فكر

هل الإمامة من أصول الدين؟

الإمامة في الفكر الهادوي (2-4)

يتفق الزيدية – باستثناء الصالحة والسليمانية- مع سائر فرق الشيعة على وجود وصية بالإمامة لعلي وابنيه الحسن والحسين، ثم هم يختلفون حول طبيعة هذا النص وهل هو خفي أم جلي؟ فما يراه بعضهم خفيا يراه آخرون جليا ويحشدون له أحاديث صريحة في النص الجلي على علي ووفق طريقتهم في حشو الحديث بلا تفكير ولا روية طالما كان يخدم فكرة الإمامة الهادوية.. ولو كان مخالفا لنصوص أخرى أو لمنطق أحداث التاريخ في صدر الإسلام.. ولو أدى الأمر بهم إلى حذف حديث صحيح عندهم في مسند زيد يقرر أن الخلافة في كل قريش! ولو كانت هذه الأحاديث المكذوبة تؤجج نيران الخلافات المذهبية والأحقاد والثارات بين المسلمين من أبناء الوطن الواحد! ومنهم من يورد أحاديث موضوعة يكفر بها كل من لا يقبل إمامة علي والحسنين!

وعلى قدر إصرار الشيعة على الترويج لألوهية فكرة الإمامة، وأنها فرض الفرائض وأوكدها، وحصرها في علي وذريته بنص أو أمر إلهي لا دور للبشر فيه، أو بمجموعة من الدعاوى؛ إلا أن هناك حقائق ومعطيات معروفة: قديما وحديثا تنسف هذه الفكرة من أساسها، نوجزها في النقاط التالية تلخيصا مما كتبه ابن تيمية في منهاج السنة ردا على زعم صاحب كتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) في أنها من أهم أصول الدين: (1)

1- القول بأن الإمامة هي أهم المطالب في أحكام الشريعة، وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين سنيهم وشيعتهم، بل هو كفر فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة مما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله:

– قال تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم فخلوا سبيلهم} [التوبة : 5].

– وقال: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين..} [التوبة : 11]

– وعن النبي صلى الله عليه وسلم: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها..}. رواه الشيخان، ومثله ما قاله النبي لعلي في غزوة خيبر.

ومن الواضح في النصوص السابقة أن الإيمان بالله ورسوله في كل زمان ومكان أعظم من مسألة الإمامة، فلا ذكر هنا للإمامة بحال، وجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة، ولم يذكر للناس إن أرادوا الدخول في الإسلام الإمامة لا مطلقا ولا معينا، ولم يحتاج إليها من مات على عهد النبي فكيف تكون أشرف مسائل وأهم المطالب ولا يحتاجون إلى بيان فيها؟

2- لو كانت الإمامة أهم مطالب الدين فقد كان يجب بيانها من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج، وأمور الإيمان بالله وتوحيده، واليوم الآخر؛ فهذا مما يترتب عليه الفوز والنجاة في الآخرة لكن ما نص عليه القرآن مخالف لذلك فلا نجد فيه إلا أمثال هذه الآيات المحكمة:

– قال تعالى: { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} [النساء : 13]. وقوله: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا}. [النساء : 69].

3- يضع الشيعة مسألة الإمامة في آخر مراتب أصول العقيدة عندهم مقدمين عليها أصول: التوحيد، والعدل، والوعد الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ينقض قولهم إنها أشرف أهم مطالب الدين.

4- ليس من المعقول ولا من مقتضيات اللطف الإلهي أن قضية مثل الإمامة وحصرها في علي وبنيه تكون بهذه الخطورة، والأهمية في دين الإسلام وحياة المسلمين وإيمانهم ثم لا يوجد في القرآن كله آية واحدة صريحة في الحديث عنها وعن حق علي وبنيه فيها تحسم الخلاف بين الناس، وتقي المسلمين خلافات مئات السنين وأنهارا من الدماء سالت بسببها حتى داخل إطار الهاشميين والعلويين أنفسهم.. ولا سيما أن القرآن تضمن أحكاما كثيرة في مسائل هي أقل أهمية بكثير مثل مسائل المواريث، والحيض، وقضاء الحاجة والطهارة… إلخ.

وبالنظر إلى الآثار المدمرة للخلاف حول الإمامة في حياة المسلمين ( والتي وصلت بغلاة الشيعة إلى الكفر؛ كادعاء فرقة الغرابية خطأ جبريل عليه السلام في تبليغ الرسالة إلى النبي محمد بدلا من علي بسبب تشابهما كتشابه الغراب مع الغراب، والنيل من النبي نفسه بتهمة التقصير وعدم توضيح الأمر للناس؛ فضلا عن النيل من علي نفسه الذي  تطاول عليه بعض متعصبي الهادوية لتقصيره في المطالبة بحقه).. بالنظر إلى كل ذلك فإن عدم التطرق للإمامة في القرآن هو أقوى دليل على أنها ليست من مسائل العقيدة وأصول الدين، ومن باب أولى ألا تكون الوصية نصا لعلي وأبنائه من بعده جزءا من العقيدة، ومحورا من محاور الدين، والكفر والإيمان، والولاء والبراء!

5- وتأكيدا على ما سبق؛ فإن الخلافات العميقة والواسعة بين فرق الشيعة ذاتها حول الإمامة: فكرة، وأشخاصا (حتى بالنسبة للحسن بن علي فالإسماعيلية الشيعة لا يعدونه إماما حقيقيا بل هو وفق تعبيرهم مستودع لها أي إمام مؤقت حتى تؤول إلى الإمام الحقيقي وهو الحسين بعد موته) تؤكد عدم النص عليها لا في القرآن – كما يزعم غلاة الشيعة عن وجود آيات كثيرة عنها حرفت أو حذفت- ولا في السنة النبوية ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه كما يزعم كل الشيعة! فمن غير المعقول أن النبي الكريم الذي قضى كل أيام رسالته معلما للمسلمين وهاديا لهم إلى دقائق حياتهم ومعيشتهم وأحوالهم وعلاقاتهم العامة والخاصة.. من غير المعقول ألا يعلمهم شيئا واحدا صريحا عن الإمامة طالما أنها من أصول الدين، ولا عن الوصية لعلي وذريته.. وهو صلى الله عليه وسلم الذي علمهم – كما قال أحد اليهود- حتى خصوصيات آداب الطهارة، وإتيان الغائط، ومعاشرة النساء في نصوص صريحة واضحة لا تحتمل الخلاف ولا التأويل!

فهل الوصية بآداب قضاء الحاجة والمعاشرة الزوجية أكثر أهمية عند النبي الكريم من مسألة من مسائل الأصول – كما يزعم الشيعة- مثل الإمامة والحق الإلهي حتى لا يجد الرسول شيئا واضحا يقوله إلا (من كنت مولاه فعلي مولاه) صحيح أو (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) صحيح؟ أو غيرها من النصوص – نتكلم هنا عما صح وليست أكوام الخرافات المكذوبة الموجودة عند الشيعة- التي أقر حتى بعض كبار الهادوية الشيعة أنها ليست جلية؛ فضلا عمن ينكر الوصية من أصلها ويقر بأن الخلافة شورى بين المسلمين!

وهل من المعقول أن النبي الكريم الذي كان يحرص على تسمية قادة الجيوش والسرايا، ويحدد أحيانا أسماء القادة الذين يتولون القيادة في حالة استشهاد القائد الأول.. هل من المعقول أن يترك أمرا من مثل أمر خلافته وولاية المسلمين – إن كان لديه أمر إلهي أو كانت من أصول الدين- دون توضيح أو تصريح للمسلمين يقطع به الشك باليقين، ويحفظهم من الخلافات بل من عصيان أمر الله ومخالفة رسوله؟

6 – تؤكد مجريات الأحداث عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى بيعة أبي بكر الصديق أن النبي لم يترك وصية لعلي ولا لابنيه ولا لذريته.. وهو أمر لو كان قد حدث لما اختلف فيه الصحابة ممن دفعوا الدماء والأنفس والأموال طاعة للنبي الكريم فيما هو أقل شأنا من ذلك، ولما سارع الأنصار – الذين لا يدينهم هادوية اليمن كما يفعلون مع الخلفاء الثلاثة؛ رغم أنهم أول من سعى لتنصيب خليفة للنبي من بينهم- إلى سقيفة بني ساعدة للتداول في أمر خلافة النبي بعد موته، وترشيحهم للصحابي سعد بن عبادة لها لأنهم الأحق بها، ثم لحاق الصديق والفاروق وأبي عبيدة بهم، والحوار الذي دار بين الجميع حتى تم اختيار أبي بكر خليفة.. ففي كل تلك المواقف لم يقل أحد على الإطلاق أو يشير أو يلمح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوصى بالخلافة بعده لعلي بن أبي طالب، والحاضرون لم يكونوا مجموعة صغيرة بل بلغ عددهم قرابة 300 من قادة الأنصار من الأوس والخزرج فضلا عن الثلاثة من كبار المهاجرين الذين لحقوا بهم.

7- وحتى علي نفسه وبنو هاشم سكتوا ولم يحتجوا على حرمانهم من شيء أوصى الرسول لهم به! وغاية ما حدث – كما يقال- أنهم تحفظوا على إبرام الأمر دون مشاركتهم!

****

[ وحتى هذا التحفظ المزعوم على الإبرام دونهم  ليس حجة؛ فالإمام علي هو الذي حاجج معارضيه بعد توليه الخلافة بأن لا حق لهم في معارضته بحجة عدم مشاركتهم في البيعة قائلا كما في نهج البلاغة: (.. ولعمري لو كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار)… وفي نهج البلاغة نص قالوا إنه جرى بين علي وبعض من نقل إليه ما جرى في سقيفة بني ساعدة من تبادل الحجج بين المهاجرين والأنصار؛ فلم يشر فيه وهو يعلق على ما جرى إلى أمر الله ولا وصية النبي له بالإمامة، وغاية ما قاله أن لا حق للأنصار في المطالبة بالإمامة لأن الرسول وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؛ مستدلا بذلك على أن الإمارة لو كانت فيهم ما كانت الوصية فيهم! وهذا الحكم لسوء حظ الشيعة ينطبق على أهل البيت أنفسهم فلو كانت الإمارة فيهم ما وصى النبي بالإحسان إليهم والمودة بهم!).. وعندما علق علي على قول قريش (المزعوم) أن الخلافة فيهم لأنهم شجرة الرسول لم يجد علي أكثر من القول بزعمهم: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة! وبغض النظر عن صحة الكلام المنسوب لعلي فقد كان الوقت ساعتها مناسبا للحديث أو التذكير بأحاديث الوصية له بالخلافة، وتذكير المسلمين بها! فلما لم يفعل ثبت أنها من أكاذيب الشيعة، وحاشا علي أن يكذب على أحد فضلا عن النبي الكريم!].

****

واستمر موقف علي وبني هاشم هذا حتى مقتل عثمان واضحا أنهم لا يرون لهم في الخلافة حقا إلهيا ولا بوصية نبوية معروفة عند الناس، وفي الأيام التي تلت مقتل عثمان، وفرغ منصب الخليفة امتنع علي عن الاستجابة لطلب المتمردين في أن يكون خليفة، وتهرب منهم واختبأ عنهم، وحتى دعاهم إلى أن يبحثوا عن شخص آخر بدلا منهم كما هو ثابت عن الشيعة، وظل بعدها يذكرهم بموقفه هذا وأنه هو الذي رفض دعوتهم له لتولي الخلافة، وأنهم هم الذين تكأكأوا عليه.. فأين هي إذن الوصية والحق الإلهي والأمر النبوي؟

وعندما كان علي في سكرات الموت الأخيرة أوصى بنيه وأهله بوصية موجزة ليس فيها شيء عن الإمامة ولا الحق الإلهي؛ بل من تقواه أنه حذرهم من المثلة بقاتله، فكانت وصاياه مما يليق بصاحب رسول الله وفارس الإسلام والمبشر بالجنة رضي الله عنه وأرضاه إذ قال كما جاء في نهج البلاغة وغيرها من كتب الشيعة المعتبرة عندهم : [ أما وصيتي بالله عز وجل: فلا تشركوا به شيئا، ومحمدا صلى الله عليه وسلم فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين…]، فلا تحدث عن حق إلهي ولا نص جلي ولا خفي ولا أوصى بالخلافة – وحاشاه أن يفعل ذلك- لا للحسن ولا للحسين من بعده وإلا كان دخل في زمرة الملوك وليس الخلفاء الراشدين، ويروي الهادوية – في الحدائق الوردية في  مناقب أئمة الزيدية لحميد الحلي- أن الحسن بكى وهو يرى أباه يلفظ أنفاسه فوصاه بكلام ليس فيه شيء لا عن الإمامة ولا عن حصرها في ذريته!

وقد أوصى علي – كما هو ثابت عند الهادوية في باب الوصية- بكيفية التصرف في أمواله، ومنها ممتلكاته في ينبع، ووادي القرى، والأذينة، وراعة، وفي تحرير فتيانه ممن هم عبيد له.. فهل هذه المسائل أكثر أهمية من الوصية الصريحة بالخلافة لذريته بحقهم المزعوم بالإمامة بعده؛ وسواء أكان ذلك للحسن والحسين أو لمن جاء بعدهما من ذريتهما لمن خرج شاهرا سيفه، أو توارث الأمر بنص من أبيه؟

ولو كان هناك نص جلي أو خفي لذاع في السنوات الخمس التي حكم فيها علي جزءا كبيرا من بلاد الإسلام، ولاستقر الأمر عند الجميع لكن الثابت أن ذلك لم يحدث إطلاقا بدليل اختلاف الشيعة أنفسهم فيها اختلافا لم تعرفه فرقة من فرق المسلمين! وفي خطب لعلي موجودة في نهج البلاغة – بغض النظر عن صحته فهو حجة على الشيعة- تحدث عما تركه النبي لأمته بعد موته من طريق واضح وعلم قائم فلم يذكر شيئا عن الإمامة والوصية له ولبنيه بالإمامة! (انظر مثلا الخطبة رقم 1)، وفي الخطبة التي بعدها المسماة الشقشقية التي تتحدث عن الخلافة – وتتضمن آراء مزعومة شديدة ضد تقدم الخلفاء الثلاثة السابقين عليه- لم يأت فيها أنه يستحقها دونا عنهم بأمر من الله أو بوصية من النبي، ولا ذكر حديث الغدير الذي يحتجون أنه وصية صريحة لعلي بالخلافة، ولا ذكر غيرها من الأحاديث المكذوبة التي يروج الشيعة أن النبي قال فيها إن عليا خليفته، ويسندونها لعلي وأبنائه!

ولو كان هناك نص جلي وأحاديث من تلك التي يلفقها الشيعة أن النبي قالها في الوصية بالخلافة لعلي وابنيه وأهل بيته لجادل بها من جاءوا بعد الإمام علي؛ لكن لا يوجد في أوثق سيرة عند الهادوية:(الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية) شيء في سيرة الحسن والحسين ولا زيد بن علي عن استحقاقهم للخلافة بوصية ونصوص جلية من النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الإمام زيد بن علي يروي له الهادوية في مسنده – المعتمد عندهم أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم- حديثا عن أبي خالد الواسطي ينسف خرافة الوصية بإسناد الخلافة لعلي وبنيه من أساسها، وبنص جلي أو خفي:

[ قال: سألت زيد بن علي عليه السلام عن الإمامة فقال: هي في جميع قريش، ولا تنعقد إلا ببيعة المسلمين فإذا بايع المسلمون وكان الإمام برا تقيا عالما بالحلال والحرام فقد وجبت طاعته على المسلمين].(2)

وإجمالا فإن نهج البلاغة خال من أي حديث عن حق علي وبنيه في الإمامة، وهذه مسألة مهمة لأن بعض المتشيعين المتحذلقين يصرون على أنه تمت عملية إخفاء وطمس متعمدة لخطب النبي صلى الله عليه وسلم في صلوات الجمعة لأنها بزعمهم كانت تتحدث عن الشورى والنظام السياسي الإسلامي – وربما الحق الإلهي- فها هو نهج البلاغة يتضمن بزعمهم عددا كبيرا من خطب علي وهي خالية من الحديث عن الشورى، والنظام السياسي، والإمامة والوصية، والحق الإلهي في الوقت التي تضمنت مسائل في العقيدة عن الصفات مثلا على طريقة المعتزلة والمتكلمين المتأخرين، ولم تعرف إلا بعد موت علي بأكثر من مئة عام!

فهل تآمر الشيعة وأهل البيت بدورهم على طمس آراء علي في هذه المسائل المهمة؟

ولكيلا يقال شيء سلبي عن الاستشهاد بكلام ابن تيمية في موضوع الإمامة؛ فنحن هنا ننقل تلخيصا لكلام مشابه لأحد مثقفي الهادوية وهو الأخ/ عبدالكريم علي شرف الدين: (3)

– نفي وجود نص جلي عند زيدية اليمن عن إمامة علي بعد النبي بلا فصل، وهو ما يقرره كتاب شرح الأزهار لأحمد المرتضى، وعبدالله بن حمزة في العقد الثمين، فلو وجد النص الجلي ( لنقل وظهر إذ هو مما تعم به البلوى) على رأي ابن المرتضى!

[ الحقيقة أن هادوية اليمن مختلفون في هذه القضية كغيرها من قضايا الأصول والفروع، وحتى عبدالله بن حمزة يوجد له كلام واضح بأحقية علي في الخلافة بناء على نصوص أوردها في كتابه الشافي؛ فيها من العتو والتكفير مما تقشعر له الأبدان؛ ما يناقض كلامه الذي أشار إليه شرف الدين في العقد الثمين!].

– لو صح أن النصوص القرآنية والنبوية قد أسندت الإمامة بعد النبي إلى علي لكان الصحابة كلهم عصاة لله ورسوله؛ وليس أبوبكر وعمر وعثمان فقط؛ لأنهم خالفوا تلك النصوص التي صار تنفيذها واجبا على الصحابة كافة، وعلى علي خاصة، ولكان الإمام علي هو أيضا من جملة العصاة لأنه سكت عن المطالبة بتنفيذ ما أمر به الله ورسوله، ولأنه هادن أبابكر ثم عمر ثم عثمان على عصيانهم ومخالفاتهم لتلك النصوص التي صار تنفيذها واجبا. ومن المعلوم أن السكوت على عصيان الله ورسوله هو من سجايا الجبناء ومهادنة العاصين الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم، ومن صفات المنافقين، وحاشا الإمام علي من هذا كله!

– لا يمكن للخلفاء الثلاثة الذين تربوا على مائدة الاسلام، ورضي الله عنهم من ضمن 1400 صحابي رضي الله عنهم في بيعة الرضوان تحت الشجرة أن يعصوا أمر الله ورسوله في إسناد الإمامة لعلي لو كانت هناك نصوص تأمر بذلك.

– لو كانت الإمامة قد أسندت الى علي لما نهى القائلين له بأنه أحق بخلافة النبي من أبي بكر، ولما ردهم عما قالوا وما رأوا: تارة بالحزم والشدة، وتارة باللين، كما تقول الشيعة إنه حدث من أبي سفيان وعمه العباس وبعض بني هاشم!

– لو كان هناك نص واضح جلي من الله ورسوله بإسناد الخلافة إلى علي بعد الرسول لأشار اليه في أي خطبة من خطبه التي تضمنها نهج البلاغة!

(انتهى كلام عبدالكريم شرف الدين).

وأما ما يعتقده الشيعة – تبريرا لعقيدة حصر الإمامة في ذرية علي- بأنها بسبب ظلم بني أمية لهم، وما لا قاه الثوار منهم من قتل وتشريد وحرمان لهم من الخلافة وهم أقارب النبي! فهي حجة لا تصلح لتكون مسوغا لفكرة حصر الإمامة في البطنين ولا في البطن الواحدة من ذرية علي، ولا في الذين هم من خارج البطنين! فأمور الأمة وسياستها السياسة الراشدة لا تقوم على هذه الحجج، ثم إن الشيعة أنفسهم تجاوزوا حجة المظالم والحرمان وأبطلوها من أساسها بادعاء وجود نصوص مقدسة! وفي كل حال فالحجة لا تخرج عن كونها وسيلة شعبوية لتهييج العامة والجهلة وكسبهم للفكرة، وتحريضهم ضد كل من يرفضها بأنه معاد لأهل البيت النبوي، ناصبي، عميل للأمويين والعباسيين الذين سفكوا دماء آل البيت من أبناء النبي دون مراعاة حرمتها!

وحجة المظالم هذه لا تستقيم للنقد طويلا.. فأولا نشأت فكرة التشيع لعلي وأحقيته بالخلافة – كما يقول الشيعة- مبكرا، وبعضهم يعيدها إلى نتائج اجتماع السقيفة، وآخرون إلى زمن خلافة علي، ورفض معاوية والأمويين وأنصارهم مبايعته وصولا إلى تفرد معاوية والأمويين بالسلطة بعد وفاة علي.. وبمعنى آخر فإن الأمر لم يحتج لسفك دماء آل البيت ولا قتلهم لتظهر فكرة استحقاقهم للخلافة وحصرها في البطنين أو البطن الواحدة!

ولو وضعنا حجة المظالم تحت مجهر المصداقية؛ فإن هناك من نسل الأنصار من سيقول مثلها في أنهم اضطهدوا وحرموا الخلافة، وتعرضوا للقتل واستباحة الاعراض من قبل جند يزيد كما لم يحدث للعلويين؛ مما يجعلهم الأحق بالخلافة.. وجماعات الخوارج نالها من القتل وسفك الدماء على أيدي خصومهم بدءا بالإمام علي ثم الأمويين خاصة ما يجعلهم يطالبون بأنهم الأحق بالخلافة، كما أن العباسيين بدورهم وهم من بني هاشم آل النبي هم مثل العلويين أيضا يؤمنون بأنهم يستحقون الخلافة أكثر من الأمويين؛ بل أكثر من العلويين لأن العباس عم النبي أقرب له نسبا من علي، وكذلك نالهم نصيب من سفك الدماء في صراعهم مع الأمويين.. وفي الخلاصة فإن العباسيين والعلويين فعلوا الأفاعيل بعد توليهم السلطة بغيرهم من المسلمين من شتى القبائل جزاء لمعارضتهم لهم، ويكفي أن نتذكر فقط ماذا صنع العلويون باليمنيين طوال 1200 عام من حكمهم لليمن حتى نعلم أن الحجة ارتدت عليهم، ويحق للمظلومين من حكمهم أن يرددوا الحجة نفسها في رفض إمامة العلويين وحصرها في القحطانيين أهل اليمن!

ويبدو أنها حجة مكررة في التاريخ البشري تستخدمها الأقليات ( ذات المشروع السلطوي العنصري)؛ فإنها تتحجج بالمظالم التي وقعت لها لتبرير مشاريعها بل وتحولها إلى عقيدة عنصرية لا تتردد في سفك دماء كل من يقف بوجهها.. وأبرز مثال على ذلك في العصر الحديث هو المشروع الصهيوني العنصري! وننبه هنا إلى عبارة (الأقليات ذات المشاريع السلطوية العنصرية) كلازمة لتحول أي أقلية تعرضت للاضطهاد (بغض النظر عن صحة الدعاوى) إلى سلطة عنصرية تمارس الاضطهاد بكل أنواعه في حق معارضيها، أو من يقف في طريق وصولها إلى السلطة.. والدليل على كلامنا هذا أن هناك أقليات كثيرة عانت من الاضطهاد والتهميش وسلب الحقوق بأسوأ مما حدث مع الهاشميين والعلويين واليهود لكنها لم تتحول – بعد تمكنها من السلطة أو بعد استعادة حقوقها الوطنية- إلى سلطات قمعية استبدادية عنصرية لا تقبل الآخرين، أو تجعل مما حدث لها حجة للحصول على امتيازات عنصرية، أو ادعاء سيادة على الآخرين؛ بل تعاملت بتسامح مع مضطهديها، وتقبلت اعتذارهم، وألقت على الماضي الأليم ستارا من التسامح وتغليب مصلحة الوطن على أوهام الأحقاد والانتقام.. وأوضح مثال على هذه الأقليات: هو الأقلية السوداء في الولايات المتحدة، والأكثرية السوداء في بلدان التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.. ومثلها الأقليات المسلمة في بلاد البلقان: البوسنة والهرسك، وكوسوفو، والأقليات من السكان الأصليين في بعض البلدان التي تعرضت للاستعمار الاستيطاني الأوربي كما هو الحال في أستراليا والولايات المتحدة ونيوزلندا.. إلخ.. فكل تلك الأقليات اكتفت باستعادة حقوقها الإنسانية والوطنية، وقبلت التعايش مع مضطهديها وظالميها ومعظمهم ظلوا هم الحكام والمسيطرين على كل شيء!

الهوامش:

1- مختصر منهاج السنة، أحمد بن تيمية، الجزء الأول، ص28 وما بعدها. ط3، 1995، اختصره الشيخ عبدالله الغنيمان، مكتبة الكوثر في الرياض ودار الأرقم ببريطانيا.

2- عن حديث زيد بن علي عن الإمامة وموقف الزيدية من صحة الحديث: إثباتا وإنكارا: انظر الحدائق الوردية لبيان حقيقة أصول الدين عند الزيدية المتفق عليها مع سائر الأمة المحمدية، علي أحمد مجمل، ص45، ط1، 2012، دار النشر للجامعات صنعاء.

3- لمحات عن زيدية اليمن وعن الإمامية وعن الإسماعيلية، عبدالكريم علي شرف الدين، بدءا من ص 93، ط1، 2006.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى