيد بن أبي أنيسة: قال: لا تأخذوا عن أخي يحيى المذكور بالكذب!

4- المجرحون لأصهارهم وأختانهم: شعبة بن الحجاج قال: لو حابيت أحداً لحابيت هشام بن حسان كان ختني، ولم يكن يحفظ.

5- المجرحون لبعض أقاربهم: أبو عروبة الحراني: قال الذهبي في ترجمة الحسين بن أبي السري العسقلاني: قال أبو عروبة: هو خال أمي، وهو كذاب.

6- ومن الذين لم يحابوا مشائخهم: ما قاله الإمام مالك: (إن من مشائخي من أستسقي به لكن لا أقبل منه الحديث)، وروى الإمام ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي قال: (اختلفوا يوماً عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكماً فقال: قد رضيت بالأحول يعني: يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة وهو شيخه ومنه تعلم وبه تخرج، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك، أو من له مثل نقدك يا أحول).

الهوامش:

1- في أهمية السند انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي،107. مصطلح الحديث ورجاله، د. حسن الأهدل، ص33. مصطلح التاريخ، أسد رستم، ص39 و46-48، مركز تراث للبحوث والدراسات، نقلا عن تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين، ص109-110، مصدر سابق. السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث في النحو العربي، ص33.

2 – مقدمة ابن الصلاح، ص19. مصطلح الحديث ورجاله، ص109. تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين، ص26، د. حاكم عبيسان المطيري، ص8، 2002م، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، لجنة التأليف والتعريب والنشر، نسخة إلكترونية. الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية، 107، نسخة إلكترونية.

3- الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية، ص107. اهتمام المحدثين بنقد الحديث: سنداً ومتناً ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم، د. محمد لقمان السلفي، ص120.

4- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص90. تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين، ص26. تثبيت حجية أصول السنة ونقض أصول المنكرين، أحمد بن يوسف، ص112، نسخة إلكترونية. وانظر أيضا الدراستين المتميزتين: اهتمام المحدثين بنقد الحديث: سنداً ومتناً ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم للدكتور/ محمد لقمان السلفي، وجهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف للدكتور/ محمد طاهر الجوابي (نسختان إلكترونيتان).

5- أفي السنة شك؟ ص54+57، أحمد بن يوسف، نسخة إلكترونية. الفكر المنهجي عند المحدثين، ص77-88. مظاهر الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة، د. عبد الرحمن الخميسي، مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، عدد10، 1426ه، نسخة إلكترونية. تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين، ص115 و118.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى