أشتات

التعصب: مقارباتٌ في المفهوم والمآلات

سلسلة: التعصب الطائفي ... مقاربة في التشخيص والعلاج (4-5)

إنَّ الطعن والتقبيح في مساق الرَّد أو الترجيح ربما أدى إلى الغلو والانحراف في المذاهب، فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة. قال الغزالي في بعض كتبه، فيما نقلته عنه د. نوَّار بن الشلي: “أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهي التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل”. وقديماً قالوا: كفي المرء نبلاً أن تُعد معايبه (1).

والتعصب يأتي ثمرة للجهل وعدم العلم؛ لأن التعصب يتناسب طرداً مع قلة العلم والمعرفة، فانفتاح العالم، وحقبة العولمة، ومعاهدات الشراكة على المستويات السياسية والاقتصادية والمعلوماتية، هنا وهناك، تتطلب وجوداً أو حضوراً، ويشكل فرصاً يمكن التقاطها والإفادة منها، إذا كنا بمستوى قيمنا وتراثنا وإسلامنا، وعصرنا، ذلك أن انتشار الإسلام وظهوره امتد تاريخيًا في فترات السلم والأمن والحرية أكثر من فترات العنف والمواجهة التي لم تأت بخير. وبدلاً من أن يكون الحوار حلاً لمشكلة التجافي والتباعد وعدم التفاهم وتوسيع دائرة المشترك وتفكيك التعصب والتحزب، يصبح مشكلة يساهم سلبيًا في تصليب التعصب والانغلاق والتحزب والتشرنق، ويتحول لتسويغ وتأجيج المواجهة والصراع.

يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “إنني أعشق المقارنة، لأنه ثبت لي أنها تكسر حدة التعصب، كما أنها تزيل عن الأعين الكثير من الغشاوات، وعن العقول الكثير من الأوهام”(2). والناس كلما عرفوا أكثر وأكثر عن بعضهم خفت حدة التعصب لديهم.  إن التعليم هو أعدى أعداء التعصب. وكثيرا ما يكون الاتباع أكثر تعصبا لنظرية أستاذهم من الأستاذ نفسه.

إن التعصب سبب لترسيخ العقائد في النفوس، وهو من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعاوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة. وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه. ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الاتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسموه ذبا عن الدين ونضالا عن المسلمين. وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس(3).

كما أن العرض الأحادي للمسائل دون مقارنة أو نقد يكوِّن عقلية البعد الواحد، وينشر روح التعصب والتحزب (4).

وكثيرا ما يتعصب شعب أو فرد لماضيه نتيجة لسوء الواقع، فالأصالة والعراقة وأمجاد الآباء والأجداد هي أنشودة العالم الثالث اليوم(5). والتعصب للرأي واتهام المخالف، من أشد ما يصرف اهتمامات الناس عن الحوار (6). وكلما كان الإنسان أكثر انعزالا كان أكثر تعصبا وأضيق ذهنا (7). والأنانية ليست حبا أبدا، إنها تعصب وانطواء وغرور بينما يتضمن الحب دائما التسامح والإيثار والفهم. والحب الإنساني الذي يقف عند حدود الوطن، لا يكون في حقيقته حبا بل تعصبا (8).

التعصب والدين:

الفكر المأزوم مشوش بفعل التعصب، مما يعني صعوبة الإصلاح، بسبب تترس أخطائنا بالدين، واختلاط الأمر لدينا بين الثبات على الحق، وبين الجمود على الرأي المجرد، ومن مظاهر هذا الفكر تدافع وتبادل التهم، وانتقائية أو جزئية في الطرح والتقييم والتفكير، وقطيعة في غير موضعها(9). وكثيرا ما يغلف التعصب والانتماء غير المعقول بغشاوة من المعقولية، فيتحول إلى حقيقة في الظاهر، ثم مع تكرارها يصبح حقيقة مطلقة، لا يستطيع أحد أن يردها، وإن فعل وُسِمَ بالجهل والتعنت(10).

إن الذي يفرض عقيدته على مخالفيها بقوة العنف يعتقد اعتقادا راسخا أنه يرغمه على الهدى والخير. وحتى إذا أباده فهو قضى على الكفر والشرك ومحق الشر، وقمعُ المخالفين عند (أوغسطين) حلال بل واجب، وإذا قامت به الكنيسة، فهو قمع عادل، أما قمع من يسميهم الكفار لأبناء الكنيسة كالذي تعرض له الحواريون فهو جائر وظالم. يقول أوغسطين: “إن هناك قمعا ظالما هو قمع الكفار لكنيسة المسيح، وقمعا عادلا هو قمع كنائس المسيح للكفار، فالكنيسة تقمع بمحبة، والكفار في قمعهم لأبناء الكنيسة وحشي”. ولا ندري كيف يكون القمع بمحبة؟ (11).

والتدين يجب أن يرافقه وعي، وإلا أصبح هوسا وتعصبا مرعبا. ولنثق كل الثقة بأنه كلما ضعف إيمان الإنسان، وتلاشي، زاد تعصبه، وكذلك كلما زاد جهله زاد تعصبه، وينطبق هذا على المثقف والجاهل. والإمام أبو حنيفة كان تاجرا في السوق مما جعل آراءه الفقهية قريبة من واقع الناس المُعاش، وهو ما انعكس على معظم تلاميذ الإمام، وعلى كل من تبنى المدرسة الفقهية الحنفية (11). والذي أراه (والكلام للشيخ محمد الغزالي)” أن التعصب المذهبي مرض نفسي أو أنانية خاصة أكثر مما هو حماسة دينية ومصلحة عامة”. (12).

التعصب والتطرف:

من الطبيعي كما يشير إلى ذلك د. أمين معلوف أن يبرز في كل جماعة مضطهدة محرضون يتميزون بشراستهم أو انتهازيتهم، فيروجون خطابا متشددا ينكأ الجراح، ويعتبرون أنه لا يجب استجداء احترام الآخرين، لأن هذا الاحترام حق مكتسب، بل يجب فرض هذا الاحترام على الغير. (13)..

إن التعصب نادى القوم فاجتمعوا ****يوما وأيقظ فيهم نائم الفتن -------- أفنوا خيارهم قتلا وتهلكة****وصيروا الجهل فوق الدين والوطن

وقد أورد الدكتور جعفر شيخ إدريس واحدة من تجاربه في الغرب المتعصب العنصري، وكانت هذه التجربة صادمة له، ومفاد هذه التجربة أنه ناقشت أحد الشباب الأمريكان، وكانوا جميعا طلاب دراسات عليا في جامعة لندن، ناقشه في مسألة فلسفية فيها شيء من التعقيد، ففاجأه في نهاية المناقشة بأن قال له: أحب أن أعترف لك بشيء، قلت: ما هو؟ قال: لم أكن أظن أن أناسا من أمثالكم يمكن أن يكون لهم مثل هذا الفكر. (14). وهذا يعزز ما قاله الشيخ على الطنطاوي عن الغرب، من أن “النصارى متعصبون ويظهرون التسامح، ونحن المسلمون متسامحون بل متساهلون، ونظهر أحيانا التعصب”(15).

سيكولوجية المتعصب:

حين يكون المرء متعصبا لا يكتفي بأن ينطوي على ذاته وينسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضا أن يستبعد فضائل الآخرين وينكرها ويهاجمها، بل إنه في حالة التعصب لا يهتدي إلى ذاته، ولا يكتشف مزاياها إلا من خلال إنكار مزايا الآخرين. وهذا هو الفرق بين التعصب وبين الاعتداد بالنفس، الذي هو شعور مشروع، إذ أن الاعتداد بنفسه لا يبني تمجيده لنفسه، حتما، على أنقاض الآخرين، بل قد يعترف لهم بالفضل مع تأكيده لفضله هو أيضا، أما المتعصب فلا يؤكد ذاته إلا من خلال هدم الغير، ولا فارق عنده بين هذه العملية وتلك، لأنه يهدم غيره وليس في ذهنه إلا تأكيد ذاته، كما أنه لا يؤكد ذاته إلا مستهدفا الحط من الآخرين(16). وقد انطلقت ألسنة المتعصبين فيمن خالفهم حتى تكتمل محاسن من أحبوهم، وتعصبوا لهم من أئمتهم. وجرح العلماء حين يجد له مساغا يكون في غاية القسوة، لأنهم أعرف بالمقاتل، وأقدر على تسديد السهام، وأدرى بمخاتل الخصوم(17).

والمتعصب، في واقع الأمر، يمحو شخصيته وفرديته، ويذيب عقله أو وجدانه في الجماعة التي ينتمي إليها، بحيث لا يحس بنفسه إلا من حيث هو جزء من هذه الجماعة. ولو كان يؤكد نفسه بوصفه فردا له شخصيته المميزة لما أصبح متعصبا.  فالتعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد، ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج، وهي قيم قد تصلح في أي مجال ما عدا مجال الفكر. وهذا يؤدي بنا إلى صفة أخرى أساسية في التعصب، هي أنه ليس موقفا تختاره بنفسك، بل موقف (تجد نفسك فيه). ولو شاء المرء الدقة لقال: إن التعصب هو الذي يفرض نفسه على الإنسان، وهو أشبه بالجو الخانق الذي لا نملك مع ذلك إلا أن نتنفسه (18).

والتعصب يمثل حاجة لدى الإنسان إلى رأي يحتمي به، ويعفي نفسه من التفكير في ظله. والواقع أن الحماية هنا متبادلة: فالرأي الذي نتعصب له يحمينا، لأنه يؤدي إلى نوع من الهدوء أو الاستقرار النفسي، ويضع حدا لتلك المعركة القلقة التي تنشب في نفوسنا حين نستخدم عقولنا بطريقة نقدية. ولكننا من جهة أخرى نضمن الحماية لهذا الرأي ذاته عن طريق رفض كل رأي مخالف ومهاجمته بعنف، والسعي إلى) تصفيته) بالمعنى الحاسم لهذا اللفظ، وإذن فكل من المتعصب ورأيه أو عقيدته يحمي الآخر. وعلى الرغم من وضوح هذه الفكرة فان الإنسانية عاشت على ما تعتقد أنه (حقائق) ذاتية تتعصب لها بلا تفكير، فترة أطول بكثير مما عاشت على حقائق موضوعية تتناقش فيها بالحجة والبرهان. بل إن عدد أولئك الذين يقتنعون بآراء ومواقف يتعصبون لها دون نقد أو اختيار، في عالمنا المعاصر، يفوق بكثير عدد أولئك الذين لا يقبلون الرأي إلا بعد أن اختاره بالعقل (19).

والمتعصب سواء أكان يمينيًا محافظًا أو يساريًا تقدميًا، أو متطرفًا دينيًا، يرى نفسه الصانع الوحيد للتاريخ ومحركه ومالكه، ويعمل على فرض قناعاته على الأكثرية وتحويلها إلى قطعان بشرية مجردة من التفكير. والاختلاف الوحيد بين المتعصب المحافظ والمتعصب اليساري هو أن الأول يرغب في إيقاف حركة التاريخ بينما يحلم الثاني في تسريعها وتوجيهها بما يخالف سنن التاريخ وقوانين الاجتماع الإنساني.

والمتعصب لا يهتم بالشعب إلا باعتباره أداة لتنفيذ أهدافه. وهو يخاطب الشعب بالعواطف والبلاغة اللغوية، ويحشدهم بالدعاية والإثارة لتحقيق رغباته، والمفروض ـ عند المتعصب ـ أن جماهير الشعب لا تفكر وإنما يفكر لهم إنسان آخر، يعيشون كالأطفال تحت حمايته وسلطانه. لذلك لا يستطيع المتعصبون ـ سواء كانوا محافظين أو يساريين أم متطرفين دينيين ـ القيام بحركة تحرير حقيقية لأنهم أنفسهم ليسوا أحرارًا (20).

وعادة المتعصبين والمحرضين، أنهم يحرصون على حشد وتجميع الآيات القرآنية، التي تشرح الحقائق النفسية والعقائدية المتعلقة بالمخالف، ويتغافلون عن بسط وشرح الآيات التي تتحدث عن حقوق الآخر المخالف، ووجوب البر والقسط به. إن “المتعصب أعمى لا يعرف أعلى الوادي من أسفله، ولا يستطيع أن يميز الحق من الباطل، وقد يتحول المتعصب بالحرارة نفسها والقوة نفسها من محب إلى مبغض”(21). ومثال المتحيز، يشبه شخصا يعيش وحده في بيت من المرايا، فلا يرى فيها غير شخصه، أينما ذهب يمنة أو يسرة، وكذلك المتعصب لا يرى ـ رغم كثرة الآراء ـ غير رأيه، فهو مغلق على وجهة نظره وحدها، ولا يفتح عقله لوجهة نظر سواها، يزعم أنه الأذكى عقلا، والأوسع علماء، والأقوى دليلا، وإن لم يكن لديه عقل يبدع، ولا علم يشبع، ولا دليل يقنع.

يقول أصحاب مسيلمة الكذاب: والله إننا لنعلم أن مسيلمة كذاب، ولكن كاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. وهذا أوضح مثال عن التعصب الأعمى، يسيرون في جيش كذاب يعلمون أنه كذاب لأنه من قبيلتهم، ليحاربوا جيش نبي يعلمون أنه نبي لأنه ليس من قبيلتهم. والمتعصب إنسان لا يمكنه تغيير رأيه، ولا يريد ـ أيضا ـ تغيير الموضوع. والمتعصب شخص غارق في أهوائه وعواطفه، على مقدار ضعفه في استخدام عقله. و”المتعصب لا يدري أنه متعصب؛ لأنه لا يقرأ دوافعه جيدا، وهو يرى تعصب الآخرين الذي هو عنده (كالشمس في رابعة النهار)! أما تعصبه هو، فهو تمسك وثبات وحرص على الحق والتزام بالدليل”(22).

والتربية على التعصب ونقد ما عند الآخرين باستمرار؛ يكسب عقل المتربي غالبا صفة طرد الأفكار الجديدة – قبل التأمل فيها – ولو كانت صحيحة وجادة؛ خشية التأثر بها؛ فيؤدي به هذا المسلك إلى ركود عقله وضحالة فكره! و”إنسان القرن الحادي والعشرين مع أنه يتحدث باستفاضة عن العولمة والقرية الكونية إلا أن لديه انجذابا هائلا نحو الإقليمية والعنصرية والطائفية”. وفق تعبير الدكتور عبد الكريم بكار(23).

نتائج التعصب:

لقد أدى التعصب الطائفي والمذهبي المقيت إلى زرع الخلاف والشقاق بين أبناء الأمة، وتفتيت وحدتها، وتقسيمها إلى أمم متخاصمة تتقاتل وتتنازع، فاستغل العدو المتربص بها هذا الانقسام والفوضى، فبسط سيطرته عليها وأمعن في إذلالها وقهرها، وكان السبب المباشر في كل هذا انعدام المنهجية الصحيحة للحـوار بين أبناء الأمة الواحدة، ذلك أن الحـوار بين الفرق والمذاهب الإسلامية لا يكاد يبدأ جدالاً بالتي هي أحسن حتى تتسلل إليه الحدة والشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين والمسارعة إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشـبهة وسـوء الظن.

خاصة وأن داء التعصب لا يقف عند حد، إنما يسري حتى ضمن الحزبية الواحدة والطائفة الواحدة والعنصرية الواحدة، لأنه داء سار كالنيـران التي تأكل بعضها، إن لم تجد ما تأكله، فهو لا يتوقف عند حدود؛ وتصبح فتوى التكفير والتفسيق والارتداد والانحراف… جاهزة ومسبقة الصنع، وتُستباح الدماء والأعراض في أحيان كثيرة، باسم مصلحة الدعوة، ويستسهل الإقدام على الكذب ليصبح كذباً في سبيل الله، وتستباح المحرمات وتنتهك الأعراض لضرورة الدعوة، وانتصارًا للإسلام، وقد يصبح المشرك أكثر قربًا من المخالف بالرأي، وتسوغ الكثير من التصرفات بالنصوص، التي تنـزَّل على غير محلها، ويكثر الأنبياء الكذبة، أو الفقهاء المرتزقة، أو المثقفون من خونة الحقيقة، ويمكن أن يدّعى الإجماع، الذي لا وجود له إلا في ذهن قائله، لمسائل فقهية وتفسيرية كثيرة، حتى يعتبر الخارج عليها خارجًا عن الطاعة مفارقًا للجماعة، مستباح الدم(24).

إن العلاقات بين المذاهب انتهى بها المطاف في صورتها المعاصرة إلى اتجاهات ثلاثة(25):

الاتجاه الأول: يرى العودة إلى “اللامذهبية” التي كان عليها مسلمو العصر الأول، فلم تكن المذاهب إلا قيدًا على النص، وأصبحت عند المتأخرين التزامًا بمذهب لا ينبغي الخروج عليه، وإلزامًا برأي راجح أو مرجوح لا ينبغي اختيار غيره من مذهب آخر، ورأى هذا الاتجاه أن التمذهب بدعة، والتمسك به ضلالة. وهذا الاتجاه قرأ العقل الفقهي قراءة خاطئة، فالعقل الفقهي بنى على تعددية الآراء، وتباين في المناهج، وليس من مصلحة أحد هدم البناء الفقهي ـ وهو رصيد وثروة لا توجد عند أية أمة ـ تحت وهم الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة، وهي عودة لا تنهي الخلاف ولا تمنع من الاختلاف الذي هو من طبيعة الحياة العقلية في الإنسان.

الاتجاه الثاني: يريد إسلامًا بلا مذاهب، وهو يختلف عن الاتجاه الأول، لأنه يدعو إلى البدء في حركة توحيد بين المذاهب واسعة النطاق تبدأ بتوحيد المذاهب السنية، ثم المذاهب الشيعية ثم توحيد المذاهب الشيعية المعتدلة مع المذاهب السنية، ثم توحيد بقية المذاهب كالدرزية والإسماعيلية وغيرها، وهو اتجاه يحسب له حسن نيته، واستهدافه وحدة المسلمين، ولكنه محاولة ساذجة، فالأبنية الفقهية ليست ثقافة عامة، وليست عقلاً جمعيًا، وإنما هي بناء كلي متماسك له مصادره وقواعده، وله مناهجه وأساليبه، وتذويب المذاهب على هذا النحو يعني التضحية بالرصيد المذخور من تراثنا العقلي مقابل وهم اسمه الوحدة الثقافية.

الاتجاه الثالث: الذي يتبنى التعددية المذهبية في مجال التفكير، ويحاول الحد منها في مجال التطبيق.

والتعصب له خطره العظيم في تاريخ المسلمين، فكم هدم من أمم ودول ومدن؟ وكم أحدث من فتن وصراعات وقتال؟! والتعصب حين يطول أمده، فإنه يؤثر في الشخصية تأثيرا بالغا، إنه يصبح عبارة عن مصنع للنظارات التي يرى المتعصب الأشياء من خلالها. والأفكار الإقصائية والمتعصبة عندما تتوفر لها حاضنة اجتماعية تنتج تشنجا ومع تطورها وحماسة المتعصبين لها وتوفير الدعم المحلي والإقليمي لدعاتها يصبح انزلاق الشعوب نحو الاحتراب الأهلي أمرا متحقق وواقعا ملموسا. و”الفتنة والتعصب ليست فكرا يستحق التنظير والكتابة، لأن الاستغراق في اعتبار الفتنة فكرا، يعطي لها قيمة ووزنا وشأنا أكبر من حقيقتها، فالفتنة ما هي إلا رد فعل اجتماعي لحدث يقع”(26). وعندما ترى أن الحوار ـ حول قضية ما ـ يتجه إلى التعصب والاحتقان… حاول أن تخرج منه بهدوء، فبعد قليل سيبدأ تبادل الشتائم.

هوامش:

  1. د. نوَّار بن الشلي، فقه التوسط مقاربة لتقعيد وضبط الوسطية، كتاب الأمة رقم (129)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدوحة ـ قطر، ط1، 2009م. ص206
  2. د. عبد الكريم بكار، وجهتي في الحياة، رؤى وأفكار ومنهجيات آمنت بها، مركز الراية للتنمية الفكرية، جدة، السعودية، ط1، 2007م. ص10
  3. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، احياء علوم الدين، ج1، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 1406هـ ـ 1986م. ص41.
  4. د. عبد الكريم بكار، حول التربية والتعليم، دار القلم، دمشق، ط1، 2001م. ص252.
  5. د. عبد الكريم بكار، فصول في التفكير الموضوعي، منطلقات ومواقف، دار القلم، دمشق، ط3، 2000م. ص187.
  6. د. عبد الكريم بكار، تأسيس عقلية الطفل، مركز الراية للتنمية الفكرية، جدة، السعودية، ط1، 2007م. ص191.
  7. د. علي الوردي، مهزلة العقل البشري، محاولة جديدة في نقد المنطق القديم لا تخلو من سفسطة، دار كونان – لندن، ط2، 1994م. ص48
  8. د. خالد محمد خالد، الوصايا العشر، دار المقطم، مصر، ط7، 2003م. ص22.
  9. د. سلمان فهد العودة، شكرا أيها الأعداء، الرياض، الطبعة الأولى، 1431 هـ ـ 2011م. ص192.
  10. د. محمد باباعمي، مقاربة في فهم البحث العلمي، دار وحي القلم، دمشق ـ سوريا، الطبعة الأولى، 1434هـ ـ 2014م. ص25.
  11. مجموعة مؤلفين، تحرير وتقديم: عبد الإله بلقزيز، الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية من الفتنة إلى دولة القانون. 100.
  12. ياسر الغرباوي، الهروب من الحرب الأهلية ـ مصر نموذجاـ. ص102.
  13. الشيخ محمد الغزالي، دستور الوحدة بين المسلمين. ص116.
  14. أمين معلوف، الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة. ص42.
  15. د. جعفر شيخ إدريس، صراع الحضارات بين عولمة غربية وبعث إسلامي، مجلة البيان، ط1، 2013م. ص68.
  16. الشيخ علي الطنطاوي، ذكريات، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة ـ السعودية، ط3، 2001م، ج2. ص213.
  17. د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 3، مارس 1978م. ص79.
  18. د. عبد الكريم بكار، فصول في التفكير الموضوعي، منطلقات ومواقف، دار القلم، دمشق، ط3، 2000م. ص198.
  19. د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي. ص79، 80.
  20. المرجع نفسه. 80، 81.
  21. د. ماجد عرسان الكيلاني، التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند العربي المعاصر (بحث في الأصول السياسية للتربية والتعليم في الأقطار العربية)، دار القلم، دبي، الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2005م. ص165.
  22. سلمان فهد العودة، كيف نختلف، مؤسسة الإسلام اليوم الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1433 هـ ـ 2012م. ص123.
  23. المرجع نفسه. ص83.
  24. د. عبد الكريم بكار، عصرنا والعيش في زمانه الصعب، دار القلم، دمشق، ط1، 2000م. ص161
  25. د. عبد السلام مقبل المجيدي، لا إنكار في مسائل الخلاف، كتاب الأمة رقم (94)، الدوحةـ قطر، مايو 2003م. ص17، 18 من مقدمة عمر عبيد حسنة.
  26. د. محمد كمال الدين إمام، التعصب المذهبي – قراءة معرفية، مجلة المسلم المعاصر، العدد 123، بيروت – لبنان، 2007م. ص150.
  27. ياسر الغرباوي، الهروب من الحرب الأهلية ـ مصر نموذجاـ. ص233

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى